array(1) { [0]=> object(stdClass)#13063 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 182

9 أسباب وراء تأخير إدراج الحرس الثوري الإيراني على قائمة الإرهاب الأوروبية

الإثنين، 30 كانون2/يناير 2023

    أثار قرار البرلمان الأوروبي، الصادر في 19 يناير 2023م، بإدراج الحرس الثوري الإيراني على قائمة المنظمات الإرهابية ــ بموافقة (598) برلمانيًا من بين (638)، وامتناع (31)، ومعارضة (9) ــ  استياء وغضب المسؤولين الإيرانيين، وتوالت تصريحاتهم مستنكرة لهذا الإجراء، ومهددة باتخاذ خطوات مماثلة ضد دول الاتحاد، فيما لو وافق وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي على هذا القرار، وتم تطبيقه على أرض الواقع عاجلًا أو آجلًا؛ وعندما اجتمع وزراء الخارجية  يوم 23 يناير 2023م، اكتفوا بإقرار عقوبات على (37) إيرانيًا، وتمهَّلوا في تصنيف الحرس الثوري ضمن المنظمات الإرهابية.
    فما هو الحرس الثوري الإيراني؟ وما هي الأدوار التي يقوم بها؟ ولماذا حرص البرلمان الأوروبي على إدراجه ضمن المنظمات الإرهابية في أوروبا؟ وما هو موقف النظام الإيراني من هذا القرار؟ ولماذا تمهَّل الاتحاد الأوروبي في الموافقة على قرار البرلمان؟ هذا ما سوف تجيب عنه هذه الورقة.
    الحرس الثوري الإيراني
      هو أحد فروع القوات الإيرانية النظامية الثلاثة ــ الحرس والجيش والشرطة ــ وأكثرها عددًا وعتادًا.
    تأسيسه: تأسس عقب ثلاثة أشهر من اندلاع الثورة وتحديدًا في مايو 1979م، بقرار من المرشد الأعلى للثورة الإسلامية آنذاك آية الله الخميني، ووُضِع تحت إمرته مباشرة؛ للدفاع عن الثورة وقائدها ضد المعترضين عليها من الشعب، وإحداث التوازن مع القوات المسلحة النظامية.
    عدد أفراده: تتفاوت التقديرات عن أعداد أفراده، حيث يقدرها البعض بثمانية ملايين من الرجال والنساء، بما فيها قوات (الباسيج)، أي حوالي 10 % من سكان إيران. بينما يقدرها البعض بـ (150) ألف جندي: (100 ــ 125) ألف من المشاة، و(20) ألفًا من البحرية وسلاح الطيران و(5) آلاف في فيلق القدس. ويتراوح عدد ضباطه، بما في ذلك المتقاعدين، حوالي (55) ألفًا. ويعرف عن أعضائه ولاؤهم الأعمى للمرشد السابق والحالي وللنظام القائم في إيران، وجاهزيتهم للدفاع عنه ضد (أعداء الداخل والخارج).
     تنظيمه: عندما تولى الرئيس السابق للحرس الثوري (محمد علي جعفري)، قام (عام 2008م) بإجراء تعديلات جوهرية على تنظيمه، حيث وزع أفراده في (31) فيلقًا ــ وزعت على محافظات إيران الـثلاثين، باستثناء محافظة طهران التي خُصص لها فيلقان ــ وأصبح لسلاح الصواريخ قيادة منفصلة.
    تسليحه: يمتلك الحرس الثوري العديد من معدات القتال التقليدية، الفردية والجماعية، فلديه معدات برية (دبابات، ومدرعات، ومدافع، وناقلات جنود... وغيرها)، وأسلحة وحدات بحرية (زوارق وتوربيدات... وغيرها)؛ وجوية (ترسانة من الطائرات بدون طيار المصنوعة محليًا)؛ فضلًا عن امتلاك قيادته لسلطة الإشراف على أسلحة إيران الاستراتيجية، وتحديدًا بطاريات صواريخ (شهاب 3) بعيدة المدى؛ وأنشطة إيران النووية؛ كما يمتلك قوات (جو ــ فضائية) واستخباراتية، وترسانة صاروخية كبيرة.
