array(1) { [0]=> object(stdClass)#13063 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 182

ضرورة تفهم أوروبا لتوطين الصناعات العسكرية في الخليج وتغير البيئة الأمنية والتهديدات

الأحد، 29 كانون2/يناير 2023

تعتبر وثيقة "العلاقات الاستراتيجية" مع دول الخليج والاتحاد الأوروبي بمثابة خريطة طريق عملية نحو شراكة استراتيجية كبرى للتعاون الوثيق والفعّال بين الاتحاد الأوروبي ودول الخليج، ويُعد الهدف من الوثيقة تأسيس شراكة استراتيجية بين دول الكتلة الأوروبية الـ 27 ودول مجلس التعاون الخليجي أولوية رئيسة للاتحاد ومصلحة مشتركة على ضوء معالجة سلسلة من التحديات العالمية والإقليمية بالاشتراك مع الشركاء الخليجيين باعتبار دول الخليج شريك موثوق للتزود بالطاقة وضمان توازن السوق العالمية.

بذلت دول الاتحاد الأوروبي ودول الخليج جهودًا حثيثة للوصول إلى مستوى عال من التعاون الأمني والعسكري، لاسيما فى مجال مكافحة الإرهاب والهجرة غير الشرعية. ومع تطور العلاقات بين الاتحاد الأوروبي والخليج في الوقت الراهن بشكل ملحوظ فى المجال الأمني والعسكري بين تدريبات مشتركة وتبادل الخبرات وإبرام صفقات تسليح متنوعة.

عقب انتشار الاضطرابات بعد حركات الشعوب في ثورات الربيع العربي، بقي الوضع في دول الخليج كما هو؛ نتيجة للدور الأمني  المباشر  وغير المباشر  الذي تقدمه  الولايات المتحدة الأمريكية للخليج؛ من أجل أن تحافظ على مصالحها؛ لكن في الفترة الأخيرة تغيرت الأهداف الاستراتيجية للولايات المتحدة في المنطقة، بعد أن ظهرت تهديدات جديدة فرضت أولوياتها على الأجندة الأمريكية وسياستها العالمية ويعتبر امتلاك القوة عامل حاسم ، فالخليج لديه هدف أساسي يتمثل في الحفاظ على بقائه للحفاظ على أمنه واستقراره الاقتصادي، ولا يكون ذلك إلا من خلال قدرته على الدفاع عن نفسه وتعد مسألة امتلاك القوة مهمة؛ لكونها قادرة على تحقيق أهداف عدة منها :

  • تحقيق الأمن الذاتي.
  • التمتع بالنجاح الاقتصادي.
  • الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.
  • مواكبة التغيرات الإقليمية والدولية.

في أوائل يوليو 2021م، أعلنت إيطاليا أنها ستخفف من قيود تصدير الأسلحة للمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة – وذلك بعد أشهر فقط من رفضها التصريح ببيع الصواريخ لهذين البلدين بسبب مخاوف تتعلق بحقوق الإنسان في اليمن. جاء هذا الإعلان بعد أيام فقط من قيام الإمارات بإجلاء القوات الإيطالية من قاعدة المنهاد الجوية في دبي. لا يمكن بأي حال من الأحوال اعتبار القرار الإيطالي بإلغاء حظر التصدير قرارًا غير مسبوق، ففي عام 2018م، تراجعت إسبانيا عن قرارها بوقف شحن القنابل الدقيقة إلى السعودية بسبب مخاوف من تعرض صفقة الشحنة، التي تقدر قيمتها بـ 2.1 مليار دولار، للخطر. وفي عام 2019م، سمحت السويد ببيع طائرتي مراقبة نفاثتين للإمارات بالرغم من معايير التصدير المشددة.

