array(1) { [0]=> object(stdClass)#12251 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 180

عضوية السعودية والامارات في "شنغهاي" لتكافؤ النفوذ الخليجي مع إيران

الثلاثاء، 29 تشرين2/نوفمبر 2022

يوشك عام 2022م على الانتهاء، وسط توقعات بأن يضرب الركود غالبية الاقتصادات الغربية، فضلاً عن تزايد التوترات الجيوسياسية بين الغرب وروسيا، والصين والغرب، والذي يتزامن مع إعادة تقويم العلاقات بين القوى الغربية ودول الخليج، وبين دول المنطقة، لنجد أنفسنا في خضم مرحلة جديدة تشهد اختلالاً في النظام العالمي، معيدة إلى الأذهان نهايات عام 2008م، حينما عصفت الأزمة المالية الطاحنة بالاقتصاد العالمي. وفي كنف واحدة من أسوأ الأزمات المالية التي عايشها العالم منذ 8 عقود خرجت اتفاقية التجارة بين مجلس التعاون الخليجي وسنغافورة في ديسمبر من العام ذاته، كنسمة هواء عليلة. فيما تولدت بعض الآمال بأن تمهد الاتفاقيات التي تمت بين مراكز قوى صناديق الثروة السيادية الطريق لمزيد من التعاون، بما يشمل ذلك التوسع المحتمل لاتفاقية التجارة الحرة بين دول الخليج وسنغافورة لتضم دول جنوب شرق آسيا (آسيان). إلا أن ذلك لم يتحقق حتى الآن.

 

من ثم قد تمثل المعطيات العالمية الراهنة، التي تشبه في كثير منها نهايات عام 2008م، لحظة مناسبة كي يتم إعادة التفكير في توسيع العلاقات بين دول مجلس التعاون الخليجي ورابطة آسيان البالغ قوامها عشر دول، سواء كان ذلك على مستوى العلاقات الثنائية بين الدول الأعضاء، أو بين الكتلتين بشكل عام، أو حتى على مستوى ترتيبات مُصغرة بين عدد قليل من الدول الأعضاء. كذلك من الممكن أن يتم استنساخ التجربة ذاتها بين دول المجلس، ومنظمة شنغهاي للتعاون، أو حتى عدد من أعضائها. وإذ ما أطلقنا العنان لخيالنا في عصر لا يعد ذلك محتملا، هل يمكننا حتى التفكير في آلية تعاون ثلاثية غير رسمية تجمع بين الكيانات الثلاثة أو بين أعضائها. وبينما قد يبدو في البداية أن هذا الطرح يفترض وجود رابط لا أساس له بين الكيانات الثلاثة، إلا أنه يعكس ولو درجة بسيطة من الواقع، إذا ما اعتبرنا الصين ذلك الرابط المشترك والمؤثر بين مجلس التعاون الخليجي، ورابطة آسيان، ومنظمة شنغهاي، مثلما تشكل الولايات المتحدة رابطًا مؤثرًا على العلاقات بين دول مجلس التعاون الخليجي ورابطة آسيان.

 

كما أن التحالف مع التكتلات يعد ساحة مهمة للتنافس بين القوى العظمى، جالباً معه منافع عديدة للدول المشاركة. لاسيما مع احتدام المنافسة العالمية بين الولايات المتحدة والصين من جهة، وبين واشنطن وموسكو من جهة أخرى، بما يشمل ذلك الضغط على الدول الأخرى من أجل الانحياز إلى أحد الفريقين، وهو ما يعارضه بعض بلدان التكتلات الثلاثة، التي ترغب في البقاء على الحياد والسعي عوضًا عن ذلك إلى إجراء تحالفات متعددة المحاور بهدف تدعيم استقلالها الاستراتيجي في عالم متعدد الشبكات. ثمة رغبة أيضًا لدى هذه الدول بألا تقف موقف المتفرج لتشاهد القوى العظمى تصدم، بل أن تسعى من أجل إيجاد حلولاً إقليمية للأزمات الإقليمية والعالمية الراهنة عبر التشجيع على الاستثمارات العابرة للإقليم في مجالات العلوم، والاقتصاد، والسياسة، والنواحي الأمنية، في ظل إيمانها بأن البراعة العسكرية وحدها لا تكفي لتحديد مدى قوة ونفوذ الدول، بل من خلال ما هو أهم مثل: التطور التكنولوجي، توافر رؤوس الأموال، تحسين الربط والاتصال، تعزيز سبل التجارة والأسواق، ودعم التعاون بشكل عام.  وتتيح ديناميات عمل التكتلات الثلاثة العديد من الفرص من أجل تعاون خارج الصندوق على مستوى مجالات مختلفة، نفطية كانت أو غير نفطية، وذلك في ظل مساعيها الرامية إلى تنويع مصادر الاقتصاد. وقد انعكس ذلك بشكل واضح خلال الاجتماعات الثلاث الأخيرة على الأقل، التي تضمنت مشاركة هذه التكتلات أو عددًا من أعضائها على مدار الأشهر القليلة الماضي.

