array(1) { [0]=> object(stdClass)#12251 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 180

"شنغهاي" تتودد لاجتذاب منطقة الخليج لارتباطها الوثيق بمصالح الدول المؤسسة

الثلاثاء، 29 تشرين2/نوفمبر 2022

استضافت مدينة سمرقند عاصمة أوزبكستان في 15 و16 من سبتمبر الماضي، القمة 21 لمنظمة شنغهاي للتعاون، والتي تمثل أكبر تكتل إقليمي على مستوى العالم، وتضم كل من الصين، وروسيا، والهند، وكازاخستان، وقيرغيزستان، وإيران، وطاجكستان، وباكستان، وأوزبكستان. ومن ثم، فإنها تعتبر بمثابة النسخة الحديثة من "طريق الحرير" التاريخي، الذي ربط شمال شرق آسيا ووسطها وجنوبها وغربها لقرون عديدة بأواصر تجارية وسياسية وفكرية ودينية وثقافية ما تزال أصداؤها تتردد بيننا حتى الآن.

ولقد جاءت قمة سمرقند لترسخ تلك الأواصر العريقة وتقويها فضمت إليها البحرين، وجزر المالديف، والإمارات العربية المتحدة، ومصر، وماينمار بصفتهم شركاء حوار، بينما ضمت القمة دولًا أخرى لتلعب دور الدول المراقبة وكان منها أفغانستان، وبيلاروس، ومنغوليا، أما بالحديث عن شركاء الحوار القائمين بالفعل فهم أرمينيا، وأذربيجان، وكمبوديا، ونيبال وسريلانكا، وتركيا، ومن الجدير بالذكر أن الأمانة الدائمة لمنظمة شنغهاي للتعاون تقع في بكين أما بالنسبة لهيكلها الإقليمي لمكافحة الإرهاب (راتس) فيقع في العاصمة الأوزبكية طشقند.

وتغطي منظمة شنغهاي للتعاون حاليًا نحو 60 % من منطقة "أوراسيا"، و44 % من إجمالي تعداد سكان العالم. في حين يبلغ إجمالي الناتج المحلي لأعضاء وشركاء المنظمة مجتمعين، قرابة 24٪ من إجمالي الناتج المحلي العالمي، وهو ما يزيد عن مثيله لدول الاتحاد الأوروبي، ويعد أكثر من نصف إجمالي الناتج المحلي لدول مجموعة السبع. وقد شهد التبادل التجاري لأعضاء المنظمة ارتفاعًا من 670 مليار دولار أمريكي خلال عام 2001م، إلى 6 تريليون دولار في عام 2020م، كذلك ارتفعت حصتها في التجارة العالمية من 5.4٪ لتصل إلى 17.5٪ خلال الفترة ذاتها.  وتمتلك منظمة شنغهاي 17.5 % من احتياطيات النفط المؤكدة في العالم، و50 % من احتياطيات الغاز العالمي. فضلاً عن الأهمية الكبيرة التي تحظى بها على الصعيد الجيوسياسي كونها تعد حلقة الوصل بين منطقة آسيا-المحيط الهادي والأطلنطي من جهة، وجنوب وغرب آسيا من جهة أخرى.

مراحل تطور منظمة "شنغهاي" للتعاون

تعد منظمة شنغهاي للتعاون نتاج لنهاية حقبة الحرب الباردة، وانهيار الاتحاد السوفيتي، والتي تسببت في اقتطاع أجزاء من روسيا، ونشأة 5 دول ذات سيادة داخل منطقة آسيا الوسطى، تقع ثلاثة منها على الحدود مع الصين. من ثم، أصبح وضع صيغة نهائية بشأن شكل الحدود، والحفاظ على أمنها والاستقرار الإقليمي أولوية ملحة للجانب الصيني ودول الجوار. وخلال الفترة ما بين عام 1991 إلى عام 2004م، توصل الجانبان-الروسي والصيني-إلى اتفاقات بشأن ترسيم حدودهما، وأقامت بكين علاقات دبلوماسية مع جمهوريات آسيا الوسطى الخمس خلال عام 1992م، أعقب ذلك وضع اللمسات الأخيرة بشأن ترسيم الحدود الفاصلة بينهم، والتي استكملت آخر خطواتها بحلول عام 2002م.

