array(1) { [0]=> object(stdClass)#12151 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 179

الانخراط في التكتلات الإقليمية يرفع كفاءة الدولة في التصدي لتحديات الأمن والتنمية

الخميس، 27 تشرين1/أكتوير 2022

الدولة القومية الحديثة، هي أساس النظام الدولي والإقليمي، منذ نشأة الدولة القومية الحديثة، بموجب صلح وستفاليا (١٦٤٨م). والدولة القومية الحديثة، منذئذ، هي العضو الأساسي في أي تنظيم دولي رسمي، لا يتيح العضوية فيه إلا للدول المستقلة، ذات السيادة، المعترف بها من قبل أعضاء ومؤسسات أي تنظيمات إقليمية ودولية، تتوقف عضويتها حصرياً على الدول. قد تتيح المنظمات الدولية، تعاطفًا مع قضايا بعض الشعوب .. أو ما يقتضيه منطق السياسة أو الدولة، لبعض التنظيمات غير الرسمية بأن تُقبل كمراقب في المنظمات الإقليمية الدولية، الأمر الذي قد يوفر لتلك التنظيمات غير الرسمية، منبراً أممياً لعرض قضاياه السياسية، بل وحتى حضور جلسات تلك المؤسسات الدولية العلنية، بصفة مراقب[1]، إلا أنها لا تشارك في جلسات تلك المنظمات الدولية، من باب أولى: التصويت على قرارات أو المشاركة في تفعيل مخرجاتها.

 

المشاركة في المنظمات الدولية، لماذا…؟

 

من المعروف أن مجال السياسة الدولية، لا يندرج تحت سيادة الدولة العضو في النظام الدولي، مباشرةً، كما هو حال الأمر في ممارستها لسيادتها الكاملة، داخل إقليمها، استكمالاً لممارسة شعبها حق تقرير مصيره الكامل، وغير القابل للتصرف، باعتبار الدولة رمز الهوية الوطنية لشعبها، الضامن قانونها ومؤسساتها السيادية السياسية، لحقوق مواطنيها وحرياتهم (الطبيعية والمكتسبة). وبما أن مسرح الساحتين الإقليمية والدولية ليس بذلك الانضباط والاستقرار، اللذان تتمتعان بهما داخلياً أعضاؤهما من الدول، لعدم وجود قوة ملزمة قاهرة، على المستوى الإقليمي والدولي .. وعدم وجود قانون دولي يفرض نصوصه ومضمونه على أعضاء التنظيمات الإقليمية والدولية، ودائماً ما يكون حرص الدول الأعضاء وغيرتها على قيمة السيادة الوطنية، على ما عداها من مؤثرات خارج تلك السيادة، أحتاج الأمر لضمان الحد الأدنى من استقرار النظامين الإقليمي والدولي، إقامة مؤسسات إقليمية ودولية، لضبط سلوك الدول في البيئتين الإقليمية والدولية، لتعظيم استقرار النظام الدولي، والمساهمة في حفظ سلام العالم وأمنه.

 

بالإضافة إلى أن عضوية الدول للمنظمات الإقليمية والدولية، تسهل عملية خدمة مصالح الدول الأعضاء.. وتدعم الأمن القومي لهم. المعروف أن ساحة السياسة الدولية، ليست فقط خارج السيادة الوطنية للدول الأعضاء، بل تزخر بيئة السياسة الدولية بموارد وإمكانات ضخمة، لا تحفز فقط صراع أعضاء النظام الدولي عليها، حول ما تراه كل دولة، حسب إمكانات القوة الذاتية التي تمتلكها، بأنه نصيب مشروع لها، وإن أمكن تعظيم ذلك النصيب الذي تراه مشروعاً لها، مما يغذي حركة الصراع بين الدول حول تلك الموارد، فحسب… بل أن المشاركة في التنظيمات والتكتلات الإقليمية، من قبل الدول يسهل عملية مطالبة الدولة بما تراه نصيباً عادلاً في موارد النظامين الإقليمي بأعلى كفاءة ممكنة.. وأقل تكلفة محتملة.

