array(1) { [0]=> object(stdClass)#12151 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 179

بناء منظومة التسليح بأيدٍ وطنية وثلاثة أعمدة لبنائها: البشر والمال والزمن

الخميس، 27 تشرين1/أكتوير 2022

يمر العالم بمرحلة تاريخية حرجة، تُنبئ بمتغيرات حادة تعيد تشكيل التحالفات القائمة، ويلعب فيها الاقتصاد والتكنولوجيا أدواراً حاسمة، مع استمرار النزاعات العسكرية بين روسيا وأوكرانيا، مرورًا بجائحة كورونا والتغيرات المناخية. وفي ضوء ذلك أصبح أمن منطقة الخليج غاية مشروعة، وضرورة مُلِحَّة لحماية حدودها المترامية الأطراف، وثرواتها الطبيعية المُستهدَفَة من قِبَل الطامعين. يتسق مع هذا الفكر أن دول الخليج تعرضت بالفعل لهجمات غادرة أصابت منشآتها الاقتصادية، وهددت الممرات المائية المحيطة الناقلة لثرواتها، مما يستلزم تحركاً حثيثاً لتتوحد أهداف منطقة الخليج وما يجاورها من الدول، ويترابط الكلُّ ارتباطاً واعياً وثيقاً يُهَيِّئ مظلة أمنية يتحقق تحت حمايتها أقصى توظيف لإمكاناتهم البشرية والاقتصادية، وتنطلق قدراتهم التكنولوجية والدفاعية، وتتعزز قِيَمُهم الجيوسياسية.

نحو تشكيل منظومة دفاعية

تتمتع منطقة الخليج العربي وجوارها بمقوِّمات حقيقية، تستطيع البناء عليها لصالح أمنها ورفاهة مواطنيها. وتأسيس نموذج لمجتمع جديد متطور يقوم على تحالف أعضائه وينشد التقدم والسلام، وتشمل هذه المقوّمات ركائز وأبعاداً أمنية وسياسية واقتصادية. ففي البعد الأمني يسعى الكل إلى تعزيز قابلية التشغيل البيني للأنظمة الدفاعية للدول الأعضاء. وتقوم مراكز القدرات الإقليمية بتأمين المجالات البحرية والإلكترونية والجوية والصاروخية بالإضافة إلى أمن الحدود والحرب غير المتكافئة والقيادة والسيطرة. وتعتمد استراتيجية الدفاع الوطني على تناسق المفاهيم العملياتية وعناصر القوة والاتصالات ومشاركة المعلومات. ومن شأن برامج التدريب المشترك أن تُحفِّز الدول الأعضاء للاعتماد على بعضهم البعض في سد الثغرات الدفاعية الوطنية. وفي البعد السياسي يتضمن إطار العمل آليات الحوكمة والتزامات الدول الأعضاء فيما بينهم. كما أنه سيوفر للدول الأعضاء آلية لحل النزاعات وتنسيق العمل أثناء الأزمات الإقليمية. وفي البعد الاقتصادي سيعمل الأعضاء على تعزيز التجارة والاستثمار فيما بينهم. وتخطيط وتنسيق التنمية الاقتصادية الإقليمية وتكامل قطاع الطاقة. وسيقومون بضبط وتيرة الاستثمارات الأجنبية ومشروعات البنية التحتية سريعة النمو في المنطقة، لاسيما في قطاعات النفط والغاز والطاقة النووية. وسينظمون إحلال البدائل العربية مكان البرامج الخارجية.

لمحة تاريخية

كان الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما قد جمع للمرة الأولى قادة الدول الخليجية في كامب ديفيد، واتفقوا على عقد اجتماعات دورية بهدف العمل على خلق جبهة واحدة متحدة لمواجهة التحديات المشتركة سواء كانت صادرة عن إيران أو التنظيمات الإرهابية. ثم دعا الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب إلى مشروع تحالف الشرق الأوسط الاستراتيجي "ميسا" Middle East Strategic Alliance (MESA) أو "الناتو العربي" كما اصطلح على تسميته إعلاميًا، ويضم دول الخليج الست بالإضافة إلى مصر والأردن. وكان المُعلَن أن هدف هذا التحالف هو "التصدي للتوسع أو العدوان أو التهديدات الإيرانية"، بالإضافة إلى التهديدات الإرهابية المحيطة بالمنطقة بشكل عام. وبعد عام من تطبيع إسرائيل علاقاتها مع الإمارات والبحرين إثر اتفاقات أبراهام في 2020م، عقدت هذه الدول الثلاث والولايات المتحدة أول تدريبات بحرية مشتركة.

