array(1) { [0]=> object(stdClass)#13063 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 182

حل الأزمات الأوروبية في المنطقة والتعددية القطبية في مصلحة دول الخليج

الإثنين، 30 كانون2/يناير 2023

إن موافقة وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في مايو 2022م، على وثيقة العلاقات الاستراتيجية مع دول مجلس التعاون الخليجي تعتبر تطورًا هامًا في العلاقات الاستراتيجية بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي، وجاء في الوثيقة "يعد بناء شراكة استراتيجية كجزء من تعزيز مشاركة الاتحاد الأوروبي في المنطقة أولوية رئيسة الاتحاد الأوروبي، وأن التعاون الوثيق والفعال أمر ضروري لتصبح منطقتا الخليج والشرق الأوسط مسالمة ومزدهرة وتحقيق الانتعاش الاقتصادي القوي"، والحقيقة أن أهداف الاتحاد الأوروبي اقتصادية في جوهرها في ظل ما تعاني منه دول الاتحاد من أزمة الطاقة والتضخم في ظل  الحرب الروسية الأوكرانية.

الخليج العربي منطقة استراتيجية حيوية وغنية بالطاقة

إن الخليج العربي كنز استراتيجي على المستوى الإقليمي والدولي وقد نبه لأهميته الاستراتيجية في ظل صراع الامبراطوريات البريطانية والروسية وحتى الفرنسية مع مطلع القرن العشرين، الجنرال الأمريكي ألفرد ماهان صاحب نظرية القوة البحرية عندما قال في مقالة له كتبها عام 1902م،" الخليج العربي والعلاقات الدولية " إن منطقة الخليج منطقة استراتيجية وذات أهمية بين البحر الأبيض المتوسط والشرق الأقصى والهند، وكانت بريطانيا تعتبر الهند درة التاج البريطاني ولذلك اهتمت بمنطقة الخليج وسيطرت على عدن 1839م، فالخليج العربي به الممرات المائية للتجارة الدولية والطاقة ويرتبط به أمن القرن الإفريقي وشرق المتوسط  ولذا فهي منطقة محورية لأمن الشرق الأوسط وكما قال أحد المفكرين الاستراتيجيين " من يسيطر على الشرق الأوسط يسيطر على أوروبا"  والخليج بموقعه وممراته محور الشرق الأوسط وتهتم به القوى العظمى ولذلك فإن الولايات المتحدة بعد سقوط الشاه أعلنت مبدأ كارتر 1980م، للحفاظ على  أمن الخليج واستقراره مباشرة وشكلت قوات الانتشار السريع القيادة المركزية للشرق الأوسط للمحافظة على مصالحها،  كما أن بريطانيا العظمى تعتبر منطقة الخليج العربي حيوية لها لعلاقاتها التاريخية وازداد اهتمامها حاليًا بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي تريد أسواقًا واستثمارات وبيع الأسلحة حتى أنها في فترات تاريخية كانت تنافس الولايات المتحدة خاصة في أزمة اليمن في الستينيات من القرن العشرين والآن تعود بقوة لتحقيق مصالحها وتسخر الولايات المتحدة وتؤيدها في سياستها كما فعلت في احتلال العراق 2003م، أو احتلالها أفغانستان 2001م، بالإضافة لاتفاقيات أمنية في المنطقة، وإبان الاتحاد السوفيتي وقفت دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة ضد النفوذ السوفيتي في المنطقة ورغم  شعارات جنوب اليمن آنذاك فكان لبريطانيا نفوذها حتى بعد استقلال الجنوب وانسحابها من الخليج عام 1970م، فالأسطول الخامس موجود في البحرين ودول الاتحاد الأوروبي لها وجودها من خلال الاتفاقيات الثنائية سواء في مجال الأمن والاقتصاد توجت أخيرًا بالشراكة الاستراتيجية بين الاتحاد الأوروبي ودول المجلس الخليجي تمليها مصالح الاتحاد خاصة الاقتصادية بالدرجة الأولى لأن الخليج العربي يمثل لها البوابة العالمية Global  Gateway لإفريقيا وآسيا وحماية خطوط التجارة من القرصنة البحرية.