 

من هنا تطور الجانب الافتراضي الآخر لقيمة التعاون الدولي والتكامل الإقليمي للدول الأعضاء على مسرح السياسة الدولية، كبديل أكثر عملية وأقل تكلفة وأجدر توقعاً بعوائده الأمنية والاقتصادية، من جعل مسرح السياسة الإقليمية والدولية مرتعاً خصباً لحركة الصراع الإقليمي والدولي على موارد النظامين الدولي والإقليمي، مما يقود في النهاية إلى استنزاف موارد الأعضاء الذاتية، وبالتبعية: صعوبة وارتفاع تكلفة رعاية مصالحها في البيئة الإقليمية الدولية، ودرء ما يمكن أن تواجهه من تحديات على أمنها القومي، من البيئة الخارجية، البعيدة كل البعد عن إمكانات وقدرات الدولة الذاتية.

 

لكن، في جميع الحالات، يجب أن يكون انضمام الدولة للمنظمات الدولية، انعكاساً لممارسة الدولة حقها الأصيل وغير القابل للتصرف، لسيادتها الوطنية، كما تراها مؤسسات حكومتها الوطنية، بل أن الدول عند طلبها عضوية التنظيمات الدولية والتكتلات الإقليمية، عادة ما تشترط أن تلك العضوية الأممية، يجب ألا تمس ممارسة الدولة العضو لسيادتها الوطنية على قرارها السياسي الوطني ولا على خيارات سياستها الخارجية في القضايا المثارة على الساحتين الإقليمية. عادةً ما تحترم العضوية في هذه المنظمات والتكتلات الإقليمية والأممية سيادة الدولة العضو، وتمتنع عن التدخل في شؤونها الداخلية.[2]

 

عوائد مشاركة الدولة في المنظمات والتكتلات الدولية

 

بعد أن أمنت الدولة عدم إضرار المشاركة في المنظمات الدولية والتكتلات الإقليمية بسيادتها الوطنية أو المساس بقرارها السياسي المستقل تجاه القضايا المثارة على الساحتين الإقليمية والدولية، فُتح الباب للدولة العضو في تلك المؤسسات الدولية، أن تخدم من خلالها رعاية مصالحها الوطنية ودعم جهودها في الذود عن أمنها القومي.

 

لا شك أن انضمام الدولة للمنظمات الدولية والتكتلات الإقليمية من شأنه مساعدة الدولة في مواجهة الصعاب التي تقف أمامها في خدمة مصالحها الوطنية والذود عن أمنها القومي. الدولة، أي دولة في العالم، مهما بلغ تقدمها وغناها ووفرة مواردها الطبيعية ومتانة اقتصادها ومنعة قوتها الاستراتيجية، إلا أن كل موارد الدولة تلك هي في الأساس محدودة، وقد لا تكفي الحدود الدنيا من متطلبات مواجهة تحديات البيئتين الإقليمية والدولية، التي تعمل فيهما، وحددتها الطبيعة الجغرافية لموقعها ومدى وفرة الموارد التي تمتلكها.

 

حتى لو هيئ لصانعي القرار في الدولة أنها تستطيع الاكتفاء الذاتي من مواردها الاقتصادية وقدراتها الأمنية، وتستطيع تبعاً لذلك أن تختار العزلة عن العالم الخارجي، فإن مثل ذلك القرار يُعدُ غير عقلاني وغير رشيد من الناحية السياسية والاقتصادية والأمنية. ثم أن بيئة مسرح السياسة الدولية، لا تسمح للدولة أن تنعزل عما يجري في العالم من حولها.

 

دولٌ عظمى وجدت نفسها مدفوعةً دفعاً للانخراط في بحر السياسة الدولية المتلاطم الأمواج والمتقلب الأنواء، لأنها ببساطة لن تقوى، من الناحية الاستراتيجية، مقاومة لا تحديات ولا إغراءات البيئتين الإقليمية والدولية. الولايات المتحدة، على سبيل المثال: لم تستطع تجاهل حربين عالميتين أندلعتا بعيداً عن حدودها ومناطق نفوذها الحيوي في العالم الجديد، وما لبثت أن تدخلت في تلكما الحربين، رغم دعوات العزلة القوية في الداخل. كما أن الولايات المتحدة، لم تترك ساحات تلكما الحربين، خاصة الحرب العالمية الثانية، لتعود إلى عزلتها التقليدية. من أهم دوافع تدخل الولايات المتحدة في حركة السياسة الدولية، بعد الحرب الكونية الثانية وإلى الآن، شعور صانعي السياسة الخارجية في واشنطن، إن أمن الولايات المتحدة، يعتمد أساسًا ليس على قوتها الاستراتيجية الضاربة ولا على اقتصادها القوي، بقدر ما يعتمد أساساً على استقرار النظام الدولي الجديد (نظام الأمم المتحدة)، التي أرست قواعده في مدينة سان فرانسيسكو، أثناء لفظ الحرب العالمية الثانية أنفاسها الأخيرة (٢٥ أبريل – ٢٦ يونيو ١٩٤٥م).