وفي القمة التي عقدت في مدينة جدة السعودية وجمعت الرئيس الأمريكي بايدن بقادة الدول الخليجية إضافة إلى مصر والأردن والعراق في يوليو/تموز الماضي قال البيان المشترك إن أعضاء مجلس التعاون الخليجي وواشنطن سيعززون "قدرات الردع المشتركة"، لكنهم لم يذكروا أي آلية للدفاع الجوي الإقليمي بما في ذلك إسرائيل. وأكد بايدن للقادة العرب أن بلاده ستبقى منخرطة بالكامل في الشرق الأوسط ولن تغادر وتترك فراغاً تملؤه الصين أو روسيا أو إيران، وأن الولايات المتحدة ملتزمة بضمان عدم حصول إيران على سلاح نووي. ويبدو أن الولايات المتحدة وإسرائيل تبالغان في تقدير استعداد الدول العربية للدخول علنًا إلى تحالف دفاعي مع إسرائيل قبل حل النزاع الفلسطيني. أكد وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان، "لا يوجد شيء اسمه ناتو عربي، وهذا غير مطروح، لكن طرحت المملكة العربية السعودية منذ نحو خمس سنوات تكوين منظومة دفاع عربي مشترك"، كما أشار إلى أنه ليس هناك حديث عن تحالف خليجي مع إسرائيل.

نوعية التسليح والتكنولوجيات الحرجة

بالدراسة المتأنية للتهديدات المحتملة، واستراتيجيات الدفاع، والتطور التكنولوجي المتسارع في نظم التسليح، يقتضي الأمر رؤية واعية لتأمين مستقبل المنطقة من خلال مظلة أمنية إقليمية. ومن حسن الحظ أن هناك بداياتٍ مُبَشِّرة في دول عربية، لتوطين صناعات عسكرية متقدمة. وبعد أن كان مسرح الحرب مقتصراً على البر والبحر والجو امتد إلى الفضاء وما يُدعى بالفضاء السيبراني. المسافات بين القارات تعبرها الصواريخ في ثوانيَ أو دقائق، ولا تُجدي معها وسائل الكشف الراداري لأنها تكون قد وصلت أهدافها بدقة عالية. وأصبحت الأساطيل المنتشرة في البحار والمحيطات معَرَّضةً للصواريخ فرط الصوتية، والتي يمكنها الطيران بسرعة تتراوح بين 5 و27 ضعفاً لسرعة الصوت وتحمل رؤوسًا حربية تقليدية أو نووية.

الروبوتات المُسَلَّحة أضحت بدائل عن الجنود في خوض معارك الأماكن البعيدة والخطرة. وتمثل الطائرات المُسَيَّرة مرحلة جديدة في ساحة المعركة إذ تنطلق إلى أهدافها فُرادَى أو أسرابًا ويصعب كشفها أو صدِّها. ولها قدرات تعيد صياغة كيفية خوض القتال من خلال إعطاء القادة والقوات صورة حية آنية لساحة المعركة. ومنها ما يُعَدُّ قاتلاً دقيقًا مثل القنَّاص يستهدف الخصوم في أي وقت وأي مكان دون تَوَقُّع.

والحرب الإلكترونية تهيئ فن تحديد مواقع قوات العدو من خلال الإشارات التي ترسلها ثم عزلها عن طريق التشويش على اتصالاتها. أما المجال الجديد الذي فُتح على مصراعيه فهو الحرب السيبرانية، وبدأت معالمها تظهر في التجسس والاستخبارات ونشر الأفكار والتدخل في إشارات التحكم والاتصالات. يشمل النشاط السيبراني شنَّ هجمات تخريبية لتقويض نسيج المجتمع، وتزوير الانتخابات، وسرقة البيانات الحساسة. وتتراوح الهجمات الإلكترونية بين تثبيت برامج تجسس على جهاز حاسوب شخصي وحتى محاولة تدمير البنية التحتية لدول بأكملها. ويُعَد الذكاء الاصطناعي أحد العوامل التي ستلعب دورًا رئيسيًا في الحروب المستقبلية، بتسريع عملية معالجة المعلومات واتخاذ القرار.