تعد هذه الحالات الثلاث جزءًا من توجه أوسع في العلاقات الأوروبية -الخليجية. نظرًا لأن دول الخليج العربية أكدت دورها الفاعل في تشكيل الأمن الإقليمي، فإن خبرتها العسكرية، وجهودها في تنويع الموردين، وتطورات الصناعات المحلية – إلى جانب سطوتها المالية التقليدية – أكسبتها نفوذًا أكبر على شركائها الأوروبيين

دور الأسلحة في العلاقات الأمنية الأوروبية -الخليجية

إن جيوش دول الخليج كانت معروفة تقليديًا بقدراتها المحدودة في الدفاع أو الردع. وهذا يقلل من مصداقية الفرضية القائلة بأن شراء الأسلحة يخدم بشكل أساسي تعزيز القدرات الدفاعية. بدلاً من ذلك، ربما كانت هذه الاستثمارات المكثفة تتعلق في الواقع “بعامل التألق“، فمن الممكن للقدرات العسكرية أن تعزز الكبرياء والوجاهة. بالإضافة إلى ذلك، فإن توريد الأسلحة قد يعزز من أمن المشترين، حيث يتم استخدامها لاستمالة خصوم النظام الداخليين، فضلاً عن تعزيز العلاقات مع القوى الخارجية. بالنسبة للشق الأخير، المعروف باتفاقية النفط مقابل الأمن، فإن عمليات نقل الأسلحة الهائلة قد تكاملت مع تدفق النفط لتعزيز الضمانات الأمنية للقوى الأجنبية. لتحقيق التوازن ضد خصمها الإقليمي إيران، وهي ضرورية أيضًا بالنسبة للإمارات وقطر وعمان والكويت والبحرين لتجنب الخلل في قدرات التسليح حتى بين دول مجلس التعاون الخليجي.

إن مبيعات الأسلحة من وجهة النظر الأوروبية، متجذرة في مزيج من الدوافع الاستراتيجية والتجارية. ربما تساعد صادرات الأسلحة على إمالة موازين القوى الإقليمية، وتقدم تطمينات للحلفاء، وزيادة التأثير على السياسات الخارجية للدول المستوردة. ولعل الأهم من ذلك كله، هو أن تجارة الأسلحة قد تضمن بقاء القواعد الصناعية الدفاعية التي تخدم المصالح الاستراتيجية والاقتصادية على حد سواء. من الطبيعي ألا تكون جميع الدول الأوروبية متشابهة. فسياسة التسلح الفرنسية تُعنى، إلى حد كبير، بالمسائل السيادية. فوجود صناعة وطنية قوية، مثل تلك الموجودة في فرنسا، يعزز استقلالية كل من المُصدر والمستورد على حد سواء، حيث يمكن للمُصدر الفرنسي المحافظة على صناعة دفاعية فعالة، في حين ترى الدول الخليجية، المستفيدة، أن زيادة نفوذها تكمن في تنويع مورديها.

الدول الخليجية والمواقف العسكرية المتقلبة

أتخذت تجارة الأسلحة بين أوروبا والخليج طابعًا خاصًا في ظل المواقف الخارجية والأمنية لدول الخليج فقد أدى الاستقطاب الإقليمي المتزايد، منذ غزو العراق بقيادة الولايات المتحدة عام 2003م، والمخاوف المتزايدة بشأن الدور الأمريكي المتدهور في الشرق الأوسط إلى تبني دول الخليج لسياسات خارجية أكثر فاعليةً. وانتفاضات الربيع العربي والتفاوض بشأن الاتفاق النووي الإيراني. كلها عوامل ساهمت في إعادة التفكير الاستراتيجي لدول الخليج، حيث أخذ جيل جديد من القادة الشباب الطموحين في السعودية والإمارات وقطر العبرة من هذه التغييرات في سعيهم الواضح نحو السياسات الخارجية.

كان الظهور الأهم للتوجه الجديد في مشاركة دول الخليج في إدارة الأزمات الإقليمية هو التحالف الذي تقوده السعودية في اليمن، وقد شاركت جميع دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، باستثناء عمان، في عملية عاصفة الحزم في عام 2015م، ونشرت السعودية 100 طائرة مقاتلة (معظمها من طراز إف-15 والمقاتلة الأوروبية تايفون)، والتي انضمت إليها طائرات حربية من الإمارات (30 مقاتلة من طراز إف-16 وميراج 2000)، والبحرين والكويت (15 مقاتلة لكل منهما)، وقطر (10 مقاتلات). خلال السنوات الست الأولى من التدخل، نفذ التحالف الذي تقوده السعودية أكثر من 23 ألف غارة جوية، مع ما يصل إلى نحو 66905 ضربات جوية فردية. لم يحدث في أي صراع آخر في التاريخ الحديث أن تم إطلاق هذا الكم من القذائف والصواريخ المضادة للسفن، وصواريخ المدفعية غير الموجهة، والطائرات من دون طيار، ما أدى كذلك إلى استخدام غير مسبوق لأنظمة الدفاع الجوي والصاروخي. لم تكن تكاليف الحرب قليلة على هذه الدول المتدخلة، فقد أنفقت دول الخليج العربية مجتمعة ما يقدر بنحو 14 مليار دولار سنويًا على العملية، بينما خسرت الإمارات 45 جنديًا في غارة جوية واحدة، وهو ما يمثل أعلى خسارة في الأرواح في تاريخ البلاد العسكري.

