array(1) { [0]=> object(stdClass)#12939 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 181

تخفيف العقوبات أشهى جزرة للدب الروسي لوقف الحرب والذهاب مسرعًا للمفاوضات

الخميس، 29 كانون1/ديسمبر 2022

بَينما يواجه الأوكرانيون شتاءً صعبًا، تنتشر التكهنات حول ما إذا كانت العواصم الكبرى ستضغط في نهاية المطاف لإجراء محادثات بين كييف وموسكو، خاصة بعد الارتفاع المستعر في أسعار الطاقة، وتضاؤل ​​مخزونات الأسلحة لدي الدول الأوروبية على وجه التحديد، ومع ذلك فمن المؤكد أن هناك عوامل ضاغطة عديدة تُرجئ الحديث عن جدوى اللجوء لمفاوضات، أو وساطة لحلحلة الموقف المتحجر سواء في ساحة الحرب أو خارجها.

لا مِراء أن الحقيقة التي صارت ماثلة للكافة أن طريق التسوية السلمية النهائية للنزاع المسلح وغير المسلح بين أوكرانيا وروسيا يتجه نحو طريق مسدود، على الأقل في المرحلة الراهنة، حيث لا يرى أي من الجانبين ميزة لفتح محادثات المرحلة النهائية، التي تفضي لإنهاء شامل للحرب وإرساء سلام عادل بين البلدين.

المفاوضات الروسية الأوكرانية غير الناجعة

بالرغم من خصوصية المفاوضات التي جرت  بين الدولتين المتحاربتين روسيا الفيدرالية وأوكرانيا، غير مرة، لكنها لا يمكن التأسيس عليها،  في القريب العاجل لتسوية نهائية للنزاع الدولي المحتدم بين البلدين ومنذ انهيار الاتحاد السوفيتي السابق عام 1991م، حيث لم تفلح الدولتان وعلى مدار ما يناهز عشرة شهور من الحرب، سوى  إلى إبرام اتفاق وقف إطلاق نار جزئي في القطاعات التي خصصت فيها الممرات الإنسانية، ولكن أخفقت كلاهما في  تأمين  التوصل لاتفاق وقف إطلاق نار شامل في كل  الأقاليم الأوكرانية، يوقف بشكل مؤقت العمليات العدائية العسكرية المستعرة بين العدوين اللدودين .

ماهية المفاوضات

التفاوض أسلوب معقد من أساليب التسوية السلمية، فهو ليس بسيطاً أو واضحاً في آلياته وأشكاله، مع ذلك، فإن المدى الذي تصل إليه تعقيداته يتوقف على طبيعة القضايا محل النزاع، وطبيعة العلاقة بين الطرفين المتنازعين، ومدى توافر خيارات أخرى لدى كل منهما لحل النزاع، إضافة إلى الظروف الإقليمية والدولية المحيطة بطرفي المشكلة، وهي الظروف التي تدفع نحو ضرورة اتباع أسلوب التفاوض أو غيره لحل النزاع.

وهناك عدة تعريفات للمفاوضات: فهي مشاورات ومباحثات تجرى بين دولتين أو أكثر، بقصد تسوية خلاف أو نزاع قائم بينهما، بطريقة ودية ومباشرة. كما تًعرف بأنها تبادل الرأي بين دولتين بقصد الوصول إلى تسوية للنزاع القائم بينهما، ويكون تبادل الآراء شفاهة أو فى مذكرات مكتوبة أو بالطريقتين معاً.

كما يُقصد بها الاتصال المباشر بين دولتين أو الدول المتنازعة وتبادل الآراء بقصد الوصول إلى تسوية للنزاع القائم بينهما، كما أنها تعنى اللقاء المباشر للأطراف بهدف الوصول إلى اتفاق مشترك مقبول من قِبل الجميع.

وتعتبر المفاوضات من أقدم الوسائل السلمية لتسوية المنازعات وأكثرها شيوعاً، وهي وسيلة مُثلى لحل المنازعات الدولية، لأنها سلمية، وطريقة تفاهم مباشرة بين الطرفين المعنيين بموضوع يمثل مصلحة مشتركة بينهما، وهما أصحاب الحق فيها ولا قيمة لأي حل إلا إذا جاء باقتناع منهما، وهذا ما تحققه المفاوضات.