أما النشاط النووي المُوجَّه للأغراض السلمية فهو مشروع ومطلوب ولكن هناك من يحيد عن ذلك ويُوالي تخصيب اليورانيوم مستهدفاً الوصول إلى القنبلة النووية، ونسمع الآن عن القنابل النووية التكتيكية. وهناك جهود جدية لتوطين بعض هذه التكنولوجيات الحرجة، ويعكس الإنفاق العسكري مقترناً بعدد سكان دول المنطقة مدى الاهتمام بأمن الدفاع.

 

الإنفاق العسكري (بالبليون دولار أمريكي) وعدد السكان لدول المنطقة في 2022م

(معهد ستوكهولم لأبحاث السلام الدولي SIPRI)

الدولة

الإنفاق (بليون$)

عدد السكان

 

الدولة

الإنفاق (بليون$)

عدد السكان

السعودية

67.60

36,408,820

 

ليبيا

3.00

6,812,341

الإمارات

22.30

9,441,129

 

الأردن

2.60

11,285,869

إسرائيل

20.00

9,038,309

 

لبنان

2.50

5,489,739

إيران

19.60

88,550,570

 

السودان

2.47

46,874,204

تركيا

19.00

85,341,241

 

سوريا

1.80

22,125,249

الجزائر

13.00

44,903,225

 

العراق

1.73

44,496,122

مصر

11.20

110,990,103

 

البحرين

1.42

1,472,233

المغرب

10.00

37,457,971

 

اليمن

1.40

33,696,614

عمان

8.69

4,576,298

 

تونس

0.55

12,356,117

الكويت

6.83

4,268,873

 

جنوب السودان

0.08

10,913,164

قطر

6.00

2,695,122

القدرة على الردع

على الرغم من مأساة الحرب بين روسيا وأوكرانيا، فقد تم الحفاظ على الردع النووي المتبادل. وبدأ في الظهور مفهوم مستجِدٌّ بأن حيازة الأسلحة النووية ستمكن الدول من الدفاع عن مصالحها الأمنية. وروسيا ما زالت تراقب وتعمل وفق قواعد الردع النووي التي أُرسِيَت خلال حقبة الحرب الباردة. لذلك لا يمكن استبعاد أن هذا سيزيد من دافع الدول في الشرق الأوسط وأماكن أخرى للحصول على أسلحة نووية. إن إنشاء مظلة أمنية إقليمية ليس الغاية منه شن الحرب وتأجيج الصراعات، ولكن خلق نوع من التوازن مؤسس على الردع المتبادل، وهو دافع كاف لأي طرف للتفكير طويلاً قبل محاولة العدوان، لأنه سيتلقى ردًا سريعًا موجعًا من الطرف الآخر. صحيح أن التطور في التقنيات الحرجة المشار إليها آنفاً من شأنه أن يُلحق خسائر محدودة مقارنة بالجحيم النووي، ولكن فكرة الردع تظل في الحسبان. ومن هنا فإن المظلة الأمنية في المنطقة قوامها توطين تلك التقنيات، بالتعاون مع المصادر الموثوقة.

تأمين منابع الطاقة وخطوط الإمداد والملاحة

كشفت الهجمات على مُنشأتي بقيق وخُرَيص في 14 سبتمبر 2019م، التابعتين لشركة أرامكو – أكبر شركة لإنتاج النفط في السعودية-مما أدى إلى توقف كمية من إمدادات الزيت الخام تقدر بنحو 5.7 ملايين برميل يوميًا، عن أن منشآت الطاقة العربية في الخليج والبنية التحتية مُعرَّضة بشدة لهجمات مدمِّرة. كما كشفت عن عدم وجود خيارات عسكرية متاحة للدول العربية الخليجية لدعم موقفها في محاولة الحد من النفوذ الإيراني في المنطقة. تبحث المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة عن استراتيجية للتعامل مع أزمة اليمن، وعن سبل تخفيف التوترات مع إيران.

