array(1) { [0]=> object(stdClass)#13067 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 184

الاتفاق السعودي ــ الإيراني: أسبابه .. أهدافه .. نتائجه .. تحدياته

الأربعاء، 29 آذار/مارس 2023

فاجأت المملكة العربية السعودية والجمهورية الإسلامية الإيرانية العالم يوم 10 مارس 2023م بالإعلان عن إنجاز سياسي كبير، وخطوة مهمة في طريق تعزيز الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي، تمثلت في اتفاقهما على استئناف علاقتهما، بعد انقطاع دام سبع سنوات، تخللتها العديد من الاحتكاكات والتدافعات الأمنية غير المباشرة، التي أثرت سلبًا على البلدين الجارتين بخاصة، وعلى المنطقة بعامة. 

وقد تم الاتفاق عقب جولات من المحادثات السياسية والأمنية والدبلوماسية، استضافتها دول عربية (العراق وعمان)، فيما تم الإعلان عنه من الصين، التي رعت الجولة الأخيرة من المباحثات، وهو ما فاجأ العالم، وأبرز الصين كقوة دولية كبرى ترعى السلام وتسعى إلى تحقيقه على أرض الواقع.

وتتناول هذه الورقة تفاصيل الاتفاق الذي تم بين الدولتين الجارتين، موضحة: أسبابه، وأهدافه، ونتائجه، وتحدياته الحالية والمستقبلية.

 

الإعلان عن الاتفاق ومضمونه:

 

تم الإعلان عن الاتفاق يوم 10 مارس 2023م، عبر وكالة الأنباء السعودية (واس)، في صورة بيان ثلاثي مشترك لكل من المملكة وإيران والصين؛ متضمنًا المرتكزات التي انطلق منها الاتفاق، وهي:

  1. رغبة البلدين المشركة " في حل الخلافات بينهما من خلال الحوار والدبلوماسية في إطار الروابط الأخوية التي تجمع بينهما".
  2. الالتزام بالضوابط والمعايير الدولية "والتزاماً منهما بمبادئ ومقاصد ميثاقي الأمم المتحدة ومنظمة التعاون الإسلامي، والمواثيق والأعراف الدولية".
  3. التوصل إلى الاتفاق بعد جلسات من المحادثات الموسعة بين وفود ــ أمنية وسياسية ودبلوماسية من البلدين ــ بدأت منذ شهر أبريل عام 2021م، واستمرت إلى مارس 2023م، واستضافتها كل من العراق وسلطنة عمان، وأخيرًا الصين، مما جعل الاتفاق مستوفيًا لمتطلبات الاقتناع والقبول من الطرفين، ومن ثم الإعلان عنه من بكين.
  4. توضيح ما تم الاتفاق عليه من قرارات وإجراءات والتزامات: "الموافقة على استئناف العلاقات الدبلوماسية بينهما؛ وإعادة فتح سفارتيهما وممثلياتهما خلال مدة أقصاها شهران. ويتضمن تأكيدهما على احترام سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية. واتفقا أن يعقد وزيرا الخارجية في البلدين اجتماعًا لتفعيل ذلك، وترتيب تبادل السفراء، ومناقشة سبل تعزيز العلاقات بينهما. كما اتفقا على تفعيل اتفاقية التعاون الأمني بينهما ــ الموقعة في 22/1/1422هـ، الموافق 17/4/2001م، وتشمل: مكافحة المخدرات، ومشكلات الجريمة المنظمة، وتسليم المطلوبين، والتهريب.ــ والاتفاقية العامة للتعاون في مجال الاقتصاد والتجارة والاستثمار والتقنية والعلوم والثقافة والرياضة والشباب ــ الموقعة بتاريخ 2/2/1419هـ الموافق 27/5/1998م ــ".