أهمية المفاوضات الدبلوماسية

ما برحت المفاوضات المباشرة بين الدول المتنازعة، تعد أحد أهم الوسائل لتسوية النزاعات على اختلاف مجالاتها بين الدول سلمياً، وتحتل المفاوضات فى القانون الدولي المركز الأول بين كافة الوسائل السلمية لتسوية المنازعات الدولية، وتستخدم المفاوضات بنجاح لتخفيف التوتر بين الأطراف المختلفة، واللجوء إلى المفاوضات يمكن أن يفضي إلى النتائج التالية: الحل المباشر للخلاف وتحقيق اتفاق بشأن اللجوء إلى أية وسيلة سلمية أخرى لتسوية النزاع.

ولكي تكون المفاوضات فعالة؛ يجب أن تُجرى بحُسن النيَّة من قِبل الأطراف ولأجل تحقيق اتفاق بشأن المسألة المتنازع عليها، وهذا يفترض وجود الثقة المتبادلة بين الأطراف والأخذ فى الحسبان مصالحهم، وأن تُجرى المفاوضات على أساس المساواة والتكافؤ بين الأطراف ويجب اختيار الوقت المناسب لإجرائها، فاللحظة التي يمكن خلالها تخفيف حدة العلاقات المتوترة بين أطراف النزاع هي أكثر لحظة مناسبة لإجراء المفاوضات.

المفاوضات هي الوسيلة الأفضل للتسوية

تعتبر المفاوضات أكثر وسائل التسوية التي أوصت بها الجمعية العامة لأطراف النزاع، وفى هذا السياق يُشار إلى القرار 40/ 9 المؤرخ 8 نوفمبر 1985م، حيث وجهت فيه الجمعية العامة نداءً رسمياً إلى الدول المتنازعة لفض خلافاتها عبر المفاوضات والوسائل السلمية الأخرى، وقد اتخذ مجلس الأمن – بناء على مسؤولياته – عدة قرارات يُطلب فيها إلى الدول الدخول فى مفاوضات.

وحتى لو لم تؤدِ المفاوضات إلى حل ودي؛ سيبقى لها الفضل فى حصر النزاع وإثارة مختلف النقاط العالقة أو وضع النقاط على الحروف بالنسبة للخلاف القائم بين الطرفين. وفى حال عدم التوصل إلى حل؛ فيمكن للمفاوضات أن تعالج الأمور الإجرائية لتحديد النقاط الواقعية القانونية التي يجب حسمها والطريقة الأكثر تناسباً للظروف والمعطيات.

الوسطاء الجدد الفاعلون

من الواضح أن الصين كانت غير مرتاحة للتصعيد في أوكرانيا وعرضت الوساطة بين أوكرانيا وروسيا في الوقت المناسب، ويعطي هذا بعض الأمل في إمكانية أن تلعب الصين دورًا أكثر إيجابية، خاصة لعلاقاتها الوطيدة مع روسيا على الأقل في دفع الرئيس بوتين إلى طاولة المفاوضات وحثه على تبني موقف تفاوضي أكثر وسطية.

في السياق ذاته لم تكن المبادرة التي طرحها بابا الفاتيكان غريبة حين أعلن استعداده للتوسط بين الدولتين المتحاربتين من أجل حقن دماء البشر ووقف التدمير في أوكرانيا، لقد لعب الفاتيكان أدورًا ناجحة في الوساطة الدولية لتسوية نزاعات الدول منذ ثلاثة عقود، لكن من غير المأمول ترقب هذه الوساطة بعد التصريحات التي أطلقها البابا بشأن الانتهاكات الروسية في أوكرانيا، والتي قوبلت برد فوري وعنيف من روسيا.

