array(1) { [0]=> object(stdClass)#12303 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 183

استمرار العقوبات وتزويد إسرائيل بأحدث أنظمة الأسلحة والتلويح بخيار الضربة العسكرية

الإثنين، 27 شباط/فبراير 2023

 منذ إبريل من عام 2021م، سعت الأطراف المشاركة في خطة العمل الشاملة المشتركة، أو "الاتفاق النووي الإيراني" إلى إعادة إحياء الاتفاق، الذي تخلى عنه الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب. وأحرزت المفاوضات بين إيران، والمعسكر الغربي-الذي يضم كل من الولايات المتحدة، وبريطانيا، وفرنسا، وألمانيا، والاتحاد الأوروبي، إلى جانب روسيا، والصين-تقدمًا على مدار ثماني جولات بالعاصمة النمساوية فيينا، حتى كادت أن تقترب من وضع اللمسات النهائية للاتفاق بحلول مارس 2022م. لكن شهدت الأمور تراجعًا منذ ذلك الحين، بعد استحواذ الحرب الروسية-الأوكرانية على اهتمام وتركيز القوى العالمية، وتسببها في عرقلة التعاون بشأن خطة العمل الشاملة المشتركة، في حين وصلت الخلافات بين طهران وواشنطن بشأن القضايا الخلافية الرئيسية إلى طريق مسدود.

 وفي قلب الجمود الحالي، تبرز ثلاث قضايا خلافية رئيسية. أولها، التحقيق الذي تُجريه وكالة الطاقة الذرية الدولية بشأن الأنشطة الإيرانية السابقة لتفسير أسباب وجود آثار مواد نووية داخل ثلاثة مواقع غير مُعلن عنها.  وتسعى طهران، من جانبها، إلى إنهاء التحقيق المستمر منذ أمد طويل دون قيد أو شرط ووفقًا لموعد مُحدد مسبقًا كجزء من الاتفاق النهائي، وهو الأمر الذي عارضته واشنطن والقوى الأوروبية الثلاث. أما عن القضية الخلافية الثانية، فتتعلق بنطاق تخفيف العقوبات الأمريكية، ويتمحور هذا الملف بشكل أساسي حول قرار إدارة ترامب عام 2018م، بإدراج قوات حرس الثورة الإيراني ضمن قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية، في خطوة أقرت واشنطن حينها بأنها "غير مسبوقة" كونها تعد المرة الأولى التي يتم فيها إدراج كيان حكومي. ثم تحولت القضية منذ ذلك الحين إلى "مثار جدل ونقاش" داخل كلا من إيران والولايات المتحدة، وأدت إلى تحجيم قدرة الطرفين على المراوغة. ويبدو أن طهران وواشنطن قد تجاوزتا الخلاف حول مسألة التنصيف في حد ذاته، بعد أن تمت الموافقة على مناقشته بعد استعادة خطة العمل الشاملة المشتركة، بحيث ستصبح المحادثات الثنائية المباشرة بين الطرفين أمرًا ممكنًا.

وتعد ثالث القضايا الخلافية الرئيسية بين طهران وواشنطن وأكثرها تعقيدًا، هي مخاوف الجانب الإيراني، التي عبر عنها طوال فترة مفاوضاته مع الغرب، بشأن مدى استمرارية وموثوقية تخفيف العقوبات الأمريكية. فعلى الرغم من أن الوصول إلى اتفاق مع الغرب سيسهل على طهران الحصول على مليارات الدولارات من خلال عائدات النفط الإضافية، والوصول إلى عشرات المليارات الأخرى من قيمة الأصول المُتحفظ عليها بالخارج، إلا أن احتمالية الانسحاب الأمريكي من الاتفاق في المستقبل، تُنذر بأن تكون هذه المكاسب قصيرة الأجل. لاسيما أن إدارة بايدن، حتى وإن كانت قد أكدت عزمها متابعة تخفيف العقوبات وفقا للاتفاق المحتمل، إلا أنها أقرت في الوقت ذاته أحقية الرئيس الأمريكي القادم في اختيار الانسحاب مجددًا من الاتفاق النووي.

