array(1) { [0]=> object(stdClass)#13063 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 182

لم تبد إيران موقفًا من الشراكة والوثيقة لم تُبدِ عداوة لطهران بل اقترحت مشاركتها

الإثنين، 30 كانون2/يناير 2023

في الثامن عشر من شهر مايو 2022م، أعلن الممثل الأعلى للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية (جوزيب بوريل) بيانًا بعنوان: (شراكة استراتيجية جديدة مع الخليج) أوضح فيه أن الاتحاد الأوروبي يحرص على "توسيع وتعميق التعاون" بين الطرفين، وتعضد بيان (بوريل) بموافقة مجلس وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي، المجتمع بـ(لوكسمبورج)، في 20 يونية 2022م، عليه، باعتباره "خارطة طريق عملية نحو شراكة استراتيجية مع الشركاء الخليجيين"، ودعا المجلس إلى "تنفيذها بسرعة وفعالية"، وأصدر وثيقة (علاقات استراتيجية) مكونة من 17 صفحة.

    وبناءً على ما سبق، تطرح هذه الورقة تساؤلًا رئيسًا، يخص المجال الأمني، الذي ورد ذكره في بيان (بوريل) ووثيقة مجلس الاتحاد الأوروبي؛ وهو: هل تنجح الشراكة الاستراتيجية الجديدة في وقف التهديدات والاعتداءات الإيرانية على الدول الخليجية وغيرها من الدول العربية؟ وتسعى إلى الإجابة عليه عبر ثلاثة محاور: الأول: بيان المفهوم الأمني للمنطقة وفقًا لبيان الشراكة الاستراتيجية؛ الثاني: موقف الاتحاد الأوروبي من التهديدات الإيرانية للمنطقة والعالم؛ الثالث: موقف إيران المتوقع من تلك الشراكة.

      وثيقة الشراكة الاستراتيجية وأمن المنطقة

 

   كان تحقيق الاستقرار والأمن والتصدي للتهديدات في مقدمة المجالات التي سيتعاون فيها الجانبان، حيث نص عليها البيان بقوله: "نحن بحاجة إلى العمل معًا بشكل أوثق على الاستقرار في الخليج والشرق الأوسط، والتهديدات الأمنية العالمية، وأمن الطاقة..."

   اهتمام الشراكة بالجانب الأمني:

    كما أكدت الوثيقة على التزام (بروكسل) الواضح بأمن منطقة الخليج وأمن الشرق الأوسط بعامة، لما فيه من مصالح للطرفين ونصت على ذلك بالقول: "يعتبر تعزيز السلام والاستقرار في منطقة الخليج، وكذلك في الشرق الأوسط، من الأولويات الرئيسة للاتحاد الأوروبي، ويشكلان مصلحة مشتركة مع الشركاء الخليجيين".

    كما صرح (بوريل) إن أوروبا والخليج، «بحاجة إلى العمل معًا بشكل أوثق على استقرار منطقتي الخليج والشرق الأوسط»، ومواجهة «التهديدات الأمنية العالمية وآثارها عليهما» وأوضح   باتريك سيمونيه، سفير الاتحاد الأوروبي لدى السعودية والبحرين وسلطنة عمان، أن التعاون الأمني بين أوروبا والخليج، بات يعتمد على شراكة استراتيجية متطورة بصورة «أكثر جدية من الناحية السياسية والأمنية».

    وفي السياق ذاته، أشارت (سينزيا بيانكو)، من المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، إلى أن «رغبة الاتحاد الأوروبي للعب دور أمني أكبر مما هو عليه الآن في المنطقة، تتجلى بشكل واضح في تعيين ممثل خاص له بشأن أمن الخليج"، واقترحت إجراء «مشاورات رفيعة المستوى حول القضايا الجيوسياسية والأمنية بصفة سنوية»؛ مضيفة أن تحقيق الأمن والاستقرار بالمنطقة، «سيكون له عواقب إيجابية مباشرة على أوروبا».

