array(1) { [0]=> object(stdClass)#13063 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 185

المملكة العربية السعودية شريك حوار في منظمة شنغهاي .. الطريق إلى عالم أكثر توازنًا

الأحد، 30 نيسان/أبريل 2023

شهد العالم تحركات متتالية خلال الأسابيع الماضية كانت المملكة العربية السعودية محرّكا أساسيًا فيها، أولها كان الاتفاق السعودي / الإيراني في العاصمة الصينية "بكين" وذلك تحت رعاية صينية في العاشر من شهر مارس الماضي. وثانيها كان انضمام المملكة العربية السعودية إلى منظمة شنغهاي بصفة شريك للحوار تمهيدًا لقبول عضويتها الكاملة. وهو ما لايمكن عزله عن زيارة الرئيس الصيني "شي جينغ بينغ" إلى المملكة العربية السعودية في ديسمبر من العام الفائت والاتصالات الصينية السعودية المتبادلة. وعطفًا على ربط السياسة بالاقتصاد فإنّ التحركات الحالية ترافقت مع عدد من التحركات الاقتصادية كان منها توقيع شركة أرامكو السعودية اتفاقية للاستحواذ على حصة بنسبة 10% في شركة "رونغشنغ" للبتروكيميائيات الصينية في صفقة بقيمة 3,6 مليارات دولا، وهو ما يعني أن عصرًا جديدًا من السياسة بدأ يقوم بالفعل على الربح الاقتصادي والمنفعة المشتركة لجميع الأطراف، بعيدًا عن النزاعات والحروب والأحلاف التقليدية.

منظمة شنغهاي عصر جديد لعلاقات متعددة

وافق مجلس الوزراء السعودي على قرار الانضمام إلى منظمة شنغهاي للتعاون، في الوقت الذي تبني فيه الرياض شراكة طويلة الأجل مع الصين. وأوضح بيان لرئاسة مجلس الوزراء، أنّ المجلس انعقد، برئاسة العاهل السعودي، الملك سلمان بن عبد العزيز، وقد تمت الموافقة على مذكرة حول منح المملكة العربية السعودية صفة شريك الحوار في منظمة شنغهاي للتعاون. وكانت قد أشارت عدد من وكالات الأنباء أن "انضمام السعودية إلى منظمة "شنغهاي" كان قد نوقش خلال زيارة الرئيس الصيني "شي جين بينغ" إلى السعودية في شهر ديسمبر الماضي"، وأشارت إلى أنّ "صفة شريك الحوار ستكون خطوة أولى قبل منح المملكة العضوية الكاملة في المدى المتوسط". فما هي تلك المنظمة؟

تأسست منظمة شنغهاي عام 2001م، كانت تضم عدة دول منها: الصين وروسيا وكازاخستان وقيرغيزستان وطاجيكستان وأوزبكستان، وفي عام 2017م، انضم لعضويتها كل من الهند وباكستان، كما انضمت إيران في سبتمبر من العام الماضي. تغطي دول المنظمة 60٪ من منطقة أوراسيا، بعدد سكان يبلغ 3.2 مليارات، وبحجم اقتصاد يبلغ 20 تريليون دولار. وبالإضافة للدول الأعضاء؛ تتواجد 3 دول بصفة مراقب هي: أفغانستان وبيلاروسيا، ومنغوليا. وفي عام 2008م؛ أضافت المنظمة صفة “شريك الحوار” طبقًا للمادة 14 من ميثاق المنظمة، تلك الصفة التي تعني وجود دولة أو منظمة تتشارك في أهدافها ومبادئها مع منظمة شنغهاي، وترغب في إقامة علاقات شراكات وتعاون معها. ومن الدول التي تتمتع بصفة “شريك الحوار” هي: أرمينيا وأذربيجان وكمبوديا ونيبال وسريلانكا وتركيا، وانضم إليها في سبتمبر الماضي مصر وقطر. في حين تقدمت كل من العراق و”إسرائيل” وجزر المالديف وأوكرانيا وفيتنام بطلب للحصول على الصفة ذاتها. وإضافة إلى كلّ من تركيا ومصر وقطر كشركاء حوار، فقد أشار الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” في سبتمبر 2022م، خلال قمة دول منظمة شنغهاي، إلى بدء عملية منح صفة شريك الحوار إلى عدة دول منها الكويت والإمارات والبحرين، وهو ما يدل أن تنويع الشراكات سمة أساسية في عصر اليوم.

