array(1) { [0]=> object(stdClass)#13063 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 185

الأمل السعودي في توحيد الصف العربي

الأحد، 30 نيسان/أبريل 2023

تتطلع الدول والشعوب العربية إلى أن تنجح القمة العربية الثانية والثلاثين التي ستستضيفها المملكة العربية السعودية في التاسع عشر من شهر مايو 2023م، فيما فشلت فيه القمم السابقة، من توحيد الصف العربي، وتحقيق التعاون والتكامل عبر العمل العربي المشترك، وأن تحقق الأمل الذي يطمح الجميع إلى بلوغه منذ ما يقرب من ثمانية عقود، عبر تأسيس أقدم تجمع إقليمي، يهدف إلى تحقيق العمل المشترك في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية، وهو جامعة الدول العربية عام 1945م.

وسوف تتناول هذه الورقة موضوع التكامل العربي وأهميته، وما اعتراه ــ وما زال يعتريه ــ من عقبات وتحديات، وما يحتاج إليه من حوافز ومتطلبات ليحقق النجاح المأمول، وبيان ما تتخذه المملكة من إجراءات وما تبذله من جهود، من أجل إرساء استراتيجية جديدة للعمل العربي المشترك في الحاضر والمستقبل.

أهمية العمل العربي المشترك وضرورته:

لم تكن الدول العربية في حاجة ماسة إلى التعاون والتكامل والعمل المشترك في جميع المجالات الاقتصادية والأمنية والعسكرية والاجتماعية والسياسية كحاجتها إليه اليوم؛ وذلك لاعتبارات عديدة، منها:

  • اجتياز ما خلفته جائحة كورونا من أزمات اقتصادية واجتماعية، وما ترتب على الحرب الروسية ــ الأوكرانية، من تداعيات شديدة التأثير والخطورة على دول وشعوب العالم وخصوصًا الدول النامية والفقيرة في آسيا وإفريقيا، ومنها الدول العربية والتي يتوقع أن تستمر على مدى هذا العقد، وأن تشمل جميع المجالات الاقتصادية والأمنية والعسكرية والاجتماعية والسياسية والبيئة وفقًا لما تضمنه تقرير المخاطر العالمية الصادر عن قمة دافوس لهذا العام يناير 2023م.
  • دفع الأضرار الماثلة، واتقاء المخاطر المرتقبة؛ فعلى الرغم من تفاوت حجم الأضرار والمخاطر التي وقعت على الدول العربية وشدة تأثيرها على دول دون أخرى، إلا أن التأثير السلبي على الدول الأكثر تضررًا قد يطال باقي دول المنظومة العربية، بل وغيرها من الدول الإقليمية والعالمية؛ فما تعانيه بعض الدول العربية والإقليمية حاليًا من ضغوط اقتصادية واجتماعية شديدة، تنذر كما جاء في بعض التقارير باشتعال ثورات شعبية تهدد أمن واستقرار تلك الدول وأنظمتها الحاكمة، كما تهدد ما حولها من دول الجوار، إذا ما وضع في الاعتبار ما يترتب على الثورات من فوضى داخلية ولجوء وهجرة قسرية إلى دول الجوار وغيرها من دول العالم، فضلًا عن إمكانية تكوُّن جماعات إرهابية تسعى إلى فرض هيمنتها على الشعوب والدول عبر استخدام القوة، مثلما حدث عقب ما سمي بـ (ثورات الربيع العربي).
  • تحقيق الأمن والاستقرار والتنمية المستدامة والاقتصاد الدائم والرفاه الاجتماعي للشعوب العربية؛ وهي أهداف يصعب على الدول العربية تحقيقها ما لم تتعاون مع بعضها البعض، وتبذل الجهود اللازمة لبناء شراكات وتحالفات قوية ومستدامة، تمكنها من التغلب على ما يواجهها من تحديات وصعوبات تحول بينها وبين بلوغ غاياتها.
  • تكوين تكتل اقتصادي سياسي عسكري أمني قوي، يحفظ للدول العربية مكانتها، ويحافظ على مصالحها الإقليمية والدولية، حيث لم تعد هنالك مكانة أو ثقل أو قدرة للدول المنفردة على مواجهة التحديات الإقليمية والدولية المتنامية، فضلًا عن المحافظة على أمنها واستقرارها، ومصالحها ومقدراتها؛ وحسبنا أن نشير في هذا الصدد إلى نموذجين، أحدهما قديم، ويمثله دول الاتحاد الأوروبي التي وحدت صفها وعملتها وسوقها المشتركة وكافة معاملاتها الدولية في منظومة واحدة منذ تسعينيات القرن الماضي، لتحتفظ بثقلها الدولي وتحافظ على مصالحها، والآخر جديد، وتمثله الولايات المتحدة التي سعت إلى تكوين تكتل يضم إليها دول أمريكا اللاتينية، لتواجه التكتلات الاقتصادية الناشئة كالبريكس وشنغهاي وغيرهما.