ومع هذه المساعي، تنامت بشكل مطرد الاستثمارات في القدرات ما بين عامي 2006 و2010م، و2011 و2015م، ارتفع الإنفاق السعودي على الأسلحة بنسبة 275٪، والإمارات بنسبة 35٪، وقطر بنسبة 279٪، وبين عامي 2011 و2015 و2016 و2020م، ازدادت الواردات السعودية بنسبة 61٪ والقطرية بنسبة 361٪، في حين تقلصت عمليات نقل الأسلحة العالمية بنسبة 0.5٪. وانخفضت المبيعات إلى الإمارات بنسبة 37٪، لكن عمليات التسليم الرئيسية كانت لا تزال معلقة بحلول نهاية عام 2020م، بما في ذلك الفرقاطات الفرنسية وأنظمة الدفاع الجوي و38 طائرة هيلوكوبتر حربية أمريكية.

خلال هذه الفترة، اقترن النمو في مشتريات الأسلحة بتحسن القدرة على إظهار وممارسة النفوذ. استثمرت الإمارات بشكل كبير في الجهود التعليمية والقدرات التشغيلية والبنية التحتية الخارجية، وأكدت نفسها، في الوقت ذاته، كقوة بحرية وإقليمية من خليج عُمان وعبر خليج عدن إلى البحر الأحمر وقناة السويس من خلال إنشاء قواعد، ولو مؤقتة، في إريتريا، وصوماليا لاند، ومن خلال الاستيلاء على العديد من الموانئ والجزر اليمنية منذ عام 2015م، اشترت قطر طائرات رافال الفرنسية وطائرات إف-15 الأمريكية وتايفون البريطانية، إلى جانب صواريخ مضادة للسفن وأنظمة الرادار وسفن حربية ودبابات. استثمرت عُمان في طائرات إف-16 وتايفون وفرقاطات الصواريخ صغيرة الحجم والطرادات وسفن الدوريات، والقواعد الجوية والبحرية المخصصة لدعم القوات الأمريكية والبريطانية في الحالات الطارئة. في غضون ذلك، أعادت الكويت التجنيد الإجباري مع دعم قواتها الجوية بشراء مقاتلات تايفون الأوروبية وطائرات سوبر هورنيت F/A-18E/F، إلى جانب الاستثمار في القوات البرية والبحرية.

تداعيات العلاقات الأمنية الأوروبية ـ الخليجية

تبنت دول الخليج، سياسات خارجية استباقية بصورة أكبر. ونتيجة لذلك، فقد تطورت هذه الدول لتكون مجموعة من الشركاء الأمنيين ذوي القدرات الكبيرة بشكل ملحوظ، فالخبرة القتالية المتزايدة جعلت دول الخليج أكثر دراية بما تشتريه، وأصبحت مشتريات الأسلحة تخدم الهدف الأكثر وضوحًا، والمتمثل في تعزيز القدرات العسكرية. وقد جعل هذا التحول المشترين الخليجيين أكثر ارتباطاً بالمهام، كما هو واضح من الاستثمارات الإماراتية والبحرينية والقطرية في أنظمة الدفاع الصاروخي، بالإضافة إلى أن شركات الرعاية تضطر للاستثمار في حملات التسويق والمبيعات الإقليمية الخاصة بها، هناك أمور تنبثق من تزايد الطلبات القطرية والإماراتية لنقل المعرفة والتقنيات الدفاعية.