 

التركيز على التعاون الاقتصادي

 

أولا، "إعلان سمرقند" الصادر عن القمة السنوية لمنظمة شنغهاي، التي عقدت بمدينة سمرقند في أوزبكستان خلال سبتمبر الماضي والتي شهدت أيضًا اعتماد 40 وثيقة، وهو أعلى رقم يسجل منذ تأسيس المنظمة. وبرغم من تشكك البعض في نتائج القمة، إلا أن منظمة شنغهاي للتعاون ككيان أظهرت إمكانية أن يكون هناك مستقبلا لمنطقة أوراسيا، التي تغطي نحو 45 % من إجمالي تعداد سكان العالم.

كما ناقشت القمة الأخيرة فكرة إقامة "الشراكة الأوراسية الكبرى" التي تجمع بين أعضاء منظمة شنغهاي، والاتحاد الاقتصادي الأوراسي -وهو تكتل يضم بعض الدول الناشئة خلال فترة ما بعد الاتحاد السوفيتي-إلى جانب رابطة الآسيان، وكيانات أخرى. كذلك تم التوقيع على "مفهوم للتعاون في تطوير الترابط، وإقامة ممرات للنقل ذات كفاءة اقتصادية" إلى جانب إنشاء مجموعات عمل خاصة حول الشركات الناشئة والابتكار"، وأخرى حول مكافحة الفقر، وإنشاء مجموعة عمل خاصة بطرق الطب التقليدية.

 كما أكد بيان القمة على أهمية العمل من أجل تحسين هيكل الحوكمة الاقتصادية العالمية، وإعلاء الشفافية والانفتاح في نظم التجارة دون اتخاذ إجراءات حمائية، أو تطبيق أحادي الجانب للعقوبات الاقتصادية. بالإضافة إلى ذلك، تم اعتماد بيانات مشتركة حول تغير المناخ، والأمن الغذائي، وأمن الطاقة، وإصدار بيان حول الحفاظ على سلاسل التوريد الدولية التي تتمتع بموثوقية.

ويمثل هذا التحول للتركيز على التعاون الاقتصادي بدلا من الاكتفاء بمناقشة القضايا الأمنية فقط عامل جذب لدول مجلس التعاون الخليجي، التي تحرص دائمًا على استكشاف مزيد من المشروعات التعاونية. وتعد النقطة الأكثر أهمية، هو ما تضمنه "إعلان سمرقند" بشأن ضم كل من البحرين، والكويت، الإمارات، والمملكة العربية السعودية، وقطر، إلى جانب مصر قريبا كشركاء في الحوار. فيما من المقرر أن يتم منح تركيا، التي تعد أيضا شريك في الحوار، العضوية كاملة داخل المنظمة خلال مرحلة مستقبلية لاحقة، في خطوة من شأنها أن تضفي مزيدًا من الزخم على إعادة الاتصال والتفاعل بين المملكة العربية السعودية والإمارات وتركيا.