محاولات التكامل العربي وأسباب فشلها:

وتجدر الإشارة إلى أن هناك عديد من المحاولات السابقة للعمل العربي المشترك، التي لم يتحقق لها النجاح والاستمرار ومن بين هذه المحاولات:

  1. اتفاقية الوحدة الاقتصادية التي أقرت عام 1957م، وانضمت إليها جميع الدول العربية المستقلة آنذاك، وعددها (13) دولة؛ وتضمنت موضوعاتها: إنشاء سوق عربية، وتسهيل انتقال رؤوس الأموال والسلع والخدمات... الخ. وقد صدر القرار الخاص بإنشاء السوق العربية المشتركة، من مجلس الوحدة الاقتصادية عام 1964م، وانضم لهذا القرار 7 دول؛ ولم تقم بتنفيذه سوى أربع منها فقط هي: سوريا والعراق ومصر والأردن، حيث طبقت مرحلته الأولى، الخاصة بإنشاء منطقة تجارة حرة، من عام 1965م وحتى 1971م. ورغم صدور قرار خاص بالانتقال إلى مرحلة الاتحاد الجمركي في ذلك الوقت، فلم يتم تطبيقه حتى الآن.
  2. التعاون العسكري العربي في الحروب التي خاضتها الدول العربية، والذي تجسد بصورة واضحة في حرب أكتوبر في 1973م، ضد إسرائيل، حيث قدمت (12) دولة عربية دعمها العسكري والمالي لكلتا دولتي المواجهة (مصر وسورية)، فضلًا عما قامت به المملكة العربية السعودية حينها من قطع إمدادات البترول عن الدول الداعمة لإسرائيل. ولم تتكرر المحاولة منذ ذلك الحين، رغم الاعتداء الإسرائيلي المتكرر على لبنان وسورية، فضلًا عن قطاع غزة في فلسطين المحتلة؛ بل إن هذا التعاون تحول إلى اختلاف وتضارب في الموقف السياسي والعسكري عندما تم الغزو العراقي للكويت في الثاني من أغسطس 1990م، وتهديده لأراضي المملكة العربية السعودية.
  3. إنشاء الهيئة العربية للتصنيع في القاهر عام 1975م، بالتعاون بين كل من مصر وقطر والسعودية والإمارات، برأس مال أكثر من 1بليوندولار، لبناء قاعدة تصنيع دفاع عسكري مشتركة؛ ولكن الهيئة تعثرت وتم حلها قبل أن تتمكن من أن تصبح منتجًا رئيسًا للأسلحة، لأن الدول العربية قطعت العلاقات مع مصر بسبب مبادرة  السلام، التي أبرمها الرئيس السادات مع إسرائيل عام 1978م، دون استشارة أو موافقة الدول العربية.
  4. محاولات تأسيس ربط إقليمي عبر مشاريع مشتركة، مثل مشروع الربط عبر قناة السويس، ومشاريع الطرق السريعة وشبكات النقل في المنطقة، كإنشاء الطريق السريع المقترح، الذي يربط بلدان شمال إفريقيا بدءًا من الساحل الممتد من موريتانيا غرباً عبر المغرب والجزائر وتونس وليبيا، إلى الإسكندرية والقاهرة ورفح وحيفا وطرابلس وطرطوس واللاذقية، إلى ماردين وديار بكر في تركيا؛ بما تتفرع من هذه الطرق من فروع عدة، منها وصلة تمتد إلى تبوك في المملكة العربية السعودية، لتتصل بالطريق الدولي في منطقة الخليج العربي؛ وجميعها لم ينفذ منها شيء.

