array(1) { [0]=> object(stdClass)#12251 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 180

أهداف رؤية 2030 بوصلة السياسات السعودية في علاقاتها الاقتصادية الخارجية

الثلاثاء، 29 تشرين2/نوفمبر 2022

يشهد الاقتصاد السعودي نقلات نوعية مستمرة وجريئة جعلت المملكة العربية السعودية "دراسة حالة" في التغير! في تحد واضح لنظريات وقوالب تصنيفية باتت قاصرة عن تفسير التغيرات الاقتصادية والاجتماعية التي تمر بها المملكة العربية السعودية التي أصبحت تخطو خطى واضحة تجاه نقل اقتصادها نحو الإنتاجية، والتي فطنت قيادتها منذ ست سنوات إلى أن الاقتصاد الوطني ينبغي ألا يعتمد على مصدر دخل واحد فقط وغير متجدد "النفط" كداعم أساسي للاقتصاد، وبالتالي أصبح التوجه نحو التنويع الاقتصادي خطوة هامة من أجل خلق بيئة تنافسية جاذبة ومزدهرة تهدف إلى تحسين جودة المؤسسات وحياة المواطنين.

وبالفعل تم ترجمة هذا الطموح إلى رؤية وطنية مستنيرة (رؤية ٢٠٣٠) التي تهدف إلى تحقيق نمو مستدام من خلال التنوع الاقتصادي الذي يقوم على عدة ركائز بما فيها الاستثمار في القطاعات غير النفطية، وإتاحة الفرصة للقطاع الخاص، والاستثمار في رؤوس الأموال البشرية وبناء اقتصاد قائم على المعرفة.

ولكن، في ظل ما يواجهه العالم من ضغوطات اقتصادية لم يستثنى منها أعتى الاقتصادات، مما تسبب في الكثير من التحديات والأضرار المتلاحقة؛ فإنه من الأهمية بمكان التساؤل حول انعكاسات هذه الأزمات المتلاحقة على اقتصاد المملكة العربية السعودية وعلى أهداف رؤية ٢٠٣٠ وتحقيق محاورها، خاصة وأن الاقتصاد لا يزال يتأثر بأسعار النفط وعوائده، وأن خطة التنوع الاقتصادي ولو على المدى القريب لا تنفي مركزية وأهمية النفط الذي يمثل أكثر من 40% من الناتج المحلي الإجمالي ونحو 80% من الصادرات.

فعلى الرغم مما حققه الاقتصاد السعودي من مقاومة إزاء التداعيات السلبية التي خلفتها جائحة كورونا في العام ٢٠٢٠م، وما نجم عنها من إغلاق لمعظم أوجه النشاط الاقتصادي، ومنع السفر وتقنينه، وانخفاض أسعار النفط آنذاك، إلا أن انكماش اقتصاد المملكة بنسبة ٢.٧٪ عام ٢٠٢٠م، كان له تبعات على التنمية الاقتصادية وتحقيق أهداف رؤية ٢٠٣٠ حيث توجه معظم الإنفاق العام نحو قطاع الصحة لمواجهة الجائحة.

وانطلاقاً من أنه "رب ضارة نافعة" فقد كانت تداعيات الجائحة كاشفة للسعودية من ناحية أنها بعد أن تسببت بعجز في ميزانية السعودية لأول مرة منذ ٣٠ عاماً بقيمة نحو ١٨٧ مليار ريال،  إلا أنها كشفت بوضوح أهمية التخلي عن التبعية الكاملة للنفط، وهو الأمر الذي لا يخلو من التحديات التي تستلزم وضع خطط استباقية بالشكل الذي يكسر حدة التقلبات العالمية التي تعصف بالاقتصاد على أسعار النفط وتوجيه عائداته بشكل مستدام نحو تعزيز التنمية الشاملة، خاصة في ظل الحضور الكبير للهزات الاقتصادية التي تعصف بالعالم بين الحين والآخر بدءًا بالأزمة المالية العالمية في العام 2008م، مروراً بأزمة انخفاض أسعار النفط عام 2014م، ثم جائحة كورونا وأخيراً الأزمة الروسية/الأوكرانية، مما يؤثر بشكل كبير على التعافي الاقتصادي بالنسبة للاقتصادات المتقدمة والنامية والناشئة بدرجات متفاوتة، مما يزيد المشهد الاقتصادي الدولي تشويشاً، وهو ما يتطلب البدء الفوري في الانتقال من الاقتصاد النفطي إلى الصناعات التحويلية حسبما تقتضيه رؤية 2030.  