أهميته:

 

يعد الاتفاق أحد أهم الأحداث الاستراتيجية التي تشهدها المنطقة والعالم، وذلك لاعتبارات عديدة منها:

  1. أن طرفي الاتفاق دولتان تمثلان أهمية كبرى في المنطقة، اقتصادية وسياسية وجيوسياسية ودينية.
  2. الاتفاق أنهى سبع سنوات من قطع العلاقات ــ على كافة المستويات ــ بين الدولتين، بما ترتب على ذلك من حرب باردة، تجسدت فيما كان بينهما من مواجهات إعلامية وسياسية وأمنية وعسكرية، مباشرة وغير مباشرة.
  3. النتائج الإيجابية للاتفاق لن تعود على الدولتين فحسب، بل ستعود على الإقليم بأكمله، من خلال تعزيز الأمن والاستقرار في العديد من دوله.
  4. عوائد الاتفاق لن تقتصر على المستوى الرسمي فقط، بل ستمتد إلى المستوى الشعبي الذي سيجني ثمار هذا الاتفاق اقتصاديًا واجتماعيًا ودينيًا وثقافيًا.

أسبابه:

  1. اقتناع قادة البلدين بإنهاء القطيعة بينهما:

 

وقد توفرت هذه القناعة لدى المملكة بتعهد إيران وتأكيدها على "احترام سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية" ــ كما نص بيان الاتفاق ــ إشارة إلى قطع المملكة علاقاتها مع إيران، كان نتيجة لعجز النظام الإيراني عن وقف ما تعرَّضت له السفارة السعودية في (طهران) والقنصلية في (مشهد) من اقتحام ــ في الثاني من يناير 2016م ــ ونهب ممتلكاتهما، من قبل عناصر من (الباسيج) التابعة للنظام، احتجاجًا على تنفيذ حكم القضاء بإعدام مواطن شيعي يدعى (نمر النمر)؛ ما اعتبرته المملكة تدخلًا في شؤونها الداخلية، وتجاوزًا على سيادتها الرمزية الممثلة في سفارتها وقنصليتها، ومخالفةً للاتفاقيات الدولية، التي تُلزم الدول بحماية البعثات الدبلوماسية لديها.

أما القناعة الإيرانية فقد تكونت، على ما يبدو، مما ترتب على قطع العلاقات من حصار وعزلة إقليمية، تسببت في أزمات داخلية اقتصادية واجتماعية وسياسية، ظلت في تفاقم مستمر على مدى السنوات الماضية؛ ما جعل القيادة الإيرانية تؤثر حل أزماتها الإقليمية والداخلية عبر الحوار والتفاهم، والوصول إلى اتفاق ينهي حالة التنافس والعداء، باعتباره السبيل الأنفع لها ولكل دول المنطقة بلا استثناء.

 

  1. توفر الإرادة السياسية لدى البلدين لإعادة العلاقات:

 

وقد تجسدت هذه الإرادة في التصريحات الرسمية التي كانت تصدر عن المسؤولين في البلدين خلال السنتين الأخيرتين، فقد وصف سمو ولي العهد السعودي إيران في لقاء تلفزيوني في أبريل من العام 2021م بأنها "دولة جارة"، وقال إن بلاده "تطمح في أن تكون لديها علاقات مميزة معها".

وسرعان ما رحبت إيران بالرسائل السعودية على لسان المتحدث باسم الحكومة (علي الربيعي)، ثم على لسان رئيس مجلس الشورى الإيراني (علي لاريجاني)، الذي صرح في مقابلة مع قناة الجزيرة القطرية أن بلاده ترحب برغبة السعودية في حل الخلافات بالحوار، مشيرًا إلى أن أبواب إيران مفتوحة لذلك، مضيفًا أن حوارًا سعوديًا ـــ إيرانيًا يمكنه حل الكثير من مشاكل المنطقة الأمنية والسياسية.

