array(1) { [0]=> object(stdClass)#12251 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العلاقات الخليجية- الصينية الاستراتيجية تحت المجهر

الأحد، 01 أيار 2011

قبل خمس سنوات، نشر كاتب هذه السطور مقالاً في هذه المجلة بالتحديد تحت عنوان (نحو علاقات صينية- خليجية استراتيجية)، وبالعودة إليه لمقارنة الواقع الحالي لهذه العلاقات والمجالات التي كان من الممكن الاستفادة منها في تطويرها على أسس سلمية، تبين أن الطرفين حققا فعلاً المزيد من التقدم باتجاه بعضهما بعضاً، وأن كلاً من الصين ودول مجلس التعاون الخليجي عملاً على استغلال الفرص السانحة والمتاحة لتمتين هذه العلاقات والمضي بها قدماً لما فيه مصلحة الطرفين.

لكن تفاصيل هذا التقييم أكدت قاعدة أن النفط يأتي أولاً في مسار العلاقات الصينية- الخليجية، وأنه القاطرة التي تقطر ما سواه من علاقات اقتصادية وسياسية. لكن ذلك لا ينفي أن الاقتصاد يعزز السياسة، وأن القرار السياسي بدوره يرتقي بالعلاقات الاقتصادية والتجارية والعسكرية أيضاً.

نقلة نوعية مع دول مجلس التعاون الخليجي

شهدت الأعوام القليلة الماضية زيارات رسمية متبادلة لوفود رفيعي المستوى بين دول مجلس التعاون الخليجي والصين في إطار التأكيد على مسار تعزيز العلاقات بين الطرفين. كما لوحظ انتقال هذه العلاقات إلى الإطار المؤسساتي الجامع وهو الأسلوب الذي تحبذه الصين التي تعتمد على التكتلات الإقليمية والتجمعات المهمة عادة كمدخل لتعزيز وتسريع التعاون مع الدول التي تنضوي تحت لوائها، بالإضافة إلى كونه الأسلوب الأنجع للدول الخليجية منفردة ليتم تمثيلها تحت مظلة واحدة لها وزنها الإقليمي والدولي والمتمثلة في مظلة مجلس التعاون الخليجي.

- ففي أواخر شهر مارس من عام 2010، عقدت الدورة الأولى من منتدى الأعمال بين الصين ودول مجلس التعاون في البحرين. وأتى المنتدى ثمرة لمجهود دول المجلس للتعامل مع الصين ككتلة واحدة من خلال الجهد المشترك لغرف التجارة والصناعة الخليجية وبالتعاون مع غرفة تجارة وصناعة البحرين والأمانة العامة لمجلس التعاون، ومنظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية، ومجلس دعم وتحفيز التجارة الدولية الصيني، وذلك بهدف تعزيز التعاون في مجالات الاقتصاد والتمويل والتجارة، وعرض الفرص الاستثمارية المتاحة لدى كل من الطرفين وتسهيل التعاملات التجارية بينهما.

وفي منتصف عام 2010، عقد الطرفان (مجلس التعاون الخليجي والصين) في بكين الجولة الأولى من الحوار الاستراتيجي الثنائي. ولم يقتصر الحوار الاستراتيجي على بحث تعزيز العلاقات الاقتصادية والمفاوضات حول اتفاق التجارة الحرة بين الطرفين، وإنما تعداه إلى بحث قضايا سياسية ذات أهمية بالغة تتعلق بقضية الجزر الإماراتية الثلاث التي تحتلها إيران والتطورات المتعلقة بالقضية الفلسطينية (إدانة إسرائيل ومساعدة الفلسطينيين) وموضوع الملف النووي الإيراني والأوضاع في العراق والسودان. وفيه تم الاتفاق على جعل الحوار الاستراتيجي آلية سنوية تسهم في تعميق الثقة المتبادلة وتعزيز التعاون المشترك والمصالح المتبادلة والتشاور والتنسيق بين الجانبين في المنظمات الدولية إلى جانب تطوير التعاون بين الجانبين في كافة المجالات.