ومن أجل مواجهة حظر الأسلحة الغربي، بسبب الصراع في اليمن، قامت دول الخليج بتنويع شبكة موردي الأسلحة لديها، وقامت في الوقت ذاته ببناء صناعات دفاعية محلية. لقد أصبح التهديد واضحًا لمصدري الأسلحة الأوروبيين عندما تفوقت صادرات الأسلحة الصينية على صادرات ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة بين عامي 2011م، (حتى وإن تراجعت مرة أخرى في النصف الثاني من العقد الثاني من هذا القرن). في غضون ذلك، تفوقت روسيا على إيطاليا كثالث مورد للإمارات.

لجأت العديد من الدول الأوروبية إلى حظر تصدير الأسلحة الصغيرة، ففي عام 2018م، قامت ألمانيا وفنلندا والدنمارك وهولندا والنرويج وبلجيكا بحظر جميع صادرات الأسلحة إلى الأطراف المشتركة في حرب اليمن، في حين لم تجدد السويد تعاونها العسكري مع السعودية. ومع ذلك، لم يتم تنفيذ هذه التوجيهات على الإطلاق. فبالإضافة إلى المبيعات الإيطالية والإسبانية والسويدية سالفة الذكر، استمرت التحويلات الأوروبية إلى شبه الجزيرة العربية. بعد توقف وجيز في عام 2019م، صدَّرت المملكة المتحدة سلاحًا بقيمة 1.88 مليار دولار، بما في ذلك الصواريخ والقنابل، للسعودية ما بين يوليو وسبتمبر 2020م، وواصلت فرنسا مبيعاتها للسعودية والإمارات، ويتردد أنها قامت بتدريب جنود من دول المنطقة. وقامت ألمانيا، المعروفة بسياستها التصديرية الأكثر حذرًا، بتصدير ما قيمته 1.4 مليار دولار من الأسلحة في عام 2020م، إلى دول مشتركة في نزاعات اليمن وليبيا بما في ذلك قطر والإمارات والكويت والبحرين.

تداعيات العلاقات بين دول الخليج العربى وحلف الناتو

يبدو أن النفوذ المتزايد على شركاء الأمن الأوروبيين يمتد إلى ما هو أبعد من تجارة السلاح. فعندما تدخلت الإمارات في ليبيا إلى جانب التحالف الغربي، هددت أبو ظبي بسحب دعمها بسبب انتقادات الناتو للتدخل الإماراتي في مناطق أخرى. في هذه الأثناء، ظهر انحياز السياسات الفرنسية والإماراتية في ليبيا، والردود الفرنسية والبريطانية المعتدلة بشأن الصراع في اليمن حيث تعمل الدول المستوردة الآن، إلى حد ما، على التأثير على صناعة قرارات السياسة الخارجية للدول المصدرة  .

إن الحوار الذي يتناسب بشكل طبيعي مع دور الناتو الذي تغير وما زال يتغير بما يهدف إلى تحقيق الاستقرار من خلال عملياته ومهامه ومن خلال نطاقه العريض من الشراكات وعبر إمكانياته العسكرية المتغيرة.

لذلك توجب على الناتو ودول الخليج التعاون فى الأمور الأمنية على ثلاثة محاور:

-  البيئة الأمنية المتغيرة .

-  التهديدات الأمنية المشتركة عبر العالم ولا توجد دولة بمنأى عنها.

-  انتشار أسلحة الدمار الشامل والمتاجرة في البشر والأسلحة والمخدرات.