 يمكن أن تلعب الهند أيضًا دورًا فاعلاً في صدد تحفيز المفاوضات بين الدولتين المتحاربتين، بالنظر إلى الاهتمامات الكبيرة للهند في توازن علاقاتها مع الطرفين، فضلاً عن رعاية مصالح الألاف من رعاياها في أوكرانيا خاصة الطلاب المبتعثين في أوكرانيا.

الموقف الرسمي الأوكراني من التفاوض

يقاوم المسؤولون الأوكرانيون الضغوط المتزايدة للدخول في مفاوضات مع موسكو حتى في الوقت الذي تتسبب فيه الضربات الجوية الروسية المستمرة في خسائر متزايدة في أرواح الأوكرانيين وثرواتهم وبنيتهم ​​التحتية، ورفض "ميخايل بود ولاك "، مستشار رئيس أوكرانيا، الإشارات الروسية على الاستعداد للمحادثات باعتبارها مجرد جزء من حملة التأثير لتقويض الدعم لأوكرانيا بين شركائها، وقال أيضا: "نتوقع أن يتوقف شركاؤنا عن الاهتمام بالتصريحات الاستفزازية لروسيا فيما يتعلق بعملية التفاوض".

مرونة سياسية روسية وقصف أشد للمدن الأوكرانية

يتحدث ممثلو الدولة في موسكو بشكل متزايد عن انفتاحهم على المفاوضات في أعقاب انسحاب روسيا من "خيرسون"، وسبق أن أفادت وسائل الإعلام الروسية أن نائب وزير الخارجية "سيرجي ريابكوف" قال في ديسمبر الماضي إن حكومته "منفتحة على الحوار دون شروط مسبقة". ونقل عنه قوله إن موسكو كانت مستعدة للدخول في مفاوضات في وقت سابق، لكن كييف قاطعت الحوار "بأمر من القَيّمِين الغربيين على أوكرانيا ".

بعد أربعة أيام من تصريحات "ريابكوف "، بدأت روسيا في 15 نوفمبر أعنف قصف للأراضي الأوكرانية منذ غزوها، وأطلقت مئات الصواريخ، والطائرات بدون طيار على المدن الأوكرانية، مما أدى إلى تعطيل ما يقرب من نصف نظام الطاقة في أوكرانيا، و أدى هجوم هائل آخر إلى شل البنية التحتية للطاقة في كييف ومدن أوكرانية أخرى.

جاء قصف 15 نوفمبر بعد ساعات من تقديم الرئيس الأوكراني " زيلينسكي" صيغة سلام أوكرانية من 10 نقاط إلى قمة مجموعة العشرين في إندونيسيا. وشملت تدابير لضمان السلامة الإشعاعية والنووية، وأمن الغذاء والطاقة، وتبادل الأسرى، وعودة الأوكرانيين المرحلين من روسيا، واستعادة وحدة أراضي أوكرانيا، ومقاضاة جرائم الحرب.

وقال "ديمتري بيسكوف "، السكرتير الصحفي للرئيس الروسي بوتين، للصحفيين إن القصف -الذي ترك ملايين الأوكرانيين بدون تدفئة أو ماء أو كهرباء، على الأقل لساعات في كل مرة -كان بسبب رفض السلطات الأوكرانية التفاوض، وقال "بيسكوف" لوكالة الأنباء الروسية تعليقاً على أشد قصف واجهته المدن الأوكرانية منذ الغزو الروسي لأوكرانيا إن "عدم رغبة الجانب الأوكراني في حل المشكلة والدخول في مفاوضات، علاوة على ذلك، تصرفات الجانب الأوكراني للتخلي عن التفاهمات المتفق عليها للنص، وما إلى ذلك، هذه كلها عواقب".

أما مستشار الرئيس الأوكراني " بوديولياك " فقد صرح في أعقاب القصف الروسي إن روسيا، التي خسرت في ساحة المعركة، لجأت إلى شن هجمات على السكان الأوكرانيين لإجبار القادة في كييف على الامتثال لمطالبها، وقال "بودولياك": "لا يمكن أن تكون هناك عملية تفاوض تقول: نعم، أنتم [أوكرانيا] تربحون الحرب، توقفوا، وتنازلوا عن الأراضي، واستسلموا فعليًا للاتحاد الروسي". وأردف: " إن المفاوضات يمكن أن تبدأ بمجرد استعادة وحدة الأراضي الأوكرانية وعودة روسيا إلى إطار القانون الدولي ".