النفط أولاً في المعادلة الصينية-الخليجية

ويعتبر العطش الصيني إلى النفط في ظل النمو المذهل للبلاد على مدى أكثر من عقد العامل الأول في الدفع باتجاه تعزيز العلاقات مع دول مجلس التعاون الخليجي لا سيما في ظل التنافس المحموم بين كبرى الدول المستهلكة للنفط لتأمين وارداتها من هذه السلعة الاستراتيجية. في المقابل، تعي دول مجلس التعاون الخليجي أن الصين تعد السوق المستقبلي الأكبر لمنتجاتها من النفط ومشتقاته خاصة في إطار سعي الولايات المتحدة إلى تقليص الاعتماد على نفط الخليج.

واستطاعت الصين في عام 2008 تجاوز اليابان في مرتبة ثاني أكبر مستورد للنفط في العالم بعد الولايات المتحدة إلى جانب كونها سابقاً ثاني أكبر مستهلك للنفط في العالم. وفي عام 2009، تجاوزت الصين الولايات المتحدة في مجال استهلاك الطاقة، لتصبح أكبر مستهلك للطاقة في العالم، وهي المرة الأولى التي تستطيع فيها أية دولة تجاوز الولايات المتحدة في هذا المجال منذ حوالي قرن من الزمان.

وفي عام 2010، وصلت واردات الصين من النفط الخام إلى 4.1 مليون برميل للنفط يومياً، وهو ما يعني أنها اضطرت للمرة الأولى في تاريخها إلى استيراد أكثر من 50 في المائة من حاجاتها من النفط من الخارج (51.8 في المائة) بالتوازي مع انخفاض إنتاجها المحلي بنسبة 0.5 في المائة عما كان عليه في عام 2008 رغم الجهود الحثيثة والاستثمارات الكبيرة لزيادة الإنتاج المحلي، في ظل التوقعات المستقبلية التي تشير إلى ارتفاع نسبة وارداتها النفطية من الخارج لتصل إلى 65 في المائة عام 2020م.

هذه المعطيات تعني أن اعتماد الصين على نفط الخليج سيزداد مستقبلاً لا محالة إذا ما أخذنا في الاعتبار:

* حجم الإنتاج والمخزون النفطي الذي تتمتع به دول مجلس التعاون الخليجي، إذ تشكل كتلة دول مجلس التعاون الخليجي أكبر منتج ومصدر للنفط في العالم. فهي تنتج وحدها ما يزيد على خمس إنتاج النفط العالمي، كما تمتلك حوالي 40 في المائة من احتياطيات النفط العالمية و20 في المائة من الغاز.

* الأرقام في ما يتعلق باستيراد الصين للنفط من دول مجلس التعاون الخليجي خلال العقد الأخير والتي تثبت ذلك فعلا. فقد ارتفعت واردات الصين من النفط من المملكة العربية السعودية على سبيل المثال من حدود 200 ألف برميل يومياً عام 2004 إلى قرابة المليون برميل يومياً عام 2009 لتحتل المملكة المرتبة الأولى في قائمة الدول المصدرة للنفط للصين. كما أصبحت الصين الوجهة الأولى للنفط الكويتي بعدما كانت اليابان تحتل هذا المركز لسنوات، واحتلت بكين موقعاً متقدماً أيضاً في صادرات النفط الإماراتي، كما بقيت الزبون الأول للنفط العماني للسنة السادسة على التوالي، فيما ذهبت 10 في المائة من صادرات الغاز القطري إليها.

العلاقات الاقتصادية الصينية-الخليجية

تعتمد استراتيجية الصين للبحث عن النفط في الخارج (The Go Out Strategy) على المزاوجة بين الاستثمار المالي وزيادة الترابط الاقتصادي مع الدول النفطية على اعتبار أن من شأن ذلك التمهيد لتمتين الروابط الاقتصادية والعلاقات السياسية بما يسمح بضمان تدفق إمدادات النفط إليها.

في المقابل، يبحث مجلس التعاون الخليجي الذي تحول في السنوات الأخيرة إلى قوة مالية عالمية عن أماكن جديدة لاستثمار أموال الصناديق السيادية خاصة بعد الأزمة المالية العالمية، كما أنه بدأ يتطلع شرقاً إلى أسواق جديدة لتصدير النفط والغاز بالإضافة إلى تسويق المنتجات البتروكيماوية مصحوبة بجهود كبيرة لتنويع اقتصادات الدول الخليجية.