 

هذا فيما يخص الدول العظمى، فمن باب أولى أن ينطبق على الدول الأخرى سواء كانت عظمى أم صغرى، قوية أم ضعيفة، غنية أم فقيرة، متقدمة أم متخلفة، مستقرة أم مضطربة…الخ. بل أن الدول الصغيرة والفقيرة والضعيفة، تكون أشد حاجة وأكثر تحفيزاً وأكثر اندفاعاً من الدول العظمى، لتصبح أكثر ميلاً للانخراط في المنظمات الدولية والتكتلات الإقليمية، لدرجة أنها كثيراً ما تلجأ للمساومة على قيمة السيادة الرفيعة، لتحصل على مساعدة ودعم وتأييد وتعاطف البيئتين الإقليمية والدولية، مع قضاياها الأمنية وحاجاتها التنموية.

 

كثيراً من دول العالم الفقيرة والضعيفة وغير المستقرة، لا تكفيها مواردها الشحيحة من دفع متطلبات التنمية بها ودفع نفقات أمن نظامها الداخلي، ولا حماية أمنها القومي، لكثرة المتربصين بها من داخل الإقليم أو الذين يحتاجون إلى دعمها السياسي وترويج خدمة مصالحهم وأيلوجياتهم، على المستوى القاري، من الدول الكبرى ذات النفوذ الدولي الواسع.

 

ثم أن بعض الدول، حتى الكبرى منها، تعجز عن الوفاء بالتزامات استقرارها الداخلي ووضعها الإقليمي، دون الحصول على دعم وتعاطف إقليمي ودولي، لقضاياها على مسرح السياسة الدولية. لذا نرى هذه الدول إما تدعو إلى إنشاء كيانات إقليمية تكاملية، استراتيجية أو تنموية .. أو تقدم على عضوية هذه التكتلات الإقليمية الاستراتيجية أو التنموية.

 

الولايات المتحدة، مثلاً: كانت وراء إنشاء حلف شمال الأطلسي بعد الحرب العالمية الثانية، ليس فقط من أجل تَزّعُمُ ما يسمى بالعالم الحر، بل أيضاً لأسباب استراتيجية لها علاقة بأمنها القومي ومصالحها الوطنية العليا. كان هم الولايات في عهد الحرب الباردة تحييد قوة عظمى فتية (الاتحاد السوفيتي) أبدت حماساً مندفعاً للمشاركة في تقاسم مكانة الهيمنة الكونية معها. كما أن الولايات خشيت من انتشار الأيدلوجية الشيوعية، فسعت عن طريق التكتلات الإقليمية والعلاقات القوية مع الكثير من دول العالم لإنجاح استراتيجية الاحتواء في مواجهة المد السوفيتي حول العالم، ونشر الأيدلوجية الشيوعية بين دول العالم الثالث. في مرحلة المواجهة القطبية غير التقليدية، سعت الولايات المتحدة لإقامة قواعد عسكرية تقليدية ونووية في دول بالعالم القديم، مثل تركيا، وكوريا الجنوبية، وتايوان، واليابان. كما كانت أشد حساسية من اقتراب النفوذ السوفياتي من مجالها الحيوي في العالم الجديد، عندما كادت أن تعرض العالم لحرب عالمية ثالثة بسبب أزمة الصواريخ الكوبية (١٤ – ٢٨ أكتوبر ١٩٦٢م).