 

ثانيًا، تأكيد الحوار الاستراتيجي الذي تم بين دول مجلس التعاون الخليجي، ودول آسيا الوسطى عبر اللقاء المتجدد بين الجانبين في سبتمبر الماضي، على ضرورة تسريع خطى التعاون ودعم تنفيذ خطة العمل المشتركة من أجل مواجهة التحديات العالمية المتصاعدة، وتلبية طموحات الشعوب داخل المنطقتين. حيث وافق الوزراء على حشد الموارد من أجل تخفيف التوترات السياسية الإقليمية والدولية، وتعزيز النمو في مجالات التجارة، والاستثمار، والسياحة، والطاقة.

وتمثل خطة العمل المشتركة للتعاون (2023-2027) محور اهتمام خاص كونها تغطي سبل التعاون في مختلف المجالات السياسية، والاقتصادية، والاستثمار إلى جانب مبادرات خاصة بتدعيم الاتصال بين الشعوب وإقامة شراكات فعالة بين قطاع الأعمال داخل مجلس التعاون ودول آسيا الوسطى. وعندما يتم تقييم نتائج هذين الاجتماعين سويًا (القمة السنوية لمنظمة شنغهاي-واجتماع دول مجلس التعاون ودول آسيا الوسطى) يتبين حجم الفرص والإمكانات المتاحة أمام دول الخليج للاتصال بالعديد من مشروعات الربط القائمة مثل مبادرة "الحزام والطريق" التي أطلقتها الصين، والمبادرة الهندية بشأن إقامة "ممر النقل الدولي بين الشمال والجنوب".

 

ثالثًا، تعد قمة رابطة دول جنوب شرق آسيا "آسيان" التي عقدت مؤخرًا في كمبوديا مثار اهتمام أيضًا، حيث شهدت تفاعلًا لافتًا بين قادة دول جنوب شرق آسيا وزعماء كل من اليابان وأستراليا وكوريا الجنوبية. إلى جانب الإعلان الهام بشأن الاتفاقية بين الولايات المتحدة ودول الرابطة لمخاطبة قضايا المناخ، والأمن الصحي، والتوترات الإقليمية وغيرها من القضايا. تنطوي هذه الاتفاقية على دلالة خاصة كونها تأتي بعد مرور عام منذ قرار بكين ودول الرابطة رفع مستوى العلاقات بينهما إلى مستوى شراكة استراتيجية شاملة. وهو ما يوضح كما أشير سلفًا، أن دول مجلس التعاون الخليجي ورابطة آسيان وبعض دول منظمة شنغهاي يتبعون المسار ذاته من أجل الحفاظ على مسافة واحدة من كافة الأطراف المتنازعة على الصعيد الجيوسياسي. وهو ما أكده البيان الصادر عن قمة كمبوديا كما جاء نصًا: “لا يرغب أعضاء رابطة آسيان في الانحياز إلى طرف دون آخر". على النقيض، تسعى دول الرابطة للعمل بشكل وثيق مع الجانبين الأمريكي والصيني، وهي نفس الرسالة التي حملتها البيانات الصادرة عن قادة دول مجلس التعاون الخليجي خلال الأعوام الأخيرة.

 

الديناميات الأمنية

 

منذ تأسيسها عام 2001م، جعلت منظمة شنغهاي للتعاون تركيزها منصبًا على قضايا الأمن الإقليمي. حيث بدأت عملها كتكتل سياسي يهدف إلى بناء الثقة في المجال العسكري والخفض المتبادل للوجود العسكري على المناطق الحدودية. ثم عمدت إلى توسيع نطاق تفويضها ليشمل مكافحة الإرهاب، والنزعات الانفصالية، والتطرف، وتهريب المخدرات، إلى جانب تعزيز سبل التجارة متعددة الأطراف، والتعاون الاقتصادي في المنطقة. كما حدد ميثاق عمل المنظمة أهدافا ومهام وظيفية تشمل؛ تعزيز التعاون الإقليمي في مجال السياسة، والتجارة، والاقتصاد، والدفاع، وإنفاذ سلطة القانون، وحماية البيئة، والثقافة، والعلوم، والتكنولوجيا، والتعليم، والطاقة، والنقل، والائتمان، والتمويل، وكذلك التنمية الاجتماعية والثقافية.

