array(1) { [0]=> object(stdClass)#13013 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 183

منافسة إيرانية-إسرائيلية في إفريقيا لبناء حزام أمني لتطويق العالم العربي والخليج

الإثنين، 27 شباط/فبراير 2023

بني النظام الإيراني الثوري في بعده الداخلي على بعض القيم والأسس التي تفرض نمطًا موحدًا من اللباس المفروض على المرأة الإيرانية، ولحراسة قيم الثورة في بعدها الإيديولوجي أنشأت مجموعة من الأجهزة التي تسهر على فرض تلك القيم النمطية داخليًا، حيث تشكل شرطة الأخلاق المعروفة إيرانيًا ب" غشتي إرشاد" التي انطلقت في دوريتها في الشوارع منذ 2006م، النموذج الإيراني الذي يفرض الحرص على عدم تجاوز مجموعة القيم الثورية الإيديولوجية التي تم تبنيها من قبل الهيئات الدينية والثورية، وعليه، فإن شرطة الأخلاق من مهامها ضمان احترام اللباس المفروض قانونًا واحتجاز النساء وفرض غرامات عليهن في حالة عدم احترامهن للباس الملائم، وهو ما تم مع المواطنة الإيرانية ذات الاثنين وعشرين عامًا، مهسا أميني، التي تم احتجازها وتوفيت في مركز الشرطة، وتسببت في احتجاجات شعبية لم يكن يتوقعها النظام الإيراني. فما هي خصائص هذه الاحتجاجات الشعبية؟ وما هي قدرة النظام الإيراني على امتصاص هذه الصدمات الاجتماعية الجديدة؟ وكيف يمكن أن تؤثر على سلوكها الخارجي لا سيما في القارة الإفريقية؟

أولًا: خصائص الاحتجاجات الإيرانية: من هي الفواعل الاجتماعية؟

الاحتجاجات التي انطلقت بعد وفاة، مهسا أميني، حركتها رمزية الحجاب وهي مغايرة للثنائيات المتناقضة السابقة التي حركت الصدامات السياسية والأمنية داخل إيران والقائمة على البورجوازية في مواجهة الطبقة الشعبية، المناطق الحضرية وتميزها عن المناطق المحافظة، أو العنصر الفارسي المهيمن في مواجهة الأقليات الأخرى. وفي نفس الاتجاه، فإن الاحتجاجات الشعبية في كل مرة تختبر قدرة النظام الإيراني الثوري على تحمل الصدمات المجتمعية وامتصاصها، ومواجهة المساس برموزه التي تعتبر مقدسة، لاسيما مؤسسة الإرشاد الديني المتمثلة في آية الله علي خامنئي، أو تلك التي تمتلك القوة والنفوذ الإيديولوجي مثل الحرس الثوري. وهي مؤسسات بنت قدرتها الإيديولوجية والتعبئة العامة داخليًا وخارجيًا، بتصدير قيم الثورة الإيرانية انطلاقًا من معاداة الغرب وشيطنة الولايات المتحدة الأمريكية ومجابهة الصهيونية والتوسع الإسرائيلي في الشرق الأوسط.

إذا كان رمزية الحجاب هو الذي حرك الاحتجاجات فإن توسعها وامتداداتها الجغرافية والزمانية ترتبط في عمقها بالفشل الاجتماعي-الاقتصادي التي تواجهه إيران منذ ثورة الخميني سنة 1979م، حيث تمس البطالة ثلث السكان، ولم يزد متوسط الدخل الفردي منذ الثورة إلا بضعفين فقط بينما تصاعد في دول الجوار بخمسة أضعاف، في الوقت الذي تراجعت فيه الخدمات العامة: الماء، الكهرباء، النقل والتعليم، بسبب العقوبات الأممية والدولية المتتالية المفروضة على النظام الإيراني، والإفراط في التمدد الجيوساسي في محيطها الإقليمي وتكلفتها الباهظة بشريًا وماديًا منذ الحرب الإيرانية- العراقية إلى غاية التدخلات المباشرة في العراق، سوريا، لبنان واليمن. فضلًا عن الانكشاف الأمني وعدم القدرة على صد الهجمات السيبرانية، أو الاغتيالات السياسية التي مست قيادات أمنية أو الضربات الموجعة للبنية التحتية الحيوية.