 

دول العالم الثالث، أشد حاجة لدعم الدول القوية والغنية، لحماية أمنها القومي والمساعدة للتغلب على تحديات التنمية بها. لذا فإنها تلجأ إلى الدول الغنية والقوية من أجل تحقيق هذين المطلبين، أو تلجأ للتكتلات الإقليمية، لمواجهة تحديات الأمن والتنمية. جامعة الدول العربية أسست من أجل مواجهة قيام إسرائيل في المنطقة على أرض فلسطين العربية، قبل أن يُعلن عن قيام إسرائيل، نفسها. بالإضافة إلى حرص العرب على إقامة تكامل اقتصادي بين أعضاء الجامعة، من خلال تأسيس منظمات إقليمية متخصصة، اقتصادية واجتماعية وأمنية وتنموية وسياسية. مجلس التعاون لدول الخليج العربية، نشأ (٢٥ مايو 1981م) لضرورات إقليمية أمنية، بعد اندلاع الحرب العراقية / الإيرانية (٢٢ سبتمبر ١٩٨٠م)، وإن كان من مسماه وعنوانه، يدل على أنه منظمة اقتصادية تكاملية، مثل الاتحاد الأوروبي.

 

تحديات عضوية المنظمات الدولية والتكتلات الإقليمية

 

رغم إن إغراءات إنضمام الدول للمنظمات الدولية والتكتلات الإقليمية كثيرة وأحياناً ضاغطة، إلا أنه لا يمكن تجاهل تأثيراتها السلبية على أعلى قيمة تعتز بها الدولة القومية الحديثة وأرفعها مكانةً لصلتها الوثيقة بالهوية الوطنية للدولة، لدرجة كونها الغاية السامية الأكثر رفعةً، في إقامة الدولة، نفسها.

 

لا يوجد في الوقت الحاضر تطبيق قانوني تقليدي صارم لمفهوم سيادة الدولة. لذا فإن تعريف قيمة السيادة، يعود لتفسير مؤسسات الدولة الرسمية ورموزها (حكومتها) لتحديد معنى السيادة، من الناحية السياسية والقانونية والدستورية. في ظاهره قد تبدو إقامة قواعد عسكرية في الدولة خرقاً للسيادة، على الأقل من منظورها القانوني التقليدي، لكنه من الناحية السياسية، قد لا ينظر إليه مثل هذه النظرة الاصطلاحية الصارمة.

 

هناك قواعد عسكرية أمريكية، وروسية وصينية، منتشرة بطول العالم وعرضه، حتى في دول عظمى قوية وتمتلك رادع استراتيجي غير تقليدي، بالذات نووي. وهناك دول، في منطقتنا، خاصةً بين دول الخليج العربية، بها قواعد عسكرية أجنبية، دولية وإقليمية. وهناك دول، قَصُرَت إمكاناتها الدفاعية الذاتية، من مواجهة تحديات أمنية إقليمية هددت أمنها القومي، بل أن بعضها كادت أن تفقد هويتها الوطنية واستقلالها، من قبل اعتداءات أو التهديد باعتداءات إقليمية أو دولية، أضطرتها لطلب مساعدة ونجدة دول أخرى للتغلب على مثل هذه التهديدات الخطيرة، وإلا أنها ستواجه بتحديات مصيرية تنال من وجودها، نفسه.

 

لكن ليست المشكلة في إقامة المنظمات الدولية ولا التكتلات الإقليمية، لكن المشكلة في تفعيل الكيانات التكاملية، الإقليمية والدولية .. وقياس نجاحها، بإرادة أعضائها في تفعيلها. أين جامعة الدول من التزام أعضائها بميثاقها، حتى فيما يخص الدافع الأساس في قيامها. لقد فشل العرب من خلال جامعتهم أن يحُولوا دون قيام إسرائيل، حتى وصل بهم الحال، بعد أكثر من سبعة عقود من تأسيس الجامعة العربية، ليس فقط القبول بواقع وجود إسرائيل، بالرغم من خطر ذلك الوجود على العرب، بل أنتهى الأمر بالهرولة زرافاةٍ ووحدانَ، ليس فقط الاعتراف بواقع إسرائيل، بل التطبيع معها.

 