    القوات التابعة له: يتولى الحرس الثوري الإشراف على عدد من القوات التابعة له، وهي:
•    (الباسيج): قوات شبه تطوعية، تمت الموافقة عليها عام 1980م؛ وتضم ذكورًا وإناثًا من الشباب، وطلاب الجامعات، وموظفي الدولة، والعمال، وغيرهم من الفئات التي تدين بالولاء للثورة ومرشديْها. وهي تخضع منذ تأسيسها وإلى اليوم للمرشد الأعلى، الذي يتولى اختيار وتعيين قائدها والمسؤولين التنظيميين للميليشيات التابعة لها، ممن يرشحهم قائد الحرس الثوري.
     وكان للباسيج دور بارز في الحرب الإيرانية / العراقية، حيث انضمّ ما يربو على مئة ألف متطوع منهم للوحدات القتالية، وجرت تعبئة نحو مليوني شخص أثناء الحرب، وذلك بحسب معهد واشنطن؛ وكانت عناصره من صغار السن تتقدم القوات المقاتلة لاقتحام حقول الألغام وتمهيد الطريق للقوات النظامية التي تتعقب آثارهم. وما لبثت الميلشيات التابعة لهم أن تطورت بعد الحرب، من حيث أعداد المتطوعين، فضلًا عن تطوير قدراتهم القتالية والعسكرية، وتنويع مهامهم الداخلية والخارجية.
    ويتوزع أعضاؤه حاليًا على أساس مناطقي لتغطية كافة المدن الإيرانية، ويتواجدون في المساجد، والمصانع، والمؤسسات الحكومية، والتعليمية من مدارس ومعاهد وجامعات، لمتابعة المناوئين للنظام وملاحقتهم. ويتم ترشيحهم للانضمام للمنظمة عبر أئمة المساجد والجمعيات المنتشرة في مناطقهم المحلية.
    ويتولى الحرس الثوري تدريبهم وتزويدهم بالسلاح، كما يصرف رواتبهم التي أقرها البرلمان الإيراني في أكتوبر 1991م، من مخصصاته؛ ويستدعيهم للنزول إلى الشوارع في أوقات الأزمات، لاستخدامهم كقوة لتفريق المتظاهرين؛ حيث يعزى إلى قوات (الباسيج) أنها هي التي قادت قمع الثورة الخضراء سنة 2009م، كما قامت باقتحام السفارة والقنصلية السعودية في مدينتي طهران ومشهد عام 2016م؛ وتقوم حاليًا بالمشاركة في قمع الاحتجاجات المتصاعدة منذ مقتل المواطنة (مهسا أميني) في 16 سبتمبر 2022م.
     أما المهام الخارجية، فمن أبرزها: مشاركتهم في حماية ما يسمى بالعتبات المقدسة في العراق، وتدريب قوات الحشد الشعبي ومشاركتها فيما كانت تخوضه من معارك داخلية ضد العرقيين السُنَّة؛ كما كان لهم وجود كبير في سوريا (130 ألف عنصر)، لمشاركة المجموعات الأخرى التابعة للحرس (فاطميون وزينبيون) في المعارك الدائرة هناك منذ ثورة الشعب على نظام الأسد؛ ولتكوين وتدريب حزب الله الثاني من السوريين.
•    (فيلق القدس): قوة عسكرية، تتراوح تقديرات عدد أفرادها ما بين ألفي عنصر و (50) ألفا؛ ويمثل الفيلق الفرع الخارجي لقوات الحرس الثوري الإيراني، وأقوى أجنحة هذا الجهاز شبه العسكري والأقوى نفوذا في إيران. وتشكَّل أواخر عهد الخميني، لمطاردة الشخصيات والقوى المعارضة داخل البلاد وخارجها، وتغيرت وظائفه وحدود مسؤولياته خلال السنوات الأخيرة، وبخاصة بعد الغزو الأمريكي لأفغانستان والعراق، حيث أصبح مسؤولًا عن شؤون العراق وأفغانستان والبلدان العربية والإسلامية فيما يتعلق بالحرب غير المباشرة مع أمريكا.
