array(1) { [0]=> object(stdClass)#13063 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 186

معالجة الأزمات تعتمد على توفير البديل التنموي المحفز على تطوير العمل العربي

الإثنين، 29 أيار 2023

لن نأتي بجديد إذا قلنا بأن المنطقة تمر بفترة من أشد الفترات صعوبة في تاريخها، شاهدنا فيها وما نزال تساقط دولها الواحدة تلو الأخرى في هاوية الفشل والصراعات الداخلي، في سلسلة من الأزمات بدأت بالعراق وانتشرت منه انتشار النار في الهشيم، حتى التهمت الصومال وليبيا وسوريا ولبنان واليمن وتونس ووصلت هذه الأيام إلى السودان، وليس هناك أدنى شك في أنها لن تقف عند جنوب وادي النيل بل سوف تأتي على ما تبقى من دول المنطقة إذا لم تواجه بمبادرات جادة تعكس زخم الانحدار نحو الهاوية. ولم يعد هناك مجال للقول بإن الدول التي لم تمسها الأزمات لحد الآن في مأمن منها، فقد قيل هذا الكلام عن جميع الدول التي تهاوت بعد العراق، كما أنه يغفل عن قضية مهمة، ألا وهي الترابط الكبير بين أمن دول المنطقة، ولذلك فليس بإمكان دولة أن تعيش في أمن وما حولها يعج بالفوضى. هذه الحقيقة تدفعنا للتفكير الجدي وتحديد جذور تلك الأزمات من خلال الإجابة على بعض الأسئلة ومن أهمها؛ هل أن هذه الأزمات هي قدر الأمة الذي لابد لها منه؟ أم أنها نتيجة لأسباب وعوامل تم إهمالها، عن قصد ودون قصد، ولم تعالج في حينها حتى وصلت الأمور إلى ما وصلت إليه اليوم؟ والأهم من ذلك هل هناك بدائل للوضع الراهن في المنطقة؟ وما هو السبيل لإيقاف هذا السيل الجارف الذي اكتسح دول المنطقة وجعلها تترنح مثل قطع الدومينو؟ هذا ما نحاول الإجابة عليه في السطور التالية، والله الموفق للسداد.

النزاعات والفشل السياسي هو نتيجة اختيار الأمم

دراسة تاريخ البشرية تدل دلالة واضحة على أن الأمم تكون مخيرة بين خياري الحروب والصراعات التي لا تنتهي، أو التنمية المستدامة، وليس هناك منطقة وسطى بين الحالتين.  وقد مر العرب بهذه الحالة قبل الإسلام فاشتعلت الحروب الكبيرة بين القبائل التي دامت لعقود طويلة مثل داحس والغبراء التي دامت أربعين سنة وكذلك حرب البسوس وحرب الفجار.  وليس ذلك حكراً على العرب، فقد شهدت أوروبا حروباً أطول من حروب الجاهلية بكثير، مثل حرب المائة عام وحرب الثلاثين عامًا وغيرهما، والتي كانت مثل حروب العرب تشتعل لأتفه الأسباب ولا تنتهي إلا بشق الأنفس، ولم تخرج أوروبا من تلك الدوامة إلا بعد قرارها بالتوجه نحو العمل المشترك والتنمية الداخلية. 

إن السبب في ديمومة النزاعات يعود إلى اختيار الأمم، لأنها إذا اختارت الفشل أو رضيت به، فلن تعدم الأسباب لإشعال الصراعات الداخلية والخارجية، وليس هناك قلة في القوى الخارجية التي سوف تعينها على ذلك، وعلى رأي المثل الغربي، "إذا كان عدوك يريد أن يشنق نفسه فلا تتأخر في تقديم حبل جيد يعينه على تحقيق غايته".  أما إذا كان هدف الأمة التنمية فلن تجد الوقت للنزول إلى ساحات الصراع ولن تعدم من يعينها على ذلك، ولله در أبو القاسم الشابي حين قال:

إذا الشعب يوماً أراد الحياة    فلابد أن يستجيب القدر

إن عملية إنهاء الصراعات المسلحة لابد أن ترتبط بوجود البديل التنموي، كما كان الحال مع تجربة الملك عبد العزيز بن سعود رحمه الله في توحيد قبائل الجزيرة العربية التي لم تعرف سوى الاقتتال فيما بينها لقرون من الزمن، وهي الحقيقة التي دفعت بالقوى العالمية آنذاك إلى رفع أيديها عن الجزيرة العربية بوصفها منطقة غير قابلة لقيام نظام سياسي.  لكن الملك عبد العزيز كان يرى غير ذلك، فقد استطاع أن يضع رؤية ويؤسس لنظام يجمع شتات تلك القبائل ويبني منها دولة متماسكة تعتبر اليوم من أقوى اقتصاديات العالم، ومن يقرأ تاريخ الجزيرة العربية قبل وبعد التوحيد لابد أن يصل إلى أن التحول الكبير الذي حصل في فترة قياسية، لم يأت من قبيل الصدفة بل كان نتيجة مباشرة لوجود الرؤية الصائبة. 

بالطبع لسنا على حالة من الغفلة لكي يقال بأننا نهمل دور العوامل الخارجية والسياسات الدولية التي تدفع بالمنطقة نحو الصراعات، ولا يغيب عنا أثر تلك القوى، وهي بالفعل مؤثرة، لكن مهما قيل عن دورها فإنها تستمد طاقتها ووقودها من العوامل الداخلية التي تساعد على إشعال الفتن وخلق المشكلات.  ولذلك فلابد من بذل الجهود أولاً في تحديد ومعالجة جذور الداء، وعدم الانجرار وراء معالجة الأعراض الظاهرة التي تبرز بين حين وآخر على شكل أزمات سياسية أو أمنية أو اقتصادية هنا أو هناك. 

جذور الأزمات في العالم العربي

الأزمات والحروب لا تتواجد في فراغ بل هي نتيجة مباشرة لوجود البيئة المناسبة، وقد ساهمت عوامل عديدة في إيجاد الأجواء المناسبة لتنامي الصراعات، وكان من أهمها:

  1. أزمة الحوكمة

هذه الأزمة تبرز في أوجه متعددة، لكن السمة الأبرز لها هي تغول الحكومة على الدولة في العديد من أنظمة المنطقة.  ذلك أن الدولة، باختصار، هي مجموعة البشر التي تستقر في إقليم معين وارتضت أن تدير شؤونها من خلال نظام سياسي معين على رأسه الحكومة التي تشكل جزءاً محدوداً من الدولة، وينحصر دورها في إدارة مختلف الأنشطة السياسية الداخلية منها والخارجية في سبيل خدمة الدولة، ولعل من أبرز سمات المجتمعات المتقدمة هي بروز هيبة الدولة من خلال قوة الفعاليات خارج النظام السياسي والتي من أهمها النشاط الاقتصادي للمؤسسات المالية والتجارية واستقلال القضاء والإعلام وقوة نشاط منظمات المجتمع المدني وانحسار دور الحكومة في الدوائر الخدمية مثل حفظ الأمن والسياسة الخارجية والأهم من ذلك إبعاد الجيوش, التي غايتها التصدي للأخطار الخارجية عن السياسة ويتم ضبط العلاقات بين أركان الدولة المتعددة من خلال الدستور الذي يعتبر الوثيقة الأساسية التي تحدد أدوار الأفراد والمؤسسات وتضبط العلاقة بين الحاكم والمحكوم.