دعك من الحديث عن مشاريع التكامل الاقتصادي البيني بين الدول العربية. فكما فشلت معاهدة الدفاع المشترك، فشلت مظلة جامعة الدول العربية في مشاريع التكامل الاقتصادية، وفقاً لمعاهدة التعاون الاقتصادي العربي، وإن كانت كلا المعاهدتين وقعتا وصدق عليهما من الدول الأعضاء، منذ ما يقرب من ثلاثة أرباع القرن، بالضبط في: ١٨ يونيو ١٩٥٠م، أين مشاريع تكاملية اقتصادية عربية، في ظل جامعة الدول العربية، مثل: السوق العربية المشتركة والعملة العربية الموحدة واتفاقية التعرفة الجمركية الموحدة، وغيرها من الاتفاقات التكاملية التنموية والاقتصادية، التي أهتم بها العرب قبل أن تهتم بها شعوب الأرض الأخرى. لنقارن فقط بين التجربة التكاملية الأوروبية، التي بدأت بعد إنشاء العرب للجامعة العربية، لينتهي بوجود منظمة إقليمية فوق أممية ( Supranational Organization ) تسمى الآن الاتحاد الأوروبي تضم أكثر من  ٢٧ دولة، تفوق صلاحياتها وسلطتها في قضايا استراتيجية، ذات صلة بقضايا الأمن والتكامل الاقتصادي وحقوق الإنسان والدفاع، سلطات الدول الأعضاء أنفسهم.

 

لكن، رغم تحديات تفعيل التكتلات الإقليمية، تظل التجربة من الناحية الفلسفية والمؤسساتية والسياسية، من أهم مبررات التمسك بخيار التكامل الإقليمي، رغم فقدان، كثير، الإرادة الحقيقية الفاعلة للدول الأعضاء في تفعيل العمل التعاوني المشترك، بل وحتى الالتزام بالحد الأدنى من شروط التكامل الإقليمي، التي تتوقف استمرارية المنظمات الإقليمية والدولية، على الالتزام بها. جامعة الدول العربية، على سبيل المثال: تعاني من نقص الموارد اللازمة للإبقاء على مؤسسة الجامعة، حتى من الناحية الشكلية التي هي عليها الآن، نتيجة لعدم التزام معظم أعضائها بدفع أنصبتهم المالية في ميزانية الجامعة. لولا التزام دول بعينها بالتزاماتهم المالية لجامعة الدول، بل حتى تغطية بعض العجز في ميزانيتها، لكانت الجامعة العربية، لم يبق منها إلا مبناها خالياً في ميدان التحرير بالقاهرة. تأتي كلٌ من المملكة العربية السعودية ومصر في مقدمة أكثر الدول العربية حرصًا والتزاما بدعم الجامعة وتغطية معظم تكلفة تفعيل أمانتها العامة ومنظماتها المتخصصة. 

 

أحياناً تتغلب رؤية مؤسسات الدولة الرسمية، تجاه قضايا استراتيجية من أجلها أسست مؤسسات التكامل الإقليمي أو التعاون الدولي، مبررات التمسك بالتزامات وشروط العضوية في تلك المنظمات الدولية والتكتلات الإقليمية. فرنسا، على سبيل المثال خرجت من عضوية معاهدة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، في عهد الرئيس الفرنسي السابق شارل ديجول (١٨٩٠ – ١٩٧٠م) عام ١٩٦٦م، وإن كانت عادت إليه عام ٢٠٠٩م، بريطانيا خرجت من عضوية الاتحاد الأوروبي يناير ٢٠٢١م، بعد أن صوت الشعب البريطاني على الخروج من عضوية الاتحاد في استفتاء جرى في: ٢٣ يونيو ٢٠١٦م، وكان أول أمر رئاسي وقعه الرئيس ترامب في أول يوم له في البيت هو خروج الولايات المتحدة من منظمة اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادي، التي تأسست في فبراير ٢٠١٦م، وكان أن تضررت ١١ دولة تطل على المحيط الهادي من خروج أمريكا من تلك الاتفاقية الدولية. كما حاول الرئيس ترامب الخروج من اتفاقية التجارة الحرة بين دول أمريكا الشمالية (نافتا)، إلا أن الكونجرس اعترض على ذلك.

 

استمرارية الالتزام بعضوية المنظمات الدولية والتكتلات الإقليمية لا تعتمد على إرادة الدول الأعضاء لإبقاء الالتزام بها أو الخروج منها على مراسيم أو نصوص خاصة مضادة لوقف الالتزام بها أو الخروج منها. إذ للدولة العضو أن تبقي على التزامها القانوني والسياسي باتفاقية دولية أو عضوية تكتل إقليمي معين، إلا أنها قد تلجأ إلى التوقيع على معاهدة جديدة مع طرف دولي آخر، تنهي فعلياً التزامها الفعلي بعضوية تكتل إقليمي ما، دون ما حاجة الإعلان عن خروجها أو عدم التزامها بتلك الاتفاقية، بصورة رسمية. مصر، على سبيل المثال ألغت، فعلياً، التزامها بمعاهدة الدفاع العربي المشترك (١٨ يونيو ١٩٥٠م)، بموجب ميثاق جامعة الدول العربية، عندما وقعت معاهدة السلام مع إسرائيل (٢٦ مارس ١٩٧٩م)، حيث نصت على أسبقية معاهدة السلام مع إسرائيل على أي التزامات أمنية كانت مصر قد وقعتها مع أي أطراف دولية أخرى، وكان المقصود، بالطبع بهذه المادة في معاهدة السلام المصرية ـ الإسرائيلية، معاهدة الدفاع العربي المشترك.