 هذه التهديدات التي غالباً ما تنتشر بشكل طبيعي لا يمكن احتواؤها بسهولة، ويجب التصدي لها متى وأينما ظهرت، وإلا فإنها ستصل إلى أبواب بيوتنا. إن القناعة هي التي تشكل أساس الحاجة إلى التعاون والشراكة بشأن هذه الأمور. وهذا ينقلنا إلى السبب الآخر، وهو لماذا يرغب الناتو في مناقشة النواحي الأمنية مع دول الخليج، الطبيعة المتغيرة لحلف الناتو نفسه، فخلال فترة الحرب الباردة تم التركيز على منع نشوب حرب كبيرة في أوروبا، واليوم حلفاً مختلفاً يمول ويساند الحرب في اوكرانيا. إن عدد أعضاء الناتو قد زاد إلى ستة وعشرين دولة، كما إنهم مرتبطون بمجموعة كبيرة من المهام تتفاوت من حفظ السلام في البلقان وأفغانستان إلى جهود المساعدات الإنسانية في باكستان ومساندة الاتحاد الإفريقي في دارفور، وإجراء عمليات بحرية مضادة للإرهاب في البحر الأبيض المتوسط وتنفيذ مهمة تدريبية في العراق. لقد ساهم العديد من الشركاء بشكل كبير في معظم هذه المهام، حيث استجابوا لرغبة الناتو في العمل سوياً مع الآخرين. وخلال العشر سنوات الماضية ارتبط الحلف أيضاً بدول من شمال إفريقيا والشرق الأوسط في حواره المتوسطي.

 إن حقيقة شراكة دول عديدة في العمليات التي يقودها الناتو تثبت هذا المنطق. وكمنظمة كانت تتعامل في التعاون الأمني مع جنسيات متعددة لأكثر من نصف قرن، فإن الناتو يمتلك ثروة من الخبرة يقدمها للدول غير المنضمة للناتو. هذا يقودنا لسبب اهتمام الناتو بأمن الخليج: الديناميكية الجديدة في منطقة الخليج نفسها التي ظهرت خلال السنوات القليلة الماضية. بمصطلح السياسة الخارجية، فإن دول الخليج مفردة أو مجتمعة عبر دول مجلس التعاون الخليجي، قد ظهرت كلاعبين مهمين بحكم حقوقهم الذاتية. بالمصطلح الداخلي، فقد أبدت دول الخليج رغبة في مواجهة تحديات التغيير في هذا الوقت فإنه من الواضح أن هذه المنطقة تواجه تحديات أمنية هائلة. كما أن العديد من الدول في هذه المنطقة قد كانت مستهدفة بهجمات إرهابية، وتظل المنطقة المجاورة الحالية هي النقطة المتوهجة لقضايا إقليمية لم تحل، من أخطار لانتشار الأسلحة وللتطرف السياسي والديني. إن بيئة أمنية جديدة، وحلف ناتو جديد، وديناميكية جديدة في منطقة الخليج، تعتبر العوامل الرئيسية التي دفعت حلف الناتو في شهر يونيو من العام الماضي لإطلاق مبادرة إسطنبول للتعاون أو ICI ، وبشكل أساسي فإن مبادرة إسطنبول للتعاون تمثل دعوة لدول المنطقة لمساعدتها للارتقاء بالوضع الأمني والاستقرار الإقليمي من خلال التعاون الثنائي مع الناتو في المجالات التي يتمتع الحلف فيها بمهارات وخبرات محددة. وكان هناك اهتماماً كبيراً بمبادرة إسطنبول للتعاون وإرتباطاً قوياً، الأمر الذي يوضح أن هذه المبادرة تلبي احتياجاً حقيقياً، وانضم لهذه المبادرة كل من دولة قطر ودولة الكويت، مملكة البحرين ودولة الإمارات العربية المتحدة، إننا حققنا تقدماً طيباً في تطوير برامج عمل فردية مع كل دولة من هذه الدول وهناك اهتماماً بمبادرة إسطنبول للتعاون من جانب المملكة العربية السعودية وسلطنة عمان.

من الواضح أن الفائدة النسبية من حلف الناتو هي التعاون العملي وتكمن حقيقة في هذا الأمر إن حلف الناتو يعطي قائمة غنية من الإمكانيات للعمل معه، وتشمل هذه المجالات مثلاً التعاون في مكافحة الإرهاب أو في أمن الحدود، كما أنها تشتمل أيضاً على التعاون في الدفاع عن الإصلاحات، إدارة الأزمات والتخطيط في حالات الطوارئ المدنية، وكذلك الاتصالات العسكرية -العسكرية، وإجراء التمارين والتدريب.