بالنسبة لتهديدات الأمن البحري لدول الخليج العربية، فمع احتدام الأزمات والصراعات الإقليمية، تظل المنشآت النفطية والممرات الاستراتيجية لنقل النفط هدفًا للجماعات الإرهابية المسلحة والدول التي ترعاها، مما يستدعي ضرورة وجود آليات جماعية لحماية أمن الطاقة في الخليج العربي. أعلنت الرياض الانضمام للتحالف الدولي لأمن وحماية الملاحة البحرية وضمان سلامة الممرات البحرية، الذي يهدف لمساندة الجهود الإقليمية والدولية لردع ومواجهة تهديدات الملاحة البحرية والتجارة العالمية، واستمرار تدفق إمدادات الطاقة للاقتصاد العالمي. وتمتلك السعودية أسطولاً بحريًا عسكريًا سيمثل أرضية مثالية للقطع الحربية الدولية لتأمين الملاحة البحرية في الخليج. ومع أن دول الخليج تواصل جهودها لمواجهة هذه التهديدات، من خلال التواجد في منطقة القرن الإفريقي، وتعزيز التعاون والشراكات مع الدول والمنظمات الدفاعية الكبرى، فما زالت هناك حاجة لتفعيل عدة آليات مثل توظيف التكنولوجيا العسكرية للتصدي لتهديدات الأمن البحري، ودعم القوات البحرية بالمعدات المتطورة التي تناسب التهديدات الراهنة، والتعاون البحري مع كافة القوى العربية المحورية، والدول والمنظمات الكبرى المعنية بأمن الخليج العربي.

الموقف من إيران وتركيا وإسرائيل

يعتقد عدد من الخبراء أن هناك ما يمكن وصفه بالرغبة في تصفير المشكلات في المنطقة، إذ حدث ذلك بين قطر والدول العربية، ويحدث حالياً بين عدة دول عربية وقوى إقليمية مثل تركيا التي بدأت علاقاتها تتحسن مع السعودية وتتَّجِهُ لتبريد -وليس تطبيع -العلاقات بين الدول الخليجية وإيران. ويمكن ملاحظة وجود الحراك العربي-العربي بهدف تصفير المشكلات داخلياً وإقليمياً، استضافت الدوحة جولة المحادثات غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، بهدف إحياء الاتفاق وكسر الجمود في الملف النووي الإيراني، وأمير قطر كان في القاهرة، والرئيس المصري كان في قطر، وهناك المفاوضات بين السعودية وإيران برعاية عراقية. كل ذلك يُشير إلى أن هناك إدراكًا عربيًا بأن الرهانات السابقة على القوى الغربية، وخاصة الولايات المتحدة، ربما لم تكن رهاناتٍ ناجحة، مما أنشأ تَوَجُّهاً مُختلفًا للتعامل مع المشكلات الإقليمية. في الواقع، يبدو أن العرب يأخذون مسلكاً آخر أقل عدائية تجاه إيران، وهي سياسة الاحتواء. بالطبع، سيتعين على طهران الرد بالمثل من خلال إجراء تغييرات ملموسة في سلوكها الإقليمي، خاصةً ما يُعرِّض المصالح العربية واهتمامات الأمن القومي للخطر. صدر تصريح وزير الخارجية الإيراني بأنه يرحب بإعادة تبادل فتح السفارات في كل من الرياض وطهران. وقال وزير الخارجية السعودي: يد المملكة ممدودة للوصول إلى علاقات طبيعية مع الجارة إيران. كذلك فإن مصر ترفض المشاركة في تحالف عسكري يستهدف إيران.

بعد عقد من التوتر، شهدت العلاقات بين تركيا والدول العربية الرائدة تطورات إيجابية كبيرة خلال العام الماضي، وفي حين أن ذلك هو انعكاس لاعتبارات اقتصادية في الأساس، فإن له أيضًا آثارًا جيواستراتيجية. فهو يعزز من فرصة استمرار التقارب الأخير بين إسرائيل وتركيا، لأنه يشجع أنقرة على اتخاذ موقف أكثر اعتدالًا بشأن القضايا الإقليمية التي تهم إسرائيل. إن قدرة الدول السنية على التحوط من المخاطر وإظهار البرجماتية في العلاقات بينها هي أساس مهم لقدرتها على التأثير في التطورات الإقليمية وإعادة رسم خريطة العلاقات. إن حقيقة كون الإمارات العربية المتحدة رائدة في تحسين العلاقات مع تركيا تشكل طريقاً للرياض والقاهرة.

يبدو أن الرئيس الأمريكي عاد من قمة جدة خالي الوفاض، بعد أن رسم القادة العرب استراتيجية محددة الملامح لما يمكن أن يسير عليه التعاون العربي-الأمريكي حيال قضايا الشرق الأوسط، وفي مقدمتها القضية الإيرانية. وقد أخفق في الحصول على التزامات بإنشاء محور أمني إقليمي يشمل إسرائيل أو زيادة إنتاج النفط بشكل فوري، وذلك بعد أن نفى وزير الخارجية السعودي مشاركة المملكة في أي محادثات حول إقامة تحالف دفاعي خليجي-إسرائيلي، وتأكيده بأن فتح السعودية مجالها الجوي أمام جميع شركات الطيران ليس له علاقة بإقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل وليس مقدمة لخطوات أخرى.

