array(1) { [0]=> object(stdClass)#12427 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 181

آفاق جديدة للعلاقات وشراكة طويلة الأمد تقوم على الاحترام المتبادل - بين الرياض وبكين

الأربعاء، 28 كانون1/ديسمبر 2022

وقّع خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز والرئيس الصيني شي جين بينغ اتفاقية الشراكة الاستراتيجية الشاملة والتي تعد تتويجاً للتطور الكبير الذي شهدته العلاقات السعودية الصينية منذ تأسيسها في 1990م، وتؤسس لمرحلة جديدة للعلاقات ستكون محل اهتمام ومتابعة المراقبين لشؤون الخليج العربي والتنافس الاستراتيجي الأمريكي الصيني. وتعد اتفاقيات الشراكة إحدى وسائل الدبلوماسية الصينية في تعزيز علاقاتها الثنائية، وقد قدرت دراسة عدد اتفاقيات الشراكة التي وقعتها الصين مع دول العالم حتى هذا العام بـ 110 اتفاقيات.

 أ.د. صالح بن محمد الخثلان

أستاذ العلوم السياسية بجامعة الملك سعود ـ الرياض

 

 كما صنّفت دراسة أخرى هذه الاتفاقيات حسب أسمائها إلى 24 ومن ذلك: الشراكة الاستراتيجية، الشراكة الاستراتيجية التعاونية، الشراكة الاستراتيجية الشاملة، الشراكة الاستراتيجية للتنسيق، شراكة الصداقة التعاونية طويلة الأمد، والشراكة الاستراتيجية ذات المصلحة المتبادلة وغير ذلك من اسماء.  وقد أعادت هذه الدراسة تصنيف هذه الشراكات حسب مضمونها إلى ثلاث مجموعات مرتبة حسب أهميتها على النحو التالي: شراكات استراتيجية شاملة وهي التي تم توقيعها مع المملكة، وشراكات استراتيجية، وشراكات عادية.

ويُنسب لرئيس وزراء الصين السابق وين جياباو تعريفاً لمفهوم الشراكة الاستراتيجية الشاملة من خلال تفكيكه لمكوناته الثلاثة. فالشمولية تعني في المجالات والأبعاد والمستويات. فمن حيث المجالات تتعدد مجالات الشراكة لتشمل الميادين الاقتصادية والتكنولوجية والثقافية والسياسية. أما من حيث الأبعاد فالشراكة تشمل العلاقات الثنائية والمتعددة الأطراف، أما من حيث المستويات فالشراكة تشمل التعاون بين الأجهزة الحكومية والتعاون بين مؤسسات القطاع الخاص وكذلك الدبلوماسية الشعبية. أما مصطلح "استراتيجي" فيعني أن التعاون بين البلدين مستقر وطويل الأجل ويتغلب على الاختلافات في الأيديولوجية وفي شكل الأنظمة السياسية. في حين يقصد بمصطلح "الشراكة" أن البلدين يتعاونان على أساس الاحترام والثقة المتبادلة والمساواة ويسعيان إلى تطوير علاقة مربحة تعود بالنفع على الطرفين.

وسنقوم بتطبيق هذا التعريف لفحص اتفاقية الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين المملكة والصين من خلال تحليل البيان الختامي للزيارة والبحث في النصوص التي تظهر طابعها الشمولي والاستراتيجي.

فمن حيث المجالات فالتعاون حسب ما جاء في البيان يشمل كافة المجالات السياسية والدفاع والأمن والطاقة والفضاء والاستثمار والنقل والتقنية والاتصالات والصحة والزراعة والمياه والرياضة والإعلام والصناعة والتجارة والتعدين والثقافة والسياحة.

أما من حيث الأبعاد فقد تحدث البيان عن العلاقات الثنائية حيث أكد الطرفان على "مواصلة دعم المصالح الجوهرية لبعضهما بثبات، ودعم كل جانب الجانب الآخر في الحفاظ على سيادته وسلامة أراضيه، وتعزيز التعاون بينهما من خلال اللجنة السعودية الصينية المشتركة رفيعة المستوى لتحقيق الأهداف المشتركة". كما تحدث البيان عن التعاون الدولي حيث نص على "تنسيق المواقف ذات الصلة في المحافل الدولية مثل مجموعة العشرين، وصندوق النقد والبنك الدوليين، والبنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية وغيرها، بما يعزز الجهود الرامية إلى زيادة فاعلية هذه التجمعات والمؤسسات وحوكمتها".