الموقف الأمريكي من المفاوضات

حتى الآن، يتفق مسؤولو الإدارة الأمريكية على أن خيار المفاوضات والتسوية مع روسيا هو خيار أوكراني، وصرح "جيك سوليفان " مستشار الرئيس الأمريكي للأمن القومي في مؤتمر صحفي في 11 نوفمبر أثناء طريقه إلى كمبوديا: " إن المبادرات الروسية لا يمكن أن تؤخذ على محمل الجد طالما أن موسكو تسعى إلى ضم الأراضي الأوكرانية بشكل غير قانوني".

وفي معرض توضيحه لما وصفه بـ "أربعة عناصر أساسية للإجماع" في حكومة الولايات المتحدة، كرر سوليفان أن أوكرانيا وحدها هي التي يمكنها أن تقرر متى وبشروط التفاوض؛ وأن أي سلام عادل يجب أن يقوم على مبادئ السيادة ووحدة الأراضي، وأن أمريكا ستفعل كل ما في وسعها للتأكد من أنه في أي محادثات مستقبلية، ستكون أوكرانيا قادرة على التفاوض من موقع قوة.

لأي مدي تدعم أمريكا أوكرانيا؟

يزعم بعض المتابعين إن الوقت قد حان لأن تبدأ واشنطن في وضع شروط لحل دبلوماسي للحرب بسبب التكاليف المتزايدة للأطراف المتحاربة والولايات المتحدة والدول الأخرى التي تدعم أوكرانيا، ويزيد هؤلاء أن المخاطر أكبر من أن تبقى واشنطن مكتوفة الأيدي مع انتشار الكارثة والتكاليف، والمخاطر، والفواتير تتزايد على حساب المواطن الأمريكي في نهاية المطاف.

ويشير البعض أنه بالرغم أن المساعدة المقدمة لأوكرانيا تمثل بالفعل 5.6٪ من إجمالي الإنفاق الدفاعي للولايات المتحدة، لكن يجب ألا نغفل أن روسيا هي خصم أساسي للولايات المتحدة، وتُعرِّف استراتيجية الدفاع الوطني الأمريكية روسيا بأنها "تهديد خطير".

معوقات نجاح المفاوضات الروسية -الأوكرانية

تُعد العقبة الرئيسية في نجاح المفاوضات بين الدولتين المتحاربتين المطالب المتفاوتة بين الطرفين والتي يعب مقابلتها، فروسيا تصر على اعتراف أوكرانيا بضم روسيا لشبه جزيرة القرم، والاعتراف بمناطق "دونباس "التي تحتلها روسيا كدول مستقلة، وهذا من شأنه أن يُعادل الاستسلام غير المشروط من الطرف الأوكراني والذي ترفضه بشده أوكرانيا.

في هذا الصدد تحاول الوساطات المختلفة التي مارستها دول عديدة في الاتحاد الأوربي وتركيا وإسرائيل أن تساعد في إنجاح المفاوضات المباشرة بين البلدين، ولكن تثير هذه المجهودات تساؤلاً حول ما إذا كانت الوساطة الدولية بين روسيا وأوكرانيا ستحقق أي احتمالات أفضل للنجاح، بالنظر لفشل جهود الوساطة السابقة في حل أي من القضايا الناجمة عن غزو روسيا واحتلالها لأجزاء من أوكرانيا عام 2014م.

العامل العسكري الضاغط

في نهاية المطاف، تبرز مصالح الطرفين المتحاربين في ضرورة إنجاح المفاوضات، فاللحظة التاريخية حرجة لكلا الطرفين وليس لطرف واحد، ويحدث ذلك غالبًا عندما لا يعود بإمكان أطراف النزاع تحمل الأعباء الكارثية للعدائيات العسكرية، ناهيك عن تصعيدها، وهنا فأي انتصار عسكري روسي في الميدان، لا يمكن عزله عن الانهيار الاقتصادي الحاصل في روسيا، والأخير يعد عاملاً مرجحًا لحد نسبي في فتح ولو كُوة ضيقة في المشهد التفاوضي.