 وهكذا، أخفقت الولايات المتحدة وإيران في إعادة إحياء الاتفاق الذي يوصف من قبل مؤيديه بأنه " خطوة محورية في سبيل الحفاظ على الأمن الإقليمي، وردع طهران من التسلح نوويا"، رغم التقدم المُحرز على مدار العديد من جولات المفاوضات منذ أن بدأت في عام 2021م. كما يوجد إصرار أمريكي أوروبي بأنهم قدموا أفضل عرض لديهم على طاولة المفاوضات ولن يُعاد التفاوض بشأن الصيغة المُقترحة. في حين تشير إحاطات مسؤولي الاستخبارات الأمريكية إلى أن فكرة إعادة إحياء الاتفاق النووي لا تحظى بشعبية لدى التيار المحافظ في إيران وحرس الثورة الإيراني، مثلما هو الحال بالنسبة للعديد من الأمريكيين المنتقدين لفكرة إبرام صفقة مع إيران.

وفي ضوء هذه المعطيات، كان للحرب الروسية-الأوكرانية تأثيرًا سلبيًا على المفاوضات بين إيران والغرب بأكثر من طريقة. أولا، إزاحة القضية الإيرانية إلى ذيل قائمة أولويات القوى الغربية، التي سرعان ما ركزت اهتمامها بتدعيم دفاعات أوكرانيا في مواجهة الهجوم الروسي. حيث لم يكن هناك سوى القليل من النقاش، إن وجُد من الأساس، حول إعادة إحياء الاتفاق النووي، منذ اندلاع حرب روسيا وأوكرانيا.  ثانيًا، ساعد الغزو الروسي لأوكرانيا في تقوية شوكة المعسكر المُعادي للاتفاق النووي داخل إيران، والذي خلص إلى أن لديه متسعًا للضغط من أجل الحصول على ميزة تفاوضية أمام الغرب، كما رأى أن روسيا قد تنضم إلى بلاده في جهود خرق العقوبات الغربية، وبالتالي ستتولد رغبة لدى عملاء النفط الدوليين من أجل شراء النفط الإيراني، مدفوعة بأزمة شح الإمدادات وارتفاع الأسعار. كذلك يبدو أن الوضع الراهن لا يعد مقبولاً في أعين قادة إيران فحسب، بل يعتبرونه أيضا نقطة قد تصب في صالحهم. كما يعتقدون بأنه جعل موقفهم التفاوضي أكثر قوة، وذلك منذ أن تسببت حرب روسيا وأوكرانيا في ارتفاع أسعار النفط، مما قد يضطر الغرب اليائس إلى القبول بتنازلات ورفع الحظر عن النفط الإيراني.

 وعلى نفس القدر من الأهمية، تضاءلت أية رغبة كانت لدى واشنطن وبروكسل من أجل استئناف المحادثات مع طهران، على خلفية العنف المُمارس من قبل قوات مكافحة الشغب وقوات الأمن الإيرانية ضد حشود المحتجين على مقتل الفتاة مهسا أميني صاحبة ال 22 عاما إثر اعتقالها من قبل قوات الأمن الإيرانية بسبب "عدم ارتداء الحجاب بالشكل الصحيح". وثمة اعتقاد لدى المسئولين الأمريكيين بأن النتائج المُترتبة على هذه الموجة من الاحتجاجات ورد فعل الحكومة الإيرانية عليها، أضحت تدور في "سلسلة من الحلقات المفرغة" حيث يتسبب القمع في تغذية المزيد من المعارضة، التي تؤدي بدورها إلى تأجيج المزيد من القمع. وترغب واشنطن أن تتريث كي ترى مدى تأثير ذلك على استقرار النظام الإيراني. كما كان الرئيس بايدن أكثر صراحة في التعبير عن دعمه للمظاهرات المناوئة للحكومة الإيرانية، عن موقف الرئيس الأسبق باراك أوباما خلال موجة مماثلة من الاحتجاجات المتزامنة مع بداية فترته الرئاسية. ويرى العديد من مساعدين الرئيس بايدن، الذي خدموا أيضًا خلال حكم باراك أوباما، إنهم بالغوا في حذرهم في الماضي، خشية أن يتم وصم المتظاهرين بأنهم عملاء تابعين لجهاز الاستخبارات الأمريكية المركزية "سي آي إيه". وهو ما يترك السؤال مفتوحا حول كيف من الممكن أن تُقدم الولايات المتحدة أكثر من مجرد دعم خطابي ومعنوي للمتظاهرين، وما إذا كان الرئيس بايدن مستعدا للمخاطرة بالقيام بعمل سري من أجل مساعدة المتظاهرين -خاصة في ظل السجل الطويل الحافل بتدخلات جهاز الاستخبارات الأمريكية في السياسة الداخلية لإيران منذ خمسينيات القرن الماضي، والذي لا يزال حيًا بكافة تفاصيله التي يتم تدريسها للشباب الإيراني، حتى وإن تغافله غالبية الأمريكيين.