 تولت الصين زمام المبادرة في سبيل تعزيز بناء الثقة وخفض التوترات العسكرية مع جيرانها الجدد تحت مظلة ما كان يعرف حينها بـ “عملية شنغهاي". وفي عام 1996م، قررت الدول الخمس المشاركة في العملية: الصين، وروسيا، وكازاخستان، وقيرغيزستان، وطاجكستان، التوقيع على معاهدة "تعميق الثقة العسكرية في المناطق الحدودية" داخل شنغهاي فيما بات يصطلح عليه بـ “خمسة شنغهاي “. وخلال عام 2001م، قررت هذه المنصة الحوارية غير الرسمية إضفاء طابع رسمي لها كهيئة حكومية دولية متعددة الأطراف تحمل اسم منظمة شنغهاي للتعاون مع انضمام دولة أوزبكستان لعضويتها.

يحدد ميثاق منظمة شنغهاي للتعاون المبادئ الأساسية للمنظمة على النحو التالي: احترام استقلال كافة الدول وسيادتها وسلامة أراضيها، عدم التدخل في الشؤون الداخلية للآخر. وعدم الاستخدام المتبادل للقوة أو التهديد باستخدامها؛ والمساواة بين جميع الدول الأعضاء. كما يهدف ميثاق المنظمة إلى تعزيز التعاون في المجالات السياسية، والأمنية، والطاقة، والاقتصاد، والروابط اللوجستية، والتعليم والثقافة. وفيما يتعلق بالشأن الأمني، أكد أعضاء المنظمة ضرورة توثيق العمل المشترك في سبيل مكافحة "الشرور الثلاثة" المتمثلة في: الإرهاب، والنزعات الانفصالية، والتطرف. وتستند كافة قرارات المنظمة إلى مبدأ الإجماع.

وكما هو متعارف عليه داخل الهيئات المكونة من دول ذات سيادة مختلفة -حصل العديد منها على استقلاله حديثًا-شهدت منظمة شنغهاي للتعاون ككيان متعدد الأطراف يتمتع بمصداقية، مراحل تطور عدة. تضمنت الانتقال من مرحلة بناء الثقة عبر الحدود، إلى العمل على تعزيز التعاون الأمني، وصولاً إلى ما أصبحت عليه اليوم كمنصة للأمن العابر للقارات، والتعاون اللوجستي، إلى جانب التعاون في مجال الطاقة، والاقتصاد. وقد بدأت المرحلة الأخيرة من تطور المنظمة خلال عام 2017م، مع التوجه للتوسع عبر الموافقة على ضم أعضاء جدد مثل الهند وباكستان، وذلك للمرة الأولى منذ 16 عامًا، كما سطع نجمها كلاعب رئيسي على الساحة الإقليمية والعالمية. وفي خضم هذا التوسع، برز دور الهند داخل المنظمة كدولة ذات حضور ودور ريادي إلى جانب كل من الصين وروسيا.

العلاقات بين منظمة "شنغهاي" ودول الخليج

بينما عكس ضم كل من الهند وباكستان إلى المنظمة، توجهًا لدمج منطقة جنوب آسيا داخل الجغرافيا الأوراسية، تشير عضوية إيران والمبادرات المطروحة مع دول مجلس التعاون الخليجي ومصر، رغبة في التودد واجتذاب منطقة غرب آسيا. ونظرًا إلى الارتباط الوثيق بين مصالح الطاقة، والمصالح الأمنية، والاقتصادية، واللوجستية، للدول الثلاث الرئيسية داخل المنظمة-الصين وروسيا والهند -بالمنطقة الخليجية، أصبحت منظمة شنغهاي تعكس تكتلاً إقليميًا متكاملاً ذا أهمية اقتصادية وسياسية فائقة.

 وبحسب البيانات، تغطي دول مجلس التعاون الخليجي، إلى جانب كل من إيران والعراق نحو 60٪ من الواردات النفطية إلى الصين، التي تعد حاليًا أكبر مستورد للمعدن الأسود عالميًا، وسط توقعات بأن يقفز حجم اعتمادها على واردات النفط والغاز إلى 67٪. في الوقت ذاته تعتبر بكين شريكًا تجاريًا رئيسيًا لمعظم دول منطقة غرب آسيا، بما في ذلك دول مجلس التعاون الخليجي وإيران. ورغم الضربة الموجعة التي تلقتها التجارة العالمية جراء أزمة جائحة كورونا، استطاعت بكين أن تحل محل الاتحاد الأوروبي كأكبر شريك تجاري لدول مجلس التعاون الخليجي. فضلاً عن حرصها على إقامة استثمارات ومشروعات إنشائية في شتى أنحاء المنطقة، بلغ إجماليها خلال الفترة ما بين عام 2005 إلى عام 2021م، نحو 120 مليار دولار. كذلك تحظى الصين بمكانة مهمة على صعيد الاقتصاد الإيراني، حيث بلغ حجم التبادل التجاري الثنائي بين البلدين نحو 28 مليار دولار، خلال عام 2018م، أي ضعف القيمة المحققة عام 2006م؛ فيما تُقدر قيمة الصادرات النفطية بنحو 11 مليار دولار سنويًا. ومع بداية عام 2018م، قدمت الصين قروضًا بقيمة 8.5 مليار دولار لـ 26 مشروعًا في مجالات مثل الطرق السريعة، والتعدين، وتصنيع الصلب.