رؤية الدول الكبرى لمنظومة أمن إقليمية

تنظر الشعوب العربية بحذر إلى نوايا الولايات المتحدة تجاه المنطقة. فالولايات المتحدة تضع مصلحتها في المقام الأول، لضمان إمدادات النفط واستنزاف الموارد مقابل حماية عسكرية زائفة لم تُثبت جدواها ولم يُخفِ ترامب ذلك المطلب في زيارته للرياض. تبنَّت أمريكا سياسة الفوضى الخلاقة، ومَهَّدت لمساعي الربيع العربي، وَيَشهد التاريخ على أحداث ومواقف لم يتحقق فيها الأمن في ظل رعاية أمريكية. وبالإضافة إلى ذلك، فقد دعَّمت إسرائيل واعترفت بالقدس عاصمة لها، وتغافلت عن المستوطنات وتناست حقوق الفلسطينيين. وتطرح الولايات المتحدة الأمريكية مفهومًا لمشروع التحالف الاستراتيجي للشرق الأوسط بعدة طرق من شأنها أن تسمح بتقليص وجودها العسكري دون أن تفقد نفوذها في المنطقة. بالإضافة إلى جعل الدول العربية تستثمر أكثر في دفاعاتها، واستخدامها للرد على النفوذ الصيني والروسي المتنامي في المنطقة، بما في ذلك دعمهم لإيران. ويثار هنا التساؤل عما إذا هذا التحالف سينجح في بناء الأمن الإقليمي بدلاً من مجرد تأجيج سباق التسلح الإقليمي.

ترمي الولايات المتحدة إلى تقييد تزايد مشتريات الأسلحة في المنطقة من الدول الأوروبية، وبالأخص من روسيا والصين. وفي إطار تَبَنِّي سياسة تنويع مصادر السلاح، تعاونت المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة لتمويل مشتريات الأسلحة غير الأمريكية للجيوش العربية الأخرى. باعت الصين صواريخ باليستية وطائرات مُسَيَّرة مسلحة لدول الخليج. ويأتي التعاون الدفاعي والأمني للدول العربية مع روسيا في وقت يشمل الوجود العسكري والسياسي لروسيا في الشرق الأوسط حلفاء واشنطن التقليديين. جاءت خطوة الانفتاح على روسيا بعد أن شعرت السعودية أن الولايات المتحدة لا يمكن الاعتماد عليها بشكل تام لضمان أمنها، وأنها شريك لا يعتمد عليه دائماً، وأن روسيا باتت صاحبة وزن ودور أكبر في المنطقة وأن من المصلحة تعزيز التعاون معها.

تحديات وعقبات

تشير النقاط التالية إلى بعض التحفظات والتحديات المشتركة من قِبَل مجموعة من الدول المرشحة لتأسيس منظومة أمنية.

  • لا يتفق بعض الأعضاء العرب على أن إيران تمثل خطرًا وشيكًا، ولا يتفقون على طريقة مثلى للتعامل معها. ومنهم من لا يؤيد مشاركة القيام بعمل عسكري ضد إيران، ويفضل التعامل معها بدلاً من المواجهة.
  • تعكس الهياكل الأمنية الجماعية الحالية الرؤى العربية للأمن الجماعي، وتُظهر التقدم الذي أحرزته دول الخليج على مستوى العمليات البيني والقيادة الموحدة في إطار مجلس التعاون الخليجي. وتمثل هذه الآليات الجماعية الداخلية مدى استعداد دول مجلس التعاون الخليجي ومصر والأردن للمضي قدمًا في الدفاع الجماعي.
  • لا تزال الأنظمة العربية حذرة من الرأي العام المحلي، ويرى كثيرون أن هناك مشروعًا أمريكيًا لدفع الدول العربية إلى تحالف مع إسرائيل. يتسم الرأي العام العربي بحساسية خاصة تجاه التفاعلات العسكرية المتعلقة بالداخل العربي والإسلامي، كما أدت الصراعات الإقليمية إلى خلق عداء شعبي عميق للجانب الأمريكي الذي يُزكي هذه الصراعات.
  • في تصور بعض مراكز البحث أن الأمن في الخليج قد يتأثر بمستقبل أسعار النفط التي ستكون على مستوى معقول من الارتفاع، ولكنها لن تبقى مرتفعة، إذ تتجه دول الأطلسي إلى بدائل متعددة سريعة لمصادر الطاقة منها الطاقة النووية النظيفة، ومنها الطاقة المتجددة، ومنها مصادر أخرى في أماكن مختلفة في العالم.
  • إن عدداً من دول الخليج غنية ولكنها في ذات الوقت تفتقر إلى المساحات في الأرض والوجود البشري الكثيف. وفي حال أن يتم اختراق أي دولة منعزلة في الإقليم فسوف تنتقل عدوى ذلك الاختراق إلى الدول المجاورة بكل سوءاته.

