array(1) { [0]=> object(stdClass)#12251 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 178

النفط والسياسة المتوازنة لدول الخليج

الأربعاء، 28 أيلول/سبتمبر 2022

دول مجلس التعاون الخليجي التي حباها الله مخزونًا وفيرًا من النفط والغاز، تعاملت مع الوقود الأحفوري منذ اكتشافه في الربع الأول من القرن العشرين على إنه سلعة اقتصادية تساهم في التنمية بعيدًا عن تعقيدات السياسة ومتغيراتها، وأن النفط سلعة تستخدمها جميع الشعوب دون تفرقة بحسب الأيدولوجيات، أو الصراعات الدولية، وعلى هذا الأساس يصل النفط الخليجي لمن يطلبه في الشرق والغرب على السواء وفق معيار العرض والطلب، ومصلحة الدول المنتجة والمستهلكة معًا، انطلاقًا من مبادئ اساسية  لدى دول مجلس التعاون وهي ان مصالح الشعوب ثابتة، والمواقف السياسية والصراعات الدولية متغيرة.

ونجحت دول الخليج في تثبيت هذه السياسة منذ منتصف القرن العشرين وأثناء الحرب الباردة التي سادت العالم في ظل صراع القوتين العظميين في ذلك الوقت الولايات المتحدة، والاتحاد السوفيتي، حيث نأت دول الخليج بنفسها عن الاستقطاب الدولي، وانخرطت في صداقات وشراكات من أجل المصالح العليا لشعوبها، وبهدف تثبيت أمن واستقرار منطقة الخليج التي ظلت مستهدفة من دول الجوار الإقليمي لبسط نفوذها تارة، أو مدفوعة بأيدولوجيات الدول الكبرى تارة أخرى.

ولتحقيق هذه الأهداف شاركت دول مجلس التعاون في تأسيس وقيادة منظمة الدول المنتجة والمصدرة للبترول (أوبك) عام 1960م،  و في عام 2016م، شاركت المملكة العربية السعودية والدول المنتجة للبترول بكميات كبيرة مؤثرة في أسواق الطاقة العالمية من خارج منظمة "أوبك" في تحالف نفطي جديد المعروف بـ (أوبك+) لتحقيق هدف اقتصادي واضح وهو الحفاظ على مستويات الإنتاج بأسعار مناسبة دون هبوط يسبب خسائر ، أو ارتفاع يؤدي إلى  الإغراق حيث فرضت الحاجة وجود مثل هذا التكتل لكبح جماح الإنتاج والأسعار معًا ومن بين الدول المشاركة في هذا التحالف روسيا الدولة ذات الإنتاج الضخم الذي يتجاوز 10.7 مليون برميل يوميًا ودول أخرى منها: أذربيجان، كازخستان، البحرين، ماليزيا، المكسيك، السودان، وسلطنة عمان.

ولقد أدت الظروف العالمية السائدة حاليًا خاصة بعد نشوب الحرب الروسية ـ الأوكرانية في فبراير الماضي إلى أهمية وجود تحالف (أوبك +) حيث يمر سوق الطاقة العالمي بمنعطف هام يدعو إلى ترشيد قرارات الدول المنتجة من داخل وخارج "اوبك" لضمان استمرار الامدادات بأسعار معقولة، ودون خلل في العرض والطلب وذلك بضبط معادلة الإنتاج والتصدير.

والمملكة العربية السعودية متمسكة ببقاء "أوبك" و"أوبك+" من أجل استقرار الأسواق العالمية بغض النظر عن مواقف بعض الدول المعارضة للمنظمتين، لأن الهدف هو ضمان استمرار التدفق الآمن للنفط مع تحقيق هامش ربح معقول مناسب للمنتج والمستهلك، حيث أرادت المملكة ضبط طرفي المعادلة لتجنب شح السلعة أو إغراق الأسواق، وفي الوقت نفسه تدرك  المملكة احتياج دول الاتحاد الأوروبي للنفط والغاز بعد الحصار الذي فرضته العقوبات الدولية على إمدادات الطاقة الروسية المصدرة إلى أوروبا خاصة مع اقتراب دخول فصل الشتاء والبرودة في شمال الكرة الأرضية، مع ضرورة الوفاء بمتطلبات قطاعات الصناعة والزراعة وغيرها من أنشطة الاقتصاد الأوروبي، ولذلك زار زعماء الدول الغربية الكبرى المملكة العربية السعودية ومنطقة الخليج لبحث إمدادات الطاقة للغرب، حيث زار المملكة الرئيس الأمريكي بايدن واجتمع مع القيادة السعودية وقادة دول مجلس التعاون الخليجي ومصر والعراق والأردن في قمة "جدة للأمن والتنمية"  في 16ـ 17 يوليو الماضي، وكذلك زار المنطقة المستشار الألماني أولاف شولتس  خلال الفترة 24 ـ 25 سبتمبر الماضي للهدف نفسه ، بجانب قيادات غربية اخرى.