الاتحاد الأوروبي يتجه للخليج العربي في ظل الحرب الأوكرانية

إن المحور الرئيس في العلاقات الأوروبية ـ الخليجية هو الاقتصاد خاصة اهتمام الدول الصناعية الأوروبية الكبرى، فالاتحاد الأوروبي 27 دولة تبحث عن الأسواق والاستثمارات والبحث أيضًا عن مصادر الطاقة الآمنة من النفط والغاز الطبيعي ، وقد أكد نائب  رئيسة المفوضية الأوروبية  فالديس دومبروفسكيس ذلك بقوله" في ظل هذه البيئة الصعبة يلتزم الاتحاد الأوروبي التزامًا كاملاً بتعزيز العلاقات الاقتصادية بين الكتلتين الإقليميتين من خلال تطوير مجالات الاهتمام المشترك والعمل بطريقة أكثر تعاوناَ مما يمكننا من تحقيق فوائد حقيقية" وأضاف  إن الاتحاد الأوروبي ودول مجلس التعاون يمثلان معا 20% من الاقتصاد العالمي و17.5% من التجارة العالمية وأكثر من نصف الاستثمار الأجنبي المباشر العالمي والاتحاد الأوروبي كان ثاني أكبر شريك تجاري لدول مجلس التعاون الخليجي عام 2021م، وخامس أكبر سوق تصدير لدول المجلس كما شهدت تدفقات الاستثمار الثنائية والتجارة في الخدمات انتعاشًا قويًا للغاية ".

وقد برز الدور العربي وخاصة الخليجي في أزمة الطاقة العالمية وأظهرت الدول الثلاث قطر والجزائر ومصر أن العرب لديهم سلاح اقتصادي استراتيجي لا يقل أهمية عن البترول، فأبرزت الحرب في أوكرانيا الدور الحيوي للغاز الطبيعي في الاقتصاديات الأوروبية، وأسهمت الدول الثلاث في تعويض جزء من الغاز الطبيعي الروسي الذي كان يتدفق على أوروبا  ويمثل 40% من واردات الاتحاد الأوروبي للغاز ولكن تقلص بسبب الحرب، وارتفعت صادرات قطر من الغاز المسال إلى أوروبا 16% خلال الأشهر الأولى من عام 2022م، وتخطط قطر في الأعوام القادمة إلى زيادة حصتها في سوق الغاز المسال إلى أوروبا مما يعزز دورها والخليج بشكل عام في القارة الأوروبية، فقطر تمتلك ثالث احتياطي في العالم من الغاز الطبيعي بعد روسيا الاتحادية وإيران، وأعلنت السعودية في فبراير 2022م، عزمها دخول حقل تصدير الغاز الطبيعي فالسعودية والإمارات يملكان ثاني وثالث احتياطي من الغاز في العالم العربي وبذلك يمكنهما الاسهام في تدفق الغاز الطبيعي، ومع عام 2023م، سيزداد الطلب الأوروبي على الغاز الطبيعي بعد التخلي عن استيراد نحو 150 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي الروسي .