 

ولعل من أبرز نتائج ضعف الدولة تنامي الفساد الإداري والمالي وغياب الشفافية وهي الظاهرة التي أشار إليها تقرير منظمة الشفافية العالمية السنوي والذي خصص فصلاً عن الدول العربية حيث أشار تقرير عام 2021م، إلى أن إجمالي مؤشر الفساد للدول العربية وصل إلى 34% وهو نفس مستوى العام الذي سبقه والذي يدل أولاً على استشراء وباء الفساد في المنطقة وثانياً أن الجهود التي تبذلها الحكومات في معالجة الفساد لم تزد الأوضاع إلا سوءاً.

 

إن استشراء الفساد في غياب سلطة الدولة أنشأ منظومات حماية بديلة متمثلة بالميليشيات المسلحة التي تعمل تحت شعارات براقة مثل محاربة الكفار وتحرير الأرض والشباب المجاهدين والدولة الإسلامية وأنصار الله وغيرها وهي ليست سوى أجساماً سرطانية تنهش في كيان الدول وتسعى لإنهاكها من خلال السعي إلى ديمومة الفساد وليست الأوضاع في الصومال ولبنان والعراق واليمن وليبيا بعد قيام التنظيمات المسلحة فيها بخافية على أحد.  إن متلازمة الفساد وضعف الدولة ونشاط الجماعات المسلحة لم تأت من فراغ بل هي جزء من حملة ممنهجة لنشر هذه الوصفة السرطانية في جسم دول المنطقة وما جرى في العراق بعد الغزو الأمريكي من زرع الفساد وإشاعة الفوضى الأمنية بعد حل الجيش والتمكين للميليشيات لتكون البديل عن الجيش الوطني خير شاهد على ذلك.

 

  1. غياب التنمية الاقتصادية

لقد اخترنا الحديث عن غياب التنمية الاقتصادية بعد أزمة الحوكمة للتدليل على الترابط القوي بينهما فلا تنمية بدون حوكمة ولا تنمية حقيقية في ظل استشراء الفساد وتغول السلاح خارج سلطة الدولة. ولعل من أوضح الشواهد على هذه الأزمة العديد من المشكلات الاقتصادية التي تعاني منها أغلبية دول المنطقة ومن أبرزها انهيار منظومة الإنتاج الصناعي والزراعي والاعتماد على الاستيراد وارتفاع معدلات التضخم والتدني الكبير في قيمة العملات كما هو موضح في الجدول التالي:

 

نسبة الخسارة (%)

سعر صرف العملة مقابل الدولار

الدولة

2023

2018

19

136

114

الجزائر

76

31

17.6

مصر

269

4.8

1.3

ليبيا

228

594

181

السودان

388

2513

515

سوريا

900

15000

1500

لبنان

 

جدول يوضح خسائر بعض العملات العربية خلال السنوات الخمس الأخيرة

 

وكان من نتائج هذه الأزمة أيضاً الارتفاع الكبير في معدلات الفقر في العديد من دول المنطقة كما أشارت إلى ذلك تقارير البنك الدولي التي ذكرت بأن نسبة السكان الذين يعيشون تحت خط الفقر وصلت إلى 49% في اليمن و47% في السودان و35% في سوريا و33% في مصر وهي أرقام مهولة بالنسبة لمنطقة كانت في الماضي القريب من أكثر المناطق نشاطاً على المستوى العالمي.

 

المؤشر الاقتصادي الآخر الذي يثير الكثير من القلق بالنسبة للعديد من دول المنطقة هو الارتفاع الكبير والمتسارع في معدلات المديونية حيث تشير أرقام البنك الدولي إلى أن العديد من الدول العربية تعاني من ارتفاع كبير في نسبة المديونية مقارنة بالناتج المحلي كما هو مبين في الرسم البياني أدناه:

 

 

الارتفاع الكبير في نسب المديونية لا يشكل مشكلة اقتصادية فحسب، بل هو مشكلة سياسية تهدد سيادة وأمن الدول المدينة لأن مصادر الدين سواء كانت دولاً أو منظمات دولية تسعى دائماً إلى فرض شروطها على الدول المدينة وهي شروط في عمومها لا تخدم السياسة العامة للدولة ولا تدعم التنمية الاقتصادية وإنما تسعى في أفضل الأحوال إلى توفير المال لخدمة الديون كما وأن بعض الدول الدائنة تسعى من خلال تقديم الديون إلى الدول التي قد لا تتمكن من إعادتها إلى الحصول على تنازلات سيادية مثل إدارة المرافق الحيوية أو الحصول على تنازلات أمنية وعسكرية.

