array(1) { [0]=> object(stdClass)#12912 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 183

إيران والاستماع لصوت العقل

الإثنين، 27 شباط/فبراير 2023

نبدأ بالتأكيد على أن ما يجري في إيران هو شأن داخلي يخص الشعب الإيراني وحكومته فقط ولا دخل لدول منطقة الخليج به من قريب أو بعيد، ونستطيع أن نؤكد على ذلك بما لا يدع مجالًا للنقاش أو التأويل، فما يحدث من احتجاجات في إيران كرد فعل على مقتل الفتاة الكردية مهسا أميني وما ترتب على ذلك من تداعيات واضحة الأسباب ،هو شأن إيراني داخلي، وقضايا يعيشها الشعب الإيراني، إضافة إلى أن هذه الاحتجاجات ليست هي الأولى بين طوائف الشعب الإيراني وأسبابها معروفة وليست محل جدل ولا نريد أن نخوض فيها كثيرًا، ولكن ما يهمنا هنا هو التأكيد على أن السياسة الثابتة للمملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون لدول الخليج العربية الالتزام المطلق برفض التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، كما ترفض بالقدر نفسه تدخل الآخرين في شؤونها، وعليه نرفض كل اتهامات باطلة أو مزاعم زائفة تصدر من أي مسؤول إيراني تجاه المملكة أو دول الخليج بمحاولة توريطها في هذه الاحتجاجات، وعلى النظام الحاكم في طهران الاستماع لمطالب شعبه وحل مشاكله بدلًا من محاولة اتهام الآخرين، وكذلك عليه الإصغاء لمطالب الرموز السابقين من داخل النظام نفسه، وكبار الدبلوماسيين الإيرانيين السابقين أيضًا، وأن يتعاطى النظام مع هذه المطالب التي تأتي من داخل تركيبته بعقلانية وبمنطق الدولة لا بتصدير الأزمات إلى الخارج، تلك السياسة التي دأبت طهران عليها عند مواجهة كل أزمة داخلية، وعلى النظام الحاكم في طهران الرد الإيجابي على الشعارات التي يرددها شعبه خلال المسيرات الاحتجاجية بدلًا من وضع فشله في تحقيق المطالب الشعبية على شماعة  المملكة العربية السعودية ودول الخليج أو غيرها من دول العالم، وفي هذا الإطار نرفض بشدة التشنجات والمهاترات التي أدلى بها قائد الحرس الثوري الإيراني حسين سلامي ضد المملكة العربية السعودية عند تفجر هذه الاحتجاجات وندعوه لقراءة الواقع بدقة بدلًا من القفز فوق الأزمة ومحاولة تصديرها إلى دول الجوار كعادة النظام الإيراني.