تؤشر الحركة الاحتجاجية التي انطلقت في 16 سبتمبر 2022م، عن مجموعة من التطورات السوسيولوجية والسياسية الحاصلة في إيران منذ الثورة الخمينية، أول هذه التطورات، القطيعة مع الجيل الأول للثورة، حيث تعبر الفئة المحتجة عن طموحات ورغبات الجيل الذي ولد في بداية الألفية الجديدة والمتأثر بعوامل الثورة التكنولوجية الرقمية المعولمة، حيث تمثل فئة الشباب التي يقل سنهم عن الثلاثين عامًا 55 بالمائة من بين 86 مليون إيراني. ومن المميزات العامة لهذه الفئة الاغتراب السياسي عن الخطاب الإيديولوجي الذي فرضه النظام السياسي الثوري وتأثره بالهالة المنتشرة لدور المؤثرين في أدوات التواصل الاجتماعي، وسرعة الشهرة والانتشار للرموز الجديدة التي تخلقها الثورة الرقمية في مواجهة الثورة الإيديولوجية الخمينية. وهنا يجب أن نقف كثيرًا من حيث التحليل النفسي-الاجتماعي لرمزية الشابة الإيرانية، مهسا أميني، كضحية معبئة للقوى المجتمعية في مواجهة رموز الثورة التقليدية. على عكس الثورة الخضراء لسنة 2009م، التي تصنف ضمن الاحتجاجات داخل إطار النظام السياسي الإيراني بين المحافظين والإصلاحيين، بين البازار من جهة والباسيج والحرس الثوري من جهة أخرى، ويمكن أن نعيد التذكير هنا بالرسالة التي بعث بها أعضاء الحرس الثوري والباسيج للرئيس الإصلاحي الأسبق، محمد خاتمي، تهدده بالتدخل في حالة إذا لم يتخذ القرارات المناسبة لإخماد الحركة الاحتجاجية للطلبة الإيرانيين في يوليو 1999م، بعد إصدار البرلمان الإيراني الذي كان يسيطر عليه المحافظون لقانون يقيد الحرية الإعلامية، وكانت نهاية الاحتجاجات دموية بقتل سبعة طلبة ومائتي جريح و1400 موقوف. وفي نفس الاتجاه، تم استخدام الأجهزة الثورية القمعية، البسيج والبسدران التابعة للمرشد الأعلى في مواجهة احتجاجات الثورة الخضراء الداعمة للمترشح الإصلاحي، مير حسين موساوي، ضد العهدة الثانية للرئيس أحمدي نجاد المدعوم من المرشد الإسلامي الأعلى. كانت الحصيلة النهائية للصدامات بين الطرفين 80 قتيل وسجن المعارضين والمثقفين المناهضين لاستمرارية وهيمنة الجناح المحافظ على النظام السياسي في إيران. وعليه، فإن أولى القرارات التي اتخذها النظام السياسي الإيراني في مواجهة هذه الاحتجاجات التي حركها جيل الثورة الرقمية، تضييق الدخول للإنترنت وحجب أدوات التواصل الاجتماعي الأكثر انتشارًا وتأثيرًا مثل، الواتساب والانستغرام، وفي الوقت ذاته تفعيل الجيش الإيراني الافتراضي الذي سماه المرشد الإسلامي الأعلى، علي خامنئي، في الثورة الخضراء لسنة 2009م، بضباط الحرب الناعمة.

أما الخاصية الثانية للاحتجاجات التي انطلقت في سبتمبر 2022م، فميزتها دور المرأة كفاعل اجتماعي ومؤثر، من جهة، كتعبير عن تضامن الجندر بشعار" المرأة، الحياة والحرية"، حيث أعادت مرة أخرى إحياء ذكرى حركة" بنات شارع الثورة" التي انطلقت في 27 ديسمبر 2017م، بهدف الاحتجاج على القوانين التي فرضت على لباس المرأة لاسيما قانون فرض الحجاب، وقد ساهمت في هذه الاحتجاجات استخدام أدوات التواصل الاجتماعي وسرعة انتشارها، في رفض كل أشكال المراقبة التي تمارسها شرطة الأخلاق في الشوارع والمدن الإيرانية. ومن جهة أخرى، فإنه لا يمكن في هذا المجال نكران الحركة النسوية في إيران المناهضة لقيم الثورة الخمينية التي اعتبرت الكثير من القوانين على أنها تمييزية وعنصرية تجاه المرأة والتي تتصاعد حدتها أثناء حكم المحافظين، ونشير هنا على سبيل المثال للتجمع النسوي بطهران في يونيو 2016م، في فترة حكم أحمدي نجاد، التي كانت تطالب بجمع مليون توقيع من أجل إلغاء كل القوانين العنصرية ضد المرأة الإيرانية.