 على الصعيد الروسي، تمثل الطاقة أحد أهم الاعتبارات المُحفزة لتقارب موسكو مع دول غرب آسيا، كما أنها تشكل عاملاً محوريًا في آلية صنع القرار على صعيد السياسات الخارجية الروسية، بما ينطوي عليه ذلك من أبعاد مختلفة في مقدمتها؛ الأهمية التي تمثلها العائدات النفطية للاقتصاد الروسي. ما دفع موسكو إلى توثيق العمل مع الجانب السعودي منذ عام 2016م، لإنشاء تحالف "أوبك بلس"، بهدف تحقيق شراكة مع أعضاء المنظمة في عملية إدارة الإنتاج وفقا لمعطيات السوق. استمرت هذه الشراكة قرابة ستة أعوام، وظلت متماسكة في مواجهة الضغوط لزيادة إنتاج أوبك النفطي بغية خفض الأسعار. كما ساعدت في ضمان ارتفاع الأسعار من 40 دولارًا للبرميل إلى ما يفوق 70 دولارًا للبرميل ما بين عام 2016 وعام 2018م، حتى اقتربت اليوم من مستوى 90 دولارًا للبرميل. كما سعت روسيا أيضًا إلى بناء علاقات وطيدة مع دول الخليج في مجال الغاز الطبيعي. وسط آمال بأن يساعدها ذلك على المدى البعيد، في تعميق مشاركتها ضمن أعمال التنقيب التي تشرف عليها الشركات الخليجية لاستخراج الغاز الطبيعي من مصادر خارجية لخدمة برامجها الاقتصادية بشأن القيمة المضافة، وتنويع مصادر الدخل بعيدًا عن الاكتفاء ببيع إنتاجها من النفط الخام.

من جانبها، تستورد الهند أكثر من 80 % من احتياجاتها النفطية من منطقة الخليج، 50 % منها تأتي من دول مجلس التعاون، والمتبقي يتم استيراده من إيران والعراق. كما تعد المنطقة الخليجية شريكًا تجاريًا مهمًا أيضًا لنيودلهي، إلى جانب مكانتها كأكبر وجهة تصديرية للهند. يشار إلى أن حجم التبادل التجاري بين الهند ودول مجلس التعاون الخليجي الست بلغ 100 مليار دولار، وذلك خلال الفترة ما بين عامي 2016 و2017م، استحوذت الإمارات وحدها على أكثر من 50 مليار دولار من إجمالي قيمة المبادلات التجارية الخليجية. كما أصبحت المستثمر الأول داخل الهند خلال عام 2017م، بإجمالي استثمارات بلغت 690 مليون دولار.

الربط اللوجيستي

إلى جانب علاقات الطاقة والتجارة والاستثمار، التي تجمع بين مصالح كبار أعضاء منظمة شنغهاي ودول الخليج، تسعى الصين والهند إلى إقامة مشروعات ربط لوجيستي ذات قيمة اقتصادية واستراتيجية هامة. مثل مبادرة "الحزام والطريق" التي أطلقها الزعيم الصيني شي بينغ للمرة الأولى عام 2013م، بهدف ربط مناطق أوراسيا من خلال شبكة من الطرق، والسكك الحديدية، وخطوط أنابيب الغاز والنفط، ومشروعات الاتصالات، وكذلك منطقة المحيط الهندي، عبر تطوير الموانئ، التي تربط آسيا بقارة أوروبا من خلال البحر الأحمر، والبحر الأبيض المتوسط.