 

        الاعتراف الأوروبي بتهديد إيران لأمن المنطقة واستقرارها:

    أشار بعض المسؤولين الأوروبيين إلى أن إيران مصدر تهديد للاستقرار عبر دعمها المباشر وغير المباشر للوكلاء السياسيين والعسكريين، فضلاً عن نشر الصواريخ الباليستية، ونقل الأسلحة إلى جهات فاعلة حكومية وغير حكومية؛ وصرحوا عن ذلك بوضوح تام في جلسات حوار المنامة الأمني الثامن عشر، الذي نظمه المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية بمملكة البحرين، في الفترة من 18 ـــ 20 نوفمبر 2022م؛ حيث قالت رئيسة المفوضية الأوروبية (أورسولا فون دير لاين): إن "أوروبا تأخرت في فهم طبيعة التهديدات الإيرانية".

    وانتقدت (أورسولا) الموقف الأوروبي تجاه التهديد الإيراني للمنطقة وللعالم بقولها: "استغرقنا وقتًا طويلًا لفهم حقيقة بسيطة للغاية، وهي أنه بينما نعمل على منع إيران من تطوير أسلحة نووية، يجب علينا أيضًا التركيز على الأشكال الأخرى لتطوير ونشر الأسلحة، من الطائرات بدون طيار إلى الصواريخ البالستية". ووصفت إيران بـ"أنها خطر أمني، ليس فقط على الشرق الأوسط، لكن علينا جميعًا"

    وفي جلسات الحوار التي ناقشت أمن الطاقة، تم التعرض لتهديد إيران للمملكة العربية السعودية، عبر استهداف المنشآت النفطية بالصواريخ الباليستية التي تطلقها ميلشيات الحوثي الإرهابية التابعة لإيران؛ فضلًا عن استهدافها للمنشآت المدنية في الإمارات.

   كما تواردت تصريحات مماثلة عن مسؤولين ألمانيين، ففي اللقاء الخليجي ــ الألماني الثاني، سبتمبر 2022م، الذي نظّمته جمعية الصداقة العربية ــ الألمانية وأكاديمية الدراسات الأمنية الفيدرالية، واستضافته برلين للمرة الثانية ــ صرح المدير الأسبق لوكالة الاستخبارات الفيدرالية (أوغست هانينغ) بالقول: «يجب دعم الحكومة في اليمن لأننا نرى تدخل إيران هناك؛ ونعرف أنه من دون هذا التدخل لما كنّا نشهد الصراع الذي نشهده هناك»، وطالب بعدم اقتصار الدعم على الحكومة اليمنية، بل ودعم السعودية أيضًا لأنها تدعم الحكومة اليمنية الشرعية.

    كما اعترفت النائبة عن (حزب الخضر) في البرلمان الأوروبي (هانا نويمان)، بأن «ألمانيا وأوروبا صمتتا لفترة طويلة عن إدانة اعتداءات الحوثيين على السعودية». وذهبت (نويمان) إلى أبعد من ذلك عندما قالت: «علينا أن نقبل بعض الاتهامات الموجهة إلينا من الدول الخليجية، فنحن لم نفهم التهديد الإيراني في المنطقة».

    وصرح النائب عن الحزب المسيحي الديمقراطي المعارض (هنينغ شبيك) بأن «الألمان والأوروبيين لم يأخذوا المخاوف الأمنية لدول الخليج بجدية لفترة طويلة»، وأضاف أن «التعاون الأمني في المستقبل يجب أن يكون مختلفًا، ونقطة التحول يجب أن تطال كذلك التعاون الأمني مع دول الخليج، لنثبت لهم بأننا نأخذ مخاوفهم الأمنية بجدية".