يبلغ عدد سكان الاتحاد الأوروبي 513.2 مليون نسمة مقابل 56.3 عدد سكان مجلس التعاون الخليجي والزيادة السنوية لدول المجلس 2.3% سنويًا مقابل 0.2% للاتحاد الأوروبي وهي بحاجة لأيدٍ عاملة في ظل مجتمعات تتجه نحو الشيخوخة  مقابل مجتمعات شابه في المنطقة العربية، والناتج المحلي الإجمالي لعام 2018م، لدول المجلس 1650.8 مليار دولار أمريكي وللاتحاد الأوروبي 18756.1 مليار دولار والنمو للناتج المحلي الإجمالي لدول المجلس 13.2% سنويًا مقابل 8% للاتحاد الأوروبي ونصيب الفرد من إجمالي الدخل القومي 29.5 ألف دولار للفرد الواحد في المجلس وفي الاتحاد الأوروبي 35.3 ألف دولارـ  ويتقارب مستوى دخل الفرد مع الاتحاد الأوروبي وهذا له انعكاس على إنفاق الفرد ومستوى المعيشة مما يعني أن منطقة الخليج العربي  سوق استهلاكي مهم للبضائع الأوروبية. وفي السنوات الأخيرة ازداد حجم التبادل التجاري بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون عما كان عليه عام 2018م، ففي عام 2020م، بلغ حجم التجارة الخليجية مع الاتحاد الأوروبي 97.1 مليار يورو ، استورد الاتحاد الأوروبي 29.6 مليار يورو أغلبها للطاقة : البترول والغاز الطبيعي، وبلغت صادرات الاتحاد الأوروبي في نفس العام إلى دول المجلس 67.5 يورو ومعظم صادرات الاتحاد لمجلس التعاون في مجال الصناعات الثقيلة والتكنولوجيا، ويعتبر الاتحاد الأوروبي الشريك التجاري الأول لدول مجلس التعاون الخليجي ولكن عام 2019م، تفوقت الصين على الاتحاد الأوروبي ففازت بالشريك الأول في ذلك العام ومن المتوقع أن يستمر تفوق الصين بسبب ازدياد حاجتها للطاقة وزيادة استثماراتها.

تحديات الاتحاد الأوروبي: التنافس الدولي بين الصين روسيا وأمريكا واليابان

وإذا كان الاتحاد الأوروبي الشريك التجاري الأول لدول مجلس التعاون وتحدي الصين للاتحاد الأوروبي، فقد بلغ حجم التبادل التجاري بين الصين ودول مجلس  التعاون عام 2019م، (قبل جائحة كوفيد 19)  حوالي 180 مليار دولار، فأزاحت الاتحاد الأوروبي عن المركز الأول في ذلك العام، فالصين تعتبر العلاقات الاقتصادية في المركز الأول بعيدًا عن الاعتبارات السياسية الداخلية والخارجية لهذه الدول بمعنى أنها لا تتدخل في الشؤون الداخلية لدول المجلس أو الدول العربية بشكل عام على عكس بعض الدول الأوروبية والولايات المتحدة، وتستثمر الصين في مشروع الحزام والطريق سواء في سكة الحديد عبر وسط آسيا غربًا أو الطريق البحري الذي يصل الحزام أو الطريق إلى منطقة الخليج العربي حتى أنها أنهت مشاريع في ميناء غوادر الباكستاني على بحر العرب بناء منشأة لاستقبال الغاز المسال في الميناء بقيمة 2.5 مليار دولار مما يسهل استقبال الغاز وزيادة الاستيراد من دول مجلس التعاون للغاز الطبيعي، وفي ظل التنافس بين الصين والدول الصناعية الغربية ففي قمة الدول السبع التي عقدت في ألمانيا في يونيو 2022م، اتفقت هذه الدول على إطلاق مبادرة اقتصادية لمواجهة مشروع الحزام والطريق الصيني بقيمة 600 مليار دولار، تخصّص للاستثمار في البنية التحتية في الدول النامية. ولكن صحوة الغرب المتأخرة في هذا المجال قد لا تفيد كثيرًا في احتواء الصين التي تعزز علاقاتها مع دول الخليج تمثلت في القمم الثلاث في الرياض السعودية ـ الصينية / الخليجية / العربية ديسمبر 2022م، فالسعودية المصدر الرئيس للبترول للصين وفي تقرير الغرف السعودية أشار إلى  النمو المطرد في حجم التبادل التجاري بين السعودية والصين وبلغ عام 2021م، حوالي 304.3 مليار ريال  مقابل 221.6 مليار ريال عام 2020م، مرتفعاً بنسبة 37% وفي نفس العام ارتفعت الصادرات السعودية إلى الصين 59% والواردات بنسبة 12%، وتنبع أهمية الصين كشريك اقتصادي في تنفيذ مشاريع رؤية 2030، وإن دول المجلس الأخرى لها علاقات تجارية متصاعدة مع الصين كالإمارات العربية وقطر والكويت.