 

 ويعود إخفاق المحاولات السابقة، وعدم تحقيقها للنجاح الكامل أو الاستمرارية الدائمة إلى عدة أسباب، منها:

  1. غياب الرؤية العربية المشتركة، القائمة على العدالة والمساواة بين الدول، بغض النظر عن حجمها وأوضاعها الاقتصادية؛ وضعف الحماس والحرص على تحقيق التوافق والتعاون والتضامن بين الدول العربية.
  2. تدني مستوى الوعي العربي الرسمي والشعبي بأهمية العمل المشترك وضرورته، وحرص كل دولة على مصالحها الوطنية وقراراتها الداخلية، وعدم احترام الاتفاقيات والتعاون الموقع عليه.
  3. تفاقم الصراعات الداخلية بين الدول العربية بسبب توجهاتها المختلفة، وخلافاتها السياسية، التي قد تصل إلى حد المواجهات العسكرية، مما يؤدي إلى عدم الإقبال على التعاون العربي المشترك.
  4. عمق الانقسامات العربية، وفشل القمة في مختلف دوراتها السابقة في خلق كيان عربي موحد ومتماسك أو سوق عربية مشتركة أو عملة موحدة، بسبب الخلاف والصراع على الحدود، التي تمثل عائقًا كبيرًا بين الأقطار العربية، ومنها ما هو مصدر توتر إلى اليوم.
  5. التعرض للتدخلات الخارجية في الشؤون العربية، والتي غالبًا ما تعمل على تحقيق أجندات خارجية وفصل الدول العربية عن بعضها البعض، بل وتحريضها ضد بعضها البعض.

التحديات التي تواجه العمل العربي المشترك

يوجد العديد من التحديات التي تواجه العمل العربي المشترك في المرحلة الحالية، وهي كما يلي:

  1. استمرار الصراعات الداخلية في بعض الدول العربية التي تعيق عملية التعاون والتنسيق العربي، وقد تجسد ذلك بوضوح في كل من العراق وسوريا واليمن، ومازال قائمًا في الدول الثلاث بصور متفاوتة حتى تحرير هذه الورقة.
  2. تعدد الأزمات الإقليمية التي تؤثر على الوحدة العربية وتعرقل التعاون العربي، ويتجسد أبرزها وأقدمها في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، الذي يزداد تعقيدًا مع مرور الوقت، بسبب تعنت إسرائيل ورفضها للقرارات الدولية ومبادرة السلام العربية الخاصة بحل الدولتين، بما يترتب عليه من إنهاء الصراع وإحلال السلام بالمنطقة؛ أما أحدثها فيتمثل في الصراع السياسي والعسكري والأمني في كل من سوريا واليمن وليبيا.
  3. صعوبة الظروف الاقتصادية، وتأثيرها الشديد على الخطط التنموية في مختلف المجالات لبعض الدول العربية؛ الأمر الذي يوجد فجوة كبيرة بين الدول العربية وبعضها البعض، تؤدي إلى إعاقة تحقيق الاقتصاد العربي المشترك، وتؤثر بشكل كبير على إمكانية التعاون المشترك لتنمية الاقتصاد العربي.
  4. انتشار البطالة والفقر والمجاعة والجهل و المرض واللاجئين ... وغيرها من المعوقات الاجتماعية، في بعض الدول العربية، والتي تحتاج إلى جهود عربية مشتركة للتعامل معها.
  5. تواجد التنظيمات الإرهابية في بعض الدول العربية، بما تمثله من تحديات أمنية، تحول دون إقبال الدول العربية الغنية المستقرة على الاستثمار والعمل المشترك في تلك الدول المهدَّدة بالإرهاب، مما يؤثر سلبًا على التعاون العربي وإمكانية تحقيقه.
  6. تقديم بعض الدول مصالحها الوطنية على المصالح المشتركة بين الدول العربية، مما يؤدي إلى فقدان المواقف الموحدة المؤيدة للقضايا العربية، سواء داخل الجامعة العربية، أو داخل المحافل الدولية (الأمم المتحدة)، فلكم تضاربت مواقف الدول العربية من قضايا عربية مشتركة (الأزمتين الليبية والسورية) لأكثر من مرة، بسبب الخلافات السياسية بين القيادات العربية، مما يسهم في تعقيد الأزمات العربية واستعصائها على الحل.
  7. التدخُّل الخارجي ــ الدولي والإقليمي ــ في الشؤون العربية بموافقة القيادات العربية، سواء أكان التدخل سياسيًا، أو من خلال الحرب والعمليات العسكرية، كالتدخل الروسي في سورية وليبيا، والتدخل الإيراني في كل من لبنان والعراق وسورية واليمن؛ مما يزيد الأمور تعقيدًا، والصراعات احتدامًا، ويجعل التوافق والتعاون والتكامل العربي أمرًا بعيد المنال.
  8. التغييرات المتلاحقة في مواقف الدول الكبرى من قضايا المنطقة، وتأثرها بالصراع والتنافس الدولي على الزعامة العالمية، وهو ما يتجسد في محاولات الصين وروسيا تحويل النظام العالمي الحالي من نظام قطبي تنفرد بقيادته الولايات المتحدة الأمريكية، إلى نظام متعدد الأقطاب، تشارك فيه الصين وروسيا وغيرها من دول العالم؛ وتتم الهيمنة فيه للقوة الاقتصادية والمبادرات السلمية، لا القوة العسكرية والصراعات المسلحة.