وفي ظل ما يواجه لاقتصاد الدولي من تبعات بفعل الأزمة الروسية الأوكرانية وما نجم عنها من اضطرابات كبيرة في حركة التجارة، وأزمة أمن غذائي، وضعف سلاسل الإمداد، وارتفاع أسعار النفط، وارتفاع التضخم، إلا أن السعودية كانت بالفعل قد رصدت مبالغ ضخمة لتنفيذ مشروعات رؤية ٢٠٣٠، وفي القلب منها مشروع مدينة "نيوم" الواعد بتكلفة إجمالية مقدرة بنحو ٥٠٠ مليار دولار فضلاً عن مشروعات "القدية"، و"البحر الأحمر"، و"أمالا" وغيرها من المدن الاقتصادية التي تركز على صناعات مثل التكنولوجيا والطاقة والخدمات اللوجستية والسياحة والترفيه والبنية التحتية، مما أضحى يشكل تحدياً كبيراً أمام الدولة إزاء تحديد ماهية الطريقة المثلى في كيفية تنفيذ محاور هذه الرؤية وطنياً ودولياً من ناحية توطين الصناعات، والابتكار، وجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، وتوسيع الشراكات.

بقيت الإشارة إلى أن السعودية تعتمد بالأساس في تمويل رؤية 2030 على مصدرين رئيسيين هما صندوق الثروة السيادية/ صندوق الاستثمارات العامة، جنباً إلى جنب مع "وكالة الاستثمار الداخلي" التابعة لــ "هيئة تشجيع الاستثمار" التي تعمل على جذب الاستثمارات اللازمة للتمويل، ولكن تبقى المعضلة الرئيسة هنا في أن تلك الجهات التي تقوم بتمويل الرؤية هي تعتمد بالأساس في موازناتها من الدولة على العائدات النفطية وهو ما يتطلب البدء الفوري في تنفيذ أهداف "وكالة الاستثمار الداخلي" والتي من أبرزها جذب نحو 103 مليارات دولار سنوياً من الاستثمار الأجنبي المباشر بحلول عام 2030م، على أن ترتفع مساهمة الاستثمارات الأجنبية المباشرة في الناتج المحلي الإجمالي من ٠.٧٪ إلى ٥.٧٪.   

يقودنا هذا نحو القول إلى أنه على الرغم من المؤشرات الإيجابية للنمو الاقتصادي السعودي للعام ٢٠٢٢ م، وعدم تأثر مؤشرات جودة الأصول بشكل مباشر بتبعات الحرب الروسية الأوكرانية بسبب ارتفاع أسعار النفط، إلا أن رؤية ٢٠٣٠ تعتمد في شق كبير منها على الاستثمارات الأجنبية المباشرة ((FDI كأحد المحددات الهامة للنمو الاقتصادي والاستفادة من التقنيات الأجنبية في مختلف المشروعات الخاصة بمدينة "نيوم" الواعدة  فضلاً عن المشروعات المتعلقة بالتكنولوجيا الحيوية والذكاء الاصطناعي والطاقة الخضراء، وجذب نحو 103 مليارات دولار سنوياً من الاستثمار الأجنبي المباشر بحلول عام 2030م.