 

خاتمة: السيادة في مواجهة إغراءات وتحديات العضوية الدولية والإقليمية

 

الدول لديها غيرة وحساسية شديدة تجاه قيمة السيادة الوطنية. لكن السيادة لم تعد كما عرفها جان بوزان (١٥٣٠ – ١٥٩٦م)، بأنها تتطلب دولة مركزية قوية، امتداد لسلطة الملك، التي تكون مطلقة ودائمة ولا يمكن المساومة عليها أو التنازل عنها أو التهاون بها، وإلا تزول شرعية الدولة نفسها. مصطلح قانوني تقليدي صارم، لا يتناسب مع واقع ومتطلبات الدولة القومية الحديثة، بالذات في الوقت الحاضر.

 

صحيح أن السيادة، هي القيمة العليا الأكثر رفعة في الدولة، ولا تستقيم غاية وجود الدولة، إلا بالتمسك بالسيادة رمزاً لاستقلال الدولة وشرعية الحكومة، تأكيداً لممارسة الشعب حقه في تقرير المصير، بتأكيد سيادة إرادته الحرة. لكن لا يمكن تطبيق هذا التعريف القانوني الصارم على مجتمعات الدول الحديثة، سياسياً: تعرف السيادة بأنها قيمة دستورية وسياسية عليا يُترك لحكومة الدولة العصرية تقدير وزنها ومكانتها ومتطلبات التمسك بها وتفسيرها، وفقاً للمصلحة العليا للدولة ومستلزمات الحفاظ على مقومات أمنها القومي، طالما أن الحكومة الوطنية تعكس الإرادة الحرة لمواطنيها.

 

الدول المعاصرة، وفقاً لهذا الاقتراب الحديث من معنى السيادة وقيمتها السياسية، قد تتخذ من إجراءات في محيط حركة سياستها الخارجية وعلاقتها مع الأطراف الدولية، ما يبدو للوهلة الأولى، على أنه مساومة على السيادة الوطنية، التي هي مكَلّفَةٌ سياسياً ودستورياً بعدم التفريط فيها أو المساومة عليها.

 

لكن الدول، في حقيقة الأمر، لا تعيش في معزلٍ عن محيطها الإقليمي والدولي الخارجي. هناك اهتمامات استراتيجية عليا في محيط البيئة الخارجية التي تتفاعل معه سياسة الدولة الخارجية، يتطلب النظر بعقلانية ورشد عن تعظيم مصالح الدولة الخارجية فيها، بما يخدم أمنها والمساعدة في التغلب على تحديات التنمية والاستقرار الداخلي. العضوية في المنظمات الدولية والتكتلات الإقليمية، بالرغم ما قد يبدو للوهلة الأولى أنه بداية الطريق لمساومة الدولة على سيادتها الوطنية، إلا أنه في حقيقة الأمر تأكيدٌ لهذه السيادة وتفعيلٌ حقيقيٌ لممارستها وانعكاس جدي لشرعية التمسك بها. كما أن العضوية في المنظمات الدولية والتكتلات الإقليمية، لا تتعارض حتى من الناحية القانونية مع مبدأ السيادة. جميع المنظمات الدولية والتكتلات الإقليمية تقر بمبدأ سيادة الدول .. وتعتبر إن التقدم بطلب عضوية الدولة لها إنما هو ممارسة فعلية لسيادتها الوطنية، كما تعكسه إرادة حكومتها الوطنية بإبداء رغبتها الحرة في الانضمام. كما أنه في حالة الانضمام للمنظمات الدولية والتكتلات الإقليمية، يتوقف الالتزام بمتطلبات العضوية، بإرادة الدولة في ذلك.  وكما أن الانضمام للمنظمات الدولية والتكتلات الإقليمية، عملٌ من أعمال سيادة الدولة، فإن الاستمرار في العضوية والالتزام بمتطلباتها، كما الخروج من العضوية، هو أيضاً من أعمال السيادة المكفولة للدولة العضو، في المنظمة الدولية أو التكتل الإقليمي.