 

وفي حين يعد التعاون الاقتصادي محور تركيز دول مجلس التعاون الخليجي، ورابطة آسيان ومنظمة شنغهاي، يمثل الشق الأمني-سواء القضايا الشائكة أو البسيطة-رابطًا بين دول التكتلات الثلاثة. وبينما تتجذر مخاوف دول الخليج الأمنية في التهديد الذي يشكله حرس الثورة الإيراني، يمكن إرجاع جذور رابطها الأمني المشترك مع منظمة شنغهاي، إلى الجماعات الجهادية العابرة للحدود مثل تنظيم القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية "داعش" التي تنشط داخل منطقة الخليج والشرق الأوسط، ويتم تجنيد العديد من عناصرها من داخل بعض دول منظمة شنغهاي. فيما تواصل بعض دول رابطة آسيان جهودها لمكافحة التطرف والإرهاب لاسيما إندونيسيا والفلبين وميانمار.

 

وفي الوقت الذي عادة ما تتخذ دول مجلس التعاون الخليجي فكرة انضمام إيران كعضو كامل سببًا للتعامل بحذر مع المنظمة التي تحظى بدعم الجانب الروسي والصيني. من المهم أيضَا أن تتعامل هذه الدول، بالأخص المملكة العربية السعودية والإمارات، مع احتمالات حصولها على عضوية كاملة بالمنظمة كفرصة سانحة تساعد في تمكينها في اتجاهين متوازيين: الأول، يتمثل في تعزيز التقارب والتفاعل الأخير مع الجانب الإيراني. والثاني، هو ضمان تكافؤ حجم التأثير والنفوذ الخليجي مع النفوذ الذي تتمتع به طهران داخل المنظمة. وبالنظر إلى تاريخ المنظمة في دعوة خصوم إقليميين للانضمام إلى عضويتها -بما في ذلك باكستان والهند-سيكون قرار منح عدد من دول مجلس التعاون الخليجي عضوية كاملة مسألة وقت ليس أكثر.

 

ومن بين النماذج الأخرى التي توضح كيف تستفيد أطراف إقليمية متنازعة من وجودها داخل المنظمة لتجاوز خلافاتها الحدودية؛ كل من قيرغيزستان وطاجكستان، وأرمينيا وأذربيجان، التي حضر قادتها القمة السنوية للمنظمة رغم استمرار النزاعات العسكرية بينهم. ويشير بعض المحللين إلى منظمة شنغهاي على إنها تكتل أمني تدعمه موسكو وبكين داخل آسيا الوسطى، ومن شأنه أن يتطور ليصبح شكلا يقارب حلف شمال الأطلسي "ناتو". وبينما تعد الفكرة محل جدل، يجب الأخذ في الاعتبار احتمالية أن تتعامل دول مجلس التعاون الخليجي مع المنظمة كمنصة لتدعيم علاقاتها مع روسيا لتصبح كقوة خارجية بديلة للولايات المتحدة التي يتراجع دورها داخل المنطقة.

 

ورغم أهمية المحور الجيوسياسي، إلا أن المنافع الاقتصادية التي ستنتج عن هذا التعاون قد تطغى على المكاسب السياسية. حيث وقعت شركة "أكوا" باور العاملة في مجال تطوير المرافق السعودية، اتفاقيات استثمارية في مجال الطاقة تقدر قيمتها بنحو 2.5 مليار دولار مع دولة أوزبكستان. فيما يمتلك بنك" إيكو" الإسلامي، المدعوم من قبل المملكة العربية السعودية، أكثر من 120 فرعًا بمختلف أنحاء قيرغيزستان. كما تدير شركة "مبادلة" الإماراتية استثمارات واسعة في مشروعات بنية تحتية داخل آسيا الوسطى. من جانبها، استحوذت شركة "موانئ دبي" العالمية على منطقتين اقتصاديتين خاصتين داخل كازاخستان. كذلك قامت بورصة قطر بتوقيع مذكرة تفاهم مع نظيرتها في طاجيكستان. وتحرص دول مجلس التعاون بإقامة شراكات في الطاقة داخل آسيا الوسطى. وقد انعكس ذلك من خلال توقيع دولتي قطر وكازاخستان مذكرات تفاهم بشأن التعاون في مجال النفط والغاز. ومن المتوقع أن تساعد العضوية الكاملة لدول الخليج بالمنظمة في تسهيل إجراءات هذه المشاركات.