•    (فيلق أنصار المهدي): مكلف بحماية كبار قادة إيران (باستثناء المرشد الأعلى) وأعضاء البرلمان.
•    (جيش السيبراي): قوة تضم الآلاف من عناصر الحرس والباسيج متخصصة في التجسس ورصد الإنترنت والاتصالات داخل إيران، وقد اعتُقِل العديد من الشباب الإيراني من خلال هذه الرقابة. ويقوم (جيش السيبراي) أيضاً بعمليات القرصنة، عبر اختراق وتخريب شبكات الحواسب الآلية في عدد من دول المنطقة وغيرها من الدول الغربية.
    قدراته الاقتصادية: يحصل الحرس الوطني على نصيب الأسد من مخصصات القوات النظامية الإيرانية، حيث ارتفعت ميزانيته عام 2022م، بنسبة 58%، لتزداد من 38,564 مليار تومان إلى 93 ألف مليار تومان، أي بزيادة قدرها 2,4 مرة. ولا تقتصر إمكاناته المالية على ما يحصل عليه من ميزانية الدولة فحسب، بل تمتد إلى امتلاكه قدرات اقتصادية هائلة، حيث يسيطر على حوالي ثلث الاقتصاد الإيراني، فيما تشير مصادر غربية إلى أن سيطرته تتجاوز النصف، وذلك من خلال بسط نفوذه على عدد من المؤسسات والصناديق الخيرية والشركات الفرعية التي تدير جزءًا لا يُستهان به من الاقتصاد الإيراني، بدءًا من مشروعات النفط والغاز، ومحطات الوقود والمطارات، وقريبًا جدًا إنتاج الأرز، وانتهاءً بالتشييد والاتصالات؛ وهذا ما دفع الكثيرين لوصفه بـ: (المافيا العملاقة)، وتحميله مسؤولية تردى الوضع الاقتصادي الإيراني.
   ويرتبط الحرس الثوري بعلاقات مباشرة وغير مباشرة مع (12) بنكًا ومؤسسة مالية كبرى داخل إيران، وتفتح تلك البنوك بدورها ما يزيد على (30) مليون حساب وهمي على الأقل، يتم استخدامها في صفقات التسليح والتمويل المشبوهة، التي يتم إبرامها مع مليشيات العنف والإرهاب في الدول العربية.
    وتمكن المرشد الأعلى والقادة في الحرس الثوري من الحصول على فوائد اقتصادية ضخمة، من خلال الميزانيات العسكرية الكبيرة وهي سرّية، ولا تعرض للمناقشة العلنية للبرلمان الإيراني.
   امتيازات قادته: يحظى قادة الحرس الثوري بالعديد من الامتيازات السياسية والاقتصادية، فعلى صعيد الامتيازات السياسية يتم تعيين العديد من عناصره السابقين في مناصب سياسية رفيعة داخل إيران وخارجها؛ فالرئيس الإيراني الأسبق (محمود أحمدي نجاد)، كان أحد قادة الحرس الثوري؛ والرئيس الحالي (إبراهيم رئيسي) أحد أعضائه، ومعظم أعضاء حكومته كانوا ضباطًا سابقين في الحرس الثوري.
    أما امتيازاتهم الاقتصادية، فيجسدها أحد الكتاب بأن العديد من القادة المرموقين في الحرس الثوري رجال أعمال أولا، ثم قادة عسكريين. وعادة يكون لديهم قريب في أوروبا أو كندا ليعتني بأعمالهم ويوفر لهم نافذة مفتوحة في حالة انهيار النظام. ويؤكد الكاتب أن حجم الثراء الذي بلغه بعضهم، جعله يفضل الفرار بما حصل عليه من ثروة على البقاء داخل إيران، حيث يقول: "وقد فر بالفعل عدد من القادة السابقين في الحرس الثوري، والذين لا يشاركون الجمهورية الإسلامية أهدافها ضد أمريكا. فيما اتجه المئات منهم إلى أنواع أقل من النفي، فتحول معظمهم إلى العمل كرجال أعمال في الإمارات وماليزيا وتركيا".

