array(1) { [0]=> object(stdClass)#13063 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 183

دبلوماسيون إيرانيون يطالبون طهران بإصلاح علاقاتها مع السعودية

الإثنين، 27 شباط/فبراير 2023

على مدار العقود الأربعة الماضية، سعت الجمهورية الإسلامية الإيرانية إلى فرض نمط حياة قائم على نموذج سياسي وثقافي تقليدي، تحت غطاء حكومة دينية تتحكم في المجتمع الإيراني المُتطور. وطوال هذه السنوات، ظلت الحكومة تحاول فرض هذا النمط التقليدي للحياة ما قبل الحداثة أيًا كان الثمن، وبغض النظر عن الواقع الذي أصبح عليه المجتمع الإيراني اليوم. حيث شهد المجتمع الإيراني العديد من التغيرات الجذرية على مدار أربعين عامًا، بما في ذلك توسع الطبقة الوسطى، والتحضر، وارتفاع نسبة القادرين على الكتابة والقراءة، وتوافر أدوات التكنولوجيا، والخدمات المتطورة مثل الانترنت، مما اضطر النظام الإيراني إلى مضاعفة نفوذه أكثر من أي وقت من أجل مواصلة السعي لفرض نمط الحياة الذي يتبناه.

ويتفق العديد من المحللين الإيرانيين وغير الإيرانيين على أن إيران ما بعد حادثة وفاة "مهسا أميني" واستمرار الاحتجاجات لمدة 100 يوم، لم تعد ولن تكون البلد الذي كانت عليه يومًا، إذ بعد 100 يوم من الاحتجاجات المتواصلة حدث غير مسبوق في تاريخ الجمهورية الإسلامية. كما أن السبب وراء اندلاع هذه الاحتجاجات لم يكن الأزمات الاقتصادية، أو ارتفاع أسعار البنزين، أو صعوبات المعيشة، أو حتى أزمة نقص المياه، بل كانت وفاة مهسا أميني، تلك الفتاة الشابة صاحبة الـ ٢٢ عامًا التي لفظت أنفاسها الأخيرة إثر احتجازها من قبل قوات شرطة الوصاية الإيرانية بسبب عدم ارتدائها الحجاب "بالشكل المناسب" هي الشرارة التي أشعلت فتيل موجة عارمة من الاحتجاجات، والتي سرعان ما أصبح شعارها الرئيسي "المرأة، الحياة، الحرية". وأضحت تجول ساحات الميادين، والجامعات، والمدارس، وشبكات التواصل الاجتماعي، إلى أن تخطى صداها الحدود الإيرانية، فضلًا عن ضمها مجموعات عرقية، واجتماعية، ومهنية مختلفة. لكنها بلا شك واجهت قمع عسكري وأمني وعنف من قبل الحكومة.

وقد أظهرت التظاهرات الأخيرة التي جرت في غالبية المدن الإيرانية، بعد أربعة عقود منذ اندلاع الثورة الإيرانية، أن الجمهورية الإسلامية، التي تعيش حاليًا فصلًا جديدًا من تاريخ إخفاقاتها في الاستجابة للمطالب الاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية للمجتمع الإيراني المتطور، ارتكبت واحدًا من أكبر الأخطاء والثغرات على مدار المائة عام الماضية. والتي قد تم تفعيلها سياسيًا، على النحو الذي قد يُعيد تشكيل النظام السياسي داخل البلاد بأسلوب مختلف عن القائم حاليًا، وذلك في ظل اصطفاف الفئات الاجتماعية معًا لتصبح قادرة على تحقيق التوافق. كذلك تبين أن مكمن القوة الدافعة للحراك السياسي الذي تشهده الساحة الإيرانية، يعود إلى اتساع الفجوة بين نمط الحياة التقليدي الذي تفرضه الحكومة الإيرانية على الساحة العامة وبين نمط العيش الحديث الذي تريد أن تحيا به الفئات والمجموعات الاجتماعية الجديدة. فيما أضحت النساء، وهي واحدة من أكبر الأقليات المضطهدة تحت مظلة النظام السياسي الإيراني، هن حاملة راية هذه الاحتجاجات.