ومن جانبها، تسعى إيران أيضًا إلى تعزيز شراكتها مع منطقة آسيا الوسطى على صعيد الطاقة، في ظل جهود هذه الدول لإيجاد بدائل لنقل الطاقة تحت ضغط العقوبات المفروضة على الموانئ الروسية. وتتمتع طهران بعلاقات تجارية قوية مع أفغانستان. كما تستهدف توسيع حضورها وانتشارها داخل أسواق آسيا الوسطى. كذلك قام الجانب الإيراني بإنشاء مصنع جديد للطائرات بدون طيار داخل طاجيكستان، فيما يواصل تعزيز الشراكات مع أذربيجان وتركمانستان.

 

تعاظم أهمية رابطة دول آسيان عن أي وقت مضى

 

 من المتوقع أن تصبح رابطة دول جنوب شرق آسيا "آسيان"، التي تعد محرك رئيسي لنمو الاقتصاد العالمي، ومركز للتجارة والابتكار، رابع أكبر اقتصاد على مستوى العالم بحلول عام 2030.مدعومة في ذلك بتطور أنماط سلاسل التوريد العالمية في أعقاب أزمة تفشي جائحة فيروس كورونا. كما تعتبر الرابطة موطن للأسواق الأعلى نموًا على مستوى العالم. فضلاً عن كونها أسرع الأسواق تطورًا في مجال الإنترنت. وخلال الأعوام الأخيرة. وقعت دول رابطة آسيان اتفاقيات تجارية مع الهند، والصين، والولايات المتحدة، إلى جانب "شراكة اقتصادية إقليمية شاملة"، والتي منحتهم إمكانية الوصول إلى أكبر الأسواق العالمية مع تقليص حجم الحواجز التجارية.

 وساعد سطوع نجم إندونيسيا، أحد اقتصادات مجموعة العشرين، ومركز حيوي داخل منطقة جنوب شرق آسيا، في تشجيع دول مجلس التعاون الخليجي على اعتبارها واجهة استثمارية وسبيل لخدمة جهودها الرامية لتنويع مصادر الاقتصاد وتحقيق نمو اقتصادي، مع إمكانية تكرار التجربة مع دول الرابطة الأخرى. وقد حصلت إندونيسيا، أكبر اقتصادات رابطة آسيان، على التزامات من جانب بعض دول المجلس، بشأن ضخ استثمارات تقدر قيمتها بعشرات المليارات من الدولارات في قطاعات متعددة خلال السنوات الأخيرة، بالأخص دولة الإمارات العربية المتحدة. التي استحوذت على 74 % من إجمالي الاستثمارات الخليجية داخل رابطة آسيان خلال الفترة ما بين عام 2016 إلى عام 2021م، وخلال يوليو الماضي، وقع الجانبان اتفاقية شراكة اقتصادية شاملة. كما تأمل إندونيسيا أن تستفيد من الإمارات كمركز لتسهيل نفاذ صادراتها إلى منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا.

 

  من جانبها، تعتز إندونيسيا، باعتبارها عضو مؤسس في حركة عدم الانحياز، بأنها قوة وسطية متوازنة في عالم متعدد الأقطاب. وهو ما يتناسب مع استراتيجيات التحوط طويلة الأجل التي وضعتها الرياض وأبو ظبي من أجل إقامة علاقات خارج إطار العلاقات الأمنية التقليدية. ثم تأتي ماليزيا، صاحبة النموذج المُلهم لشكل الدولة الإسلامية الحديثة، بالنسبة للعديد من دول مجلس التعاون الخليجي، بالإضافة إلى سنغافورة التي تعد مثالاً في التجارة غير النفطية المعتمدة على إعادة التصدير، والاقتصاد المعرفي إلى جانب كونها مركزًا ماليًا مهمًا.