ولا تقتصر الدول المنافسة للاتحاد الأوروبي على الصين لوحدها، بل روسيا أيضًا لها علاقات مع دول المجلس فهي ضمن مجموعة أوبك + ولها دور في معدل إنتاج البترول وأسعاره ولذلك لها تعاون في مسألة تحديد الإنتاج والأسعار مما أقلق واشنطن بسبب خفض إنتاج البترول بمليوني برميل يوميًا أكتوبر الماضي واعتبرت السعودية هذه الخطوة باعتبارها ضرورية لدعم الأسعار في مواجهة ضعف الطلب، وكانت إدارة بايدن اعتبرت الخطوة " تحالفًا مع روسيا" والقضية ليست تحالف بقدر ما هو تلاقي مصالح للدول، وفي الوقت الذي تتجه فيه روسيا للأسواق الآسيوية لبترولها بسبب العقوبات الأوروبية فإنها تفسح المجال لأن تزيد السعودية تصديرها للاتحاد الأوروبي فقد صدرت الخام السعودي إلى أوروبا عبر خط أنابيب سوميد المصري والموانئ السعودية بزيادة قدرها 17% عما كان عليه قبل الغزو الروسي لأوكرانيا، وقال جيم كرين خبير الطاقة والزميل في معهد بيكر بجامعة رايس الأمريكية " تبحث شركات التكرير في أوروبا عن تأمين إمداداتها وحالياً تستحوذ السعودية على الكثير من هذه الأعمال" ، ولكن السعودية حريصة على أسواقها في آسيا رغم زيادة انفتاح الأسواق الأوروبية لها.

كما أن اليابان أيضًا كقوة اقتصادية كبرى منافس للاتحاد الأوروبي في الخليج وتشكل الطاقة حلقة الوصل مع دول مجلس التعاون الخليجي فهي أكبر مستورد للغاز الطبيعي المسال في العالم وثالث أكبر مستورد للمنتجات البترولية والنفط الخام، وبلغت الصادرات اليابانية لدول المجلس عام 2014م، حوالي 24.9 مليار دولار والواردات اليابانية من دول المجلس في نفس العام 139.8 مليار دولار و بلغ إجمالي التجارة بين اليابان والمجلس 164.8 مليار دولار ، وسيزداد الدور الياباني على المستوى الاقتصادي والاستراتيجي خاصة مع صدور وثيقة الأمن القومي اليابانية الجديدة ديسمبر الماضي التي تسمح لأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية للجيش الياباني بالقيام بضربات مضادة ضد قوى معادية، والمثير للانتباه تضاعف ميزانية الدفاع اليابانية من 40 مليار دولار في 2022م، إلى 80 مليار دولار مع حلول عام 2027م، ويظهر أن الولايات المتحدة تريد تحويل اليابان قوة ردع عسكرية للصين وروسيا في الشرق الأقصى، ومما يقلق الصين وروسيا وكوريا الشمالية ليس فقط مضاعفة ميزانية الدفاع اليابانية  من 1% إلى 2% من الناتج الإجمالي الخام لثالث أكبر اقتصاد في العالم في غضون عام 2027م، بل تغيير العقيدة العسكرية اليابانية من عقيدة دفاعية إلى عقيدة هجومية تسعى لامتلاك صواريخ باليستية بإمكانها ضرب العمق الصيني، فالولايات المتحدة تريد أن يكون لها حليف إقليمي قوي شرق آسيا ليخوض نيابة عنها حروباً بالوكالة ضد أعدائها في شرق آسيا تريدها "شرطي أمريكا "في الشرق الأقصى لاستنزاف قوى معادية لها الصين وروسيا وكوريا الشمالية، ولكن تشجيع الولايات المتحدة لليابان لإعادة بناء قواتها المسلحة سيكون له في المستقبل ارتداداً على الولايات المتحدة نفسها لأن التيارات القومية اليابانية لن تنسى القنبلة الذرية على هيروشيما ونجازاكي عام 1945م، خاصة مع تنامي الشعور المعادي للولايات المتحدة ووجودها العسكري في اليابان .