 وبالعودة إلى عام 2015م، واجه الاتفاق النووي الأصلي معارضة شديدة داخل الكونغرس الأمريكي، لذلك لم يكن هناك أية محاولة لتمريره تحت بند المعاهدات داخل مجلس الشيوخ. وفي حال ما توصل الدبلوماسيون الأمريكيون والإيرانيون إلى توافق بشأن خطة العمل الشاملة المشتركة، ستواجههم معارضة شرسة، في ظل رفض نواب الحزب الجمهوري وعدد من النواب الديمقراطيين داخل الكونغرس من الأساس لأي شكل من أشكال التسوية مع إيران، وقد عبروا عن ذلك مرارًا من خلال العديد من الخطابات والقرارات. كما بلغ العداء المتأصل تجاه إيران أشده مع بدايات العام الجديد 2023م، نتيجة أسباب عديدة. بالإضافة إلى التقارير المزعومة بشأن إرسال طائرات إيرانية بدون طيار وبيع أنظمة أسلحة أخرى إلى روسيا، ورد فعل الحكومة الإيرانية العنيف ضد التظاهرات، تتهم واشنطن طهران بمحاولة اغتيال المستشار السابق للأمن القومي جون بولتون ومسئولين آخرين بإدارة الرئيس السابق دونالد ترامب. وتثير هذه المزاعم والاتهامات، التي قوبلت بنفي شديد من جانب المسؤولين الإيرانيين، التساؤلات بشأن أسباب قيام الإدارة الأمريكية بالتفاوض مع إيران.

الآفاق المستقبلية: مع أواخر عام 2022م، أفادت تقارير عن الرئيس الأمريكي جون بايدن قوله أن: “الاتفاق النووي مع إيران قد مات". وقد انعكس ذلك أيضًا عبر تصريحات المبعوث الخاص للإدارة الأمريكية إلى إيران روبرت مالي، التي أكد خلالها عدم وجود أية مفاوضات مع الجانب الإيراني خلال الوقت الراهن. فيما خلص العديد من المحللين إلى استنتاجات مماثلة تُشير إلى أن الاتفاق النووي أصبح أمرًا بعيد المنال. في الوقت ذاته، هناك دعم صريح من قبل أنصار سياسة "الضغط القصوى" حيال إيران، لتبني نهج أكثر تشددًا وصرامة، كما أنهم يدعون الغرب إلى مضاعفة حملة العقوبات المُجددة ضد طهران، والتي تستهدف إجبارها على تقديم تنازلات كبيرة، أو على الأقل تغيير النظام القائم، رغم عدم توافر سوى القليل من الأدلة بشأن نجاح هذا الأمر. لاسيما بعد فشل سياسات ترامب في إرغام طهران على تقديم تنازلات بشأن برنامجها النووي أو تغيير سياساتها الإقليمية.

 وعلى الرغم من عدم إحراز تقدم حتى الآن، يجادل البعض بضرورة اتخاذ الولايات المتحدة وأوروبا تدابير تدريجية من شأنها على الأقل تجميد برنامج إيران النووي ومنع المزيد من التصعيد. ويجب أن يكون على رأس هذه الإجراءات قيام إيران بمنح المفتشين الدوليين إمكانية أفضل لرصد أنشطتها النووية. على أن يُبادر الغرب، في المقابل، بتقديم مساعدات اقتصادية إنسانية للإيرانيين، والتخفيف من تطبيق العقوبات المفروضة ضد الأطراف الثلاثة التي تجمعها علاقات تجارية مع إيران. وبالفعل تبنت إدارة بايدن نهجًا براجماتيًا مماثلًا عبر تخفيف العقوبات على فنزويلا، وذلك بهدف المساعدة على خفض أسعار الطاقة. حتى وإن لم توفر هذه المبادرات حلاً حاسمًا للمعضلة الرئيسية مع إيران، لكنها تسمح على الأقل لكلا الطرفين بالتراجع عن حافة الهاوية.