 

ويتم النظر إلى دول رابطة الآسيان مجتمعة كنموذج جدير بالمحاكاة، في ظل مساعي الدول الخليجية من أجل إعادة صياغة واكتشاف دورها وسط منافسة داخلية بين أعضاء المجلس. وبينما ينظر في كثير من الأحيان إلى مجلس التعاون الخليجي بأنه نموذج يحاكي الاتحاد الأوروبي، إلا إنه أقرب في كينونته إلى رابطة آسيان؛ ذلك التكتل الجنوب شرق آسيوي الذي ساعد في احتضان هوية إقليمية مشتركة، مع السماح لكل دولة منفردة بالحفاظ على طابعها الخاص والمميز. كذلك يحرص قادة الرابطة دائمًا على الاستثمار في بقائهم متحدين بشأن تسوية الخلافات عبر سبل الحوار، وليس الخصومة. وبرغم الحروب المندلعة في الماضي، والنزاعات الإقليمية الراهنة إلا أن هدف الرابطة ظل متمحورًا حول استكشاف سبل تدعيم العلاقات فيما بينهم، وضمان السلام والازدهار لمواطنيهم، وتجنب التورط في صراعات مفتوحة في حال نشوب خلافات.

 

ورغم تعرض الرابطة لبعض الانتقادات، لا شك أنها تمثل نموذجًا تجريبيًا رائعًا لشكل التكامل الإقليمي، والذي ساهم في تحقيق معدلات نمو وازدهار مذهلة، وزيادة إجمالي الناتج المحلي لدول الرابطة بنحو 100 ضعف مما كان عليه منذ 50 عامًا، وذلك بعد تأسيسها في أواخر ستينيات القرن الماضي. ومثلما تفعل دول مجلس التعاون الخليجي، تحتفظ دول الرابطة بعلاقات متداخلة مع الجانبين الصيني والأمريكي من أجل خدمة مصالحها الأمنية والاقتصادية، مما يفتح الباب أمام أعضاء التكتلين لاستكشاف مصالحهم المشتركة مع منظمة شنغهاي. وهو ما يعيدنا إلى الفكرة الأساسية من وراء هذا المقال التحليلي، بشأن إمكانية تحقيق تعاون مشترك بين الجهات الثلاث. وإذا ما سيكون ذلك أمرًا معقدًا ومرهقًا بسبب مشاركة متعددة الأطراف لمجموعات متنوعة من الدول، يتسنى حينها لعدد من هذه الدول اتخاذ خيارات مصغرة أو تشمل أكثر من طرف، بحيث تكون في مسافة ما، بين مستوى أعلى من التعاون الثنائي وأقل من تعاون متعدد الأطراف، دون أن يشمل ذلك بالضرورة مشاركة كافة أعضاء الكيانات الثلاث.

 

إن العلاقات بين الدول غير المتوافقة جغرافيًا عادة ما تأتي على نطاق ضيق، وتحمل طابعًا غير رسمي، وهي أكثر قابلية للمواءمة والتكيف. كما يركز هذا النوع من العلاقات على مبادرات موجهة نحو تنفيذ مهام محددة لمعالجة مشكلات بعينها، اذ لا تتشارك العديد من الدول في نفس المشكلات. وهناك نموذجان جيدان في هذا النمط من التعاون بين الدول، وهما؛ اتفاقية التجارة الحرة بين دول رابطة آسيان وكل من الصين، وأستراليا، واليابان، ونيوزيلندا، وكوريا الجنوبية والتي تعرف بـ “الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة"، بالإضافة إلى الاتفاقية الاستراتيجية التي تجمع كل من الهند، وإسرائيل، والإمارات العربية المتحدة، والولايات المتحدة، والتي أطلق عليها "شراكة من أجل المستقبل".

وفي ضوء النجاحات التي حققتها هذه الشراكات الصغيرة، فقد حان الوقت كي يتم البدء في رسم الخطوط العريضة لشراكة ثلاثية مبتكرة تجمع بين مجلس التعاون الخليجي، ورابطة آسيان، ومنظمة شنغهاي للتعاون.

مقالات لنفس الكاتب