 في الواقع، لقد أظهرت التجربة أنه حتى وإن مارس النظام قمعًا جماعيًا ضد حشود المحتجين مثلما حدث خلال "نوفمبر الدامي" قبل ثلاثة أعوام، حيث لقي 1500 إيراني مصرعهم في أقل من عامين، بسبب التظاهر ضد ارتفاع أسعار البنزين، لا يعد ذلك ضمان على عدم اندلاع الاحتجاجات مرة أخرى. حتى إن التواجد الأمني المُكثف لم يعد تهديدًا كافيًا لدرء التظاهرات في الداخل الإيراني، لتجد الحكومة نفسها أمام شقي رحى؛ إما أن تُجبر على إجراء إصلاحات تخضع لرقابة، أو أن تظل الدوافع المُحركة لحالة السخط والاستياء الشعبي مشتعلة دون أن تجد لها استجابة، بما قد ينذر باتساع نطاق هذه الاحتجاجات في وقت ما وسط تنامي حالة الغضب الشعبي، لتؤدي في نهاية المطاف إلى اندلاع انتفاضة شعبية واسعة النطاق.

 وفي ظل احتمالات توقف المفاوضات النووية بسبب العنف المُمارس ضد المحتجين من قبل قوات الأمن الإيرانية، ومقتل ما يقرب من 500 متظاهر، فمن المتوقع أن تتجه الحكومة الإيرانية إلى تقليص نطاق دورها ودعمها للجماعات الوكيلة لها داخل المنطقة كي تتحرر من قيود العزلة الخارجية المفروضة عليها. كما ينبغي على الحكومة الإيرانية مراجعة الأيديولوجية الخاصة بها بشكل عام، إذا ما أرادت تحسين الأوضاع الاقتصادية، والسياسية، والاجتماعية للشعب الإيراني. حيث نشرت صحيفة “اعتماد" الإيرانية تقريرًا عن نتائج بحث جديد، أظهر أن تراجع حجم المشاركة السياسية في الداخل الإيراني، لعب دورًا مؤثرًا في اندلاع الاحتجاجات بعد وفاة مهسا أميني. واعتمدت هذه الدراسة البحثية، حسبما أشارت الصحيفة، على الإحصائيات الخاصة بالمشاركة في الانتخابات البرلمانية الإيرانية التي عُقدت في عام 2018م، وانتخابات الرئاسة الإيرانية خلال عام 2021م، ووفقًا للتقرير الذي حصلت صحيفة "اعتماد" على نسخة حصرية منه، فقد تراجع حجم المشاركة السياسية للانتخابات البرلمانية في عام 2018م، بنحو 10.3 مليون شخص، مقارنة بالاستحقاقات المماثلة السابقة. فيما بلغ عدد الناخبين الذين أدلوا بأصواتهم في الانتخابات الرئاسية الأخيرة 14.5 مليون إيراني. كذلك أظهرت الأخبار المتواترة أن موجة الاحتجاجات الأخيرة قد اندلعت في المدن التي سجلت أعلى نسبة من الأصوات والمشاركة السياسية في الانتخابات التي تجرى منذ عام 1996م، فصاعدًا.

وقد تسببت أربعة عقود من العقوبات المتعددة ضد إيران على خلفية برنامجها النووي، وسياساتها الخارجية التصعيدية، وبرنامج الصواريخ الإيراني. في تراجع تدريجي لقدرتها التصديرية للنفط والمنتجات البتروكيماوية، التي تعد أهم مصدر للنقد الأجنبي للاقتصاد الإيراني. وعلى مدار العشرين عامًا الماضية، لم تستطع الحكومة الإيرانية توفير الموارد المالية والدعم التقني اللازم من أجل زيادة سعتها الإنتاجية للنفط والغاز الطبيعي. كما أنها تعاني هذه الأيام نقصًا في موارد الغاز الطبيعي، وبالتالي أزمة في الطاقة نتيجة عدم توازن إنتاج الغاز الطبيعي. وعقب انسحاب الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب من خطة العمل الشاملة المشتركة، شهد دخل إيران من النقد الأجنبي تراجعًا مرة أخرى. ولم تتمكن إيران من بيع نفطها إلى الصين إلا بخصومات كبيرة في السوق الرمادية، ما أدى إلى تفاقم الأوضاع الاقتصادية.