وفي المجال الدولي أكد البيان أيضاً عزم المملكة والصين "مواصلة التنسيق وتكثيف الجهود الرامية إلى صون السلم والأمن الدوليين، واستمرار التنسيق بينهما في المنظمات ذات

الصلة، والدعوة إلى الحوار البناء بما يحقق مقاصد ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة، والمبادئ الأساسية للعلاقات الدولية". كما ذكر البيان أن الشراكة تشمل "الاستثمار المشترك في مشاريع الطاقة في دول المنطقة والدول المستهلكة لمنتجات الطاقة في أوروبا وإفريقيا".

أما من حيث المستويات فهي تشمل الأجهزة الحكومية من خلال اللجنة المشتركة رفيعة المستوى وكذلك مؤسسات القطاع الخاص التي وقع مسؤولوها خلال الزيارة  25  اتفاقية ومذكرات تفاهم تأكيداً على الدور المهم لهذه المؤسسات في تعميق الشراكة. أما التعاون في الدبلوماسية الشعبية كركن من أركان الشراكة الاستراتيجية فيتبين في إشارة البيان إلى المبادرات الثقافية ومنها جائزة الأمير محمد بن سلمان للتعاون الثقافي بين البلدين، وكذلك تنظيم العام الثقافي الرقمي الصيني السعودي، إضافة إلى اعتماد المملكة كمقصد سياحي في الخارج لمجموعات السياح الصينيين.

أما البعد الاستراتيجي في الشراكة وحسب التعريف أعلاه فيتضح من نص البيان على تعميق العلاقات والوصول بها إلى آفاق جديدة وواعدة وهو ما يعني أنها شراكة طويلة الأمد تقوم على الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية. كما أن إشارة البيان إلى تقديم المملكة التهنئة للصين على نجاح انعقاد المؤتمر الوطني العشرين للحزب الشيوعي الصيني من جانب، ومعارضة الصين بحزم أي تصرفات من شأنها التدخل في الشؤون الداخلية للمملكة العربية السعودية من جانب آخر يؤكد الطابع الاستراتيجي للشراكة حسب معيار تجاوز "الاختلافات الأيديولوجية وشكل الأنظمة السياسية". البيان نص أيضاً على أن الشراكة تمثل "نموذجاً من التعاون والتضامن والمنفعة المتبادلة".

ويمثل توقيع خادم الحرمين الشريفين والرئيس الصيني شي جين بينغ على الاتفاقية أبرز مؤشر على الطابع الاستراتيجي للشراكة بين الرياض وبكين.

        أخيراً يظهر لنا أن الشراكة السعودية الصينية أتت ثمارها بشكل سريع  وهو ما يظهر في ما تضمنه البيان عن إيران فقد نص على "تعزيز التعاون المشترك لضمان سلمية برنامج إيران النووي، ودعا الجانبان إيران للتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والمحافظة على منظومة عدم الانتشار، وأكدا على احترام مبادئ حسن الجوار، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول".

  كما كان بيان القمة الخليجية الصينية أكثر وضوحاً ومباشرة بشأن إيران حيث خصّها بأربع فقرات (شكلت 15% من البيان) شملت برنامجها النووي، وزعزعة الاستقرار ودعم الجماعات الإرهابية والطائفية والتنظيمات، ومساندة الإمارات العربية المتحدة في قضية الجزر.

        لاشك أن موافقة  الصين على هذه الفقرات يعد مكسباً كبيراً وتحولاً في موقفها حيث كانت في السابق تنزع لتجنب اتخاذ مواقف صريحة تجاه الخلافات الإقليمية البعيدة عن محيطها الجغرافي. وما يؤكد أهمية هذا الموقف انزعاج طهران من البيان واستدعاء وزارة الخارجية الإيرانية السفير الصيني لإعلان احتجاجها.

هذا التطور في الموقف الصيني تجاه إيران يعد دليلاً قوياً على نجاح الدبلوماسية السعودية في التأثير على سياسات الدول الكبرى، ويدل أيضاً على الأهمية الاستراتيجية للمملكة بالنسبة للصين التي جعلتها تفصح عن موقف صريح وقوي تجاه إيران رغم علاقتها التاريخية والمتشعبة معها.    

ختاماً أهمية هذه الشراكة الاستراتيجية الشاملة تقتضي تطوير آليات تنفيذ ومتابعة وتقييم تخدم الجانب السعودي في اللجنة المشتركة رفيعة المستوى من خلال إعداد تقارير دورية عن مستوى التقدم في كافة مجالات الشراكة وبيان أي عوائق قد تعترضها وتقديم المقترحات لتجاوزها.  

 

 

 
مقالات لنفس الكاتب