الخاصية الثالثة التي ميزت الاحتجاجات أنها انتشرت في معظم المناطق الجغرافية والاثنية، فرغم أن الضحية، مهسا أميني، من أصول كردية، إلا أن التضامن المجتمعي قد تجاوز ثنائيات الشيعي-السني، الكردي-الفارسي، حقيقة الانطلاقة الأولى كانت من مدينة سقز الكردية الإيرانية مسقط الضحية، إلا أنها انتشرت في كل المدن الإيرانية ومست حتى المدن ذات الرمز المعنوي للثورة مثل مدينة خمين، حيث هاجم المحتجون بيت آية الله الخميني، الذي تم تحويله إلى متحف ومدرسة دينية، وأضرموا فيه النيران، كما تم الاعتداء بالمولوتوف على الحوزة الدينية بقم وأشعلوا النيران في بنايات تابة للحوز.

الخاصية الرابعة التي ميزت هذه الاحتجاجات أنها مست كل شرائح المجتمع وفئاته، انطلاقًا من فئة الطلبة الجامعيين بقلب العاصمة طهران حيث شهدت جامعة الشريف للتكنولوجيا صدامات مع الأجهزة الأمنية الإيرانية رافعة شعارات معادية للنظام أدى إلى غلق الجامعة، وأحصت بعض التقارير الميدانية أنه في الشهر الأول من الاحتجاجات شاركت 150 مدينة و140 جامعة في الاحتجاجات. كما تحركت فئة العمال لاسيما في قطاع صناعات البتروكيماويات التي تشكل العصب الحيوي للاقتصاد الإيراني. وربما الفئة الأكثر تأثيرًا إعلاميًا هي فئة الرياضيين حيث كانت مناسبة مشاركة الفريق الوطني الإيراني لكرة القدم في كأس العالم بقطر فرصة للاحتجاج الناعم للاعبين الذين امتنعوا عن ترديد النشيد الوطني قبل انطلاق المباراة الأولى لهم تضامنًا مع ضحايا الاحتجاجات في الوقت الذي رفع بعض المناصرين شعار "المرأة، الحياة والحرية". كما امتنعت الرياضية إلناز ركابي، عن ارتداء اللباس الرياضي الإيراني التقليدي في المسابقة الآسيوية لرياضة التسلق. ومن بين الفئات الأخرى التي لعبت على شهرتها فئة الفنانين والممثلين السينمائيين، حيث تضامنت الممثلة الإيرانية، ترانه عليدوستي، مع المحتجين ونددت بإعدام أول المتظاهرين بطريقتها الخاصة، بحيث نشرت صورتها على مواقع التواصل الاجتماعي، دون غطاء الرأس وكتبت على حسابها بموقع انستغرام " كل منظمة دولية تشاهد إراقة الدماء ولا تفعل شيئًا، إنما وجودها عار على الإنسانية". فتم تعطيل حسابها الذي يتابعه أزيد من ثمانية ملايين متابع وسجنت بسبب ما سمي بنشر محتوى تحريضي. وتكمن أهمية هذه الممثلة الإيرانية في شهرتها التي اكتسبتها بعد أدائها لدور البطولة في فيلم"البائع" الذي نال جائزة الأوسكار لأحسن فيلم أجنبي.