 

 ومع استمرار تردي الأوضاع الاقتصادية، إلى جانب أزمة نقص المياه وتغير المناخ، تخشى الحكومة الإيرانية اندلاع مزيد من الاحتجاجات خلال الأعوام المقبلة، فيما يرى بعض الخبراء المختصين في الشأن الإيراني، أن الأوضاع حاليًا تشبه إلى حد كبير تلك التي صاحبت نهاية حقبة الاتحاد السوفيتي أي أن الأزمات الاقتصادية المتكررة، والاحتجاجات الشعبية، والنزاعات الداخلية بين الطبقة الحاكمة، هي مشاهد تُعيد للأذهان مشهد انهيار حكم الاتحاد السوفيتي. وبالطبع، لم يتضح بعد أن هذه الموجة الجديدة من الاحتجاجات، على الرغم من اختلافها عن الاحتجاجات الأخرى، يمكن أن تغير النظام السياسي على الفور سواء عبر اندلاع ثورة أو إجبار الحكومة على إجراء تغييرات جذرية. حيث لاتزال الحكومة الإيرانية تعول على قواتها الأمنية والعسكرية بما في ذلك قوات الحرس الثوري وغيرها من القوات شبه العسكرية في قمع التظاهرات داخل المناطق الحضرية.

وبرغم من كافة القيم الجيوسياسية، والجيو اقتصادية، والجيو ثقافية، لا تزال منطقة غرب آسيا تعاني من أشد الأزمات. وفي مثل هذه الحالة، تحتاج العلاقات بين القوى الإقليمية، التي تقف بشكل أساسي على جانبي الأزمة داخل المنطقة، للتوصل إلى تفاهم مُنظم. وبخصوص المنافسة الإقليمية بين إيران والمملكة العربية السعودية، يزعم بعض الخبراء والساسة الإيرانيين أن الرياض تسعى إلى تحجيم الدور والنفوذ الإيراني في مختلف مناطق الأزمات بهدف اختلال التوازن الإقليمي ضد إيران. إذ يواجه حزب الله اللبناني، أحد أهم عملاء النفط الإيراني، أزمات داخلية خاصة به قد تدفعه للابتعاد عن الفلك الإيراني. حيث شهد خريف عام 2019م، اندلاع مظاهرات مناهضة للحكومة اللبنانية ضد نظام حزب الله والطبقة الحاكمة، في حين حقق النواب اللبنانيون -الذين يمثلون القيم العليا التي ينادي بها المحتجون – فوزًا في الانتخابات البرلمانية التي عقدت العام الماضي 2022م، وبالتالي حُرم حزب الله من حصد الأغلبية. فيما أصبح هناك حكومة تصريف أعمال لبنانية لا تتمتع بسلطة حقيقية. كذلك يسعى حزب الله لأن ينأى بنفسه عن مصالح طهران في المنطقة. وفي أكتوبر الماضي، وافق لبنان أخيرًا على اتفاق ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل عبر وساطة أمريكية، بما سيحقق استفادة لكلا الجانبين رغم العداء المُتبادل والذي تجلى خلال المفاوضات.