تُعنى المنظمة بعدة أمور من بينها الأمن الإقليمي والتنمية، وعلى الرغم من أنه من الانتقادات التي وجهت لهذه المنظمة هي أن الدول المنضمة إليها تنتمي إلى عدة اتجاهات ولا تجمعها أيديولوجيا واحدة، ولكن لهذا الأمر جانب آخر ألا وهو أنه في عالم اليوم فإنّ الدول مهما اختلفت في توجهاتها واتجاهاتها فإنه يمكنها أيضاً التعاون في مجالات مختلفة، وهنا لا بدّ من ذكر البيان المشترك للمنظمة الذي صدر عام 2006م، والذي تضمّن تعهدًا للدول الأعضاء بعدم المشاركة، أو السماح باستخدام أراضيها للقيام بأنشطة تضرّ بمصالح الدول الأعضاء الأخرى. بالإضافة إلى ذلك، اقترح البيان أيضًا أن تسعى الدول الأعضاء إلى التشاور الفوري في حالة حدوث تطورات تهدد السلام والاستقرار والأمن الإقليميين لحماية مصالحها المشتركة. كما تركّز تلك المنظمة على محاربة ما سمّته بـ "الشرور الثلاثة" والتي تتلخّص في "الانفصالية العرقية والتطرف الديني والإرهاب الدولي". كما تدعو إلى الثقة المتبادلة، والمنفعة المتبادلة، والمساواة، والتشاور، وتحترم التنوع الثقافي، وتسعى إلى التنمية المشتركة. بشكل أساسي تهدف منظمة شنغهاي إلى كل تعاون يؤدي إلى تعزيز الثقة ، والتواصل ، والتعاون ، والتعايش ، والمصالح المشتركة ، وتعرض نوعًا جديدًا من العلاقات بين الدول ، ومفهومًا أمنيًا جديدًا ، ونموذجًا جديدًا للتعاون الإقليمي، وهو ما يتناسب مع العصر السياسي الجديد الذي يقوم بناء على أقطاب متعددة، بعيدًا عن هيمنة القطب الواحد، هذا القطب الذي أثارته مؤخرًا التحركات السابقة التي قامت بها المملكة العربية السعودية بدءًا من رفض المملكة زيادة إنتاج النفط، إذ وافقت منظمة أوبك +(وهو التحالف النفطي الذي تقوده كل من المملكة العربية السعودية وروسيا) على خفض الإنتاج بمقدار مليوني برميل يوميًا في أوكتوبر الماضي، ليتم الإعلان مجددًا عن إعادة تخفيض الإنتاج بمقدار 500 ألف برميل بدءًا من الشهر الخامس من العام الحالي وحتى نهاية العام، وقد لحق إعلان أوبك الأوّل زيارة للرئيس الصيني إلى المملكة العربية السعودية، والمشاركة في ثلاث قمم، مرورًا بالاتفاق السعودي / الإيراني، وصولاً إلى الانضمام إلى منظمة شنغهاي.

  وبهذا فإن قدرة المنظمة على التطور تتوقف بشكل أو بآخر على استقرار الأوضاع العالمية، وقدرة الدول على تحقيق السلام والاستقرار، لا سيما وأن التنمية الاقتصادية تتطلب أجواء مستقرة بعيدًا عن الحروب والنزاعات والتوتر. وهو ما يمكن إسقاطه أيضًا على الاتفاق السعودي/ الإيراني وما تبعه من انضمام المملكة العربية السعودية للمنظمة بصفة شريك للحوار، وما سبقه أيضًا من انضمام إيران بصفة العضوية الكاملة، هي توجهات نحو الاستقرار، وهو ما يعني أيضًا بشكل أو بآخر أنّ العالم يتجه اليوم نحو اتجاه جديد تكون فيه التنمية الاقتصادية عنوانًا للمرحلة القادمة. فإعادة تشكيل العالم وبروز أقطاب جديدة على الساحة الدولية لا بد من أن يتبعه تشكيل لمفاهيم جديدة، وكأن العبر والدروس التي أُخذت من الحقبة الماضية فرضت توجهات جديدة في عالم اليوم، عالم تغلب عليه المصالحات والتفاهمات بما يحقق مصالح الجميع، خاصة في ظل ظهور مشاكل غير تقليدية تستدعي مواجهات غير تقليدية وهو ما كانت تطرحه الصين بشكل دائم عبر طرحها لمبادرات جديدة، وهو ما بدأت باقي الدول أيضًا تعمل عليه، فعلى سبيل المثال اتخذت المملكة العربية السعودية خطوات فعلية باتجاه المشاركة في مواجهة التحديات العالمية والتي يعد التغير المناخي جزءًا منها، فوضعت عددًا من الخطط المتضمنة في رؤية المملكة 2030 لمواجهة هذا النوع من التحديات، وبدأت شراكات فعلية مع عدد من الدول والتي من أهمها الصين، ولعلّ انضمام المملكة بصفة شريك حوار تمهيدًا لنيل العضوية الكاملة سيكون له آثار  إيجابية على تنفيذ المملكة لرؤاها الداخلية، وكذلك على صعيد التعاون مع الصين وتنامي علاقات الشراكات التجارية فيما بينهما.