 

متطلبات العمل العربي المشرك

هنالك متطلبات يمكن أن تساعد بشكل كبير على تحقيق العمل العربي المشترك، ولو في حده الأدنى، في الوقت الحالي، ومنها:

  1. التزام الدول العربية الحقيقي والجاد بتعزيز التعاون والتنسيق العربي في جميع المجالات الهامة، مثل: الأمن الإقليمي، والتنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية؛ والعمل على تحقيق الوحدة العربية والتضامن الإقليمي.
  2. تشجيع الحوار والتفاهم بين الدول العربية؛ وتعزيز الثقة المتبادلة؛ والبعد عن خطاب التخوين والمزايدة، الذي ساد خلال الحقب الماضية، وأدى إلى تمزق الصف العربي، وتعقيد القضايا العربية المشتركة؛ وتغليب المصلحة العربية العامة على المصالح الفردية لكل دولة، مع الاعتراف بحق كل دولة في تحقيق مصالحها الخاصة، ووفقًا لما تراه من برامج وآليات، شريطة ألا تتعارض أو تضر بالمصالح العربية العامة؛ والحرص على الوحدة والاندماج والتعاون بين الدول والشعوب العربية لتحقيق الاستقرار والنمو المستدام والرفاه الاجتماعي في كافة دول العالم العربي.
  3. تعزيز دور المؤسسات المعنية بالقضايا العربية، مثل الجامعة العربية ومجلس التعاون الخليجي ومنظمة التعاون الإسلامي، وغيرها من المؤسسات الدينية، وتحسين عملها وإصلاح منظومتها، وحثها على بذل المزيد من الجهود لتحقيق التكامل العربي المأمول، عبر العمل العربي المشترك وتطويره.
  4. القدرة على تجاوز النزاعات وتفادي الانقسامات الداخلية والعلاقات المتوترة بين الدول العربية، والتحول إلى حلول دبلوماسية وحوارات مفتوحة تعزز التفاهم والود وتوحد المواقف بين الدول العربية في العلاقات الدولية.
  5. المشاركة الفعالة والقوية من الدول العربية في المنظمات الإقليمية والدولية المتعددة والمتنوعة، وتقديم الدعم الفعال للمبادرات العربية المشتركة التي تطرح من خلالها، وتعزيز الشراكات العربية مع الشركاء الدوليين.
  6. التركيز على مواجهة التحديات المشتركة، مثل: مكافحة الإرهاب والتطرف وتوسيع الاستثمارات العربية والتجارة البينية بين دول العالم العربي، وخلق مزايا تنافسية من خلال التنسيق والتعاون في قطاعات اقتصادية مختلفة، وخصوصًا في المجالات الحيوية، التي تعزز التوازن الاقتصادي والعمليات الانتقالية في المنطقة.
  7. إيجاد التمويل الكافي للمشاريع العربية المشتركة، وتوفير الدعم المالي والتقني اللازم لتحقيق الأهداف المشتركة؛ وتبادل الخبرات والمعلومات والتقنيات والتعاون في مجالات الصحة والتعليم والثقافة والتكنولوجيا؛ وتعزيز الشفافية والمسؤولية التي تتيح للشعوب العربية الكشف عن المشاريع الفاسدة وتطبيق المعايير الدولية في إدارتها.
  8. تطوير القدرات العربية في مختلف المجالات من خلال توفير المبالغ اللازمة لتعزيز التعليم والبحث العلمي، وتوفير بيئة صحية وسليمة للعمل؛ والاستمرار في تنفيذ الإصلاحات الإدارية، الشفافة والجريئة، لتحسين الفعالية المؤسسية والتنمية المستدامة، وجعل النظام القانوني أكثر شفافية ونزاهة ومسؤولية؛ وتوفير مزايا تنافسية من خلال التوازن بين الاستدامة الاقتصادية والاجتماعية والبيئية.