العراق

 تسبب عدم حسم الجانب الإيراني لقضية إعادة إحياء خطة العمل الشاملة المشتركة والمفاوضات من أجل رفع العقوبات الغربية، في أن يُزيحها الغرب من على أولويات أجندة الأعمال الخاصة به، أو بعبارة أخرى، تم وضعها جانبًا لبعض الوقت. وقد عكست التغريدة الأخيرة التي نشرها ميخائيل أوليانوف، ممثل روسيا في المنظمات الدولية بفيينا قضية هامة، حيث صرح بأن الغرب سيستخدم قضية الطائرات بدون طيار كمبرر يسوق به إنهاء خطة العمل الشاملة، وكتب المسؤول الروسي عبارات تقول بأن "الولايات المتحدة والترويكا الأوروبية يميلون إلى إطلاق الخطة (ب)، والتي سيكون أحد أهدافها المرجوة محاصرة طهران وفرض ضغوط إقليمية. وكان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قد أعلن قبل بضعة أيام قليلة عزم بلاده بدء مشروعات داخل العراق قريبًا، بما يساعد على تقليص اعتماد الجانب العراقي على إيران، بعدما ظلت العلاقات بين الجارتين على مدار الأعوام الأخيرة وطيدة وغير قابلة للتدمير. وجاءت عبارات الرئيس الفرنسي، خلال لقائه مع القادة العراقيين في بغداد، قادمًا من العاصمة الأردنية عمان، واضحة فيما يتعلق ببدء خطة عمل موسعة منذ عام 2020م، من أجل تدعيم الاقتصاد العراقي وتنفيذ مشروعات استثمارية ضخمة تهدف إلى تعزيز استقلالية العراق أمام النفوذ الإيراني وزيادة الدور العراقي على الساحة الإقليمية". وأوضح ماكرون أنه تم وضع "خارطة طريق للتعاون مع العراق سيتم تنفيذها قريبًا وتشمل مشروعات ضخمة في مجال المياه، والكهرباء، والطاقة، والتنمية الاقتصادية، بما يسهم في الحد من الاعتماد على طهران. فلطالما شكل وجود الجماعات الوكيلة لإيران على الساحة الأمنية والسياسية العراقية أحد عوامل زعزعة الاستقرار السياسي العراقي؛ ومن ثم، فإن العمل من أجل تقليص اعتماد العراق على مصادر الطاقة الإيرانية (من الغاز الطبيعي والكهرباء) يساعد تدريجيًا في تحجيم النفوذ الإيراني في الداخل العراقي وسياساته الخارجية. وإذا ما اختارت إيران مواصلة سياساتها الخارجية الإقليمية دون تغيير، فستواجه تراجع لدورها السياسي ونفوذها داخل العراق، نظرًا إلى أن الحكومة الجديدة تسير في اتجاه خفض الاعتماد على موارد الطاقة الإيرانية.

العلاقات الإيرانية -السعودية

لطالما كان الدعم الإيراني المتواصل للجماعات الوكيلة في المنطقة أحد الأسباب الرئيسية وراء توتر العلاقات بين طهران والدول العربية التي تشعر بقلق إزاء الدعم الإيراني المالي والعسكري لجماعة الحوثي في اليمن، وحزب الله اللبناني، وغيرهم من الجماعات المسلحة داخل المنطقة. كما أدت واقعة اقتحام محتجين للسفارة السعودية في إيران قبل أعوام، إلى مزيد من التوتر والتعقيد في العلاقات بين الجانبين، وبرغم انعقاد عدة جولات من المفاوضات بين طهران والرياض بالعاصمة العراقية بغداد على مدار الأشهر الأخيرة، إلا أن هناك تصريحات جاءت على لسان العديد من المسؤولين العراقيين منتصف يناير الجاري، تشير إلى توقف المفاوضات الدبلوماسية التي تتم بوساطة عراقية، وذلك نتيجة ادعاءات إيرانية بشأن تورط الرياض في التحريض على موجة الاحتجاجات الواسعة ضد الحكومة الإيرانية. وأوضح المسؤولون أن الجولة السادسة من المفاوضات بين الرياض وطهران، التي كان من المفترض أن تستضيفها بغداد، لم تحدد بعد بسبب مزاعم الجانب الإيراني.