أهمية وتداعيات الانضمام  

شكّل انضمام المملكة العربية السعودية إلى منظمة شنغهاي خبرًا مهمًا على الساحة الدولية، لا سيما أنه جاء بعد توقيع الاتفاق السعودي / الإيراني برعاية صينية، من جهة أخرى رحّبت الصين بانضمام المملكة، وقد قالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية "ماو نينغ" في مؤتمر صحفي دوري لوزارة الخارجية يوم 30 مارس الماضي، إنّ الصين تُهنئ السعودية على انضمامها إلى منظمة شانغهاي للتعاون بصفة "شريك للحوار"، كما أنها عازمة على تعزيز التعاون مع الجانب السعودي في إطار منظمة شانغهاي للتعاون، وتقديم مساهمات أكبر للحفاظ على الأمن والاستقرار الإقليميين وتعزيز التنمية المشتركة.

بالتأكيد سيؤدي هذا الانضمام إلى تعزيز الدور السعودي تحديدًا في منطقة الشرق الأوسط، وقد ضجّت وسائل الإعلام مؤخرًا بأخبار حول التقارب السعودي السوري، وأخبار عن عودة سوريا إلى مقعدها في جامعة الدول العربية، وكذلك إمكانية وجود حلول قريبة للحرب اليمنية. وحتى خلال الحرب الأوكرانية فقد اتخذت المملكة العربية السعودية موقفًا حياديًا، بعيدًا عن التحيز لأي طرف، لا بل عملت السعودية على الدخول كوساطة مع الجانب الأوكراني/ وهو ما عبرت عنه الخارجية السعودية -عبر موقعها الإلكتروني- بالتصريح التالي: "إن وزير الخارجية جدد حرص المملكة ودعمها كافة الجهود الدولية الرامية لحل الأزمة الأوكرانية الروسية سياسيًا، ومواصلة الجهود للإسهام في تخفيف الآثار الإنسانية الناجمة عنها"، وذلك على الرغم من العلاقات الجيدة التي تربط السعودية بروسيا، .وهو ما ترافق أيضًا مع مبادرة صينية مكونة من 12 نقطة لحل الأزمة الأوكرانية"، ما سبق يظهر أن الجهود الدبلوماسية في العصر الحالي تتجه إلى تحقيق توازن سياسي عبر طرق دبلوماسية تمهيدًا لإقامة شراكات اقتصادية تخدم جميع الأطراف.