تهيئة سبل النجاح

تُعتبر المظلة الأمنية سياجاً قويًّا لحماية أمن الخليج العرب، والاعتماد على الذات، وزيادة قدرته على المساهمة فعليًا في الأمن الإقليمي، بدلاً من مجرد دفع المزيد من عمليات شراء الأسلحة. ومن التوجهات المقترحة:

  • البناء على الجهود السابقة أو الحالية، ودعم الجهود الحالية لبناء آليات أمنية جماعية وهيكل دفاع صاروخي باليستي قابل للتشغيل المتبادل لدول مجلس التعاون الخليجي قبل الدعوة إلى تحالف عسكري جديد للدفاع الجماعي. على الجانب العسكري، يجب الاهتمام المتزايد بأمن البحر الأحمر والاستفادة من القيادة الدورية للدول العربية للعمليات المشتركة.
  • معالجة الأسباب المباشرة لانعدام الأمن العربي، ويجب أن يسبق حل الخلاف الخليجي أي محادثات حول إنشاء توافق إقليمي. وأن تلتزم جميع الدول بوقف تدخلها في الشؤون الداخلية لبعضها البعض. وتُعتبَر الإصلاحات السياسية والتعليمية والاجتماعية والاقتصادية هي المدخل لتحقيق الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط. يجب على جميع الأعضاء العرب أن يسهموا بفاعلية وحسم في تطوير المبادئ التأسيسية لإنشاء مظلة أمنية ونطاق عملها وأهدافها.
  • تحسين الثقة بين الدول العربية من جهة والدول الرئيسية الأخرى كالولايات المتحدة، وروسيا، والصين، والمملكة المتحدة، وفرنسا، والهند، وغيرها مع إنشاء علاقات متوازنة والتعاون معها في مجالات التطور التكنولوجي لبناء القدرات العسكرية المنشودة. وتجدر الإشارة إلى تنويع مصادر السلاح كمبدأ أساسي وأن تكون التعاقدات شاملة الصيانة والإصلاح والتدريب لضمان الفاعلية المطلوبة.
  • لا بد من إقامة صرح تكنولوجي لمقومات التسليح، يستفيد من تكامل القدرات والخبرات بين دول المنظومة، مع الاستعانة بالدعم الأجنبي بكل أشكاله. إن منظومة التسليح لابد أن تُبنى في الأساس على أيدٍ وطنية. فالأعمدة الثلاثة لبنائها هي البشر والمال والزمن. فالبشر بعقولهم وخبراتهم وعلمهم وتدريبهم وفكرهم يتحقق الابتكار والإنجاز. والمال يعني المصانع والأجهزة والمعامل والتواصل مع المؤسسات والمتخصصين في الداخل والخارج، في التجارب والأجزاء الحرجة. والزمن هو الوعاء الذي يتم فيه العمل من مرحلة الفكرة إلى الإنجاز، وهو يمتد بالطبع إلى سنوات من المتابعة والجهد.
  • من الحكمة أن تنشأ المظلة الأمنية من دول مجلس التعاون الخليجي إضافة إلى مصر والأردن، ويمكن بعد ذلك أن تمتد إلى شمال إفريقيا لتضم دولاً عربية أخرى من الإقليم. ويستدعي الكيان تكامله تأْسيسًا على الركائز الأمنية والسياسية والاقتصادية، كما يُوظِّف الإمكانات البشرية والمادية والعلمية من خلال برنامج طموح منفتح على الشرق والغرب، محدد الأهداف كأن يتهيَّأ بالجهود المحلية المتشاركة مثلاٌ إلى بناء مركبة لإطلاقها في الجو أو إلى الفضاء خلال العقد الحالي، وسيتواكب معها بالطبع طفرة في عناصر التسليح.

 

 

مقالات لنفس الكاتب