حياد أوكراني في صدارة المفاوضات

من بين الخلافات الرئيسية أيضًا المخاوف بشأن ما قد يعنيه "الحياد" الأوكراني، والضمانات الأمنية الدولية التي تطالب بها أوكرانيا، وما يعنيه هذا الوضع لمستقبل أوكرانيا وسلامة أراضيها، وفي هذا السياق يمكن القول، دون مبالغة، بأن النتائج التي ستتمخض عن أي اتفاق سلام روسي-أوكراني فضلاً عن نموذج الحياد الفريد الذي تصر عليه أوكرانيا، سيكون لهما التأثير الكبير في إعادة هندسة وهيكلة ثمة نمط مرتقب لنظام عالمي جديد.

تدليلاً، لقد نصت معاهدة حياد الدولة النمساوية لعام 1955م، على انسحاب جميع قوات الاحتلال المتحالفة أثناء الحرب العالمية الثانية، وأن تكرس النمسا الحياد الدائم في دستورها، وحدث ذلك في عام 1956م، وأقر تشريع برلماني بأنه "في جميع الأوقات المستقبلية لن تنضم النمسا إلى أي تحالفات عسكرية ولن تسمح بإنشاء أي قواعد عسكرية أجنبية على أراضيها".

نافل القول، تهتم روسيا بالحصول على اعتراف رسمي بالحياد الأوكراني وتسعى لأن يتشابه هذا الحياد مع حياد النمسا، حيث يمكن أن يشمل مطالب بعدم انضمام أوكرانيا إلى أي تحالفات عسكرية وعدم السماح بإنشاء أي قواعد عسكرية أجنبية على أراضيها، وتصر موسكو أيضًا على نزع سلاح كييف وهو ما ترفضه تمامًا أوكرانيا .

في المقابل ستتضمن مطالب أوكرانيا ضمانات أمنية تعني أن على الموقعين على أي صك دولي مع روسيا يلزم الضامنين بالدفاع عنها في أي صراع مستقبلي، وتقديم الدعم والأسلحة لها، و تعهد روسيا الاتحادية سواء في ذات الصك أو صك دولي مستقل بعدم الاعتداء مجدداً على أوكرانيا .

إلى متى تستمر الأسلحة؟ 

عامل رئيسي آخر يحدد مسار الحرب -والمفاوضات المستقبلية المحتملة -هو الأسلحة، حيث تعتمد أوكرانيا بشكل كبير على الأسلحة الغربية، ولا سيما الأمريكية؛ وبالتالي فإن خطط الدولتين المتحاربتين مرتبطة بشكل كبير بمدي استعداد البيت الأبيض للحفاظ على تدفق المساعدة الدفاعية، وذلك سيكون بالغ الأثر الكبير، عن جدوى، و توقيت، وماهية المفاوضات لوقف الحرب .

جَليٌ أن كافة الحكومات الغربية تخطت العديد من " التابوهات " الراسخة المتعلقة بتصدير الأسلحة و الذخيرة و المعدات القتالية، منذ الأيام الأولى للحرب لمنح كييف أسلحة فتاكة بشكل متزايد، لكن لا تزال هناك بعض الخطوط العسكرية التي تحجم العواصم الغربية عن تجاوزها خشية التصعيد مع روسيا، وفي ذات الوقت يخشى بعض المسؤولين والخبراء بشكل خاص من أن احتمال خسارة شبه جزيرة القرم يمكن أن يزيد من خطر استخدام بوتين لسلاح نووي تكتيكي، و الأخير كان هدد باستخدامه الرئيس بوتين غير مرة .