 وعلى الجانب الاقتصادي سيسرع هذا التحالف الجديد من وتيرة التنمية والتعاون بين السعودية مع مختلف الدول، لا سيما التعاون مع الصين، وهو ما دفع الكثير من الصحف ووسائل الإعلام إلى الربط ما بين الانضمام السعودي وتنامي العلاقات الصينية السعودية، فالسعودية هي الشريك التجاري الأول للصين في منطقة الشرق الأوسط، إذ يرتبط البلدان بعلاقات اقتصادية قوية، وتحديدًا في مجال الطاقة، بالإضافة إلى أنها المصدر الأول للنفط بالنسبة للصين متفوقة بذلك على روسيا التي تعدّ شريكًا استراتيجيًا لبكين.  وهو ما سينعكس على التنمية في الداخل، لا سيما وأن للسعودية رؤية تنموية لعام 2030 وهي ما تسمى أيضًا بـ "رؤية ما بعد النفط" والتي تتضمن أيضًا فكرة التحول من الاقتصاد الريعي إلى الاقتصاد المعرفي وتنمية البيئة والمجتمع، وهو ما يتكامل أيضًا مع الأهداف التي وضعتها الصين، خاصة مع مبادرة الحزام والطريق تلك المبادرة التي أطلقها الرئيس الصيني عام 2013م، وبدأ العمل عليها بشكل رسمي عام 2015م، وبالتالي فإن "رؤية المملكة 2030" وكذلك مبادرة الحزام والطريق تحملان نوعًا من  المزايا التكاملية بين الجانبين السعودي والصيني، فعلى سبيل المثال بات الجانبان يدركان جيدًا أهمية التعاون العالمي في مجال التغير المناخي خاصة بالسنبة للنمو الاقتصادي، ولذلك اتخذ كلا الجانبان خطوات مهمة من أجل مكافحة الانبعاثات الكربونية عام 2020م، إذ اقترحت المملكة العربية السعودية إطارًا للاقتصاد الدائري للكربون من أجل تعزيز النمو الاقتصادي المستدام ضمن دائرة إدارة الكربون في قمة مجموعة العشرين، وكذلك تعهدت الصين في الأمم المتحدة بالوصول إلى ذروة الانبعاثات الكربونية قبل حلول عام 2030م، وتحقيق الحياد الكربوني قبل الوصول إلى عام 2060م، وهو ما يعني بشكل أو بآخر وجود نوع من التوافق المشترك بين الجانبين الصيني والسعودي في عدد من المشاريع، تلك المشاريع التي باتت بمثابة رؤى وخطط ستنجز على مدار السنوات المقبلة بين البلدين، وبالتأكيد فإنّ انضمام المملكة إلى منظمة "شنغهاي" سيعزز من هذا التعاون المشترك.  فعندما طرحت الصين فكرة "مجتمع الرخاء المشترك للبشرية" كانت تعي تمامًا أهمية تحقيق تعاون دولي بين مختلف الدول للوصول إلى حالة من الأمن والسلام، وكذلك عندما طرحت "مبادرة الأمن العالمي" كانت تتضمن تلك المبادرة فكرة مهمة جدا تنطوي على أن تحقيق الأمن في دولة ما لا يجب أن يؤدي إلى الإخلال بأمن الدولة الأخرى، وهو ما يؤكد أيضًا على أهمية التعاون بين الدول في مختلف أنحاء العالم، ليس فقط في المجال الأمني، وإنما في تحديات أخرى جديدة، فالأمن في عالم اليوم ليس أمنًا عسكريًا فقط، وإنما هو أمن عذائي وثقافي واجتماعي أيضًا، ولذلك فإنّ التعاون الصيني السعودي في إطار "شنغهاي" سيؤدي إلى  تعزيز التعاون في جوانب أمنية غير تقليدية، وقد ذكر المتحدث  باسم وزارة الخارجية الصينية "ماو نينغ" عن استعداد الصين لتعزيز التعاون مع المملكة العربية السعودية في إطار منظمة شنغهاي للتعاون من أجل تقديم مساهمة أكبر في الحفاظ على الأمن والاستقرار الإقليميين وتعزيز التنمية المشتركة. وبالنتيجة فإن انضمام السعودية إلى منظمة شنغهاي سيؤدي إلى زيادة التعاون

خاتمة

اختلف منظّرو العلاقات الدولية حول ماهية النظام العالمي الجديد، وفيما إذا كان تعدد الأقطاب سينعكس إيجابًا أم سلبًا على العلاقات بين الدول، فبعضهم رأى أنّ التعدد القطبي سيفضي إلى عالم أقل حروبًا، وبعضهم رأى أن التعدد القطبي سيؤدي إلى عالم أكثر استقرارًا من الناحية الاقتصادية، ولكن تلك هي نتائج من الصعب نقاشها في اللحظة الراهنة، فهي آثار بعيدة المدى لما يحدث حاليًا، ولكن بالمجمل يمكن القول إن العالم يتحرك وفقًا لتوجه جديد، فعلى ما يبدو إنّ التوجّه العالمي سيكون باتجاه إقامة تحالفات سياسية قائمة على المنفعة المشتركة بعيدًا عن أي أدلجة للمصالح، وها هو انضمام المملكة العربية السعودية إلى منظمة شنغهاي، وما سبقه من تحركات سياسية واقتصادية أكبر دليل على ملامح التغير الجديد الذي يشهده العالم، وتأثيره على خلق فرص جديدة لمختلف الدول بما يؤدي إلى تطويرها داخليًا وتنمية بما يتناسب مع خصائصها وملامحها.

مقالات لنفس الكاتب