تضم مبادرة الحزام والطريق أكثر من 150 دولة ومنظمة دولية، ونحو 4.5 مليار شخص، ومن ثم ستجمع ما يقرب من 30٪ من إجمالي الناتج المحلي العالمي؛ فيما تُقدر تكلفة المشروعات المتضمنة مبدئيًا في المبادرة بحوالي تريليون دولار. وبخلاف طريق الحرير "التاريخي، لن تعتمد مبادرة الحزام والطريق خطاً مستقيما من الروابط عبر اليابسة الأوروبية الآسيوية، بل سيكون لها العديد من الحلقات والأفرع، بحيث بالكاد لن يتم استبعاد أي جزء داخل آسيا أو أوروبا. وحتى الأن لا يوجد مخطط نهائي يشمل كافة المشروعات المستهدفة من المبادرة التي يراد منها في الأساس إتاحة “إطار عمل فضفاض وشامل للتعاون يتسم بقدر كبير من المرونة بما يسمح بإدراج مختلف المشروعات تحت مظلتها"، حسبما قال أحد المعلقين في هذا الشأن.

تتمركز منطقة غرب آسيا في قلب المشروعات المستهدفة من مبادرة الحزام والطريق سواء برًا أو بحرًا، وذلك لموقعها الفريد الذي يربط بين ثلاث قارات؛ آسيا وإفريقيا وأوروبا. ويعتبر مشروع "الممر الاقتصادي بين الصين وآسيا الوسطى وغرب آسيا" أحد أكبر المشروعات الواردة ضمن المبادرة، والتي تربط بين إيران والصين. وبدأ المشروع بالفعل يؤتي ثماره الأولى من حيث تحسين الربط اللوجستي بين البلدين، بعد أن نجح قطار شحن مكون من 32 عربة في فبراير من عام 2016م، في قطع المسافة من إيران إلى مقاطعة جيجيانغ الصينية خلال 14 يومًا فقط، في حين كان يستغرق الأمر مدة كانت تصل إلى شهر ونصف الشهر عن طريق البحر.

من المتوقع أيضًا أن تلعب دول مجلس التعاون الخليجي دورًا محوريًا كشريك رئيسي ضمن مبادرة الحزام والطريق. وذلك نظرًا إلى الأهمية التي تمثلها قضية تأمين الطاقة كأحد أهم المحاور المستهدفة من المبادرة داخل منطقة الخليج. وسط توقعات بتزايد احتياجات الصين من مصادر الطاقة لتصل إلى 14.2 مليون برميل يوميًا. لذلك من المتوقع أن تساعد المبادرة في تسهيل مهمة شركات الطاقة الصينية لشحن كميات أكبر من النفط الخام من منطقة الخليج. ويرى معلقون صينيون أن مبادرة الحزام والطريق ستسهم في إقامة "ممرات وطرق نفطية" تضمن تدفق مصادر الطاقة بين كبار المنتجين على مستوى العالم والصين. في حين يتعاون المسؤولون الصينيون مع شركائهم في دول مجلس التعاون الخليجي من أجل وضع الأطر المؤسسية والمالية التنظيمية المنوط بها تسهيل حركة الأنشطة العابرة للإقليم، والمتعلقة بتنفيذ مشروعات المبادرة في الخليج. وهو ما أثمر عن إنشاء لجنة مشتركة رفيعة المستوى بين الرياض وبكين عام 2016م، حيث تم تكليف إحدى اللجان الفرعية الست المنبثقة عنها مسؤولية تنفيذ مشروعات الحزام والطريق.

من جانبها، تسعى الهند من أجل إقامة ثلاثة مشروعات ربط إقليمي، تتضمن إنشاء روابط متعددة الوسائط تبدأ من ميناء تشابهار الإيراني مرورًا بأفغانستان ثم دول آسيا الوسطى الخمس؛ والمشروع الثالث يتعلق بإنشاء ممر "النقل الدولي بين الشمال والجنوب"، الممتد من ميناء تشابهار، عبر أستراخان وصولاً إلى موسكو، ثم يتصل بنظم النقل داخل منطقة أوروبا الغربية. وقد أحرزت هذه المشروعات بعض التقدم، بعد الزيارة التي قام بها رئيس الوزراء الهندي نارندرا مودي إلى طهران في مايو 2019م، وسبقتها زيارة نظيره الإيراني السابق حسن روحاني في فبراير 2018م، والتي اتفق خلالها البلدان على إدراج مشروع "ممر النقل الدولي بين الشمال والجنوب" ضمن" إطار تشابهار"، والدفع بالمشروع قدما من خلال اجتماعات ثنائية مبكرة.

 وكانت روسيا إلى جانب إيران والهند، هم أول من أطلق مشروع ممر النقل الدولي في سبتمبر من عام 2000م، بهدف إنشاء رابط حديث بين الهند، ومنطقة آسيا الوسطى، وروسيا عبر الأراضي الإيرانية. حيث استهدف المشروع المتصور حينذاك شحن البضائع من الموانئ الهندية إلى الميناء الإيراني (الذي تم استكماله فيما بعد ليصبح الآن ميناء تشابهار)، ثم إلى ميناء إيراني آخر يطل على بحر قزوين، مرورًا بميناء " أستراخان " الروسي المطل أيضًا على بحر قزوين، وصولاً إلى العاصمة الروسية موسكو.