جهود المملكة لتوحيد الصف العربي

حرصت المملكة العربية السعودية ــمنذ تأسيسها ــ على توحيد الصف العربي، وبذلت في هذا السبيل جهودًا كبيرة على مدى العقود الماضية، بدءًا بالمشاركة في تأسيس جامعة الدول العربية، مرورًا بالدعوة إلى التضامن العربي والإسلامي، وصولًا إلى السعي الحثيث لرأب الصدع بين الدول العربية المختلفة، وبين الفرقاء داخل بعض الدول.

ومازالت المملكة تقوم بهذا الدور كهدف رئيس من أهداف سياستها الخارجية في محيطيها العربي والإسلامي، وتسعى إلى تحقيقه عبر التفاهم والحوار، وهو ما أوضحه وزير الخارجية السعودي خلال كلمته في جلسة في منتدى دافوس يناير 2023م، بقوله: "الحوار هو السبيل الأمثل لحل الخلافات في المنطقة... ونحاول إيجاد مسار للحوار مع الجميع ونركز على التنمية".

 ويستطيع المتابع أن يرصد العديد من الإنجازات التي تم تحقيقها مؤخرًا عبر هذا النهج، والتي كان من أبرزها:

تصفية الخلافات وإعادة العلاقات مع دولة قطر:

في الخامس من يناير 2021م، أعادت المملكة العربية عبر وساطة كويتية أمريكية العلاقات الدبلوماسية التي تم قطعها مع دولة قطر في الخامس من يونيو 2017م. وقد شاركت المملكة في قطع العلاقات كل من: البحرين، ومصر، والإمارات العربية المتحدة، وجزر المالديف، وموريتانيا، واليمن؛ فيما خفَّضت كل من: الأردن، وجيبوتي، والسنغال، علاقاتها مع قطر. ومع عودة العلاقات السعودية القطرية، أعيدت العلاقات مع كل من البحرين والإمارات ومصر واليمن، ومن قبلها مع الأردن، مما أعاد اللحمة للصف العربي وجعله أكثر تلاحمًا وتعاونًا واستعدادًا للتعاضد والتكامل.

الترحيب بعودة العراق إلى الصف العربي:

لم يكن خافيًا على المتابعين للشأن العراقي بعد الاجتياح الأمريكي وإسقاط النظام السابق، أن الولايات المتحدة قد سلمت العراق على طبق من ذهب لإيران كما جاء في تصريح لوزير الخارجية السعودي الأسبق الأمير سعود الفيصل (يرحمه الله)؛ وظل العراق على مدى السنوات المتعاقبة يعاني من الاضطراب والتوتر والاقتتال بين الفصائل المختلفة، بسبب التدخل الإيراني في شؤونه الداخلية، وحرصه على أن يكون رئيس الوزراء مواليًا للنظام الإيراني.