وما لبثت أن تحولت تلك الرغبة المتبادلة في إعادة العلاقات إلى إرادة فاعلة، فبدأت المحادثات السياسية بين البلدين في العراق، وتواصلت في عمان، إلى أن وصلت إلى الصين، ليتم الإعلان منها عن عودة العلاقات بين البلدين الشقيقين يوم 10 مارس 2023م.

وكانت التصريحات والمباحثات تتزامن مع بعض الانفراجات التي تحدث على أرض الواقع كعودة ثلاثة دبلوماسيين إيرانيين إلى السعودية لمباشرة مهام أعمالهم من مقر منظمة التعاون الإسلامي في جدة في يناير 2022م، بعد ست سنوات من الانقطاع، وإعادة العلاقات والسفراء بين كل من إيران والكويت والإمارات.

 

  1. توسط الأطراف الإقليمية والدولية:

 

كانت وساطة بعض الدول أحد الأسباب الرئيسة لإبرام الاتفاقية؛ وقد أشار البيان إلى أن العراق قد استضاف خمس جولات من المحادثات بين البلدين، انطلقت في أبريل 2021م. وتواصلت جولات المباحثات في مسقط بسلطنة عُمَان، التي حرصت على تقريب وجهات النظر بحكم علاقاتها الجيدة بالجانبين الإيراني والسعودي. ثم جاءت الوساطة الدولية من قبل جمهورية الصين بمبادرة من الرئيس (شي جين بينغ)، بعد أن أعرب الجانب الإيراني عن استعداده للانخراط في مباحثات بناءة، وقد قبلتها قيادة المملكة تقديرًا للجانب الصيني الصديق.

ولا خلاف بين الباحثين على أن الصين كانت الوسيط الدولي الأمثل لرعاية واستضافة المباحثات، وصولًا إلى تحقيق الاتفاق والإعلان عنه، وذلك لعدة اعتبارات، منها:

  • مكانتها الدولية باعتبارها أحد الأعضاء الدائمين لمجلس الأمن الدولي، وأحد الأعضاء المؤسسين لكبريات التكتلات الاقتصادية العالمية الصاعدة (شنغهاي وبريكس... وغيرهما).
  • علاقاتها الاقتصادية والسياسية القوية والموثوقة بطرفي الخلاف، والتي تجسدت في زيارة الرئيس الصيني للمملكة في 7 ديسمبر 2022م، وعقد ثلاث قمم: سعودية وخليجية وعربية، وتوقيع العديد من الاتفاقيات والشراكات مع المملكة؛ وما أعقبها من دعوته للرئيس الإيراني (إبراهيم رئيسي) للصين، والتي تمت في الفترة من 14 ــ 16 فبراير، وتم خلالها توقيع العديد من الاتفاقيات أيضًا؛ والتي شكلت الأساس للمفاوضات بين طهران والرياض، وفقًا لما صرَّح به الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن الإيراني (علي شمخاني).
  • تخلي الصين عن سياستها الحيادية، وتبنيها لاستراتيجية جديدة تقوم على التدخل الإيجابي في حل النزاعات والخلافات الإقليمية والدولية، ونشر الأمن والسلم الدوليين عبر الحوار والتفاهم وتعزيز التنمية المستدامة، وهي الاستراتيجية التي تم اختبارها وتطبيقها بنجاح في الخلاف الإيراني السعودي، وأسفرت تحقيق الوفاق والاتفاق بين البلدين.
  • حرص الصين على توسيع وتوطيد علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع دول المنطقة، لحماية مصالحها الاقتصادية المستقبلية، عبر إحياء (طريق الحرير) التاريخي، الذي سيمر في الدولتين وغيرهما من دول المنطقة، ويتطلب الأمن والاستقرار فيها؛ فضلًا عن ضمان حصول الصين على احتياجاتها النفطية من كلتا الدولتين؛ وتهيئة الأجواء الآمنة والمستقرة إقليميًا للحفاظ على استثماراتها الكبرى في إيران، على مدى الـ (25) عامًا القادمة، والتي تصل إلى (400) مليار دولار.
  • كسب المزيد من الدول الإقليمية الاستراتيجية الهامة، لدعم موقفها التنافسي مع الولايات المتحدة، لإلغاء القطبية الأحادية الأمريكية، التي سادت العالم منذ عام 1991م، إثر تفكك الاتحاد السوفيتي عام 1989م. ومن المفارقات أن تكسب الصين ثقة دولتين إحداهما حليفًا للولايات المتحدة، وهي السعودية، والأخرى عدوًا للولايات المتحدة وهي إيران.
  • انشغال القوى الكبرى المؤهلة للقيام بدور الوساطة ــ روسيا والولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وألمانيا ــ بالحرب الروسية الأوكرانية، فضلًا عن احتمال رفض إيران لوساطة الدول الأربع الأخيرة، لاضطراب العلاقات بينها وبينهم، بسبب إحياء الاتفاق النووي وتزويد إيران لروسيا بالمسيرات والصواريخ، والذي تعتبره تلك الدول مشاركة في الحرب ضد أوكرانيا ومؤيديها.