وقد بدأت المفاوضات المباشرة بين الوفدين الإيراني والسعودي، بوساطة عراقية، في ربيع عام 2021م، بالعاصمة بغداد. ولم تثمر المفاوضات التي شهدت انعقاد خمس جلسات حتى الآن، سوى عن إعادة فتح المكتب التمثيلي لجمهورية إيران الإسلامية تحت مظلة منظمة التعاون الإسلامي في مدينة جدة بالمملكة العربية السعودية. وذلك بعدما كانت قد تسببت حادثة الهجوم المنظم على السفارة السعودية في طهران في توقف العلاقات الثنائية، فضلًا عن تصاعد حدة التوتر بين البلدين مرة أخرى، لاسيما بعد تعرض منشآت نفطية سعودية لهجمات من قبل جماعة الحوثي، المدعومة من إيران. في الوقت ذاته، صرح وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبد اللهيان: "أنه على الرغم من استعداد طهران لإعادة استئناف العلاقات الدبلوماسية، إلا أن الجانب السعودي لا يزال غير مستعد بعد لإعادة تطبيع العلاقات. وأوضح الوزير الإيراني-في تصريحات صحفية خلال زيارته للبنان-قائلاً:” حتى الآن، تم عقد خمس جولات من المفاوضات الثنائية مع الجانب السعودي في بغداد، واتفقنا على استمرار المفاوضات" معربًا عن أمله في أن يثمر ذلك عن إعادة فتح قنصليتي البلدين في مدينة جدة السعودية ومدينة مشهد الإيرانية". وردًا على سؤال حول دور السعودية في الاحتجاجات الأخيرة: قال عبد اللهيان أنه بالتوازي مع المحادثات السياسية، أجرينا أيضًا محادثات أمنية مع الوفد السعودي، وتم التباحث بشأن القضايا بين الجانبين"

 

إلى جانب الحرب الإيرانية-العراقية، واستمرار إنكار طهران للوجود الإسرائيلي، ظل توتر العلاقات مع الرياض أهم المشكلات التي تواجه العلاقات الإقليمية الإيرانية. وخلال فترة حكم رفسنجاني وخاتمي التي دامت ١٦ عامًا، تم نوعًا ما إدارة هذه الأزمة بما ساعد في استئناف العلاقات بين الجانبين وإن كان بشكل مؤقت وغير مستقر. ومنذ عام 2003م، على الأقل، بلغ الوضع المتأزم في العلاقات السعودية-الإيرانية أبعادًا لم يكن في وسع طهران معالجتها سوى بالمحادثات ومن غير الممكن لها أن تطرح خططًا مماثلة أمام مؤتمر ميونخ أو غيره من المحافل الدولية. حيث تم إعادة فتح القضايا الخلافية بين الجانبين والتي شمل نزاعهما على قضايا مختلفة، إلى جانب الكشف عن برنامج إيران النووي في عام 2003م، والذي اعتبر محاولة من أجل زعزعة ميزان القوى في المنطقة. فضلًا عن سعي الجانب الإيراني غرس موطئ قدم له داخل العراق في أعقاب سقوط نظام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، وهو البلد الذي لطالما اعتبر معقل مهم للعرب السنة والبوابة إلى العالم العربي، وهو ما أدى إلى تراجع نفوذ الدول العربية الأخرى أيضًا داخل العراق ومخاض ثورات الربيع العربي، وتصاعد المواجهات والحروب بالوكالة بين طهران والرياض التي أدت للهجوم على مقر السفارة السعودية بطهران، والذي يعد نتيجة وتجسيداً للنزاع بين الجانبين في الوقت ذاته.

ويرى بعض الدبلوماسيين الإيرانيين أنه يتعين على الدولة الإيرانية إصلاح علاقاتها مع الدول العربية في المنطقة في أسرع وقت ممكن من أجل الخروج من هذه الأزمة الدولية، ودوامة الأزمات الاقتصادية-البيئية التي يعانيها الشعب الإيراني، وشروط إحياء الاتفاق النووي. وذلك من منطلق أهمية أن تحظى إيران بعلاقات جيدة مع كافة دول الجوار، بما في ذلك البلدان الواقعة في جنوب الخليج وبالأخص المملكة العربية السعودية، التي تعد أكبر دول هذه المنطقة. لكن ما يهم حاليًا هو أن دوائر صنع القرار في المملكة تتبع حالة من التأني تجاه إيران. كما أن بعض البلدان العربية أقامت علاقات مع تل أبيب على أساس اتفاق "سلام إبراهيم"، سواء كان ذلك بشكل رسمي أو من خلال السير في هذا الاتجاه. كما تشهد علاقات هذه الدول مع الجانب الإسرائيلي مزيدًا من التوسع. من ثم، فإن إعادة إحياء خطة العمل الشاملة المشتركة والعضوية في مجموعة العمل المالي، بالإضافة إلى تأمين العلاقات الاقتصادية الخارجية، يوفر أيضًا لطهران إمكانية الانخراط في المجتمع الدولي والقيام بدور نشط على الساحة السياسية الخارجية؛ بحيث تنعم بعلاقات مع دول مختلفة.