 

    تحول الموقف الأوروبي تجاه إيران وأسبابه:

 

    وتعكس هذه التصريحات تحول الموقف الأوروبي تجاه إيران، وخصوصًا عقب تزويدها لروسيا بالطائرات المسيرة، وعزمها على تزويدها بالصواريخ المنوعة، ما اعتبر مشاركة من إيران في حرب أوكرانيا التي تمثل الحصن أو الجدار العازل بين روسيا ومنظومة الدول الغربية، وهو متغير شديد التأثير على مستقبل العلاقات بين طهران والعواصم الأوروبية.

    ويُعَدُّ تقديم قضية المسيرات الإيرانية للتحقيق، تمهيدًا لإحالتها إلى مجلس الأمن، جزءًا من تحوُّل الموقف الأوروبي، وتغييرًا واضحًا في نهج الساسة الغربيين، تجاه السلوك الإيراني العدواني خلال الأشهر القليلة الماضية.

     كما تعكس التصريحات تطلُّع الاتحاد الأوروبي إلى أداء دور إقليمي، يعزز مكانته في صراع النفوذ الجيوسياسي الدولي، وسعيه لبلوغ ذلك عبر الشراكة الاستراتيجية المطروحة مع مجلس التعاون لدول الخليج العربية؛ ما يعني أن الاتحاد الأوروبي سيكون في مواجهة سياسية وأمنية، وربما عسكرية، ضد إيران باعتبارها مصدر رئيس من مصادر تهديد الأمن والاستقرار في المنطقة.

 

    موقف الاتحاد الأوروبي من التهديدات الإيرانية

 

    على الرغم من عدم جلاء الرؤية بشأن مستقبل الأوضاع الأمنية للمنطقة، وصعوبة استشراف قدرة الاتحاد الأوروبي على تحقيق الأمن والاستقرار فيها، فيما لو دخلت الشراكة الاستراتيجية مع الدول الخليجية طور التنفيذ؛ إلا أن المعطيات السابقة والحالية، تجعل من الصعب على المحلل السياسي أن يرفع سقف التوقعات بأن تنهي الشراكة التجاوزات والمخالفات الإيرانية للقوانين والأعراف الدولية، وتوقف تهديداتها الصريحة لأمن واستقرار الدول الخليجية والعربية، بل والدول الأوروبية نفسها؛ ومن أبرز هذه المعطيات:

 

    أولًا: تهاون الأوروبيين تجاه الجرائم الإيرانية:

 

    اتسمت العلاقات الأوروبية ــ الإيرانية خلال العقود الثلاثة الماضية بالتوافق وعدم الصدام، رغم ما قامت به إيران من عمليات إرهابية في بعض الدول العربية والدول الأوروبية؛ فلم تتخذ دول الاتحاد الأوروبي موقفًا حاسمًا من إيران لتوقف اعتداءاتها على دول الجوار عبر المليشيات العسكرية المسلحة، التي قامت بتكوينها، وتدريبها، وتسليحها، والإشراف عليها من قبل فيلق القدس بالحرس الثوري، لنشر الفوضى والاضطراب في عدة دول عربية (لبنان والعراق وسوريا واليمن).

    كما كانت ردة فعلها على الأعمال الإرهابية في الدول الأوروبية نفسها، أقل كثيرًا مما هو متوقع، فعندما أصدرت محكمة جنائية عليا في ألمانيا قرارًا ضد النظام الإيراني، في 10 أبريل 1997م، تتهم فيه قادة النظام الإيراني بتدبير عملية اغتيال لأربعة إيرانيين معارضين في مطعم (ميكونوس) في ألمانيا، عام 1992م؛ أعلنت 15 دولة أوروبية حينها مقاطعة إيران وسحبت سفراءها منها، إلا أن هذه المقاطعة لم تستمر سوى بضعة أشهر، حيث أعيد السفراء عام 1998م، وتم إطلاق الجناة الذين قاموا بالعمل الإرهابي، ولم يحاسب أي من القادة الإيرانيين الذين تم تحديدهم في حكم المحكمة لضلوعهم في التدبير لعملية الاغتيال.