وتعتبر الهند أيضًا سوقاً منافساً للاتحاد الأوروبي في الخليج لقربها الجغرافي والعمالة الهندية في الخليج فهناك أكثر من سبعة ملايين من العمالة الهندية في دول المجلس، والهند رابع مستهلك للبترول في العالم ويتوقع أن تتقدم بسرعة لتصبح ثاني أكبر سوق للصادرات الخليجية بعد الصين العام القادم كما تبحث الشركات الخليجية عن فرص استثمارية كبرى في الهند، وهناك أيضاً قوة إقليمية صاعدة في الشرق الأوسط منافسة للاتحاد الأوروبي وهي تركيا التي قامت في العام الأخير بالعودة إلى سياسة تصفير المشكلات مع جيرانها وخاصة دول الخليج وعودة الاستثمارات الخليجية لتركيا والبضائع التركية إلى الأسواق الخليجية، فحجم الاستثمارات السعودية بتركيا وصلت إلى 18 مليار دولار ويتوقع ارتفاعها مستقبلاً وقال وزير الخزانة والمالية التركي نور الدين نباتي أن حجم التبادل بين تركيا والسعودية ارتفع من 3.7 مليار دولار إلى 4.3 مليار دولار خلال الأشهر العشرة من العام 2022م، ويتوقع أن تزداد في السنوات القادمة، كما ازدادت الاستثمارات القطرية والإماراتية والكويتية في تركيا وازدياد التبادل التجاري التركي، كما أن التكتلات الإقليمية الاقتصادية أخذت تجذب دول الخليج مثل تكتل بريكس BRICS ومنظمة شنغهاي للتعاون الاقتصادي.

وإثر تحول النظام الدولي إلى التعددية القطبية أخذت دول مجلس التعاون الخليجي تتجه إلى تحقيق مصالحها بتعدد علاقاتها مع الدول الكبرى وغيرها من الدول ذات الأهمية الاقتصادية وبالتالي يؤدي هذا التنوع في العلاقات للتأثير على علاقات الاتحاد الأوروبي مع دول مجلس التعاون الخليجي ويعطي دول المجلس تأثيرًا سياسيًا أقوى لمواجهة سياسة الاتحاد الأوروبي التي تخضع لضغوط داخلية أحيانًا.

السياسة الداخلية الأوروبية وتأثيرها على العلاقات الخليجية

إن السياسة الخارجية الأوروبية تخضع في أحيان كثيرة إلى اعتبارات داخلية، بسبب  الصراع بين الأحزاب السياسية التي تتنافس للوصول للسلطة، فهي دول تتميز بتعدد الأحزاب السياسية وتتعدد الاتجاهات الأيديولوجية بين هذه الأحزاب رغم أنها دول رأسمالية، فهناك أحزاب اليمين المتطرف الشعبوية والأحزاب اليسارية والأحزاب المحافظة، وبسبب التنافس الحزبي تطرح الأحزاب شعارات متعددة لكسب الرأي العام، فهناك من ينادي بالحرية وحقوق الإنسان والشذوذ الجنسي مثل المثلية وحقوق المرأة وأغلب هذه الشعارات تتعارض في معظمها مع عادات وتقاليد دول مجلس التعاون الخليجي وتتعارض مع الشريعة الإسلامية، ولذلك تصرح بعض حكومات الدول الأوروبية بالمطالبة لحكومات المجلس بتبني شعارات حقوق الإنسان على الأنماط الأوروبية وهذه لا يمكن تطبيقها في العالم العربي ودول مجلس التعاون فلكل دولة مبادئها وعقيدتها ولا يمكن أن تتدخل دول أخرى في شؤونها الداخلية، ومما يثير قلق دول المجلس التمييز العنصري في الدول الأوروبية اتجاه المسلمين والقضايا العربية، فالتيار اليميني الحاكم في النمسا يتطرف في تعامله مع العرب والمسلمين في النمسا فأصبح ارتداء الحجاب مشكلة مثلاً في فرنسا والنمسا علماً أنه يعتبر ضمن الحرية الشخصية التي تنادي بها الدول الأوروبية وهذا يعكس ازدواجية المعايير في الغرب ويتناقض في سياسته لماذا يرفض الحجاب وهو حرية شخصية وتشن بعض الجماعات الأوروبية حملة على الدول العربية وتنتقدها بينما الدول الأوروبية تمارس سياسة عنصرية ضد المهاجرين من الدول العربية  والدول النامية.