والشاهد في هذه الاحتجاجات أنها مست الرموز الثورية من خلال حرق صور قائدي الثورة، الخميني وخلفه خامنئي، كما أضرمت النيران بمدينة مشهد الرمزية في تمثال مرتضى مطهري، منظر الثورة الإيرانية، ومن بين المشاهد التي تشير إلى الانتفاضة على الرموز القيمية للثورة، حرق الخمارات وقطع شعر النساء تضامنًا مع مهسا أميني. وكلها مؤشرات عن تآكل الشرعية الثورية التي فقدت مشروعيتها السياسية من حيث الحفاظ على الكرامة الإنسانية وتحقيق الإنجازات الاجتماعية والاقتصادية، وقد أثبتت الاحتجاجات التي انطلقت في 15 نوفمبر 2019م، سخط الفئات الاجتماعية الإيرانية الواسعة على ارتفاع أسعار البنزين وتأثرها، لتحول ككرة اللهب المتدحرجة إلى موجات ناقمة على النظام السياسي القائم وبمشاهد تعيد حرق صور المرشد الأعلى الإسلامي. وكانت الحصيلة الأمنية بعد مواجهة الأجهزة الثورية للاحتجاجات دامية، أحصت وكالة رويترز في تحقيق لها ما يقارب 1500 قتيل.

ثانيًا: ما هي قدرة النظام الإيراني على امتصاص الصدمات الاحتجاجية المتتالية؟

انطلاقًا من قناعة النظام الإيراني ببيئته الإيديولوجية، فإن الاحتجاجات كانت من تدبير أعداء الثورة في الخارج، وكان ذلك صراحة في أول تعليق للمرشد الأعلى علي خامنئي:" أقولها بصراحة ووضوح، إن أعمال الشغب وانعدام الأمن هذه دبرتها أمريكا ونظام الاحتلال الصهيوني الزائف وعملاؤهم المأجورون بمساعدة بعض الإيرانيين الخونة في الخارج"، وطبقًا لذلك، فإن المرشد الأعلى أمر المؤسسات المسؤولة بالتعامل بشكل جاد مع الخيانة. وهنا، كما كان متوقعًا، فإن النظام الإيراني ومع خبرته السابقة في مواجهة الاحتجاجات لجأ إلى مجموعة من الخيارات الأمنية والقضائية لكبح هذا التمدد المجتمعي والانتشار الجغرافي، من بينها، اللجوء إلى إعدام المحتجين، حيث صدرت أحكام بالإعدام في حق 22 شخصًا أعدم أربعة منهم، مع اعتقال الآلاف من المحتجين، وكما هو الحال مع الاحتجاجات السابقة، فإن استمرار الاحتجاجات الصدامية خلفت أزيد من 500 قتيل في شهرها الخامس. وقد دعم هذه القرارات البرلمان الإيراني الذي طالب 227 نائب من بين 290 بضرورة تطبيق القوانين ضد ما أسماهم بـ"أعداء الله". إلى جانب الخيارات الأمنية والقضائية، فإن النظام الإيراني وظف أنصاره في مواجهة المحتجين وتم تعبئتهم ضد المساس بمرموز الثورة، حيث وظفت بعض المناسبات للتظاهرات في الشارع على غرار مناسبة ذكرى "التصدي للفتنة" التي تحيا سنويًا ضد الاحتجاجات التي عارضت انتخابات 2009م، ولعل المناسبة الأكثر اختبارًا كانت إحياء الذكرى الرابعة والأربعين لقيام ثورة 1979م، التي تم إحياؤها في الحادي عشر من فبراير 2023م، واعتبرها الرئيس الإيراني، إبراهيم رئيسي، تجديدًا لبيعة الجمهورية الإسلامية في مواجهة الاحتجاجات. وكانت المناسبة فرصة لإعادة بناء الثقة بين مناصري النظام بإعادة إنتاج الخطاب التقليدي للثورة، "الموت لأمريكا" و"الموت لإسرائيل"واستعراض القوة العسكرية بعرض صاروخ"سجيل" الباليستي وطائرة مسيرة"شاهد 136".