 ويجادل بعض المحللين أن أيًا كان شكل الاتفاق النووي الجديد، سيحمل ثغرات وأوجه قصور خطيرة، ويجب على واشنطن أن تكون صادقة بشأنها. فإن الصفقة المحتملة ستكون أبعد ما يكون عن آمال إدارة بايدن "غير الواقعية" باتفاق "أطول أمدًا وأكثر قوة" مما كان عليه الاتفاق النووي الأصلي عام 2015م، بل سيأتي الاتفاق الجديد في الجانب "الأقصر والأضعف" من المقارنة المفترضة، وذلك ببساطة لأنه على مدار الأعوام الخمسة الماضية، تمكنت طهران من تحصيل قدرًا كبيرًا من المعرفة والقدرات النووية، دون أن يخضع الكثير منها للرقابة من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية. فضلًا عن أن البنود والأحكام الرئيسية للاتفاقية الأصلية التي وضعت قيودًا على عملية تخصيب اليورانيوم واستخدام أجهزة الطرد المركزي المتقدمة، أوشكت صلاحيتها على الانتهاء. وباختصار، شهد البرنامج النووي الإيراني منذ انسحاب الرئيس الأمريكي ترامب في عام 2018م، تقدما كبيرا، ووفقًا لبعض المحللين، ستتمكن إيران مع أوائل العام الجديد 2023م، من بلوغ العتبة النووية بحكم الأمر الواقع، وستكون أقرب من أي وقت مضى لتجميع بعض المكونات والتقنيات الرئيسية المطلوبة للتسليح إذا ما قررت ذلك.

وعلى الرغم من أن غالبية مجتمع الاستخبارات الأمريكي تستبعد اتخاذ إيران قرارًا بشأن تصنيع قنبلة نووية، إلا أن احتمالات تحقق ذلك ستشهد تزايدًا سريعًا في حال انهيار خطة العمل الشاملة المشتركة بشكل رسمي. فضلًا عن أن قلة فقط هي من تعتقد بأن إيران لن تقوم بتقليص "زمن الاختراق" -وهو الوقت اللازم من أجل تصنيع قنبلة وتجاوز العتبة النووية-لبضعة أسابيع فقط من خلال زيادة نسبة تخصيب اليورانيوم بنسبة 90%، وذلك إذا لم يتم إحياء الاتفاق النووي. وبالفعل، فقد واصل الجانب الإيراني إنتاج المزيد من اليورانيوم عالي التخصيب، وتشغيل أجهزة طرد مركزي أكثر تطورًا، وتقييد مراقبة الوكالة الدولية للطاقة الذرية لأنشطتها النووية، مع الالتزام بنص اتفاق الضمانات الذي سبق خطة العمل الشاملة المشتركة، وذلك بهدف الضغط على الولايات المتحدة لإجبارها على رفع العقوبات. في حين تُشير التقديرات العامة المطروحة من قبل الإدارة الأمريكية إلى أن إيران أحرزت تقدماً كبيرًا في مشروعها النووي، بحيث أصبح في إمكانها تجميع الوقود المناسب لتصنيع القنبلة في غضون أسابيع – أي أقل من مهلة التحذير المحددة لأكثر من عام بموجب اتفاق 2015م، لكن لا يزال الوقت متاحًا أمام الغرب، حيث يؤكد مسؤولو الاستخبارات الأمريكية أن عملية تحويل الوقود إلى سلاح فعال يمكن وضعه أعلى صاروخ، تستغرق عامين، ولا يوجد دليل على أن هناك مشروع قيد التنفيذ من أجل تصنيع قنبلة نووية. ولكن ذلك يفترض أيضًا وجود معلومات استخباراتية شبه كاملة عن حالة البرامج النووية والصاروخية الإيرانية، في الوقت الذي كانت فيه عمليات التفتيش الأممية محدودة، وأُغلقت الكاميرات التي قامت الوكالة الدولية للطاقة الذرية بتثبيتها من قبل الحكومة الإيرانية. لذلك من الممكن أن يتسبب تزايد الفجوة المعرفية حول وضع برامج التسلح الإيرانية في صعوبة اكتشاف تحويل مسار الوقود النووي. في أثناء ذلك، لاحظ العديد من الخبراء أن إيران تعمد إلى تطوير ترسانة ضخمة من صواريخ كروز، التي من ِشأنها أن تُزيل العديد من العقبات التي تحول دون تسليم سلاح.