 وكانت المملكة ترقب الأوضاع الداخلية في العراق وتحرص على عدم التدخل؛ إلى أن سعت بعض الزعامات العراقية (الزعيم الشيعي مقتدى الصدر) للتواصل مع المملكة لتقدم دعمها السياسي لتهدئة الأوضاع بين الفرقاء في الداخل الإيراني.

وما لبثت العلاقات السعودية العراقية أن تطورت، وتجسدت في مذكرة التفاهم الأمني، التي تم توقيعها بين البلدين، في 19 فبراير 2023م، لتعكس دفء العلاقات العراقية السعودية، وحرص البلدين الشقيقين على تطوير التعاون فيما بينهما بما يحقق مصالحهما في الحاضر والمستقبل؛ حيث يعد التعاون الأمني بمثابة الدرع لتحصينهما ضد التنظيمات الإرهابية، التي تسعى إلى اختراق الحدود، سواء للقيام بعمليات إرهابية، أو لتهريب الممنوعات من أسلحة ومخدرات ونحوهما؛ فضلًا عن تأمين الطاقة والأمن الغذائي، الذي ينتج تكاملاً بين مختلف البلدان.

  التمهيد لعودة سوريا إلى الصف العربي:

في 19 يناير 2023م، وخلال مقابلة له مع تلفزيون (بلومبيرج)، على هامش منتدى دافوس بسويسرا، صرح سمو وزير الخارجية السعودي، الأمير فيصل بن فرحان بأن "دول المنطقة يجب أن تعمل معاً لإيجاد حل سياسي للحرب المستمرة منذ 12 عاماً في سوريا"، مشيراً إلى أن ذلك "سيتطلب بعض العمل". وقد اعتبر كثير من المحللين هذا التصريح، مدخلًا لإعادة سورية إلى البيت العربي، بعد خروجها منه تنفيذًا لقرار الجامعة العربية في العام 2012م، على أثر الانتهاكات التي مارسها النظام ضد شعبه، عندما ثار عليه وطالب بتغييره.

تهيئة البيئة الإقليمية للتعاون العربي المشترك:

ويلمس المتابع هذه التهيئة في خطوتين سياسيتين هامتين:

الأولى: عودة العلاقات السعودية التركية إلى طبيعتها، بعد أن شهدت حالة من الجمود والمقاطعة (غير الرسمية) بسبب الخلافات السياسية التي نشبت بين البلدين على أثر مقتل الصحفي السعودي (جمال خاشقجي)، وما صاحبها من ملابسات؛ واتخذت المقاطعة صورًا عدة، منها وقف الرحلات الجوية السعودية إلى تركيا، ومقاطعة البضائع التركية... وغيرها من الصور.

وعندما بادر الرئيس التركي إلى زيارة المملكة العربية السعودية، في 28 أبريل 2022م، والتقى خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وسمو ولي العهد صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان، بدأت العودة التدريجية للعلاقات بين البلدين، حيث أعلن، في 6 مايو 2022م، عن استئناف الخطوط الجوية السعودية لرحلاتها إلى تركيا، بعد تعليقها لأكثر من عامين بدأ في شهر مارس 2020م، عقب انتشار فيروس كورونا في كافة أنحاء العالم. وفي 2 يونيو 2022م، تم رفع الحظر عن سفر المواطنين السعوديين إلى تركيا. وفي 22 يونيو 2022م، قام سمو ولي العهد صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بأول زيارة له إلى تركيا بعد تجميد العلاقات، ليعلن البيان الختامي للزيارة بأن القائدين قد أكَّدا "بأقوى صورة على عزمهما المشترك لتعزيز التعاون في العلاقات الثنائية بين البلدين، بما في ذلك المجالات السياسية والاقتصادية والعسكرية والأمنية والثقافية". ليطوى ملف الخلافات بين البلدين.