    الأدوار التي يقوم بها:
   اضطلع الحرس الثوري منذ تأسيسه بالعديد من المهام الداخلية والخارجية، التي تمت على النحو التالي:
    أولًا مهامه الداخلية: تتمثل أبرز المهام الداخلية للحرس الثوري فيما يلي:
•       حماية النظام الثوري الذي تولى مقاليد الحكم في إيران؛ وإقامة توازن مع الجيش التقليدي الذي لا يطمئن النظام لولائه اطمئنانه لولاء الحرس الثوري وقادته وعناصره.
•       ترسيخ أيديولوجية ولاية الفقيه، بين أبناء الشعب، وحمايتها داخل إيران من المعارضين لها.
•       تصفية كل من اعترض على الثورة الخمينية منذ اندلاعها، وإخماد المظاهرات والاحتجاجات، وبرز دوره في قمع الاحتجاجات التي شهدتها إيران عام 2009م، وعام 2017م. وما زال يقوم بالدور نفسه ضد الاحتجاجات الحالية.
•       السيطرة على اقتصاد البلاد وتسخيره لمصالح المرشد وأتباعه في منظومة الحكم؛ وتنفيذ المشاريع الاستراتيجية (الأنشطة النووية السرية، صناعة الصواريخ الباليستية وتطويرها، صناعة المسيرات) وغيرها من المشاريع التي تطمح إيران من خلالها أن تكون دولة إقليمية عظمى.    
    ثانيًا: مهامه الخارجية: تتمثل في تنفيذ سياسة إيران التوسعية، حيث يعتمد عليه الولي الفقيه في تصدير الأيديولوجية الإيرانية في العالم العربي والإسلامي، بما يتطلبه ذلك من تجنيد العملاء، وتسليحهم، وتدريبهم، ومساندتهم في الأعمال الإرهابية والتخريبية داخل أوطانهم، لإشاعة الفوضى والاضطراب، وإيجاد بيئة مواتية تسهل الانقلاب على الأنظمة الشرعية الحاكمة، واستبدالها بأنظمة موالية لإيران.
   وبرز ذلك الدور في عدة دول عربية، هي: لبنان والعراق وسورية واليمن؛ حيث استخدمت فيها الميليشيات المسلحة التي تم تكوينها وتدريبها وتسليحها وتمويلها عبر فيلق القدس التابع للحرس الثوري؛ إضافة لما يتم تمويله من تنظيمات (حزب الله) في (20) دولة على الأقل، بما في ذلك أوروبا.
    موقف إيران من قرار البرلمان الأوروبي  
    ما أن أعلن البرلمان الأوروبي عن قراره، حتى توالت الردود الرافضة له من قبل المسؤولين الإيرانيين، والتي بلغ بعضها حد التهديد، لثني وزراء الخارجية الأوروبيين عن تبني نهج البرلمان أو على الأقل التأثير على عدد منهم، لحملهم إما على رفضه أو تأجيل اتخاذه. ومن أبرز الردود التي صدرت عن المسؤولين الإيرانيين:
•    رد الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي، الذي قال إن الحرس الثوري الإيراني هو "قوة رسمية وجزء من التنظيم العسكري للبلاد"؛ وادعى أن موافقة البرلمان الأوروبي على القرار تمت "من منطلق اليأس وبعد جهود الشارع الفاشلة لضرب الجمهورية الإسلامية". وأكد أن "هذا العمل مخالف للقوانين الدولية وميثاق الأمم المتحدة".
•   تهديد حسين شريعتمداري، ممثل المرشد الإيراني في صحيفة كيهان، بأنه في حال تنفيذ القرار، فإن "طريق عبور تجارة أوروبا لن يكون آمنا، والهجوم على جنودها سيكون مشروعا". و "في هذه الحالة سيكون تعاملنا معهم مثل التعامل مع الإرهابيين الآخرين. وذلك بينما يتواجد جنود الاتحاد الأوروبي في المنطقة وهم في متناول يدنا".