وإلى جانب خيارات القوة الصلبة في تعامل النظام مع الاحتجاجات، فإنه بالمقابل، حاول أن يقدم بعض القرارات التي توحي بتقديم تنازلات قصد امتصاص الغضب الشعبي المتصاعد، من بين هذه القرارات حل شرطة الأخلاق التي تسببت في إشعال فتيل الاحتجاجات، حيث أعلن المدعي العام الإيراني، محمد جعفر منتظري، عن إلغاء شرطة الأخلاق من قبل السلطات المختصة، التي يعني بها المجلس الأعلى للثورة الثقافية. رغم أن هذا القرار بقي غامضًا بالنسبة للكثير من المحافظين في إيران، إذ أن شرطة الأخلاق تم إنشاؤها في عهد الرئيس محمود أحمدي نجاد (2005-2012) وتم تجميد العمل بها في عهد الرئيس الإصلاحي السابق، حسين روحاني (2013-2021م) وتم إحياء نشاطها مع الرئيس الحالي، إبراهيم رئيسي، إذ تعتبر أداة أيديولوجية بيد المحافظين الدينيين. وفي عشية ذكرى الثورة الإيرانية أصدر المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي قرارًا بالعفو أو تخفيف الأحكام الصادرة على بعض المعتقلين المشاركين في الاحتجاجات، تحدثت وسائل الإعلام الرسمية على عشرات الآلاف. وبغرض مواجهة الدعم الخارجي للمنظمات غير الحكومية الدولية والضغط الحقوقي المتزايد ضد النظام الإيراني، لجأت الدوائر القضائية إلى إطلاق سراح المشاهير كما هو الحال مع الممثلة الإيرانية، ترانة عليدوستي، بعد ثلاثة أسابيع من احتجازها.

أعادت الاحتجاجات طرح الثنائية التقليدية المتناقضة داخل النظام السياسي الإيراني، بين المحافظين والإصلاحيين، كل طرف يريد أن يكسب النقاط لصالحه ويستغل الأحداث بما يخدم مصالحه، ويبدو أن التصعيد كان لصالح ما يعرف بجبهة تحمل استقرار الثورة، الجماعة السياسية التي تشكلت في عهد الرئيس أحمدي نجاد، وهي من أشد المناصرين لخط المرشد الأعلى ولديها نفوذًا كبيرًا في دوائر صنع القرار، والسند الأقوى لترشح إبراهيم رئيسي في الانتخابات الرئاسية 2017 و2021م، ومن مؤشرات هذا الصراع إعدام علي أكبري، نائب وزير الدفاع في عهد علي شمخاني. ويعتبر الإعدام بمثابة رسالة لهذا الأخير الذي يعتبر في دوائر صنع القرار الإيراني من المطالبين بإدخال إصلاحات على النظام السياسي للتكيف مع التحولات السياسية الداخلية. إلا أنه ما يحسب على المعتدلين داخل النظام ذاته، أنهم يطالبون بتغييرات شكلية وليست جوهرية في النظام السياسي، فمثلًا طالب علي لاريجاني، رئيس البرلمان السابق ومستشار المرشد الأعلى للسياسية الخارجية بضرورة إجراء بعض التعديلات على قانون الحجاب الإلزامي، وليس على دور ومكانة الحرس الثوري مثلًا في رسم السياسة الداخلية والخارجية لإيران. لأن الصراع الحقيقي سيكون حول خلافة المرشد الأعلى الذي يبقى رهينة جماعة جبهة تحمل استقرار الثورة.

ثالثًا: البيئة الخارجية متنفس لاستمرارية النظام السياسي الإيراني

بقدر امتصاص النظام الإيراني للضغوطات الداخلية بعد سلسلة من الاحتجاجات الشعبية التي أرهقته وخلقت تصدعات بداخله، بقدر ما يحاول الاستفادة من التحولات الجيوسياسية العالمية الراهنة، مستفيدًا من النزاع الروسي-الأوكراني-الأطلسي لبناء تحالف استراتيجي مع القوى الآسيوية الصين وروسيا على المستوى الدولي، لكن قد يخسر الكثير من الأوراق الاستراتيجية في دوائره الجيوسياسية البعيدة ونعني هنا بمجال نفوذه في إفريقيا. تدرك واشنطن أن كبح ما سمته بالشراكة الدفاعية الكاملة بين طهران وموسكو في الحرب الأوكرانية، الذي تصر من خلاله التقارير الأمنية الأمريكية والغربية على أن إيران تزود موسكو بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة، لن يتم وقف هذه الشراكة الكاملة إلا بإضعاف إيران من الداخل. وهذا ما تم ملاحظته منذ بداية الاحتجاجات، حيث قامت واشنطن بتقديم كل المساعدات للمحتجين والضغط على النظام الإيراني. أولى القرارات الداعمة للثورة الرقمية الاحتجاجية ضد الثورة الإيرانية تمثلت في قرار تفعيل خدمات الإنترنت في إيران عبر الأقمار الصناعية الذي وفرته شركة "ستارلينك" لصاحبها إيلون ماسك من أجل السماح للمحتجين من متابعة تعبئتهم ضد النظام. وطبعًا إلى جانب 1500 عقوبة مفروضة على إيران فإن الضغط الأمريكي يتجه نحو فرض المزيد من العقوبات لقناعة استراتيجية أنه كلما تم الضغط على إيران كلما تنازلت على شروطها في مفاوضات ملفها النووي. ولكن في الوقت ذاته، فإن التعاون الأمريكي-البريطاني الأوروبي أفضى إلى عقوبات جديدة على المؤسسة التعاونية للحرس الثوري وقيادات في إيران لرفع الضغط المتواصل على المحتجين الإيرانيين داخليًا، وفك الارتباط الاستراتيجي الإيراني-الروسي.