وفي عام 2012م، وقع الاختيار على تركيا وبعض دول آسيا الوسطى للانضمام إلى المشروع بهدف سد حلقات الربط المفقودة في الممر، أعقب ذلك إجراء تجربة تشغيلية من قبل اتحاد وكلاء الشحن الهندي من أجل تحديد نقاط الاختناق. ويتيح مشروع ممر النقل الدولي مميزات عدة من بينها: تقليص المدة الزمنية وتكلفة تسليم الحاوية بنسبة تتراوح ما بين 30 % إلى 40 %، كما يعد خيار اقتصادي للشحنات القادمة من جنوب شرق آسيا والمتجهة إلى دول أوروبا، حيث سيكون الممر أقصر بنسبة 40% عن الطرق التقليدية، وأقل تكلفة بنسبة 30%.

المصالح الأمنية المشتركة

ساهمت التطورات التي شهدتها منطقة غرب آسيا منذ اندلاع ثورات الربيع العربي في التأكيد على مدى ترابط وتشابك الشؤون والعلاقات الأمنية لأعضاء المنظمة داخل أوراسيا، وجنوب وغرب آسيا، بحيث لم يعد في الإمكان النظر في مصالح أي من هذه المناطق الفرعية بشكل منفصل عن بعضها البعض. وتعد الأحداث في سوريا خير مثال على ذلك، بعد أن أصبح النزاع السوري ساحة لخلاف دام سنوات عديدة بين أطراف عديدة. فمن جانبها عمدت موسكو، الوافد الجديد على ساحة غرب آسيا-إلى "تطوير مصالحها داخل المنطقة باعتبار ذلك هدف في حد ذاته" حسبما أشار الباحث نيكولاي كوازنوف. كما أصبحت موسكو تنظر لدورها في المنطقة كجزء لا يتجزأ من اعتقادها الراسخ بأنها صاحبة دور مهم في مخاطبة الشؤون ذات الأهمية العالمية. وقد ساعدت العزلة المفروضة عليها من قبل الغرب بسبب غزو أوكرانيا في تعظيم هذا الاعتقاد بقدر ما أصبحت حاجتها لتنويع شبكة علاقاتها الدولية.

من ناحية أخرى، ارتبط الدخول الصيني إلى منطقة غرب آسيا بخدمة مصالح بكين الاقتصادية، واللوجستية، وتأمين مصادر الطاقة، التي شكلت رأس أولويات سياساتها داخل المنطقة. وفي سبيل ذلك، حرصت بكين على إقامة مصالح ذات دلالة داخل مختلف أنحاء المنطقة، لن يمكن لها أن تزدهر سوى في كنف بيئة مستقرة. بالتالي لم تعد بكين راغبة في أن تظل على الهامش لترى المنطقة تغرق في الصراعات لاسيما وأن مصالحها أضحت مهددة في مواجهة العديد من التحديات جراء سيناريو تدهور الأمن الإقليمي في حال نشوب مواجهة خليجية-إيرانية، تؤدي لصراع أكبر على مستوى المنطقة بما يقوض مصالح الصين الاقتصادية ويهدد أمن الطاقة على المدى الطويل، ويثير تساؤلات هامة حول جدوى مبادرة الحزام والطريق.

 الهند لديها أيضًا مصلحة كبرى في ضمان استقرار منطقة غرب آسيا والمحيط الهندي نظرًا لارتباط مصالحها الأمنية، واللوجستية، والاقتصادية بالمنطقة. إلى جانب مساعيها الرامية لإقامة روابط مع المشهد الأوراسي، فضلاً عن نقاط الاختناق التي تواجهها في مضيق هرمز وباب المندب في الغرب، ومضيق ملقا في الشرق. وقد عكست الاستجابة الدافئة من قبل دول الخليج لمبادرات رئيس الوزراء مودي على مدار الأعوام الماضية، حقيقة اهتمام الجانب الخليجي أيضًا بتطوير العلاقات مع الهند. أما عن السيناريو الكارثي الذي يشكل كابوسًا مخيفًا للدول الثلاث-روسيا والصين والهند-يتمثل في تصاعد حدة المواجهة بين دول المنطقة الخليجية وإيران لتتحول إلى صراع واسع النطاق يشكل منطقة غرب آسيا بأكملها، وربما يجذب مشاركة القوى الكبرى.