أهدافه:

يمكن إجمال الأهداف من توقيع اتفاقية عودة العلاقات بين البلدين فيما يلي:

أولًا: وقف الاستنزاف الاقتصادي والعسكري، الذي تعرضت له الدولتان على مدى السنوات الماضية، والذي ارتفع سقفه إيرانيًا منذ انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي، وإعادة العقوبات الاقتصادية مع زيادتها؛ بينما ارتفع سقفه على المملكة مع تعرض منشآتها الحيوية للاعتداءات المتتالية بالصواريخ الباليستية والمسيرات التي كانت تطلقها قوات الحوثي على المملكة عقب الحصول عليها من إيران.

ثانيًا: استبعاد شبح إعلان إسرائيل الحرب على إيران بمشاركة خليجية، وهي الورقة التي كان رئيس الوزراء الإسرائيلي (نتنياهو) يستغلها لتهديد إيران من جهة، وإقناع الدول الخليجية من أجل تكوين (ناتو) عربي ــ إسرائيلي للتصدي للتهديدات الإيرانية من جهة أخرى، وحث الولايات المتحدة على تقديم المزيد من الدعم المادي والسياسي لإسرائيل من جهة ثالثة؛ ليحقق من خلال ذلك كله مكاسب شخصية لتحسين صورته والاحتماء مما يواجهه من انتقادات واتهامات داخلية؛ غير عابئ بما قد يترتب على ذلك من اشتعال المنطقة بحرب يصعب حصارها أو وقفها قبل أن تبدد الكثير من القدرات الاقتصادية والعسكرية لدولها، وتمد أمد الصراع إلى أجل غير معلوم.

ثالثًا: التأكيد على التوجه العام السائد حاليًا لدى قادة المنطقة، والمتمثل في سياسات (تصفير المشاكل السياسية)، وتعزيز العلاقات الاقتصادية لتحقيق متطلبات التنمية المستدامة، والذي بات المحرك الأساسي في طبيعة العلاقات بين الدول الإقليمية المركزية، كالعلاقات السعودية ــ التركية... ونحوها؛ وهو النهج الذي عبر عنه وزير الخارجية السعودي بالقول: إن "التركيز على التنمية بدلًا من الشؤون الجيوسياسية، إشارة قوية لإيران والآخرين بأن هناك مسارات أخرى للرخاء المشترك".

رابعًا: تدشين الاستراتيجية الصينية الجديدة تجاه القضايا الإقليمية والدولية، وإبراز دور الصين كفاعل رئيس في رسم ملامح لنظام عالمي جديد، تشارك فيه بفاعلية؛ وهو ما يفهم مما صرح به وزير الخارجية الصيني (تشين قانغ) قبل الإعلان عن الاتفاق بثلاثة أيام فقط، حيث قال: "إن الصين ستعمل على بناء شراكات واسعة النطاق والدفع بنوع جديد من العلاقات الدولية".