لَكن شهد الأسبوع الأخير من نهاية عام 2022م، تطوراً لافتاً حين صَرّحت وزارة الدفاع الأمريكية، إن روسيا لن "تُملي" على الولايات المتحدة نوعية المساعدة الأمنية التي تقدمها لأوكرانيا، وصَرح المتحدث باسم "البنتاغون"، للصحفيين: " لن نسمح بتصريحات من روسيا لإملاء المساعدة الأمنية التي نقدمها لأوكرانيا"، كما ذكر أن "الولايات المتحدة ليست في حالة حرب مع روسيا، ولا نسعى للصراع، وتركيزنا ينصب على تزويد أوكرانيا بالمساعدة الأمنية التي تحتاجها للدفاع عن نفسها، هذا شيء قلنا أننا سنفعله قبل أن تختار روسيا شن الغزو، وهو شيء سنواصل القيام به طالما استغرق الأمر".

تأتي التصريحات الرسمية الأمريكية في خضم السجال الأمريكي الروسي بشأن عزم الولايات المتحدة الأمريكية تزويد أوكرانيا بأنظمة الدفاع الجوي " باتريوت "، وقابل التصريحات الأمريكية الرد الفوري من السفارة الروسية في واشنطن، حيث ذكرت: "أن إرسال الولايات المتحدة صواريخ "باتريوت" إلى أوكرانيا "سيؤدي إلى عواقب غير متوقعة، ويهدد الأمن العالمي". كذلك صرح قال المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف، يوم الأربعاء، إنه إذا تم إرسال صواريخ "باتريوت" الأمريكية إلى أوكرانيا، فإنها ستكون "أهدافًا مشروعة" للقوات الروسية، لكنه أضاف أن الخطة الأمريكية لم يتم تأكيدها.

الحجرة العثرة في طريق المفاوضات والسلام

ما برحت الأقاليم الأوكرانية التي ضمتها روسيا بعد اجتياحها لهذه الأقاليم في الرابع والعشرين من فبراير عام 2022م، تشكل العقبة الكؤود التي تصعب من فرض تقريب وجهات المواقف الرسمية المغايرة للبلدين المتحاربتين روسيا الفيدرالية وأوكرانيا.

صرح  الكرملين غير مرة، إن أي مفاوضات مع أوكرانيا لابد أن تنطلق من تنازل كييف عن الأراضي التي ضمتها روسيا، و أن على  أوكرانيا التنازل عن الأراضي التي أعلنت روسيا ضمها قبل الشروع في أي مفاوضات دبلوماسية، وجاء التصريح  الروسي رداً  على اقتراح  زيلينسكي بتنظيم " قمة صيغة السلام العالمي"، وقال المتحدث باسم الرئاسة الروسية دميتري بيسكوف خلال مؤتمره الصحافي اليومي إن "على الجانب الأوكراني أن يدرك الحقائق التي جرت في الميدان"، وأوضح أن "هذه الحقائق تظهر أن روسيا  تملك أراض جديدة.

 

وقف إطلاق النار: من المستفيد؟

جَليٌ أن اتفاقيات وقف إطلاق النار توقف العمليات العسكرية العدائية بين المتحاربين بشكل مؤقت، ولكنها لا تنهي الحرب مقارنة بمعاهدات السلام، وباعتبار أن القوات الروسية هي الطرف المهاجم في معظم الأقاليم والقطاعات في ميدان القتال، فسيستفيد الكرملين من أي وقف شامل لإطلاق النار، حيث سيسمح ذلك للقوات الروسية بإعادة تجميع صفوفها وإعادة البناء.

أيضاً وبالنظر للزخم القتالي الأوكراني والانتصارات المهمة التي حققتها القوات الأوكرانية في جبهات عديدة، وارتداد الجيش الروسي وفقاً لذلك، فضلاً عن المد العسكري الغربي بأضخم جسور برية وجوية من التسليح الغربي منذ الحرب العالمية الثانية، فإن وقف إطلاق النار سيجمد خطوط المواجهة الأمامية بأفضل شكل ممكن يمكن أن يأمل فيه بوتين في هذه الحرب؛ ولذلك سيكون وقف إطلاق النار أفضل سبيل متاح لروسيا لكسر زخم القوات الأوكرانية.