مقاربات جديدة لشكل التعاون الإقليمي

في الوقت الذي تشدد دول منظمة شنغهاي للتعاون على أهمية تحقيق تناغم وتعاون بين أعضائها، تكشف الحقائق على الأرض عن وجود انقسامات بين العديد من أعضائها بسبب نزاعات مع أعضاء آخرين، من بين هؤلاء: الهند وباكستان، ومؤخرًا، الهند والصين؛ قيرغيزستان وطاجيكستان؛ أذربيجان وإيران، بالإضافة إلى الخلاف التاريخي بين تركيا وأرمينيا، الذي تم إشعاله من جديد بعد دعم أنقرة لأذربيجان في صراعها العسكري ضد أرمينيا. وبالتالي، يحق التساؤل كيف يُتوقع من منظمة شنغهاي للتعاون، في ضوء هذه المعطيات، أن تستوعب تحت مظلتها المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات إلى جانب إيران، في ظل الخلافات المستمرة بين الفريقين على مدار العقد الماضي وتورط إيران في حروب بالوكالة داخل سوريا واليمن.

وتشير بعض التطورات الأخيرة إلى أنه يمكن النظر في اعتماد مقاربة جديدة من أجل رأب الصدع في العلاقات بين المملكة العربية السعودية وإيران وهي كالتالي:

أولاً، لم تُفرز الصراعات التي ظلت تعصف بمنطقة غرب آسيا سواء داخل سوريا على مدار عقد كامل، أو أحداث اليمن المستمرة منذ أكثر من 7 أعوام، عن نتائج عسكرية حاسمة، رغم ما تسببت فيه من دمار ومقتل نصف مليون شخص، ونزوح ملايين المواطنين الذين ظلوا يعانون تحت وطأة أزمات إنسانية طاحنة، لذلك فإن الوقت قد حان من أجل التفكير في اتباع مقاربات بديلة لمعالجة النزاعات والمنافسات بين القوى الإقليمية.

ثانيًا، إن المعاناة والصعوبات التي فرضت على الشعب الإيراني جراء العقوبات الأمريكية الصارمة، جعلته يعتاد الحرمان ويطور قدرة كبيرة على التحمل في مواجهة التهديدات الخارجية. لذلك، فإن أفضل سبيل للتعامل مع إيران سيكون عبر التشابك والحوار الدبلوماسي، بدلاً من سياسة المواجهة، وقد تجلى ذلك من خلال المفاوضات السابقة (5+1) بين طهران والغرب.

ثالثًا، الانقسام المتجذر بين الدولتين السعودية وإيران يعود إلى أسباب أمنية نابعة من انعدام الثقة المتبادل أكثر من كونه خلاف بسبب الهوية الطائفية.

 ويتبين من خلال المعطيات السابقة أن أفضل سبيل للمضي قدمًا سيكون عبر منح الأولوية لإعلاء التعاون الاقتصادي بين أعضاء منظمة شنغهاي -الحاليين والمحتملين-إذ تعد الروابط الاقتصادية بين أعضاء المنظمة ودول الخليج جوهرية، ومُلزمة في الوقت ذاته من أجل خدمة مصالح الجانبين على المدى البعيد. كذلك سيحمل التعاون مع منظمة شنغهاي العديد من المزايا لدول مجلس التعاون الخليجي ستنعكس بشكل كبير في مجال الطاقة، حيث سيكون هناك تكاملاً بين كبار المُنتجين والمُستهلكين للنفط والغاز، بما يتيح إمكانية ليس فقط تنسيق السياسات مع الجهات المنتجة، بل أيضًا المشاركة في مختلف مشروعات خطوط الأنابيب التي ستربط بين المنتجين في أوراسيا والمستهلكين. فضلاً عن تعميق التعاون في مجال التجارة والاستثمار بين دول مجلس التعاون الخليجي ومنظمة شنغهاي التي تعد بالفعل أهم شريك تجاري للمنطقة الخليجية، وتوفر فرص جذب للاستثمارات.

أحد مزايا هذا التعاون أيضًا تتمثل في جعل دول الخليج شريكاً فعالاً في مشروعات الربط اللوجيستي الطموحة التي لاتزال قيد الدراسة وتحتاج بيئة مستقرة بمنطقة غرب آسيا كي تحقق أهدافها. وسواء كانت المشاركة الخليجية من خلال جهات تمويلية أو تعاقدية، أو استشارية، ستحقق استفادة حتمية من الطفرة التجارية التي ستصاحب اكتمال هذه المشروعات.