نتائجه:

على المستوى الثنائي للبلدين:

  1. العمل على إعادة التعاون بين البلدين الجارتين، والنهوض بالمصالح المشتركة، وتعزيز الأمن ومعالجة التحديات، وضمان الأمن المتبادل لكليهما ولدول المنطقة.
  2. تعزيز القدرات الاقتصادية لكلا البلدين؛ فمع استعادة العلاقات الدبلوماسية، سيزداد تدفق التجارة والاستثمار، مما يؤدي إلى مكاسب اقتصادية أكبر، بما يحقق الازدهار الاقتصادي لكلا البلدين.
  3. بث روح الطمأنينة والتفاؤل والأمل في غدٍ أفضل لشعبي البلدين؛ حيث يطمح الشعب الإيراني أن تؤدي عودة العلاقات إلى انفراجة اقتصادية تسهم في حل أزماته الداخلية من تضخم وبطالة وارتفاع في الأسعار وتدني في مستوى الخدمات؛ وقد لاحت بوادر تلك الانفراجة إبان الإعلان عن الاتفاق حيث انخفضت قيمة الدولار الأمريكي مقابل العملة الإيرانية بنسبة 10%؛ فيما يطمح الشعب السعودي إلى أن تتفرغ قيادته لاستكمال متطلبات رؤية 2030 ببرامجها الواعدة بمستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا.
  4. التخفيف من حدة الصراع المذهبي بين المكونات الوطنية للبلدين، والذي تفاقم خلال السنوات الماضية تأثرًا بالصراع السياسي، حيث تعدُّ المملكة العربية السعودية حاضنة ورائدة مذهب الإسلام السني، بينما تعتبر إيران حاضنة ورائدة المذهب الإسلامي الشيعي.
  5. تبرئة ساحة المملكة من التهم الإيرانية، التي صدرت عن كبار المسؤولين الإيرانيين عقب اندلاع الاحتجاجات الشعبية الإيرانية بعد مقتل المواطنة الكردية الإيرانية (مهسا أميني) على يد شرطة الأخلاق في 16/9/2022م، ومازالت مستمرة، بأن المملكة ودول أوروبية أخرى، هي التي تحرك تلك الاحتجاجات وتدعمها.

على المستوى الإقليمي:

  1. نزع فتيل التوتر والاحتقان وإزالة مٌسبباته، وخصوصًا في ظل التحديات الجيوسياسية والاقتصادية الحالية، من أجل تحقيق الاستقرار لهذه المنطقة الحيوية؛ والتي ينعكس أمنها واستقرارها على أمن واستقرار العالم. وقد جسدت التصريحات الترحيبية والتمنيات بأن يكون الاتفاق بداية عهد الاستقرار والازدهار للمنطقة، التي صدرت عن الدول الخليجية والعربية، حالة الارتياح والاستبشار بتوقيع الاتفاق.
  2. التمهيد لوقف الصراعات السياسية والعسكرية القائمة في بعض دول المنطقة ــ كاليمن والعراق ولبنان وسورية ــ والتي اشتعلت في ظل توتر العلاقات بين البلدين، حيث يطمح كثير من المتابعين لأحداث المنطقة أن يتم الإعلان عن تمديد الهدنة الأممية في اليمن، والشروع في جولات حوار سياسي بين الحكومة اليمنية والحوثيين، والتراجع عن المواجهات العسكرية التي أدت إلى تردي الأحوال الاقتصادية والاجتماعية للشعب اليمني على مدى السنوات الخمس الماضية.
  3. تقارب الرؤى السياسية بين دول المنطقة، من أجل التوصل إلى بناء منظومة أمنية إقليمية تسهم في استقرار المنطقة؛ وهو ما يمكن تحقيقه إثر تنفيذ الاتفاق، لما للدولتين من أهمية استراتيجية وثقل اقتصادي وسياسي وعسكري يمكنهما من الاضطلاع بدور حيوي في السياسة الإقليمية.
  4. إحداث تأثيرات إيجابية غير مباشرة على دول أخرى في المنطقة؛ حيث يمكن أن يكون الاتفاق نقطة انطلاق للمشاركة البناءة بين الدول الأخرى في الشرق الأوسط، وخطوة أساسية نحو إمكانية سلام أوسع في المنطقة؛ وهو ما بدأ تحقيقه على أرض الواقع، حيث تشير المصادر إلى أن محادثات قد بدأت بين إيران والبحرين لإعادة العلاقات بينهما، على غرار الاتفاق السعودي الإيراني.
  5. إشاعة الأمل والتفاؤل في إمكانية المزيد من التعاون والحوار في المستقبل بما يؤدي إلى دفع المنطقة إلى السلام والاستقرار؛ خصوصًا وأن الدولتان من الدول الغنية بالمنطقة، مما يمكنهما من تقديم المزيد من المساعدات الإنسانية للدول الفقيرة بالمنطقة في شكل مساعدات وإغاثة وتطوير للبنية التحتية.