•    تحذير هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية الاتحاد الأوروبي من تبعات هذا القرار، عبر بيان نصَّ على أن: "هذا القرار غير الحكيم يعد انتهاكًا واضحًا لأبسط الحقوق والقواعد الدولية".
•    تصريح وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبد اللهيان بقوله: "لقد قلنا مرات عديدة أن الحرس الثوري الإيراني منظمة رسمية ومستقلة يتمثل دورها الرئيس في ضمان أمن إيران. إن إجراءات البرلمان الأوروبي لإدراج هذه المنظمة في قائمة الجماعات الإرهابية هي نوع من إطلاق النار على أرجل أوروبا نفسها".
•    تحذير قائد الحرس الثوري، اللواء حسين سلامي أوروبا من أنها "لن تكون قادرة على أن تنازل الحرس الثوري"، قائلًا: "احذروا ولا تخطئوا في حساباتكم فإيران وشعبها العظيم بلغوا درجة من الوعي والإيمان بحيث تغلبوا عليكم في ميدان السياسة والاقتصاد والنفوذ الإقليمي وتنمية القوة". وتابع مخاطبًا الأوروبيين: "لقد حاولتم القضاء على دور إيران الإقليمي، لكن أنتم المعزولون اليوم حتى عن هامش التطورات في المنطقة، ونحن كنا ولا نزال حاضرين وسنواصل المضي في إنقاذ الشعوب من سطوتكم، فترقبوا وإن عاديتم سنعاديكم، دون مجاملة، وإن دخلتم من باب الصداقة سنكون أصدقاءكم". وقال إن على الأوروبيين "تحمّل العواقب في حال أخطأوا"، وأضاف: "أوروبا لم تتعلم من أخطائها الماضية، وتعتقد أنها بهذه البيانات يمكنها أن تهز هذا الجيش العظيم المليء بقوة الإيمان والثقة والقدرة والإرادة"؛ وأكد أن الحرس الثوري "لا يقلق على الإطلاق من تهديدات كهذه، لأنه كلما أعطانا أعداؤنا فرصة للتحرك، نتحرك بشكل أقوى".
     وقالت صحيفة "جوان"، المقربة من الحرس الثوري الإيراني، إن الاتحاد الأوروبي سيرتكب "خطأً تاريخيًا" إذا ما أعلن الحرس الثوري منظمة إرهابية، لأنه يكون حينها بمثابة من يعلن الحرب ضد إيران. وأضافت الصحيفة مهددة الأوروبيين: "إذا تم تصنيف الحرس الثوري في قائمة المنظمات الإرهابية يجب عليكم أن تلتقوا بالحرس الثوري في مضيق هرمز الاستراتيجي والمواقع الصعبة وفي منطقة الخليج".
•  دعوة البرلمان الإيراني إلى الرد بالمثل على البرلمان الأوروبي، ووضع خطة لمواجهة قرار بروكسل، في حال تبني الاتحاد الأوروبي القرار؛ فقد نقلت صحيفة (آرمان امروز) ــ الناطقة بالفارسية ــ في تقرير تحت عنوان: (تقابل البرلمانيين الإيراني والأوروبي)، عن أحد النواب أن البرلمان وضع اللمسات الأخيرة على خطة عاجلة لتصنيف "جميع القوات المسلحة التابعة لدول الاتحاد الأوروبي في منطقة غرب آسيا، وكذلك المنظمات المرتبطة بها، بأنها إرهابية، ويرى أي تعاون مع هذه القوات بمنزلة التعاون في عمليات إرهابية".
وتلزم خطة البرلمان الإيراني "الأجهزة الأمنية في الجمهورية الإسلامية بإعداد قائمة لقادة القوات المسلحة في دول الاتحاد الأوروبي وتسليمها إلى السلطة القضائية الإيرانية لملاحقتهم"، كما تحدد مهمة الخارجية الإيرانية وتطالبها بتوظيف جميع طاقاتها السياسية والقانونية من أجل "إخراج القوات العسكرية لدول الاتحاد الأوروبي من المنطقة".