    وظل التهاون الأوروبي مع الإرهاب الإيراني مستمرًا، حيث قبضت السلطات الألمانية، في يوليو 2018م، على ضابط استخبارات إيراني يعمل لدى السفارة الإيرانية في العاصمة النمساوية (فيينا) تحت غطاء دبلوماسي، ويدعى (أسد الله سعدي)، اشتبه في تكليفه لزوجين إيرانيين يعيشان في بلجيكا بتنفيذ مخطط تفجير يستهدف تجمعًا يضم حوالي 4 آلاف معارض إيراني في مركز (فيلبينت للمؤتمرات) بالقرب من باريس. وقد تم القبض على الزوجين في العاصمة البلجيكية (بروكسل) وبحوزتيهما نصف كيلو جرام من مادة شديدة الانفجار وجهاز تفجير زودهما بهما (أسدي) لتنفيذ العملية الإرهابية؛ ومع ذلك لم يعاقب (سعدي) رغم ثبوت التهمة عليه.

 

    ثانيًا: التساهل الأوروبي مع النشاط النووي الإيراني

 

    عندما أبدى الرئيس الأمريكي الأسبق (بارك أوباما) استعداده للاتفاق مع إيران لوقف نشاطها النووي مقابل رفع العقوبات عنها، شاركت دول الترويكا الأوروبية (بريطانيا وألمانيا وفرنسا) في محادثات (خطة العمل الشاملة المشتركة)، التي أسفرت عن توقيع الاتفاق النووي مع إيران (5 + ا)، في 19 أكتوبر 2015م. واستمرت العلاقات الأوروبية ــ الإيرانية حتى مايو 2018م، حيث أعلن الرئيس (ترامب) انسحابه من الاتفاق من طرف واحد، مجددًا ما كان من عقوبات قبل توقيعه، بل وإضافة المزيد في نوفمبر 2018م. ومع ذلك لم توقف الدول الأوروبية تعاملاتها مع إيران.

 

    ثالثًا: استمرار التعاون بعد وقف الاتفاق النووي

    وعندما أوقفت إدارة الرئيس (ترامب) العمل بالاتفاق النووي مع إيران، واصل الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة، الموقعان على الاتفاق، تعاملهما وتعاونهما الاقتصادي والتجاري والاستثماري مع إيران. ولتسهيل المعاملات معها، دون التعرض للعقوبات الأمريكية، أعلنت مجموعة:E3)المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا)، في 31 يناير 2019م، عن إنشاءInstex) )، وهي أداة لدعم التبادل التجاري بغير الدولار الأمريكي وغير(السويفت).

    وكانت دول الترويكا الأوروبية شديدة الحرص على عودة إيران إلى الاتفاق، عندما أعيدت المحادثات بناءً على رغبة الرئيس الأمريكي الحالي (جو بايدن)، في أبريل 2021م، من أجل إحياء الاتفاق، لتعيد علاقاتها الاقتصادية معها، ولم تشترط عليها الكف عن أعمالها الإرهابية ضد الدول العربية والخليجية منها بخاصة، لتحقيق الأمن والاستقرار، وفقًا لما ورد في البيان والوثيقة وفي تصريحات المسؤولين الأوروبيين التي أشرنا إليها.

 

    رابعًا: التحول الأوروبي بعد خيبة الأمل في إيران:

 

    تغيَّر الموقف الأوروبي من إيران في منتصف شهر يونيو 2022م، عندما تأكد الأوروبيون أن طهران تراوغ المجتمع الدولي بمشاركتها في مباحثات إحياء الاتفاق النووي، بينما تسعى إلى الوصول للسلاح النووي، فقد كشفت الوكالة الدولية للطاقة الذرية عن ممارسات إيرانية لتسريع وتيرة تخصيب اليورانيوم، إثر عثورها على آثار ليورانيوم مخصب في ثلاثة مواقع إيرانية قرب طهران، وطالبت الوكالة بتقديم تفسير لهذه الآثار. كما أشارت إلى أن إيران رفعت مخزونها من اليورانيوم الانشطاري من (55.6) إلى (62.3) كيلوجرامًا، وهي كمية تؤهلها لصناعة قنبلة نووية.