 

دائماً ما يترك لتقدير الدولة، عند طلب انضمامها أو مواصلة استمرارها أو خروجها من المنظمات الدولية والتكتلات الإقليمية، على أنه من أعمال السيادة. وفي كل الأحوال: ما يدفع الدولة لطلب عضوية منظمة دولية أو تكتل إقليمي، إنما هي الرغبة في خدمة مصالحها والذود عن أمنها القومي، في محيط حركة سياستها الخارجية، حيث لا سلطة مركزية قوية ولا قانون دولي ملزم، إلا ما تستطيع الدولة أن توفره بإمكاناتها الذاتية، أو بمساعدة أطراف دولية تلتقي مصالحها المشتركة من العضو الدولي الجديد ومصالح بقية الأعضاء الدوليين.

 

فالهدف الأساس لإقدام الدول على العضوية في المنظمات الدولية والتكتلات الإقليمية، هو خدمة مصالحها الوطنية والذود عن أمنها القومي، مع تقدير حكومتها الوطنية ومؤسسات صناعة القرار بها، للفائدة الاستراتيجية التي من المحتمل الحصول عليها من وراء هذه العضوية، حيث يتوقف الاستمرار فيها بمدى تقدير الدولة نفسها من جدارة الاستمرار في هذه العضوية الإقليمية والدولية، مَنْ عدمه.

 

هناك فوائد كثيرة تجنيها الدول من العضوية في المنظمات الدولية والتكتلات الإقليمية، باتباعها سياسة خارجية تداخلية، تنظم علاقتها مع أطراف النظام الدولي الأخرى، عوضاً عن التمسك بسياسة انعزالية، لا يمكن أن تتكفل مواردها المحلية، مهما بلغت من الغنى والوفرة والتقدم والمنعة، بكل مسؤوليات الأمن وتكاليف برامج التنمية الباهظة. كما أنه حتى في حالة توفر الموارد الضخمة والإمكانات الاستراتيجية الكافية، إلا أن السياسة الخارجية الفعالة والكفوء تقتضي إدارة رشيدة لموارد الدولة، وتعظيمها عن طريق السعي لتعظيمها بمحاولة الحصول على نصيب الدولة من النظامين الإقليمي والدولي، ولا تتركهما يرتع فيهما من يمكن أن يكون عدواً لها أو خصماً، أوحتى صديقًا لها أو شقيقًا. منطق الدولة، دائماً ما يتحكم في سلوك الدولة الخارجي، لخدمة مصالحها الوطنية وأمنها القومي.

 

في كل الأحوال: لا يجب على الدولة أن تتبع سياسة انعزالية، تحول بينها والانخراط النشط في بيئة النظام الدولي الخارجية، بدعوى الحرص المفرط بحساسية متزمتة لمفهوم السيادة الوطنية، الجامد المتخشب. مهما كانت تحديات الانخراط النشط في فعاليات النظامين الدولي والإقليمي، فإن عوائد مثل ذلك الانخراط التداخلي النشط، من شأنه أن يرفع كفاءة الدولة في التصدي لتحديات الأمن والتنمية لمجتمعها .. ويصب في استقرار نظامها السياسي، ويسهم في تقوية وتأكيد شرعيته.

 

[1] - صفة المراقب الدائم لا يوجد نصٌ بها في ميثاق الأمم المتحدة، إلا أنها تعتبر عرفاً أخذت به الممارسة في المنظمة الدولية. لعلّ من أشهر حالات عضوية المراقب الدائم ما اتخذته الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها التاسعة والعشرين، نوفمبر ١٩٧٤م، من دعوة منظمة التحرير الفلسطينية لشغل منصب فلسطين كمراقب دائم في الأمم المتحدة، بوصف المنظمة هي الممثل الوحيد للشعب الفلسظيني. هذا تطور بعد ثمانية وثلاثين عام إلى تمتع دولة فلسطين بالعضوية الدائمة في منظمة الأمم في دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة السابعة والستين نوفمبر ٢٠١٢م.

[2]  - انظر: الفقرتين الأولى والسابعة من المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة.

مقالات لنفس الكاتب