على المستوى الدولي:

  1. إبراز الاهتمام العالمي بالمنطقة وما يدور فيها من أحداث، وحرص دول العالم على استقرارها ونزع فتيل التوتر والتصعيد بين دولها، وهو ما تجسَّد في تصريحات العديد من قادة العالم، بما في ذلك الولايات المتحدة وروسيا والصين، حيث أشادوا بها كخطوة أساسية نحو دفع المنطقة إلى السلام والاستقرار، الذي سيكون مفيدًا لجميع دول العالم.
  2. تأمين الممرات البحرية الاستراتيجية للاقتصاد العالمي بالمنطقة (مضيق هرمز والخليج العربي وخليج عدن ... وغيرها)، والحفاظ على الأمن والاستقرار فيها، خصوصًا وأنها قد تأثرت خلال الفترة الماضية إثر تصاعد النشاطات المزعزعة للاستقرار في المنطقة، نتيجة التوتر الذي كان قائمًا بين البلدين.
  3. زيادة التفاهم والتسامح بين الطائفتين السنية والشيعية على مستوى العالم.
  4. العمل على مكافحة الإرهاب الإقليمي والدولي، حيث يمكن أن يؤدي التنسيق والتعاون الوثيق بين البلدين إلى جهود مشتركة أكثر فعالية في هذا الصدد؛ خصوصًا وأن البيان قد نص على العمل بالاتفاقية الأمنية المبرمة بين البلدين في 17/4/2001م.
  5. تحقيق نوع من توازن التواجد الدولي في المنطقة، بعد ظهور الصين كقوة دولية قادرة على نزع فتيل التوتر من المنطقة، وحث الأطراف المتنازعة فيها على تغليب لغة الحوار والتفاهم لحل ما بينها من خلافات.

 

تحدياته:

 

هناك عدة تحديات محتملة قد تواجه تنفيذ الاتفاق واستمراره، منها:

  1. عدم القدرة على الوفاء بتنفيذ بنود الاتفاق المتعلقة بالالتزامات المتبادلة بين البلدين، والترتيبات المستقبلية التي ستدرس من قبل وزري خارجية البلدين، التي نص الاتفاق على أنها ستتم خلال الشهرين المقبلين.
  2. استمرار الحرس الثوري في دعم ومساندة المليشيات الإرهابية في اليمن والعراق ولبنان وسورية، كمحاولة لتقويض الاتفاق، للمحافظة على مصالحه التي تضاعفت بصورة هائلة في فترة انقطاع العلاقات وانتشار التوتر والاضطراب في المنطقة، حيث كان المحرك الرئيس لتلك الاضطرابات.
  3. معارضة الحرس الثوري للاتفاق، ومخالفته لمؤسسات الدولة الموافقة عليه، خصوصًا وأن قادته لم تبد قبولًا للاتفاق وترحيبًا به، مثلما فعل كثير من قادة المؤسسات الرسمية الإيرانية.
  4. محاولة تقويض الاتفاق من قبل(إسرائيل)، لتعارضه مع طموحاتها الإقليمية، ولذلك اعتبرته "تطورًا خطيرًا" عليها، كما جاء في تصريح رئيس الحكومة الإسرائيلية السابق (نفتالي بينيت)؛ أو من (الولايات المتحدة الأمريكية) حفاظًا على مكاسبها السياسية والاقتصادية، التي سوف تضار من الوجود الصيني المنافس بقوة، والمؤثر بفعالية في المنطقة، التي لَطالما تمتعت فيها بالنفوذ.
  5. لجوء إيران إلى حيازة السلاح النووي، ما قد يدفعها إلى التراجع عن الاتفاق، والعودة إلى التعامل مع دول المنطقة كدولة إقليمية عظمى، لها حق التدخل في الشؤون الداخلية لدول المنطقة وبسط النفوذ عليها، مخالفة بذلك المرتكزات التي يقوم عليها الاتفاق.

سيناريوهاته المستقبلية:

في ضوء ما تضمنته هذه الورقة من تفاصيل عن الاتفاق، ووفقًا للمعطيات السابقة والظروف الدولية والإقليمية الراهنة، يتوقع أن تكون لهذا الاتفاق ثلاثة سيناريوهات، هي:

  1. نجاح الاتفاق واستمراره، واتساع نطاقه ليشمل دولًا أخرى، وهو ما يجعل دول المنطقة وشعوبها أفضل حالًا وأكثر تفاؤلًا بغدٍ خالٍ من ويلات الحروب وما ينتج عنها من تردٍ للأحوال الاقتصادية والاجتماعية. وهو السيناريو الأصعب تحقيقًا في ظل تضارب المصالح السائد في المنطقة منذ عقود.
  2. إعادة العلاقات في حدها الأدنى، عبر التمثيل الدبلوماسي بين البلدين، مع بقاء البؤر المشتعلة في بعض دول المنطقة؛ ووفقًا لهذا السيناريو سيكون الاتفاق بمثابة فرصة لتهدئة الأوضاع، أو أقرب إلى الهدنة المؤقتة، حتى يطمئن كل طرف إلى حرص وجدية الطرف الآخر في تنفيذ ما التزم به. وهذا السيناريو هو الأقرب للتطبيق على أرض الواقع في المرحلة الراهنة، فما تكوَّن في السنوات الماضية من خلافات واختلافات، يحتاج إلى فترة زمنية طويلة وجهود مضنية ومكثفة لمحو آثاره، وإعادة بنيانه.
  3. فشل الاتفاق، لعدم تنفيذ كل طرف لما التزم به لسبب ما خاص به، أو لتعرضه لضغوط داخلية أو خارجية بالتراجع عنه وعدم المضي قدمًا في تنفيذه؛ وهو السيناريو الأكثر احتمالًا لعدم التطبيق، نظرًا لحاجة الطرفين الملحة لتجاوز الأزمات الراهنة، وصولًا إلى استتباب الأمن وشيوع الاستقرار في بلديهما بخاصة والمنطقة بعامة.

ونختم بالقول إن الاتفاق يعدُّ أحد أهم الأحداث الإقليمية والعالمية، نظرًا لما تتمتع به الدولتان من ثقل ومكانة وأهمية استراتيجية، كما يعدُّ نموذجًا في حلِّ الخلافات بين الدول عبر التفاهم، والحوار، والوساطة الحريصة على إحلال السلام والأمن والاستقرار بين دول العالم وشعوبه، وإن احتاج إلى وقت أطول لتحقيق نتائجه على أرض الواقع.

مقالات لنفس الكاتب