    دوافع الغضب الإيراني من القرار:
   يعود الغضب الإيراني من قرار البرلمان الأوروبي، والتخوف من موافقة الاتحاد عليه وتنفيذه إلى اعتبارات عديدة، منها:
1.    إن الحرس الثوري يعد أحد المؤسسات السيادية في إيران، والمساس به يُعدُّ مساسًا بالسيادة الإيرانية.
2.    إن قبول النظام بإدراج الحرس على قائمة المؤسسات الإرهابية في أوروبا سيعرض النظام نفسه إلى مخاطر داخلية، حيث يعد الحرس الثوري هو المؤسسة الحامية للنظام، المحافظة على بقائه في السلطة.
3.    من شأن تصنيف الحرس الثوري الإيراني على أنه جماعة إرهابية أن يجرِّم الانتماء إليه أو دعمه؛ وسيجمد أصوله وأمواله في الدول التي تم إدراجه فيها في قائمة الإرهاب، وستمنع التعاملات المصرفية والمالية والتجارية معه مباشرةً أو مع الهيئات المرتبطة به، أو التي قد يلجأ إلى إيجادها لاحقاً.
4.    سيؤدي إدراج الحرس على قائمة الإرهاب إلى استمرار الأزمة الاقتصادية وتفاقمها داخل إيران، حيث ستمتنع الدول الأوروبية عن الاستثمار أو التعامل الاقتصادي بأية صورة مع المؤسسات الإيرانية؛ وستعتبر أية علاقة مع هذه المنظمة علاقة غير شرعية من وجهة نظر القانون الأوروبي.
5.     تنفيذ هذا القرار سيغير طريقة التعامل مع القضايا التجارية والبنكية والمالية وتطوير التكنولوجيا؛ وسيكون الحرس الثوري، الذي يسيطر على ثلث، وربما نصف الاقتصاد الإيراني أو أكثر؛ ويمثل حوالي 70 % من حصة السوق الإيرانية، هو أكثر المؤسسات الإيرانية تأثرًا بهذا التغيير.
6.    سيفقد القرار إيران نفوذها الذي تسعى إليه في المنطقة، وسيحجم من تأثيرها وتدخلها في بعض الدول عبر المليشيات التابعة لها، والتي ستتأثر أيضًا بهذا القرار لما سيترتب عليه من تدني مستوى الدعم المقدم لها من النظام الإيراني.
7.     سيعرِّض هذا الإجراء الكثير من المسؤولين الإيرانيين للعقوبات الأوروبية، حيث يُعدُّ العدد الأكبر منهم، سواء في الحكومات السابقة، أو الحكومة الحالية، قيادات أو أعضاء سابقين أو حاليين في الحرس الثوري؛ ناهيك عن مطالبة القرار بإدراج المرشد نفسه والمدعي العام وقائد الشرطة وغيرهم من كبار الشخصيات على قائمة الإرهاب.
8.    إن الإدراج سيفقد المرشد العام وقيادات الحرس الامتيازات السياسية والاقتصادية والأمنية، التي يحصلون عليها في ظل الوضع الراهن.
9.    سيزيد تنفيذ القرار من عزلة إيران الإقليمية والدولية عبر التضييق عليها في الساحة الدولية.  