إن الناتو يمتلك خبرة ضخمة في التعاون الأمني، ولكن ذلك لا يتضمن أن الناتو سوف يحاول استخدام برامج محددة للتعاون مع الدول الأخرى مثلاً حتى بين دولنا الأعضاء وعددها (26) دولة لا يوجد نموذج إصلاح دفاعي موحد فردي وما يمكن أن ترونه بدلاً عن ذلك فهي نماذج متعددة تم تطويرها على ضوء الخبرات الوطنية المحددة والثقافات السياسية والعسكرية المتميّزة والقرار يعود لكل دولة مشاركة في المبادرة أن تحدد ما هي الجوانب التي ستناسبها بشكل أفضل من خبرة التعاون مع حلف الناتو  

خلاصة القول:

أولًا: الجهود القائمة حاليًا في مجال تنمية وتطوير قطاع الصناعة الدفاعية تحتاج لإعادة ضبط منهجي، وذلك بإدخال هذا الهدف في مختلف المجالات التي تتضمنها الرؤية، بحيث لا يقتصر على إنتاج أسلحة نوعية قادرة على الوصول للأسواق العالمية وحسب، بل بإنتاج أفراد قادرين على صناعة وصيانة هذه الأسلحة وتطويرها، والوصول إلى شركات عالمية من أجل الاستفادة من خبراتها وقدراتها.

ثانيًا: توطين الصناعات الدفاعية مهم وضرورة؛ ولكنه يحتاج للمزيد من التركيز والابتكار، فعلى سبيل المثال هناك تطبيق برنامج (الأوفست) الذي يقتضي نقل نسبة معينة من السلاح -الذي يتم استيراده-إلى البلد المشتري؛ لكن هذا لا يكفي؛ كونه ينقل جزءًا من التقنية، والحاجة تقتضي نقل التقنية كلها، وفقًا لتوافقات مع هذه الشركات المصنعة. كما لا ينبغي الاكتفاء بنقل هذه التقنيات فقط بل ينبغي أن يتم البناء عليها.

ثالثًا: ضرورة التنويع في الشراكات الدفاعية، إذ لا تزال السياسات الدفاعية لدول الخليج مرتبطة بمصالح حلفائها في المنطقة؛ لكن إلغاء الصفقات التي تمت مؤخرًا من قبل الولايات المتحدة وبعض الدول الغربية مؤشر كاف لهذه الدول لينبهها إلى ضرورة التنويع في الأحلاف، بحيث لا تصبح مسألة أمنها واستقرارها مرتبطة بالظروف السياسية للدول الأخرى ذات المصلحة مع دول الخليج.

رابعًا: ضرورة الاستفادة من تجارب الدول الأخرى التي استفادت من التغيرات الإقليمية والدولية، وبدأت صناعتها الدفاعية إما عن طريق الاستفادة من الخلافات القائمة بين الدول الكبرى قديمًا، أو من خلال إنشائها لصناعتها الدفاعية من الصفر، فعلى سبيل المثال تمكنت تركيا من تمتين صناعاتها الدفاعية منذ وقت مبكر، بل وتمكنت من الدخول في السوق العالمية لطائرات “الدرون”، وهو نموذج يمكن لمختلف دول الخليج أن تحاكيه أو تستفيد من بعض مكامن القوة فيه.

ينبغي على الدول الأوروبية أن تكون على وعي بتأثير المواقف العسكرية المتغيرة لدول الخليج على العلاقات الأمنية الأوروبية-الخليجية. نظرًا لكون دول الخليج أصبحت تتمتع بمزيد من الحزم والقدرة، أصبح المصدرون الأوروبيون، أكثر فأكثر، خضوعًا لطلبات المستوردين. إن بيع المزيد من الأسلحة، حتى وإن كان يخدم المصالح الاقتصادية ويعزز القواعد الصناعية المحلية، لا يشير بالضرورة إلى المزيد من التأثير على الدول المستفيدة. ربما يكون العكس هو الصحيح على أرض الواقع. من الضروري أن نأخذ هذا الأمر بعين الاعتبار لأن المنافسة الدولية والمطلب الأوروبي للحصول على الاستقلالية الاستراتيجية قد يفضي إلى التهافت للحصول على النفوذ حيث يمكن اعتبار مبيعات الأسلحة – على سبيل الخطأ – أسلوبًا مجربًا وخاضعًا للاختبار.

مقالات لنفس الكاتب