فرص وقف إطلاق النار في أوكرانيا

زاد الدعم العسكري الضخم الغربي لأوكرانيا في الشهرين الأخيرين من وتيرة المعارك، فما برحت كافة جبهات القتال تشهد العدائيات العسكرية المستعرة في البر والجو والبحر، وحققت القوات الأوكرانية انتصارات عديدة، بيد أنه لا يزال كل جانب يعتقد أن النصر سيكون حليفه، ولن تكون التسوية المأمولة ممكنة إلا حينما تتضح النتيجة على أرض المعركة.

 هناك فرضيتين محتملتين للوقف الشامل للقتال، والعودة لطاولة المفاوضات لحسم التسوية النهائية لأشرس حرب شهدتها أوروبا منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، و تتعلق الفرضية الأولي، في حال استعادت القوات الروسية زمام المبادرة وفرضت سيطرتها مجددًا على   القطاعات  التي كانت حررتها القوات الأوكرانية في الشهرين الأخيرين، وهنا من المرتقب أن تنقذ الموقف أمريكا من خلف الكواليس  وتقنع حليفها الرئيس الأوكراني بضرورة  البحث في  إتمام التسوية  السلمية و النهائية للصراع المسلح من أجل الحفاظ على سيادة و استقلال أوكرانيا.

أما الفرضية الثانية فيمكن أن تلوح إذا ما تعثَّر الجانبان المتحاربان في طريق مسدود آخر، بحيث لا يستطيع أي منهما استعادة تقدمه على الآخر، وهنا لربما تستنتج أمريكا وأوروبا وحتى أوكرانيا وروسيا أنفسهما أن الأمر لم يعد يستحق تحمل التكاليف الهائلة لاستمرار الحرب، وأن الخسارة المداهمة لن تطال المتحاربين وحسب بل العالم بأسره وبشكل أفدح مما يتكبده العالم الآن من خسائر على كافة الصعد.

  رفع الجزاءات لتليين المفاوضات

من المرجح أن يكون تخفيف أقسي جزاءات دولية فرضت في التاريخ من أهم البنود في أي تفاوض، والأكثر من ذلك فإن وعد الغرب لبوتين بتخفيف الجزاءات سيمثل أشهى جزرة للدب الروسي للقيام بتخفيف شدة المعارك في الميدان والذهاب بخطى أسرع لطاولة المفاوضات.

في الحالة الأوكرانية يمكن اعتبار الجزاءات مفيدة باعتبارها ورقة مساومة أكثر من كونها عقوبة طويلة الأمد، ولذا على صناع السياسة حاليًا إمعان التفكير في كيفية استغلال تخفيف العقوبات للحصول على تنازلات روسية، فمنذ اندلاع الحرب حققت الجزاءات هدفين، أولهما على المدى القصير بعقاب روسيا على غزوها أوكرانيا، وثانيهما على المدى الطويل بإضعاف الآلة العسكرية الروسية.

 على الأرجح سيكون تخفيف بعض العقوبات عن روسيا شرطًا أساسيّا لإبرام اتفاق سلام ناجح، لكن على صناع السياسات إمعان التفكير في اختيار ماهية الجزاءات التي يلزم رفعها. وتدليلاً، قد يكون السماح لروسيا باستعادة بعض ما تملك من احتياطي النقد الأجنبي مفيدًا بوصفه جزءًا من أي اتفاق، بسبب ما يمثله ذلك من جاذبية للكرملين باعتباره عامل استقرار اقتصاديًا على المدى القصير، ولأن الإبقاء على تجميد هذا الاحتياطي لا يُضعِف الاقتصاد الروسي إضعافًا كبيرًا على المدى الطويل.

 خاتمة

كل الحروب لها نهاية، وإذا ما طَرح صناع السياسة الأسئلة والسيناريوهات الجوهرية الآن بخصوص الحرب الروسية على أوكرانيا وأجابوا عنها، فإنهم بذلك يُوفِرون وقاية ضد التصعيد غير المرغوب فيه، ويَضمنون إتمام تسوية أكثر صلابة واستقرارا حينما تصبح الظروف مواتية لذلك في نهاية المطاف.

مقالات لنفس الكاتب