أما فيما يخص الدائرة الجيوسياسية الإفريقية لإيران ما بعد الاحتجاجات، فإنها ستفقد أهم عامل تسويقي فيما يخص القوة الإيديولوجية الداخلية، لأن البلدان الإفريقية أضحت تعيش مرحلة البحث عن الديمقراطية بعيدًا عن كل الإيديولوجيات الدينية أو المذهبية التي أنتجت مجتمعات متفككة في الدائرة الجيوسياسية القريبة من إيران، مثل العراق، سوريا، لبنان واليمن، وبالتالي فإن تسويق النموذج الإيديولوجي القائم على مواجهة الإمبريالية بالمنطق الإيراني "الموت لأمريكا" والموت لإسرائيل، أدى إلى نتائج عكسية، فالسلام الإبراهيمي الذي أطلقته إدارة دونالد ترامب أفرخ تطبيع إسرائيلي مع أربعة بلدان، اثنان منها إفريقية، وتوسعت الدائرة لتشمل فتح التشاد لسفارة في تل أبيب. وتقوم المنافسة الإيرانية-الإسرائيلية في إفريقيا على استراتيجية بناء حزام أمني في القارة لتطويق العالم العربي ودول الخليج في مجالهما الحيوي. لكن يبدو أن الديناميكية الإسرائيلية قد استفادت من الضعف الإيراني الداخلي وعزلها دوليًا بسبب العقوبات الغربية، وهو ما فتح لها المجال لإقامة علاقات مع 45 دولة إفريقية وتطالب بعضوية مراقب في الاتحاد الإفريقي، لكي تستفيد دبلوماسيًا وسياسيًا من كتلة تصويتية تتشكل من 55 دولة في المحافل الدولية. ومن الناحية الاقتصادية فإن إيران تبقى بحاجة إلى إفريقيا لتصدير منتجاتها لتجاوز العقوبات الغربية المفروضة عليها، في سنة 2022م، فإن قيمة التبادل التجاري الإيراني، وفق المعطيات الرسمية الإيرانية، مع الدول الإفريقية بلغت 1.7 مليار دولار، صدرت إيران ما قيمته 912 مليون دولار لــ 37 بلد إفريقي. وإذا قسنا حجم القوة الإيرانية مع القوة الصينية في هذا الإطار، فإن حجم التبادل التجاري الصيني-الإفريقي قد بلغ 282 مليار دولار في سنة 2022م، بزيادة نسبتها 11 بالمائة مقارنة بسنة 2021م، وعليه، فإن المصلحة المستعجلة الإيرانية في ظل الاحتجاجات الداخلية والحرب الروسية-الأوكرانية تتطلب توجيه البوصلة الاستراتيجية نحو روسيا والصين، هذه الأخيرة التي وقعت معها اتفاقية استراتيجية في سنة 2021م، تمتد إلى خمسة وعشرين سنة قادمة تتضمن اتفاقيات تجارية تفوق 400 مليار دولار. لأن إفريقيا في الحسابات الإيرانية القادمة قد تتراجع لصالح ضم جراحها الجيوسياسية في دائرتها الجيوسياسية القريبة جدًا، لأن صيحات المحتجين لا تزال يتردد صداها في طهران، لا نريد لا بغداد ولا دمشق ولا بيروت، نريد مصلحتنا في إيران بشعار يردد في الساحات الإيرانية وباللغة الكردية بعد وفاة مهسا أميني:" جين، جيان، آزادي".

مقالات لنفس الكاتب