ولكن نظرًا للقراءات غير المتفائلة لمآلات الاقتصاد العالمي وبحسب تقرير آفاق الاقتصاد العالمي الصادر عن صندوق النقد الدولي في أكتوبر 2022م، قد يتأثر حجم الاستثمارات الأجنبية جراء عدد من المخاطر الرئيسية كارتفاع معدلات التضخم، نتيجة ارتفاع أسعار السلع الأساسية كالغـذاء والطاقة وتباطؤ النمو العالمي التي ستتأثر بها الاقتصادات المتقدمة بشكل أعمق إذا ما طال أمد الأزمة الروسية / الأوكرانية، ناهيك عن التعافي من أثرها، فضلاً عن إمكانية انخفاض أسعار النفط، أو احتمال حدوث أي صدمات اقتصادية جديدة في المستقبل ما قد يفرض تحدياً جديداً على السعودية في تنفيذ الجزء المتعلق بجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة وفق رؤية 2030.

 فعلى الرغم من انتعاش الاستثمارات الأجنبية المباشرة في المملكة نهاية عام ٢٠٢١م، بنحو قيمة ١٩.٣ مليار دولار، وعلى الرغم من الأداء الجيد لمؤشراته في الربع الأول من ٢٠٢٢، إلا أن تقرير الاستثمار العالمي ٢٠٢٢ م، الصادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية "الأونكتاد" أفاد بانخفاض الاستثمارات الأجنبية عالمياً كواحدة من التداعيات السلبية التي خلفتها الأزمة الروسية الأوكرانية والتي نجم عنها ضعف مناخ الأعمال.

وعطفاً على ما سبق يتضح أن السعودية الآن وأكثر من أي وقت مضى أضحت بحاجة ملحة وجادة لتحقيق أهداف رؤيتها 2030 وبشكل خاص في النواحي المتعلقة بجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة،

 

وتوطين الصناعات والتكنولوجيا، وتعزيز التوجه نحو مشروعات الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي، وهو ما يتطلب القيام بالجهود التالية لتحقيق تلك الأهداف:

  • البدء في الشراكة الجادة والفاعلة بين القطاعين العام والخاص، وهو ما يتطلب تخلي الدولة عن دورها الداعم للقطاع الخاص، على أن يقوم الأخير بدوره كشريك رئيسي للحكومة في دعم الاقتصاد لما له من دور في تعزيز مستويات الناتج المحلي الإجمالي غير النفطية من خلال دعم مشروعات رواد الأعمال والتنمية والابتكار وكافة المشروعات المتوسطة والصغيرة والمتناهية الصغر.
  • معالجة هيكل الأجور في القطاع الخاص الذي يشهد انخفاضاً وتفاوت بين السعوديين الأمر الذي يؤدي إلى عزوف المواطنين عن العمل بالقطاع الخاص لتدني مستوى الأجور.
  • البدء في إعداد المدخلات اللازمة لتحقيق أهداف الرؤية من خلال التطوير الحقيقي لمناهج التعليم والتي ينبغي تطويرها بالشكل الذي يضمن تحقيق كافة أهداف الرؤية من خلال المخرجات التي سيتم الارتكاز إليها والمتمثلة في الجيل الجديد القادر والمتعلم والمدرب مهنياً لتحقيق تلك الأهداف بكفاءة وفعالية ما يساهم في خلق الاقتصاد القائم على المعرفة.
  • إعادة النظر في برامج السياحة الداخلية لضمان شموليتها لكافة أطياف الشعب السعودي بالارتكاز على برامج سياحة داخلية تراعي الفوارق الاجتماعية بين السعوديين على أن يستفيد منها الشعب بأكمله بأن يكون لديه القدرة المادية لذلك، بوصف السياحة واحدة من الركائز الأساسية لتعزيز مستويات الناتج المحلي الإجمالي.
  • المضي قدماً نحو إكمال مشروعات البنية التحتية التي من شأنها ارتفاع إيرادات الدولة السعودية من السياحة سواء الداخلية أو الخارجية والتي يأتي على رأسها مشروع مدينة "نيوم" بوصفه واحداً من المشروعات الرئيسية المتوقع أن تحقق دخلاً كبيرًا للسعودية عقب الانتهاء منه بوصفها مدينة كاملة تقوم على مفاهيم الذكاء الاصطناعي والرقمنة.
  • تطوير صناعة النفط من خلال زيادة عدد مصافي التكرير والاعتماد على تصدير المنتجات البترولية عوضاً عن النفط الخام، وزيادة الاستفادة من الموارد الطبيعية مثل الزنك والمغنسيوم والفوسفات.
  • تشجيع الصناعة من خلال دعم الصناعات المحلية وبناء المصانع مما يساهم بشكل كبير في دعم الاستقرار الاقتصادي، وإتاحة المزيد من فرص العمل، فضلاً عن إتاحة المجال للتصدير وتلبية الحاجة المحلية والإقليمية.