      تمهُّل الاتحاد الأوروبي في الموافقة على قرار البرلمان
   لم يتخذ وزراء خارجية دول الاتحاد الأوروبي في اجتماعهم ببروكسل، يوم 23 يناير 2023م، موقفًا من القرار الذي أقره البرلمان الأوروبي، في 19 يناير 2023م، حيث رأى أعضاء في الاتحاد أن إضافة اسم الحرس الثوري الإيراني إلى قائمة المنظمات الإرهابية، مشروط بقرار صادر من محكمة في إحدى الدول الأوروبية. ويستطيع المتابع أن يعزو تمهُّل وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في الموافقة على قرار البرلمان إلى عدة اعتبارات، منها:
1.    انشغال الاتحاد الأوروبي بالحرب الروسية ــ الأوكرانية وما ترتب عليها من تداعيات عسكرية واقتصادية وسياسية، تجعل من غير الصواب أن تقحم الدول الأوروبية نفسها في صراع أكثر حدة مع النظام الإيراني، الذي سيستميت في الدفاع عن حرسه الثوري، الذي يمثل حصن الحماية الداخلية له، وجبهة الدفاع الأمامي عنه.
2.    اشتراط الاتحاد الأوروبي بأن تتم الموافقة على القرار بالإجماع من قبل الـ (27) دولة الأعضاء، وهو شرط يصعب تحقيقه، إذ ليست كل دول الاتحاد متحمسة للقرار؛ فضلًا عن عدم توفر شرط صدور قرار من إحدى محاكم دول الاتحاد يتهم إيران بالإرهاب، ليكون مسوغًا لتنفيذ القرار.
3.    قلق الاتحاد الأوروبي من تنفيذ الحرس الثوري لتهديداته باستهداف السفن التجارية الأوروبية في الممرات البحرية بالمنطقة، أو القيام بإغلاق مضيق هرمز، الذي طالما تم تهديد الغرب بإغلاقه؛ فضلًا عن استهداف القوات الأوروبية، وفقًا لتهديدات المسؤولين الإيرانيين.
4.    التحسُّب من أن يؤدي تنفيذ قرار البرلمان إلى دفع النظام الإيراني إلى مزيد من التشدد والقمع في الداخل، والعمل على زعزعة الاستقرار في جواره الإقليمي بوجه خاص، وهو ما يُستشف بوضوح من بيان هيئة الأركان الإيرانية، فضلًا عن أن يؤدي تنفيذ القرار إلى  تشجيع إيران على تقديم المزيد من الدعم العسكري لروسيا في حربها ضد أوكرانيا، ومدها بأسلحة أخرى غير المسيّرات ــ كالصواريخ التي تمتلك منها إيران كميات ونماذج كثيرة ــ والاعتراف بذلك علنًا، بعد الحرص على إنكاره مراعاة لمشاعر الأوروبيين وعدم الرغبة في استعدائهم.
5.    عدم الرغبة في استعداء النظام الإيراني في ظل الإعداد لتنفيذ الشراكة الاستراتيجية بمجالاتها المتعددة مع دول مجلس التعاون الخليجي، والتي تم الإعلان عنها وصدور وثيقة مشتركة بشأنها منتصف العام الفائت.
6.    التخفيف من حدة التصعيد مع النظام الإيراني، على أمل العودة إلى محادثات إحياء الاتفاق النووي، ووضع النشاط النووي الإيراني تحت الرقابة الدولية.
7.    عدم جدوى الإجراء في إحداث فرق عملي كبير، نظرًا لوجود العديد من العقوبات الأمريكية والدولية التي تطبقها دول الاتحاد على إيران، الأمر الذي يجعله إجراءً رمزيًا قليل التأثير.
الاستنتاجات:
    نستنتج مما أوردناه في هذا النص عدة نتائج، تتمثل فيما يلي:
•    أن الحرس الثوري الإيراني ليس مؤسسة أمنية بالمفهوم المتعارف عليه في دول العالم، هدفها تحقيق الأمن للشعب، وإنما هو ذراع النظام للبطش بالشعب، وأداة لقمعه؛ ولذا فهو موضع تقدير وإغداق من النظام، الذي سخر له كافة الإمكانات المالية، ومكنه من السيطرة على نصف اقتصاد البلاد؛ مما جعله محط تذمر كبير من الشعب الإيراني، الذي يعتبره فزاعة في يد النظام، وعامل استنزاف هائل لمقدراته، وسببًا من أسباب إفقاره وتدني أوضاعه الاجتماعية.  