الثانية: استئناف العلاقات مع إيران، في 10 مارس 2023م، بعد قطيعة دامت سبع سنوات، بسبب تعرَّض السفارة السعودية في (طهران) والقنصلية في (مشهد) للاقتحام في الثاني من يناير 2016م، من قبل عناصر من (الباسيج) ونهب ممتلكاتهما، احتجاجًا على تنفيذ حكم القضاء بإعدام مواطن شيعي يدعى (نمر النمر)؛ ما اعتبرته المملكة تدخلًا في شؤونها الداخلية، وتجاوزًا على سيادتها الرمزية الممثلة في سفارتها وقنصليتها، ومخالفةً للاتفاقيات الدولية، التي تُلزم الدول بحماية البعثات الدبلوماسية لديها.

وجاء الاتفاق بين البلدين بعد عدة جلسات من الحوار ــ بدأت في العراق، وامتدت إلى عُمَان، وانتهت في الصين ــ بالإعلان عن الاتفاق الذي يعد تطورًا بالغ الأهمية، وإنجازًا سياسيًا كبيرًا، وخطوة مهمة في طريق تعزيز الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي؛ ومناخًا إقليميًا مواتيًا للعمل العربي المشترك، بالنظر إلى ما سوف يترتب على الاتفاق من تهدئة الاحتقان وتلاشي الصراع من الدول العربية (لبنان والعراق وسورية واليمن) التي كانت تضم تنظيمات موالية لإيران، تقوم بنشر الفوضى والاضطراب وتحول دون استتباب الأمن وتحقيق الاستقرار.   

الاستنتاجات:

نستنتج مما تم طرحه في هذه الورقة ما يلي:

  1. حاجة الدول العربية الماسة والعاجلة للعمل العربي المشترك، من أجل التصدي للتحديات المتعددة التي تواجه الدول العربية، وغيرها من الدول على الصعيدين الإقليمي والدولي، بسبب الأحداث والتغيرات العالمية ــ مثل: الحروب والنزاعات واللاجئين والتهديدات الإرهابية والفقر والجوع والأمراض والفشل الاقتصادي ــ والتغلب عليها.
  2. التعاون العربي في المجالات المتعددة مثل: الأمن العسكري والاقتصاد والثقافة والتعليم والصحة والزراعة والطاقة والإنماء البشري والمجتمع المدني وتنمية الإدارة العامة وغيرها، يعدُّ عاملًا أساسيًا في تطوير قدرات الدول العربية وتحسين معيشة المواطنين في هذه الدول.
  3. يتطلب التعاون والتنسيق العربي جهودًا مشتركة وعملًا فعالًا ودورًا نشطًا في كل منظمة ودولة ومؤسسة عربية، كما يتطلب إبرام المزيد من التحالفات والشراكات العربية والدولية، والانضمام إلى التكتلات الاقتصادية الصاعدة (البريكس وشنغهاي)، وتعزيز المساعدة والتضامن بين الدول العربية والإقليمية والدولية.
  4. قدرة المملكة العربية السعودية على إنهاء الخلافات العربية ــ العربية، وتوثيق العلاقات السياسية والدبلوماسية والاقتصادية مع القوى الإقليمية غير العربية، لخلق بيئة إقليمية آمنة ومستقرة ومهيأة للتعاون في مشاريع تنموية كبرى تعود على دول المنطقة وشعوبها بالخير؛ وهو ما يبشر بأن تنجح المملكة في توحيد الصف العربي والبدء في إرساء استراتيجية جديدة للعمل العربي المشترك، ليكون ذلك أحد أهم مخرجات القمة الثانية والثلاثين، التي ستستضيفها المملكة في التاسع عشر من شهر مايو 2023م.

الخلاصة:

نخلص مما تناولناه في هذه الورقة إلى أن العقبات والتحديات، التي واجهت التعاون العربي المشترك منذ انطلاقه مع تأسيس جامعة الدول العربية عام 1945م والإخفاقات التي تعرضت لها المحاولات العربية لتحقيق التكامل العربي، لم تثن القادة العرب عن السعي إلى تحقيق هذا الهدف، ولم تبدد الأمل لدى الشعوب العربية في أن يصبح حلمها بوحدة الصف العربي واقعًا ملموسًا.

مقالات لنفس الكاتب