وعلى صعيد الأمن الإقليمي، سيكون هناك آثارًا إيجابية لشراكة خليجية مع منظمة شنغهاي للتعاون، كما موضح أدناه:

تشكيل تحالفات أمنية

يرى البعض أن منطقة غرب آسيا على أعتاب مواجهات عسكرية بين القوى المتجاورة، تنذر بجر المنطقة بأسرها إلى ويلات حرب واسعة النطاق، فضلاً عن عزوف واشنطن عن تجديد الاتفاق النووي مع طهران بعد انسحابها أحادي الجانب عام 2019م، وبالتالي فإن أولى الخطوات، التي من شأنها المساعدة في اجتذاب دول الخليج إلى محيط منظمة شنغهاي للتعاون، يتأتى من خلال السعي إلى تحقيق روابط اقتصادية، ولوجيستية، وروابط في مجال الطاقة تسمح باحتضان كافة دول القارة الأوراسية والمحيط الهندي، وذلك سيتم من خلال المشروعات التالية:

  1. الطاقة: إقامة شبكة واسعة من خطوط أنابيب الطاقة بمختلف أنحاء المنطقة على أن يتم تدعيمها في النهاية بشبكة "النفط والغاز الآسيوية"، التي تشكل همزة الوصل بين الجهات المُنتجة في غرب ووسط آسيا وروسيا، بالمستهلكين في جنوب وشمال شرق وجنوب شرق آسيا.
  2. اللوجستيات: إعادة تنظيم الهيكل الداخلي لمنظمة شنغهاي للتعاون ليتيح إمكانية التنسيق بشأن مشروعات الربط المستهدفة على مستوى المنطقة، بحيث تصبح المشروعات المتضمنة في "مبادرة الحزام والطريق" وتلك التي تقودها الهند جزءًا من مبادرة أكبر وأكثر تنظيمًا تضمن أن تكون المشروعات المتداولة نتاج مشاورات واسعة النطاق على مستوى المنطقة، تراعي المصالح الأساسية لكافة الأطراف، والحساسيات بين الشركاء.
  3. التجارة والاستثمار: التركيز على تطوير المؤسسات المالية، والإنمائية، والمصرفية، والترتيبات المتعلقة بـ مقايضة العملات، التي ستكون خارج النظام المالي المهيمن عليه من قبل الولايات. إذ تسعى واشنطن إلى ممارسة سلطات قضائية أحادية الجانب خارج نطاق أراضيها، لخدمة سياساتها المدفوعة بمعتقدات وأفكار أيديولوجية تتسبب في تأجيج انعدام الثقة وإثارة الخلافات. لذلك لم يعد من الممكن اعتبار السياسات والمواقف الأمريكية تتحلى بالمسؤولية أو تستند إلى مبادئ محددة.

الصدى الأكبر لهذه الرؤية سينعكس على صعيد الأمن الإقليمي، وسط تصور بأن يتم دمج المنظمة بهيكلها الموسع ضمن ترتيبات واتفاقات للتعاون الأمني تستهدف مجابهة التحديات الآنية وأبرزها: احتواء المخاوف المُسببة لحالة انعدام الثقة والخلاف بين طهران والرياض وضمان استمرارية قنوات التواصل والحوار مفتوحة بين الجانبين واحتواء هذه الانقسامات لضمان عدم حدوث تصعيد يسفر عن مواجهة موسعة على مستوى المنطقة.

 وستتمثل الخطوات التالية لاستكمال مساعي الربط بين دول الخليج ومنظمة "شنغهاي" للتعاون فيما يلي:

  • دعوة كل من المملكة العربية السعودية والإمارات للانضمام إلى شركاء الحوار وتسريع منحهما العضوية الكاملة.
  • إنشاء منتدى إقليمي تحت مظلة المنظمة للحوار مع (السعودية والإمارات وإيران).
  • مشاركة كل من الهند، وروسيا، والصين ضمن المبادرات الدبلوماسية فيما وراء الكواليس بهدف تعزيز الثقة وسبل الحوار بين الرياض وطهران.

ومن بين الأفكار المقترحة أيضًا، إنشاء "مجلس للتعاون الأمني يتبع المنظمة ويساعد في تدعيم المنتدى الإقليمي، على غرار "مجلس التعاون الأمني في منطقة آسيا-المحيط الهادي"، الذي تم إنشاؤه ليخدم كمنصة تتيح مسار ثاني لدعم آليات عمل منتدى "آسيان" الإقليمي للحوار. من خلال توكيل مهام فحص القضايا الأمنية المعقدة إلى مجموعات دراسية، وفرق من الخبراء تضم دبلوماسيين متقاعدين، وضباط عسكريين، وكوادر أكاديمية. حيث تتمتع هذه المجموعات بالخبرة، وأدوات المعرفة، والمرونة اللازمة لدراسة القضايا الشائكة، وتقديم تقارير مدروسة جيدًا إلى المنتدى الرسمي، ليتم مناقشتها رسميا بين شركاء الحوار.