وفي هذا الإطار، تبدو المنفعة واضحة ومعادلة الربح متبادلة (win-win situation). الاقتصاد الصيني الذي تجاوز نظيره الياباني عام 2010 كثاني أكبر اقتصاد في العالم، نما بنسبة حوالي 580 في المائة خلال عقد من الزمان، إذ ارتفع الناتج المحلي الإجمالي من حوالي تريليون في عام 2000 إلى حوالي 5.8 تريليون عام 2010. هذا الصعود الصيني سيساعد الدول الخليجية على تسريع جهود تنويع اقتصاداتها لاسيما في ما يتعلق بالقطاع المالي والإنشاءات والتجارة. في المقابل، فإن دول الخليج ستضمن للصين الاستقرار المتعلق بالنمو من خلال واردات النفط وهو العنصر الأول والأهم في المعادلة الصينية، كما ستوفر لها الفرصة للمشاركة في تنفيذ بعض الخطط المتعلقة باستثمار حوالي 3 تريليونات دولار في البنى التحتية والمخصصة أيضاً لجهود تنويع الاقتصادات الخليجية حتى عام 2020م.

تجارياً، تعتبر كتلة مجلس التعاون الخليجي ثامن أكبر شريك تجاري للصين.  ووفقاً للإحصائيات الرسمية فإن حجم التجارة الثنائية بين الطرفين وصل عام 2007 إلى 58 مليار دولار،  منها 30.3 مليار دولار واردات صينية من دول المجلس و27.7 مليار دولار صادرات إليها، مع توقعات تشير إلى إمكانية أن يصل حجم التجارة الثنائية بين الطرفين إلى ما بين 350 و500 مليار دولار في عام 2020م وفقاً لتقرير ماكنزي.

وفي ما يتعلق بالاستثمارات، استثمر جهاز قطر للاستثمار مؤخراً 2.8 مليار دولار في بنك الصين الزراعي، كما استثمرت هيئة الاستثمار الكويتية 800 مليون دولار في البنك نفسه. وعلى صعيد المشاريع الأخرى وغالبها متعلق بقطاع النفط والبتروكيماويات (الماسة):

* وقعت قطر في مايو 2010 اتفاقاً لاستكشاف وإنتاج الغاز مع شركة (CNPC) الصينية بحصة 25 في المائة في منطقة (دي) علماً أنه سبق هذه الاتفاقية اتفاقيات مماثلة.

* في ما يتعلق بالسعودية، كانت شركة أرامكو النفطية وقعت عقداً مع شركة (سينوبك) الصينية لمشروع مشترك يزيد على 3.5 مليار دولار في إقليم فوجيان الصيني بهدف زيادة طاقة مصفاة النفط في فوجيان إلى ثلاثة أمثالها وبناء مجمع للبتروكيماويات ينتج البلاستيك ومواد أخرى ويشمل وحدة تحليل للإثيلين بطاقة 800 ألف طن سنوياً، بالإضافة إلى إقامة مشروع لتسويق الوقود يدير 750 محطة خدمة وشبكة من المحطات في إقليم فوجيان. ويعطي ذلك أرامكو وأكسون موبيل حرية دخول لقطاع البيع بالتجزئة المحمي جيداً في الصين، مع امتلاكهما حصة 25 في المائة في المصفاة ومشروع البتروكيماويات.

* تعد الاستثمارات الإماراتية في الصين من بين الأكبر عربياً وتشمل أكثر من 650 مشروعاً في حين أن الأولى أتاحت فرصاً للصين للعمل في مشاريع البنى التحتية في البلاد بلغت قيمتها للعام 2008 وحده 2.1 مليار دولار، كما أقام الجانبان مشاريع مشتركة بقيمة 12 مليار دولار في عام 2009.

* الكويت دخلت أيضاً في مشروع مشترك مع شركة سينوبك لإنشاء مصفاة تكرير في الصين بقيمة تبلغ 9 مليارات دولار في منطقة جنوب جواندونغ.