وفيما يتعلق بالاستثمار الأجنبي المباشر فإنه يتعين السعي الجاد نحو القيام بالآتي:  

  • يمكن التوجه نحو تشجيع الاستثمار الأجنبي من خلال تبني نهج أكثر انفتاحاً تجاه المستثمرين بحيث لا تقتصر أوجه الاستثمار الأجنبي على الشركات الكبيرة والمتعددة الجنسيات والمشروعات الضخمة بما يتيح المجال لشركات ناشئة ومتوسطة من كل أنحاء العالم للاستثمار في السعودية بما يساهم في تحقيق النمو ويتيح مزيدًا من فرص العمل بين فئات الشباب مما ينعكس إيجابًا على مستويات البطالة.
  • البدء الفوري في مراجعة التشريعات اللازمة المتعلقة بقوانين الاستثمار للتأكد من مواءمتها لظروف المستثمرين وأنها بالفعل جاذبة لطرفي العملية الاستثمارية وهما المستثمر والدولة المضيفة للاستثمار بأن تعمل وفق مصلحة الطرفين جنباً إلى جنب.    
  • تذليل العقبات للمستثمر الأجنبي وجعل السعودية وجهة سهلة للاستثمار واتباع عددًا من الإجراءات التي تجعل منها بيئة صديقة للأعمال مثل تيسير عملية استصدار التراخيص عن طريق البوابات الإلكترونية، وإعفائهم من دفع المزيد من التكاليف لإنشاء الشركات، وتوضيح القوانين المتعلقة بالاستثمار بشكل دقيق لا لبس فيه وترجمتها إلى عدد من اللغات وتوفرها على المنصات المتخصصة.
  • إعفاء بعض الشركات الأجنبية (الصغيرة والمتوسطة) من شروط السعودة وبرنامج نطاقات المتوازن في الوظائف التي تفتقر فيها العمالة السعودية للمهارات والخبرة المطلوبة لتلبية احتياجات سوق العمل، ورفع بعض القيود التشغيلية عن الموظفين الأجانب في قطاعات معنية بعد اتخاذ الجهات المعنية في كافة الإجراءات الضامنة للمصالح الوطنية السعودية.
  • وبشكل عام يظل جذب استثمارات أجنبية مباشرة أولوية رئيسية للسعودية تحقيقًا لأهداف رؤية 2030 في تنويع مصادر الدخل وخلق فرص عمل للشباب السعودي، وقد خطت السعودية بالفعل خطوات هامة وكبيرة نحو إنجاز هذا الهدف، وحققت نتائج جيدة في جلب الاستثمارات الأجنبية المباشرة وهو ما يستلزم مواصلة مراجعة القوانين والتشريعات الخاصة بالاستثمارات الأجنبية المباشرة بشكل دوري والتوجه صوب نهج أكثر شمولية واستدامة.

التعاون مع التكتلات الاقتصادية والاقتصادات الكبرى:

انعكس وضع المملكة العربية السعودية الاقتصادي والجيوسياسي الهام علـى مكانتها كقوى عربية لا يستهان بها، فهي الدولة العربية الوحيدة في مجموعة أوبك بلس من بين الدول المكونة لمجموعة العشرين G20، وباتت بحكم مكانتها طرفًا من المعادلة الدولية لمعالجة أي اختلالات عالمية، ورسم السياسات وتطوير آليات وخطط لمواجهة التحديات، فضلاً عن دورها المحوري في مجموعة الدول المصدرة للبترول (أوبك) وأوبك بلس في موازنة أسعار النفط العالمية، بما يضمن مصالح جميع الدول على حد سواء.