والمملكة ودول مجلس التعاون المنتج الرئيسي للنفط في العالم تعي أهمية دورها في استقرار أسواق الطاقة العالمية، وتدرك مدى تأثير إنتاجها على استقرار أسواق الطاقة، وتتفهم حاجة الدول المستهلكة للنفط، وتعمل على تلبية احتياجات هذه الدول خاصة الحاجة المتزايدة للصين والهند، وهي تقوم بذلك في إطار دورها المنسجم مع رؤيتها لأهمية النفط والغاز كأداة اقتصادية ومحرك رئيسي للتنمية في العالم ولاسيما للدول الصناعية الكبرى، وكذلك دورها المتفق مع سياستها الخارجية التي تلتزم الحياد الإيجابي دون الزج بنفسها في مواقف تفقدها هذا الحياد، كما أنها معنية بتحقيق خطط التنمية والرؤى الطموحة لديها ومنها رؤية 2030 في السعودية وبقية الدول الخليجية، ومن ثم تستخدم عائدات النفط في تنفيذ مراحل هذه الرؤية ومشاريعها، علمًا أن المملكة رسمت لنفسها سياسات عملية وطموحة برعاية سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، لخفض الاحتباس الحراري و نسبة الكربون بخطة لزراعة 10 مليارات شجرة، و تأهيل 40 مليون هكتار للحد من التلوث والانبعاثات وخفض درجة الحرارة، وفي مجال الطاقة لدى المملكة خطة طموحة للتحول نحو الطاقة الجديدة والمتجددة، وقد اعتمدت ميزانية ضخمة للتحول المتدرج نحو هذه الطاقة والتقليل من استخدام الوقود الأحفوري، وعلى سبيل المثال  أعلنت المملكة يوم الأحد الخامس والعشرين من سبتمبر الماضي عن طرح (5) مشروعات جديدة لإنتاج الكهرباء باستخدام الطاقة المتجددة، ضمن المرحلة الرابعة من مشروعات البرنامج الذي تشرف عليه وزارة الطاقة لإنتاج 3300 ميغاوط، ثلاثة مشروعات منها بطاقة الرياح، ومشروعان بالطاقة الشمسية، وهذه المشروعات تأتي في إطار البرنامج الوطني للطاقة المتجددة الذي يهدف إلى تحقيق مزيج من الطاقة المثلى لإنتاج الكهرباء في المملكة من مصادر الطاقة الجديدة والمتجددة وإلغاء الوقود السائل في إنتاج الكهرباء.

يتبقى ضرورة أن تنظر الدول الكبرى خاصة الغربية بموضوعية لمواقف الدول الخليجية المنتجة للنفط والغاز، بالتوازي مع احتياجات الدول المستهلكة في إطار خطط زمنية طويلة المدى، وفي إطار احتياجات التنمية المتبادلة وليس بنظرة أحادية، أو آنية عاجلة لتلبية احتياجاتها من الطاقة في وقت الأزمات السياسية والنزاعات الإقليمية والدولية، بمعزل عن احتياجات الدول الأخرى، أو مصالح  الدول المنتجة، أو استقرار أسواق الطاقة، وأمن إمداداتها، وهذا ما ندعو إليه أمريكا ودول الاتحاد الأوروبي، وعلى هذه الدول أن تدرك استقلالية القرار السعودي والخليجي الذي يراعي مصالح الشعوب في المقام الأول، وسياستها الخارجية الثابتة والمنسجمة مع مبادئها وثوابتها.

مقالات لنفس الكاتب