الصين وأمن الطاقة في الخليج

تشير الأرقام المتاحة إلى أن حوالي 80 في المائة من حاجات الصين من النفط المستورد إنما تأتي عبر البحر رغم الجهود الحثيثة لتخفيض هذه النسبة عبر الاستثمار في بناء أنابيب تربط الصين بروسيا وآسيا الوسطى. ويعتبر مضيق هرمز ومضيق ملقا أهم موقعين بحريين على الإطلاق بالنسبة لبكين كونهما يتعاملان مع معظم شحنات النفط المستوردة والقادمة إليها عبر البحر.

وتخشى بكين دوماً على أمن الطاقة لديها بشكل عام وعلى أمن الممرات البحرية التي تنقل إليها النفط بشكل خاص من أية عمليات قرصنة أو إرهاب أو اندلاع أزمات وحروب إقليمية أو دولية من شأنها تعطيل وصول الواردات النفطية. لذلك قررت منذ سنوات عديدة تبني سياسة تقوم على بناء قوة بحرية عسكرية، ونشر قواتها في الدول الحليفة والصديقة التي تقع على طول هذا الخط الساحلي وذلك لتأمين لحركة المرور وحماية الإمدادات الصينية التي قد تتعرض لأي نوع من التهديد عبر استراتيجية (عقد من اللؤلؤ) والتي تضمنت بناء قاعدة بحرية في ميناء (Gwadar) الباكستاني وتزويده برادار إلكتروني مهمته مراقبة حركة الملاحة البحرية في مضيق هرمز وبحر العرب.

وعلى الرغم من أن الصين ليست لاعباً عسكرياً مهماً في منطقة الخليج العربي، لكن لوحظ في الآونة الأخيرة محاولاتها إنشاء بعض الروابط مع دول الخليج ذات الصلة بأمن الطاقة والقوة البحرية خاصة بعد الزيارات التي قامت بها قطع من الأسطول البحري الصيني للمرة الأولى على الإطلاق عام 2010 إلى كل من الإمارات والسعودية مع ما لذلك من دلالات سياسية وعسكرية، علماً أن الصين كانت أبدت في أواخر عام 2009 اهتماماً بإقامة قاعدة بحرية دائمة في خليج عدن، كما تحدثت بعض الأوساط الإيرانية عن إمكانية السماح لبكين بإقامة قاعدة عسكرية بحرية لها على الشواطئ الإيرانية رداً على قيام الإمارات باستضافة قاعدة عسكرية فرنسية. لكن بدا واضحاً في هذا الإطار أن الصين تحاول انتهاج سياسة متوازنة (بين الخليج وإيران) لتحقيق الأمن والاستقرار في الخليج على أمل ألا تخسر طرفاً دون آخر في أي صراع قادم قد ينعكس سلباً عليها خاصة في ما يتعلق بإمدادات النفط والغاز إليها.

السعودية: حجر الزاوية في العلاقات الصينية-الخليجية

وتبقى العلاقات الصينية مع السعودية (الشقيقة الكبرى لبقية دول مجلس التعاون) هي حجر الزاوية الذي ترتكز عليه العلاقات الصينية- الخليجية الحالية والمستقبلية. ويعود ذلك بطبيعة الحال إلى التقاء المصالح بين الطرفين كما إلى تفهم كل منهما لحاجات الآخر. فعلى الرغم من التناقض الأيديولوجي السابق في ظل الثنائية القطبية إبان انقسام العالم بين معسكر شيوعي سوفييتي ومعسكر رأسمالي أمريكي، استطاع الطرفان في عدد من الحالات تجاوز الاختلاف الجذري لصالح التقاء المصالح. أما اليوم ومع تجاوز تلك المرحلة من الانقسام، فإن الطرفين ينظران إلى ما من شأنه أن يعزز العلاقات الثنائية لما هو أبعد. وفي هذا الإطار، من الممكن أن نسجل ملاحظات عدة على العلاقات السعودية-الصينية:

-        أولاً: الحاجة الصينية إلى نفط الخليج دفعها إلى التركيز على المملكة، فمع ارتفاع وارداتها النفطية منها، ارتفع حجم التبادل التجاري أيضاً وتم توقيع المزيد من العقود المتعلقة ببناء مصافي تكرير النفط ومجمعات تخزينها بالإضافة إلى عقود التنقيب والبحث. وكان من اللافت ان حجم الفجوة في التبادل التجاري بين الطرفين أخذ يتقلص في السنوات الماضية من 19.6 مليار دولار عام 2004 إلى أقل من 3.6 مليار دولار عام 2009 على الرغم من ارتفاع الحجم الكلي للتبادل التجاري بينهما ليصل إلى حوالي 40 مليار دولار عام 2010 مع خطط لرفعه إلى 60 مليار دولار بحلول عام 2015، وهو ما يعني أن المشتريات السعودية من الصين في خط تصاعدي أيضاً ما يدل على أن العلاقات الثنائية التجارية في اتجاه تصاعدي، وغالباً ما يكون ذلك مقدمة لتمتين العلاقات السياسية وهو ما يحرص الطرفان عليه على قاعدة المصالح والاحترام المتبادل.

-        ثانياً: لوحظ في السنوات الأخيرة محاولة المملكة إدخال الصين على سياسة احتواء إيران في الخليج من خلال المعادلة النفطية والاقتصادية. كما تحاول المملكة استغلال الصعود الصيني لتنويع شركائها في مجموعة القوى الكبرى مما يتيح لها مجالاً أوسع للمناورة الإقليمية والدولية ويفتح باب الخيارات واسعاً أمامها لاسيما في ظل تدهور وضع الولايات المتحدة عالمياً وأيضاً في ظل الشكوك الكبيرة التي تحوم دوماً حول العلاقات الأمريكية- السعودية لاسيما في العقد الأخير.

وفي هذا الإطار يسجل للملك عبدالله بن عبد العزيز بعد نظره من خلال تعزيزه سياسة الاتجاه شرقاً. فقد كانت الصين الوجهة الخارجية الأولى له بعد توليه العرش مباشرة، علماً أنه كان قد زارها عندما كان ولياً للعهد في عام 1998. وردت الصين البادرة فزار رئيسها هو جينتاو المملكة مرتين خلال ثلاث سنوات (2006-2009)، وهو أمر نادر إذا ما عرفنا أن الرئيس الصيني لم يزر إيران ولا مرة رغم عمق العلاقات بينهما.

-        ثالثاً: من الواضح أن النفط أصبح مدخلاً لتعزيز العلاقات الأمنية والعسكرية بين الطرفين، وإن كانت مؤشرات هذه العلاقات لا تزال في حدود دنيا نظراً للعامل الأمريكي الطاغي والحاسم في المعادلة الأمنية الخليجية، علماً أن الرياض والصين أثبتتا في منعطفات عديدة (كما سبق وذكرنا) قدرتهما على تفهم احتياجات الطرف الآخر بمعزل عن الضغوط الخارجية من القوى الكبرى، هذا المشهد قابل للتكرار في أي منعطف حالي أو مستقبلي. ولعل أشهر تلك النماذج صفقة الصواريخ في منتصف وأواخر الثمانينات والتي تضمنت تزويد الصين للمملكة بصواريخ بالستية متوسطة المدى (ويبلغ مداها 3000 كلم) تغطي نظرياً معظم مناطق الشرق الأوسط وقادرة على حمل رؤوس نووية (بعدما رفضت الولايات المتحدة بضغط من إسرائيل تسليح المملكة) إلى جانب مساعدة المملكة على بناء عدة منصات صواريخ في جنوب الرياض علما أنه لم تكن بين الطرفين أية علاقات دبلوماسية بعد.

العامل الأمريكي في المعادلة الصينية - الخليجية

لا شك في أن الولايات المتحدة تراقب عن كثب منذ مدة تطور العلاقات الصينية مع دول مجلس التعاون الخليجي لاسيما في ظل المعطيات التي تشير إلى تراجع القوة الأمريكية على المستوى العالمي بعد الضربات التي تلقتها في أفغانستان والعراق والأزمة المالية العالمية.