ختامًا

قد تبدو الأجندة المتعلقة بآليات التعاون الأمني طموحة للغاية، لكن هناك بعض النقاط الهامة جديرة بالذكر:

أولاً، تمسك الولايات المتحدة حتى الآن ببسط هيمنتها على النظام العالمي وقد اتضح ذلك جليًا من خلال موقفها من حرب روسيا وأوكرانيا، كما تسعى واشنطن إلى تأطير هذا النفوذ عبر إخضاع الاتحاد الأوروبي لرؤيتها الاستراتيجية، وخوض منافسة عسكرية قوية، إلى جانب تقليص التحديات الناتجة عن التحالف الروسي / الصيني.

وبرغم مساعي واشنطن في هذا الصدد، إلا أن النقطة الثانية تتعلق بوجود شكوك عميقة حول استدامة الرؤية والاستراتيجية الأمريكية، اللتين لم تحظيا بدعم فعلي من قبل دول نصف الكرة الجنوبي بما في ذلك: دول الشرق الأوسط، وجنوب آسيا، ومنطقة آسيان، أو حتى تلك داخل القارة الإفريقية، وأمريكا اللاتينية التي بالكاد لم يعلن أي منها دعمه للعقوبات المفروضة ضد روسيا. فضلاً عن رفضهم القاطع للانحسار داخل إطار مواجهة مسلحة ثنائية القطب، وحرص هذه الدول على متابعة تعاونها وروابطها الاقتصادية في شتى المجالات. حتى أن أعضاء الاتحاد الأوروبي أنفسهم بالكاد يعتقدون في إمكانية تحقيق فوز عسكري ضد روسيا بكل ما تمتلكه من قوة نووية، ومصادر طاقة غنية، وثروة معدنية

تتعلق النقطة الثالثة، بتحول دفة القضايا الرئيسية ذات الاهتمام العالمي على الصعيد السياسي، والاقتصادي، والعسكري شرقًا صوب منطقة أوراسيا والمحيط الهندي: حيث تعد المنظمات المحلية والمبادرات مثل منظمة شنغهاي للتعاون، وتجمع بريكس ومبادرة الحزام والطريق إلى جانب “ممر النقل الدولي بين الجنوب والشمال" والمؤسسات المنبثقة عنها، راسخة بشكل كبير داخل الأراضي الشرقية، وتحتضن سلاسل التوريد الهامة للسلع، ومراكز التكنولوجيا، والمؤسسات الأكاديمية التي تدعمها.

 

رابعًا، ظهور أطراف فاعلة تسعى لتحديد دور لها وبلورة تحالفات تخدم مصالحها الخاصة، لاسيما مع خسارة واشنطن مصداقيتها كداعم أمني، وتنامي حالة الضبابية التي باتت تكتنف المشهد السياسي.

 

وفي وسط زحام هذه الحقائق، يتسنى لمجتمع منظمة شنغهاي للتعاون، سواء كأعضاء، أو كمراقبين، أو شركاء حوار، أن تطور نفسها مع مرور الوقت لتصبح تحالفًا اقتصاديًا متكاملاً، يمكنه إضفاء طابع رسمي فيما بعد كمنطقة تجارة حرة. أو أن يتأهل هذا التعاون المتبادل البناء ليصبح تحالفًا جيوسياسيا أوروآسيويا يحمي مصالح أعضائه، شريطة توافر البيئة والمعطيات الملائمة.

 

وقد أكد رئيس الوزراء ناريندرا مودي خلال كلمته أمام قمة سمرقند على أهمية العمل تحت مظلة المنظمة من أجل تطوير سلاسل توريد موثوقة، تتسم بالمرونة والتنوع. قائلاً: “يتطلب ذلك العمل على تحسين سبل الاتصال والترابط، كما أننا في حاجة إلى أن نمنح بعضنا البعض الحق الكامل في العبور ". ومن ثم قد يتسنى لمنظمة شنغهاي من خلال هذا التعاون العملي التدريجي بأن تصبح "مجتمعًا ذو مصير مشترك"، كما وصفها الرئيس الصيني شي جين بينغ.

مقالات لنفس الكاتب