قد يبدو أن الحكومة الإيرانية تمكنت من قمع الاحتجاجات الأخيرة، لكنها لا تزال تخشى اندلاع موجات احتجاجية أخرى خلال الأشهر المقبلة في ضوء استمرار أزمة الطاقة ونقص الغاز الطبيعي. فإن شبح العديد من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية في الداخل لايزال يلاحق الحكومة الإيرانية، مع استمرار عزلتها في الخارج. وفي الوقت الذي تمنح السياسة الخارجية الإيرانية الأولوية للدبلوماسية السياسية على حساب الدبلوماسية الاقتصادية، يعد النفوذ الاقتصادي في العصر الراهن أكثر أهمية مقارنة بأي عامل آخر. فمن خلال اقتصاد أكثر قوة، يتسنى حينها تصدير الثقافة والأيديولوجيا والتأثير على السياسة الدولية. وإذا ما تحسنت علاقات إيران مع المملكة العربية السعودية، فسيتم توفير بيئة إقليمية لتحسين علاقاتها مع الدول العربية الأخرى. وهو ما ينبغي على الدولة الإيرانية أن تسعى وراءه، إذا ما أرادت تجنب شبح الإفلاس وتجدد الاحتجاجات الشعبية مرة أخرى، وتفادي بلوغ حافة الانهيار في ظل أزمات الطاقة والمياه. والتغيرات المناخية وتلوث الهواء التي تعصف بها.

ما تمليه المصالح الوطنية الإيرانية هو أن يكون لدى طهران علاقات مع كافة دول العالم. وإذا ما كانت الجمهورية الإيرانية تعتزم قصر علاقتها مع دولتين أو ثلاثة. فإنها تخاطر بأن تصبح معتمدة بشكل غير مباشر على هذه الدول التي ستدرك العزلة التي تعانيها طهران، وقد تغتنمها من أجل إملاء شروطها المحددة لمسار العلاقات الثنائية وفق أجندتها الخاصة. على العكس من ذلك، فإن الدولة التي تنعم بعلاقات مع غالبية دول العالم لاسيما تلك التي تتمتع بأهمية ونفوذ على الساحة الدولية، لن تواجه عزلة ولهذا السبب تحديدًا، تصبح لديها قدرة كبيرة على المناورة في الساحة السياسية والعلاقات الدولية. وتعد موجة الاحتجاجات الأخيرة التي استمرت على مدار الأربعة أشهر الماضية، بموازاة العزلة الدولية المفروضة على إيران، فرصة جيدة للجمهورية الإسلامية كي تراجع موقفها الرافض لتغيير سياستها الخارجية من أجل احتواء التوترات مع دول الجوار، وتهيئة الظروف لجذب رؤوس الأموال والموارد المالية الأجنبية اللازمة لتحسين الأوضاع الاقتصادية. كما يجب تقليص الدعم الإيراني للجماعات الوكيلة، والامتناع عن التدخل في شؤون جيرانها مثل العراق، ومواصلة تطوير البرنامجين الصاروخي والنووي وفقًا للقوانين الدولية، وتجنب تهديد البنية التحتية للطاقة في الدول العربية المجاورة. إذا واصلت الجمهورية الإسلامية سياستها الخارجية الحالية، فإن الظروف الاقتصادية ستزداد سوءًا، وقد يستتبع ذلك استمرار الاحتجاجات الشعبية مع احتمالات انضمام شريحة أكبر من المواطنين الإيرانيين إلى الاحتجاجات في المستقبل. لذلك من الأهمية بمكان أن تحافظ إيران على علاقات صحيحة وسليمة في سياساتها الخارجية تستند إلى مبدأين أساسيين وهما: “المصالح المشتركة والاحترام المتبادل"، ومن أجل تحقق ذلك، يتطلب الأمر امتلاك القدرة على المناورة السياسية". فإن التمتع بسياسات خارجية قوية يفسح المجال أمام إقامة علاقات مع دول مختلفة وتلبية الاحتياجات في مختلف المجالات.

مقالات لنفس الكاتب