لكن لا تزال واشنطن العنصر الأساسي والحاسم في أمن الخليج وستبقى كذلك إلى وقت غير قصير على الأرجح. ولذلك، هناك مصلحة أمريكية وصينية وخليجية في الحفاظ على تدفق النفط من منطقة الخليج إلى الأسواق العالمية من دون أي عوائق تذكر.

والجديد في العنصر الأمريكي أن سياسة أوباما تهدف إلى توظيف قدرات القوى الأخرى (وفي طليعتها الصين) خلال فترة عدم الاستقرار التي تشهدها واشنطن لتخفيف الأعباء الملقاة على عاتقها حول العالم لاسيما ما يتعلق منها بالالتزامات الأمنية. وقد بدا ذلك بشكل واضح وصريح في وثيقتين أمريكيتين استراتيجيتين على الأقل:

1- استراتيجية الأمن القومي الأمريكي 2010، التي استبدلت نص إدارة بوش القائل (إن الولايات المتحدة لن تسمح أبدا بصعود قوة عظمى منافسة) (في إشارة إلى الصين)، بنص إدارة أوباما القائل (إن الولايات المتحدة تعتمد خيار الانخراط الإيجابي الشامل مع العالم. ولأن المشكلات التي تتم مواجهتها هي ذات طابع عالمي ولا يمكن لأية دولة أن تحلها بمفردها كما لا يمكن لأية جهة أن تحلها من دون الاستعانة بالولايات المتحدة الأمريكية، فالأفضل أن يتم التعاون على أساس المصالح المشتركة والاحترام المتبادل مع القوى الموجودة، ومع القوى الصاعدة والناشئة بما يحقق الأهداف المرجوة، ويحافظ على الزعامة الأمريكية).

2- المراجعة الدفاعية الأمريكية 2010، والتي نصت على أن (الولايات المتحدة ترحب بصين مزدهرة وناجحة وقوية تلعب دوراً أكبر في النظام العالمي، كما ترحب بالمنافع الإيجابية التي يمكن أن تتأتى من تعاون أكبر وأعمق بين الطرفين) من دون أن تخفي الشكوك المتعلقة بالنوايا الصينية ولاسيما العسكرية منها.

في المقابل تحترم الصين حدود نفوذ الولايات المتحدة في الخليج في ما يتعلق بأمن الطاقة، لكنها تعمل في الوقت نفسه مع دول مجلس التعاون الخليجي على رسم مقاربات لما تتطلبه المصالح المشتركة للطرفين في مختلف القضايا.

ومن الواضح أن المسار في المقاربات تصاعدي إلى الآن، ولا يمس الإضرار بالعلاقات الصينية-الأمريكية أو الخليجية- الأمريكية. لكن ولأن حلفاء واشنطن في كل مكان أصبحوا لا يثقون كثيراً بالنوايا الأمريكية كما بالسياسات الأمريكية الحالية، فإن ذلك قد يرجح في الفترة المقبلة مزيدا من التعاون الصيني-الخليجي على الصعيد السياسي لا سيما على ضوء الموقف الأمريكي الأخير الضعيف والمتردد من الأزمة البحرينية التي شهدت تدخلاً إيرانياً سافراً كاد يحدث زلزالاً جيوبوليتيكيا لولا التدخل السعودي الحاسم والقوي والسريع وغير التقليدي.

فسوء التقدير الأمريكي لما يشبهه البعض بالحرب الباردة السوفييتية- الأمريكية بين إيران ودول مجلس التعاون الخليجي، وأزمة الصواريخ الكوبية التي تمثلت في دخول الإيرانيين على الأرض من خلال بعض العناصر في البحرين ومن خلال شبكات التجسس في الكويت مؤخراً قد تقلب المعادلات السياسية إن هي استمرت مستقبلاً خاصة إذا ما أخذنا في الاعتبار تذكير الرياض لواشنطن بتوافر الخيارات الأخرى وبالقدرة على تجاوز سياسة واشنطن بعدما بعث الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود رسالة خاصة عبر الأمير بندر بن سلطان بن عبدالعزيز إلى الرئيس الصيني في مارس 2011 بالتوازي مع موفدين إلى كل من روسيا وباكستان وتركيا.

 

مقالات لنفس الكاتب