    كما كان رد طهران السلبي على الحزمة التي اقترحها (بوريل)، لإحياء الاتفاق، دليلًا آخر على نوايا طهران المضمرة، والتي تناقض مواقفها الظاهرة في هذا الملف. وإزاء هذا التعنت والمراوغة التي أبدتها إيران في المحادثات، شعر الأوروبيون بخيبة أمل في إحياء الاتفاق النووي عبر المحادثات الجارية؛ عبر عنها الرئيس الفرنسي (إيمانويل ماكرون(، يوم 14 نوفمبر 2022م، بأنه لا يعتقد أنَّ مِن شأن أي مقترحات جديدة الإسهام في إحياء الاتفاق النووي مع إيران في المستقبل القريب.

   ويُعدُّ السبب الأقوى لتحول الموقف الأوروبي تجاه إيران، هو تزويدها لروسيا بالمسيرات في حربها ضد أوكرانيا، بل ربما كان السبب لأن تعلن دول الترويكا يأسها من أن تسفر محادثات الملف النووي عن نتائج إيجابية.

 

    موقف إيران من الشراكة الاستراتيجية

    لم تبد إيران موقفًا صريحًا من مشروع الشراكة الاستراتيجية، سواء عند الإعلان عنه في مايو 2022م، وحتى كتابة هذه الورقة؛ ويعود هدوء الموقف الإيراني، رغم تضمن الشراكة للجانب الأمني ــ الذي ترفض إيران مشاركة أطراف من خارج المنطقة فيه ــ إلى عدة احتمالات، منها:

  • أن الإعلان عن الشراكة قد تم أثناء انخراط إيران في محادثات إحياء الملف النووي مع ثلاث من الدول الهامة في الاتحاد الأوروبي (ألمانيا وفرنسا وبريطانيا)؛ ما جعل إيران تلتزم الصمت حتى لا تصطدم مع دول الترويكا.
  • أن الشراكة مازالت في طور الإعلان العام، ولم تتحدد ملامحها التفصيلية أو خططها التنفيذية، التي تجعل إيران تعترض عليها أو تنتقدها.
  • أن الوثيقة لم تُبدِ عداوة أو تهديدًا ضد النظام الإيراني ليتخذ منها موقفًا مضادًا؛ بل إن ما صدر من تصريحات حادة أو إدانة صريحة لإيران من قبل المسؤولين الأوروبيين في حوار المنامة، جاءت كرد فعل على موقف إيران الداعم لروسيا في حربها ضد أوكرانيا.
  •  إن ما طرحته الوثيقة بشأن الجانب الأمني ينصب على الآليات الدبلوماسية والسياسية، وهو ما يفهم من ثناء الوثيقة على ما تم من إنجازات عبر استخدام تلك الآليات، وفقًا لنصها على أن "مبادرات استئناف أو تطوير الحوار مع إيران، والاتفاق الأخير بشأن الهدنة وإجراءات بناء الثقة في اليمن، فرص تحسين الأمن والاستقرار الإقليميين على نطاق واسع".
  • إن الوثيقة اقترحت مشاركة دول أخرى فاعلة في المنطقة، مثل العراق وإيران، وذلك ضمن إطار مجالات وسياسات محددة؛ ما يجعل من اعتراض إيران عليها استعداءً غير مبرر لدول الاتحاد الأوروبي.