•    يعد الحرس الثوري أداة النظام التخريبية في دول الجوار، سواء عبر وحداته وعناصره (الباسيج وفيلق القدس)، أو عبر تجنيده لعناصر موالية من تلك الدول، والقيام بغسيل أدمغتها، وتدريبها، وتسليحها، وتمويلها، لتتولى نشر الفوضى والاضطراب وزعزعة الاستقرار عبر ما تقوم به من عمليات إرهابية وتخريبية، تمهيدًا لبسط النفوذ الإيراني فيها.
•    لا يتورع قادة الحرس الثوري، وأتباعهم من قادة الميليشيات الإرهابية في دول المنطقة وغيرها، عن استخدام أي وسيلة لتدمير الدول والشعوب المستهدفة، مهما كانت غير أخلاقية أو منافية للمبادئ الإنسانية والقوانين والأعراف الدولية، حيث لا مانع لديهم من تجنيد الأطفال (جماعة الحوثي) أو الاتجار بالمخدرات (جماعة حزب الله) أو قتل واعتقال الرجال و الأطفال والنساء مثلما حدث وما زال يحدث حتى الآن للمحتجين الإيرانيين ضد النظام.
•    على الرغم من قيام الحرس الثوري بتلك الأعمال الإرهابية في الداخل والخارج منذ سنوات عديدة، فإن الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية لم تتخذ ضده ما يمنعه من ارتكاب تلك الجرائم، فلم تدرجه الولايات المتحدة على قائمة الإرهاب إلا عام 2019م، ولم يسع البرلمان الأوروبي إلى اتخاذ قرار بهذا الشأن إلا منذ أيام قليلة، ولم تفكر بريطانيا في اتخاذ موقف مماثل، إلا بعد إعدام مواطن إيراني يحمل الجنسية البريطانية.
•   البرلمان الأوروبي لم يتخذ قراره إلا عقب مماطلة إيران في محادثات إحياء الاتفاق النووي التي كانت تتم بمشاركة ثلاث دول أوروبية (بريطانيا وفرنسا وألمانيا)؛ وبعد اكتشاف تزويد إيران لروسيا بأعداد كبيرة من المسيرات (500) مسيرة أسبوعيًا، وفقًا لما ورد في بعض التقارير على الرغم من تأكيد البرلمان الأوروبي على أن السبب لقرار إدراج الحرس على قائمة الإرهاب، هو انتهاكه لحقوق الإنسان وقمعه للاحتجاجات التي اندلعت في أنحاء إيران منذ منتصف سبتمبر الماضي بسبب مقتل المواطنة (مهسا أميني) على يد شرطة الأخلاق التي تم إلغاؤها.
•    على الرغم من تأخر البرلمان الأوروبي في إصدار قراره، الذي تمت الموافقة عليه بأغلبية ساحقة، إلا أن وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي ــ في اجتماعهم ببروكسل يوم 23 يناير 2023م ــ لم يبدوا تحمسًا للموافقة على القرار؛ واشترط بعضهم صدور قرار بذلك من محكمة في إحدى الدول الأوروبية؛ فضلًا عما رشح عن اجتماعهم من أن بعض الدول (فرنسا) ليست مهتمة كثيرًا بهذا القرار، وبعضها مازال مترددًا (ألمانيا)، وبعضها (البرتغال ومالطا) لا يؤيد مثل هذا الإجراء؛ وهو ما يدعم قناعة البعض بأن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي حريصين على استمرار النظام الإيراني في أداء دوره الوظيفي بالمنطقة، والمتمثل في نشر الإرهاب والتخريب وتقويض للأمن والسلم، لما في ذلك من تحقيق لمصالحهما الاستراتيجية.
•   تردد وزراء الاتحاد الأوروبي في الموافقة على قرار البرلمان، قد يصور لقادة النظام الإيراني المترنح شعورًا زائفًا بالقوة والقدرة على مواجهة الغرب وتحديه وإجباره على وقف قرار إدراج الحرس الثوري على قوائم الإرهاب في أروقة البرلمان الأوروبي حتى إشعار آخر.     

مقالات لنفس الكاتب