من جانبه، أكد الرئيس بايدن مرارًا استعداد بلاده لاستخدام خيار القوة العسكرية ضد إيران باعتباره "الملاذ الأخير". لكن بدلًا من السعي إلى تطبيق جولة أخرى من سياسة "الضغط القصوى" أو اللجوء لخيار الحرب الشاملة. يعتقد بعض المحللين أن الرئيس بايدن قد يؤثر تبني نهج دبلوماسي أكثر ابتكارًا يعتمد على سياسة الاحتواء، بحيث يُملي الغرب حدودًا لتصرفات إيران في المنطقة بدعم من التهديد باستخدام قوة عسكرية محدودة.  إلا أنه يظل مُرجحًا أن يلقي انعدام الثقة المتجذر بين الجانبين، والذي تسبب في عرقلة محادثات فيينا، بظلال مماثلة على أية اتفاقيات مستقبلية. فضلًا عن فشل التسويات التي سعى إليها الدبلوماسيون بشق الأنفس لإنقاذ خطة العمل الشاملة المشتركة عبر تلبية مخاوف الجانبين، في تجاوز الخلافات القائمة بينهما.

  ومنذ أواخر عام 2022-أوائل 2023م، بدأت تتكشف ملامح حقبة جديدة من المواجهة المباشرة العلنية مع إيران، بعد أن ظلت لفترات مختبئة تحت ظلال أحداث أكثر دراماتيكية-بما في ذلك الغزو الروسي لأوكرانيا-تصاعد حدة المنافسة العالمية بين الولايات المتحدة والصين-واستمرار المفاوضات مع طهران، بشكل غير حاسم، نحو 18 شهرًا. كذلك تلاشت أية آمال كانت تحدو الرئيس بايدن بشأن استعادة الاتفاق النووي مع إيران، بعد توقف المفاوضات في سبتمبر عام 2022م، ومنذ ذلك الحين فرض الرئيس بايدن عقوبات جديدة على إيران وأعرب عن دعمه للاحتجاجات الشعبية المناهضة للحكومة الإيرانية. في الوقت ذاته، أصبحت اجتماعات الأمن القومي التي يعقدها البيت الأبيض حول إيران، مُكرسة بدرجة أقل لاستراتيجية التفاوض، وتُركز بصورة أكبر على كيفية تقويض خطط إيران النووية، وتوفير معدات الاتصالات للمتظاهرين، وعرقلة سلسلة توريد الأسلحة إلى روسيا.

 رغم ذلك، لم يتسبب الجمود الذي أصاب المفاوضات النووية في إضعاف التفكير الاستراتيجي الذي تعتمده إدارة بايدن بشأن سبل معالجة الأزمة الإيرانية. فلا يزال هناك من يطالب بفرض مزيد من العقوبات، ومن يجادل بأن الجهوزية الأمريكية العسكرية وحدها كفيلة بإقناع طهران بالعودة إلى طاولة المفاوضات أو على الأقل ردعها عن المضي قدمًا في تطوير سلاح نووي.  في حين تغلب نظرة تفاؤلية على البعض ممن يعتقد بأن إيران، التي تكره المجازفة، على الأرجح ستتجنب تكثيف برنامجها النووي، وتجاوز الخطوط الحمراء الإسرائيلية أو الأمريكية والمخاطرة بمواجهة ضربة عسكرية. وفي خضم ذلك، يوجد أولئك الذين يؤمنون بأن تخصيص استراتيجية هدفها الأساسي تغيير النظام الإيراني ورسم ملامح جديدة لدولة أكثر اعتدالًا، هو ما سيجعل إيران تتخلى عن سعيها لامتلاك أسلحة نووية وأنشطتها الإقليمية. لكن أيًا من هذه الخيارات لا يقدم حلًا للأزمة التي تواجه إدارة بايدن الآن وهي: كيفية كبح جماح برنامج إيران النووي، وتقييده، ومراقبته، والحيلولة دون الانزلاق المحتوم إلى صراع إقليمي واسع النطاق، وهو الأمر الذي يظل احتمالًا واقعيًا.