 

           التحديات التي قد تعترض الجانب الأمني

 

في ضوء العرض السابق، لا يُتوقع أن تسفر الشراكة الاستراتيجية عن تحقيق نتائج إيجابية سريعة في الملف الأمني، مثلما ستحقق في المجالات الأخرى، لما يعترض هذا المجال من تحديات، منها: 

  1. تردد الموقف الأوروبي في اتخاذ قرار أو إيجاد استراتيجية فعالة للتعامل مع إيران فيما يتعلق بتدخلاتها في المنطقة؛ بل إن بعض الدول الأوروبية (ألمانيا) مازالت ترفض تزويد دول خليجية بالسلاح لمواجهة العدوان الحوثي المدعوم من إيران (بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة)، فضلًا عن غيرها من الأسلحة التي مازالت تصل إلى اليمن من إيران، وفقًا لما تمت مصادرته منها على مدى الشهور القليلة الماضية.
  2. ارتباط التحول الأوروبي تجاه إيران بعرقلتها لإحياء الاتفاق النووي، وتزويدها لروسيا بالصواريخ والطائرات المسيرة في حربها ضد أوكرانيا، بل يكاد يكون موقف الاتحاد الأوروبي الداعم لاحتجاجات الشعب الإيراني ضد النظام، مرتبطًا بالأمر نفسه؛ وهو ما يجعل الاهتمام بالمجال الأمني في الشراكة الاستراتيجية يبدو وكأنه وسيلة أو ورقة ضغط أوروبية لإعادة النظام الإيراني للمحادثات وإحياء الاتفاق، والتوقف عن إمداد روسيا بالسلاح، مقابل التغاضي عن إجراءاته القمعية تجاه شعبه، وسياساته العدوانية التوسعية تجاه جيرانه من دول المنطقة، مثلما كان يحدث من قبل؛ فلطالما تغاضى الاتحاد الأوروبي عن إجرام النظام ضد شعبه وجيرانه، أثناء انخراطه في الاتفاق النووي، وعدم افتضاح أمر تزويده لروسيا بالأسلحة.   
  3. أن تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة ــ سواء بالردع أو بالرد ــ يتطلب قدرات وإمكانات عسكرية كبرى لا تتناسب مع محدودية الوجود العسكري الأوروبي في المنطقة، وهو ما يؤثر في مصداقية قدرة الاتحاد على تحقيق ما جاء في البيان والوثيقة بشأن المجال الأمني.
  4. أن دول الاتحاد الأوروبي تواجه تحديات أمنية واقتصادية استراتيجية، بسبب الحرب بين روسيا واوكرانيا؛ كما أن المستقبل القريب المبني على تحولات هذه الحرب، أو نتائجها قد يغير من مآل مشروع هذه الاتفاقية الاستراتيجية، فالاتحاد الأوروبي في وضع صعب حاليًا ويندفع من مجرد تمنيات، قد لا تعبر عن حقيقة واقعه ورغباته.
  5. إشارة الوثيقة إلى أن تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة سيتم عبر تفعيل الحوار والتفاهم مع إيران سياسيًا، دون إشارة إلى ممارسة السياسة عبر استخدام القوة الخشنة فيما لو فشل استخدام القوة الناعمة.
  6. ارتباط الأمن الخليجي بقضايا إقليمية معقدة تتصل بالأمن الإقليمي (كالنزاع العربي ــ الإسرائيلي، ووضع العراق، وبرنامج إيران النووي، ومكافحة انتشار الأسلحة النووية، والتصدي للإرهاب العابر للدول، وتعزيز الأمن الوطني، وحماية البنية التحتية الحيوية... وغيرها)؛ ومن المعلوم أن الموقف الأوروبي من تلك القضايا لا يتسم بالفاعلية أو التأثير، بل ربما كان إلى عدم الاكتراث واللامبالاة أقرب، ما يجعل تصوراته عن مفهوم أمن المنطقة أقل كثيرًا من احتياجاتها الأمنية.
  7. محدودية التدريبات والمناورات المشتركة والمنتظمة بين الجانبين، في المسارح الخليجية، التي يمكن أن تشهد مواجهات في المستقبل، بما تطلبه تلك التدريبات والمناورات من قوات وقيادة مشتركة، وخطط وإعدادات وتجهيزات لوجستيية... وغيرها.
  8. ضبابية الموقف الأوروبي تجاه الملف النووي الإيراني، حيث لم تبد الدول الأوروبية نهجًا صريحًا تجاه هذا الملف، سواء أثناء مشاركتها في المحادثات مع إيران، أو بعد إعلانها عن وقف المحادثات بسبب التعنت الإيراني.