والحقيقة المؤكدة التي يجب أن يعلمها النظام الإيراني أن دول الخليج في مقدمة الدول التي تأمل أن يعيش الشعب الإيراني المسلم الجار في سلام ،وأن ينعم بالاستقرار ورغد العيش، وكذلك تأمل من الحكومة الإيرانية أن تتعامل مع شأنها الداخلي بحكمة بعيدًا عن المغالطات، وأن تتعامل مع دول الجوار بمنطق الدولة ووفقًا لمبادئ القوانين والعلاقات والأعراف الدولية، وأن يعترف النظام بواقعية بمطالب شعبه ومواجهة الأزمات بالحلول لا بتصديرها للخارج أو البحث عن شماعة خارج حدود دولته، ومن المؤكد أن دول مجلس التعاون الخليجي لا يعنيها بقاء النظام الحاكم في طهران أو ذهابه، وليس لها دور في إضعاف هذا النظام أو تقويته، ولكن يهمها التعامل مع إيران في إطار القانون الدولي وعدم التصعيد أو محاولات جر المنطقة إلى السباق النووي الذي تتجه إليه إيران حاليًا، فرغم الاحتجاجات وتبعات أزمة مقتل الفتاة الإيرانية الكردية التي هزت أرجاء إيران، ورغم العقوبات الاقتصادية الدولية، كشفت الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن إيران قامت بتخصيب اليورانيوم بدرجة 84% أي تقترب بشدة من تصنيع القنبلة النووية، ونقلت وكالة رويترز عن مسؤولين في الوكالة الدولية أن هذه النسبة من التخصيب تنقص بنسبة 6% فقط عن المستويات التي يمكن استخدامها في صناعة الأسلحة النووية، وإيران بهذا الاندفاع المحموم نحو صناعة السلاح النووي دون الالتزام بمعايير الوكالة الدولية للطاقة الذرية أو مطالب المجتمع، ودون قراءة تأثير ذلك على دول المنطقة، بل تمضي في هذا الطريق رغم المصاعب الاقتصادية وارتفاع معدلات التضخم التي تجاوزت 50% ونسب البطالة ،وتدني مستوى قيمة العملة المحلية التي تتهاوى بشكل يومي إلى مستويات قياسية حيث تجاوز سعر الدولار الواحد أكثر من 500 ألف ريال إيراني، بينما يتوالى فرض عقوبات اقتصادية دولية جديدة طالت رموز النظام الإيراني والمنظمات والمؤسسات الحكومية الإيرانية، كل ذلك يؤكد أن طهران تسلك طريق سياسات خاطئة وتصعيد ضار بهدف الهيمنة وليس التنمية ورفاهية شعبها، أو استقرار المنطقة.

ولذلك نأمل أن تتعامل حكومة طهران مع قضايا الداخل والخارج بعقلانية ومراعاة مصالح الشعب الإيراني، وكذلك مصالح شعوب دول المنطقة، بدلًا من الاندفاع حول التصعيد واستخدام ورقة البرنامج النووي الذي تؤكد كل المؤشرات على عسكرته وأنه ليس برنامجًا سلميًا كما كان يردد نظام طهران في السابق، وعليه أن يوجه مقدرات الدولة ودخلها الوطني إلى مصلحة  الشعب كما جاء  في مطالب المحتجين الذين طالبوا نظامهم بالكف عن تمويل الميليشيات في دول المنطقة سواء في اليمن، أو العراق، أو سوريا، أو لبنان وغيرها، وهذا ما جاء في لافتات رفعها المحتجون في شوارع المدن الإيرانية وليست قادمة من دول الجوار، وهذه الشعارات تعكس حقائق ثابتة ،فمن غير الخفي تمويل طهران للميليشيات والأحزاب والجماعات المسلحة في المنطقة العربية وغيرها.

بل نأمل أن تنتهز حكومة طهران فرصة الأجواء الإيجابية في منطقة الخليج والرغبة في الانفتاح والتهدئة واقتناص الفرص المواتية ،وأن تستكمل إيران الحوارات البناءة مع دول المجلس لدعم الاستقرار الإقليمي والتهدئة والرغبة في العيش السلمي بعيدًا عن الخطب الرنانة والتصريحات الجوفاء التي تنطلق من قائد الحرس الثوري الإيراني أو غيره ضد دول مجلس التعاون، فهذه التصريحات أو التصرفات لن تغير حقائق التاريخ أو الجغرافيا، بل سيظل الجوار قائمًا ويجب تحويله إلى وسيلة للتعاون لا التصادم، وإلى الحوار البناء والمفيد، لا تصريحات جوفاء معادية تكرس حالة العداء والتصعيد التي تنتهجها إيران ضد جيرانها منذ قيام الثورة الإسلامية وحتى الأن، وإلى نقاش موضوعي يراعي مصالح شعوب ودول المنطقة وعدم  فتح الأبواق الإعلامية  للحملات المغرضة التي تؤدي إلى شحن الأجواء و تسخين المنطقة، فإذا سلكت إيران الطريق الصواب فسوف يكون ذلك لخدمة شعبها وخدمة شعوب دول المنطقة.

مقالات لنفس الكاتب