ومن هذا المنطلق- ضمان مصالح جميع الدول- نجحت السعودية على مر العصور استقاءً من مكانتها في أهم التكتلات الاقتصادية (أوبك بلس) في تحقيق التوافق بين الدول الأعضاء في المجموعة فيما يتعلق بتنسيق إنتاج النفط للحفاظ على أسعاره العالمية بما يضمن استقرار الاقتصاد العالمي، وهو الأمر الذي طالما حظي باستحسان دولي من منطلق فهمهم للقرارات الاقتصادية والتقنية للسعودية في مجموعة الأوبك، ولكن في خضم تبعات الحرب الروسية الأوكرانية، أو بمعنى أصح في خضم حرب الاستقطاب الدولي، واجهت السعودية ضغوطات منهجية من القوى الدولية الهامة وعلى رأسها الولايات المتحدة والدول الأوروبية بزيادة إنتاج النفط في أكتوبر الماضي.

وهو ما ارتأته المجموعة بأنه طلب لا يصب في مصلحة استقرار أسعار النفط العالمية في الوقت الراهن، ولكن تم قراءة قرار مجموعة أوبك بلس بخفض إنتاج النفط حفاظاً على الأسعار العالمية على أنه قرار سعودي فردي يصب في مصلحة روسيا العضو كذلك في المجموعة، ولكن استطاعت السعودية بفضل محورية دورها في هذا التكتل الهام من التمسك بموقفها الداعم لخفض الإنتاج على الرغم من القراءات الخاطئة من المجتمع الدولي الذي فسر هذا القرار بأنه داعم لروسيا، وهو ما يمكن تفنيده في أكثر من مناسبة ولعل أبرزها في ظل دعوة مجلس التعاون الخليجي وعلى رأسهم السعودية إلى تسوية الخلاف الروسي / الأوكراني بالطرق السلمية في أكثر من مناسبة أممية، وتفضيل الوقوف على الحياد في ظل مناخ سياسي يسيطر عليه الانجرار نحو أحد أطراف الأزمة.

 

يعد هذا الموقف السعودي الرافض للانجرار صوب الأزمات مبرر كون أن بوصلة الأولويات السعودية باتت مصقولة نحو توسيع الشراكات الدولية وتعزيز الاستثمارات والشراكات الاقتصادية حول العالم بما يضمن نموها وازدهارها الاقتصادي، وأصبح للتوجه نحو الشرق وإنشاء علاقات اقتصادية متينة مع اللاعبين الكبار في آسيا مثل الصين والهند فضلاً عن آسيا الوسطى أهمية اقتصادية وجيوسياسية هامة تتمثل في الانخراط بشكل أكبر في سلاسل التوريد العالمية من خلال ربط مبادرة الحزام والطريق الصينية (طريق الحرير الجديد) برؤية 2030، بما يدفع العلاقات نحو تعاون اقتصادي استراتيجي من جهة، فضلاً عن الأهمية الجيوسياسية في توسع النفوذ السعودي في آسيا عبر مختلف القنوات الدبلوماسية في تطويق إيران من جهة أخرى والتي اذا ما تركت لها الساحة ستستفاد اقتصاديًا بشكل كبير كونها تقع ضمن دول ممر النقل الدولي من الشمال للجنوب. 

وتجتمع عضوية السعودية في أهم التكتلات الاقتصادية وهو مجموعة العشرين G20 مع الصين والهند، وإذا ما نجحت السعودية في مساعيها للانضمام ضمن مجموعة "البريكس" التي تضم البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب إفريقيا، ستتقاطع هذه الدول في مزيد من التكتلات الاقتصادية الهامة بما يتيح مزيدًا من التعاون وفرص الاستثمار المتبادلة والوصول إلى عدد من التفاهمات حول مواضيع التجارة والشحن والتكنولوجيا الذكية والخدمات اللوجستية وهو ما تطمح اليه السعودية تحقيقًا لأهداف رؤية 2030.