الخلاصة:

نخلص مما سبق إلى أن الحرب الروسية الأكرانية قد أبرزت الأهمية الجيوسياسية لدول الخليج العربية، وأن تحقيق الاستقرار الدائم في جوار الاتحاد الأوروبي الواسع يتطلب تعاونًا وثيقًا معها؛ ولذلك حرص على إعادة طرح مشروع الشراكة الاستراتيجية بمجالاتها المتعددة، ومنها المجال الأمني، الذي يعد مرتكزًا لنجاح المجالات الأخرى واستمرارها.

           ورغم أهمية المجال الأمني لكلا الطرفين، فإنه لم يتشكل بالصورة التي تجعل الدول الخليجية أكثر اطمئنانًا إلى قدرة الاتحاد الأوروبي على تحقيق الأمن والاستقرار المنشود للمنطقة، على اعتبار أن مشروع الشراكة مازال في مرحلة المخاض، ولم تكتمل صورته النهائية؛ وذلك ما جعل إيران غير متأكدة من أنها ستتضرر من هذه الشراكة، ومن ثم اقتصر رد فعلها على الحذر المشوب بالتمني بأن يتبنى طرفي الشراكة نهجًا يُسمح فيه لجميع دول المنطقة، بما فيها إيران نفسها، بالمشاركة والاستفادة من المشروع.

             وأيًا كان الموقف الإيراني من المبادرة ــ سلبيًا كان أو إيجابيًا ــ فإنه لن يكون ذا أثر على استمرار الشراكة عند تطبيقيها على أرض الواقع، حيث تُعدُّ الأولويات الحالية للدول الخليجية هي تحقيق مصالحها الاقتصادية والتنموية عبر التعاون مع القوى الاقتصادية العالمية، ومنها الاتحاد الأوروبي.

           ولا شك أن هذه الشراكات المتعددة ستجعل محاولات النفوذ الإيراني في المنطقة تتراجع أكثر مما هي عليه الآن، خشية اصطدامها مع تلك القوى؛ وهو ما قد يضطرها إلى تغيير سياستها العدوانية والتراجع عن مطامعها الإقليمية، ومن ثم السعي إلى الانضمام للشراكة الاستراتيجية المطروحة.

            وأحسب أن الاتحاد الأوروبي ودول الخليج لن يمانعا من ذلك، فيما لو أبدت إيران رغبة صريحة في الانضمام إلى تلك الشراكة؛ وإن كان ذلك سيتطلب منها الالتزام بأربعة ضوابط هي:

 

أولًا: التوقف عن تهديد دول الجوار، سواء بالتدخل المباشر أو عبر الميليشيات الإرهابية التابعة لها في الدول العربية. حيث سيكون استمرار إيران في اعتداءاتها، فيما لو انضمت للشراكة، خرقًا لشروط انضمامها لها.

ثانيًا: إعادة إخضاع المنشآت النووية الإيرانية لنظام الضمانات التابع للوكالة الدولية للطاقة لمراقبة نشاط إيران النووي، تأكيدًا على سلميته. 

ثالثًا: العودة إلى الاتفاق النووي؛ وربطه بوقف تهديد دول المنطقة؛ باعتبارهما أقوى ضمانة لاستمرار الاتفاق واستقرار أوضاعها الداخلية والخارجية، وتحولها إلى دولة طبيعية في المحيطين الإقليمي والدولي.

رابعًا: التوقف عن تزويد روسيا بالمسيرات والصواريخ؛ وسيكون هذا شرطًا أوروبيًا بالتأكيد، حتى لا تتمكن روسيا من تحقيق تقدم في حربها الحالية ضد أوكرانيا.  

مقالات لنفس الكاتب