ولقد أثبتت الحرب الروسية ـ الأوكرانية ازدواجية المعايير فكيف كان يستقبل المهاجر من أوكرانيا بالترحاب والاحترام وتسهيل الإقامة والمساعدات الإنسانية على عكس الهجرة من الجنوب مثل اللاجئين السوريين والأفارقة الذين يعانون على حدود الدول الأوروبية فأصبح "اللاجئ الأبيض" يعامل بطريقة تختلف عن اللاجئين القادمين من جنوب البحر المتوسط.

ومما يؤثر على العلاقات الخليجية الأوروبية الموقف الأوروبي المتذبذب من قضية الاستيطان في الضفة الغربية والاضطهاد الإسرائيلي للفلسطينيين وسياسة الفصل العنصري، كل هذه الأمور لها تأثيرها على العلاقات الخليجية الأوروبية.

ومقارنة مع دول شرق آسيا الصين واليابان وروسيا فهذه الدول لا تتدخل في الشؤون الداخلية للدول الخليجية والدول العربية بشكل عام، فهذه الدول تركز على مصالحها ولا ترفع شعارات أوروبية مثل حقوق الإنسان والديمقراطية والحرية، ويظهر أن الأنظمة الشمولية أكثر اهتمامًا بمصالحها لعدم وجود تعددية حزبية تتصارع في الداخل كما هو في الدول الأوروبية، فالتعددية الحزبية في أوروبا تدخلها في دوامة الشعارات السياسية لكسب الجماهير في الانتخابات الداخلية للوصول إلى السلطة، ورغم وجود منسق للشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي فإن الدول الأوروبية في الغالب تختلف في سياستها الخارجية، فأوروبا التاريخية مثل فرنسا وألمانيا وإيطاليا وبريطانيا لها علاقات تاريخية في المنطقة على عكس أوروبا الجديدة التي كانت ضمن المنظمة الاشتراكية فعلاقاتها تبقى محدودة مع الدول العربية بشكل عام ومجلس التعاون بشكل خاص، وحسب تقرير مجلة الأيكونوميست البريطانية الأول من يناير 2023م، فإن التيار اليميني المتطرف أخذ يتراجع في أوروبا " وإن الرأي العام في الديمقراطيات الغنية يتحول على ما يبدو إلى اليسار" وذكرت المجلة احتمال أن تكون سنة 2023م، نقطة تحول سيكون مدعوماً بنوع من التحولات الهامة في ظل الأوضاع الاقتصادية العالمية، وتراجع اليمين سيؤثر على العلاقات الأوروبية الخارجية . وعلى أية حال فالدول الأوروبية برجماتية في سياستها الخارجية ولا يهمها حقوق الإنسان والحرية وغيرها من شعارات فالمهم مصالحها أولاً وأخيرًا بعيداً عن شعارات الاستهلاك الداخلي في الصراعات الحزبية الأوروبية.

إن التعددية القطبية بالتأكيد في مصلحة دول مجلس التعاون وهي السياسة التي تبنتها الآن لتحقيق مصالحها من خلال تنوع علاقاتها الخارجية فلم تعد الولايات المتحدة تهيمن على النظام الدولي فهي تعاني مشاكل داخلية تنذر بحرب أهلية أو الانفصال كما يتوقع في السنوات القادمة فالامبراطوريات تنهار عبر التاريخ عندما تتدهور أوضاعها الداخلية اقتصاديًا واجتماعيًا كما انهار الاتحاد السوفيتي وستبقى المصالح هي التي تحكم علاقات الدول والاتحاد الأوروبي في أزمة طاقة وحلها في المنطقة العربية وخاصة مجلس التعاون الخليجي حيث البترول والغاز الطبيعي وفرص الاستثمارات والتبادل التجاري.

مقالات لنفس الكاتب