وبالنسبة لروسيا، تمثل المملكة العربية السعودية أهمية كبيرة كونها تمثل لاعبًا أساسيًا في المنطقة تسعى روسيا لاستمالته طرفها أملاً في توسيع نفوذها في المنطقة، ولكن هنا لابد من التساؤل حول إمكانية انتقال العلاقات بين البلدين إلى شراكة استراتيجية، وهنا يمكن القول إن السعودية تحافظ على علاقات جيدة مع الجانب الروسي التي يمكن الإشارة إليها بالانفتاح الحذر الذي قد لا يرتقي إلى شراكة استراتيجية نظراً إلى الخلاف السياسي الرئيسي بين البلدين فيما يتعلق بملف إيران التي تعتبرها روسيا شريكًا سياسيًا وجيو استراتيجي هام حفاظًا على مصالحها في المنطقة، في حين أن موقف المملكة ثابت في هذا الشأن.

ومستقبلاً، نظرًا للعقوبات المفروضة على روسيا من قبل الولايات المتحدة ودول أوروبا التي قد تؤدي إلى انصراف موسكو عن السوق الأوروبية والاستعاضة عنه بالسوق الآسيوي الذي يمثل الوجهة الأساسية للصادرات السعودية مما قد يزيد من مساحات التنافس وعدم التلاقي السعودي / الروسي، خاصة في ظل توفير موسكو للنفط للهند والصين بأسعار أقل من ذي قبل التي بدأت كما تشير المصادر بواقع 30 إلى 40 دولار للبرميل في أبريل 2022م، وتقلصت خلال الأشهر الماضية لأقل من 13 دولار حتى أنها في بعض الصفقات اقتصرت على 8 دولارات، مما قد يسبب خسائر للسعودية.

ولكن نجحت السعودية في إيجاد مساحات للتلاقي مع روسيا في المجالات الاقتصادية والعسكرية خاصة بعد زيارة سمو ولي العهد إلى موسكو في 2016م، التي تمت قراءتها بأنها نقطة تحول في العلاقات بين الجانبين، كما اشتملت أوجه التعاون على مجالات تشمل الفرص الاستثمارية المتبادلة في نطاق تفعيل أوجه رؤية 2030، ومجالات الطاقة، وتفعيل اللجنة المشتركة للتعاون العسكري في مجالات الفضاء، فضلاً عن إبرام اتفاق عسكري مع روسيا بهدف تطوير مجالات التعاون العسكري المشترك بين البلدين.

ولعل أبرز تعاون بين السعودية وروسيا يقع في نطاق مجموعة بلس من خلال تنسيق السياسة الإنتاجية للمجموعة لتحقيق الاستقرار في أسواق النفط العالمية، وذلك من خلال تنسيق المواقف للحيلولة دون حدوث أي اضطرابات في أسواق الطاقة، والحفاظ على مستويات الإنتاج بغض النظر عن المتغيرات الجيوسياسية، التي باتت كثيرة ومتلاحقة منذ استشراء وباء كورونا عام 2020م، مروراً بالأزمة الروسية الأوكرانية.  

وخلاصة القول إن العلاقات السعودية مع التكتلات الاقتصادية والدول الكبرى سواء الولايات المتحدة الأمريكية، أو روسيا، أو الصين، أو غيرها تعني أن السعودية أضحت تعي تمامًا أنها ينبغي عليها اتباع سياسات تعاون منفتحة على كافة الدول الكبرى بالشكل الذي يخدم مصالحها في المقام الأول من خلال تعزيز الشراكة معهم، فعلى سبيل المثال نجد أن التقارب السعودي الروسي/الصيني لا يعني بالضرورة التباعد السعودي الأمريكي، إذ أن المتابع لعلاقات الجانبين يدرك تمامًا أن السعودية أولت علاقتها مع الولايات المتحدة أهمية كبرى نظراً للروابط السياسية والدفاعية والأمنية والاقتصادية في ضوء المشروعات الضخمة لرؤية 2030.

وأخيراً يمكن القول إنه ومنذ العام 2016م، أضحى تحقيق أهداف رؤية 2030 هي البوصلة والمحرك الرئيسي لسياسات السعودية في علاقاتها الخارجية سواء أكان ذلك على مستوى الدول أو على مستوى الكيانات والتكتلات الاقتصادية الكبرى حول العالم.

مقالات لنفس الكاتب