في ضوء هذه الخلفية، يمكن تحديد ثلاثة اتجاهات في استراتيجية إدارة بايدن تجاه إيران. أولًا، استمرار استخدام سلاح العقوبات الاقتصادية، فبرغم الاعتراف بفشل سياسة "الضغط القصوى" التي اتبعها ترامب، لم تُقرر إدارة بايدن حتى الآن رفع العقوبات الاقتصادية المفروضة عن إيران. ومن المرجح أن تُبقي الإدارة على هذه العقوبات وأن تعززها بشكل أكبر. كما ستواصل واشنطن في المستقبل المنظور، سعيها لعزل إيران دبلوماسيًا واقتصاديًا، وستستمر طهران في مجابهة ذلك. ثانيًا، مواصلة واشنطن تزويد إسرائيل بأحدث أنظمة الأسلحة، بهدف زيادة الضغط العسكري على إيران، والتلويح بأن خيار ضربة عسكرية سواء كان مصدرها الولايات المتحدة أو إسرائيل لا تزال ورقة مطروحة على الطاولة. وبالفعل شهد يناير الماضي (2023م) إجراء أكبر مناورة عسكرية مشتركة بين الولايات المتحدة وإسرائيل على الإطلاق بمنطقة البحر الأبيض المتوسط تحت اسم "جونيبر أوك 23". وتضمنت التدريبات العسكرية بين الجانبين استخدام كافة أنظمة الأسلحة اللازمة للهجوم على المنشآت النووية الإيرانية.

 كذلك من المرجح أن تواصل واشنطن سياسة" القبول الصامت أو الموافقة الضمنية" للعمليات الإسرائيلية ضد أهداف إيرانية، حيث لم تحرك من قبل ساكناً أو تستهجن كافة العمليات العسكرية التي قامت بها إسرائيل ضد أهداف إيرانية سواء داخل سوريا، والعراق، ولبنان، أو داخل الأراضي الإيرانية نفسها.  وتمثل واقعة استهداف إحدى الطائرات الإسرائيلية بدون طيار لمنشأة متطورة لإنتاج الأسلحة بمدينة "أصفهان" بوسط إيران أواخر يناير الماضي، فصلًا آخر في تاريخ الصراع الممتد بين إسرائيل وإيران، والذي لجأت فيه إسرائيل إلى استخدام أساليب التخريب، والاغتيالات، والهجمات بالطائرات بدون طيار لاستهداف برنامج إيران النووي، وشل قدراتها في مجال الأسلحة التقليدية، وتحجيم دعمها للميليشيات الناشطة على طول الحدود الإسرائيلية. أخيرا، تسعى إدارة بايدن حاليًا إلى إعادة بناء هيكل الأمن الإقليمي عبر التعاون مع حلفاء وشركاء الولايات المتحدة. ويستهدف هذا الهيكل الأمني الإقليمي الناشئ بشكل أساسي التشجيع على التعاون الشامل بين كافة القوى الإقليمية.

خلاصة القول، أن الشك والعداء المتبادل كانا دومًا السمة الرئيسية للعلاقات بين واشنطن وطهران منذ عام 1979م. ولم تفلح جهود الرئيس الأسبق باراك أوباما سواء لبدء فصل جديد في العلاقات بين الخصمين، أو التوقيع على الاتفاق النووي عام 2015م، في تجاوز انعدام الثقة المتأصل بين الدولتين. وهو ما يعد السبب وراء الجمود الذي أصاب المفاوضات النووية، وبنفس القدر من الأهمية، إخفاق الجانبين في التوصل لأية تسوية بشأن القضايا الأخرى المهمة مثل: الاتهامات الموجهة لإيران كدولة راعية للإرهاب، وارتكابها انتهاكات لحقوق الإنسان. وتمثل هذه العلاقات " الصدامية " بين واشنطن وطهران تحديًا ليس فقط للدولتين بل للأمن والاستقرار الإقليميين أيضًا. وتحاول القوى الإقليمية الأخرى مثل المملكة العربية السعودية، وقطر، والإمارات، وسلطنة عمان، وتركيا، فتح قنوات دبلوماسية مع واشنطن وطهران من أجل هدف استراتيجي أشمل هو إعلاء الأمن الإقليمي، والاستقرار السياسي، والازدهار الاقتصادي.

مقالات لنفس الكاتب