 

  1. تصارع المصالح الإقليمية والدولية

لا يمكننا أن نتجاهل تنامي دور القوى الخارجية على حساب قوة الدول والمنظمات الإقليمية الأمر الذي حول المنطقة إلى ساحة تصفية حسابات بين القوى العالمية. لذلك فإن العديد من الأزمات التي تعيشها المنطقة تغذيها المصالح الدولية.  وليس بعيداً عن ذلك أثر المشاريع الإقليمية لإسرائيل وإيران وتركيا التي تصارعت فيما بينها حيناً وتعاونت في أحيان كثيرة حول المنطقة وربطت أثرها في بعض الأحيان بالسياسات الدولية في سبيل الحصول على موطئ قدم في المنطقة أو تحقيق أهدافها الخاصة في الإقليم. ولذلك رأينا أن إيران على سبيل المثال تنقل صراعها مع إسرائيل أو على الأقل تدعي ذلك إلى العراق وسوريا ولبنان واليمن وكذلك تعمل إسرائيل.  كما وأن تركيا هي الأخرى قامت بنقل صراعها مع حزب العمال الكردستاني إلى العراق وسوريا.

 

  1. غياب منظومة الأمن الإقليمي

إن ضعف القدرات الذاتية لدول الإقليم في المجال الأمني أدى بها إلى الاعتماد الكلي على القوى الخارجية في مجال أمنها الوطني.  ومع إدراكنا بأن الدول مثل الأفراد مهما قويت فإنها بحاجة إلى بعضها البعض في مختلف المجالات لذلك فليس من العيب أن تتعاون الدول في المجالات الأمنية والعسكرية لكن من العيب أن ترى دولة بدون أن تكون لها استراتيجية أمن قومي تعينها على إدارة ذلك الملف الحيوي وتحديد مصادر الخطر وأدوار الأصدقاء والحلفاء.

 

لقد كان لدول المنطقة في الماضي القريب منظومة للأمن الإقليمي المشترك استطاعت على الرغم من ضعفها أن توفر قدراً من الحماية في بعض الجبهات المهمة مثل لبنان والخليج والسودان لكن الغزو العراقي للكويت والطريقة التي تم التعامل بها مع الأزمة أنهت كل ما كان موجوداً من منظومة الأمن الإقليمي وأبدلت ذلك بتفاهمات ثنائية بين دول المنطقة منفردة والشركاء الدوليين وفي مقدمتهم الولايات المتحدة وروسيا لكن هذه الدول لا توفر الحماية للدول الأخرى إلا ضمن تقاطع الأمن في تلك الدول مع مصالحها الاستراتيجية ولذلك رأينا أن أبواب المنطقة بعد ذلك صارت مشرَعة للتدخلات الخارجية التي قامت بإشعال نيران الفتن والصراعات المسلحة.

إن غياب منظومة الأمن الإقليمي لم تنحصر آثاره على بلاد المشرق العربي بل إن ما يجري في ليبيا من حرب أهلية وانهيار الدولة وما جرى في السودان من تقسيم البلاد وسلسلة الانقلابات العسكرية التي تنذر بحرب أهلية وما يجري من تجاوزات على حقوق مصر والسودان في نهر النيل وانتشار الجماعات المسلحة التي تقف وراءها عصابات الجريمة المنظمة وشبكات المخدرات والقرصنة في القرن الإفريقي إنما هي نتائج مباشرة لانهيار منظومة الأمن الإقليمي.  

 

  1. فشل المنظمات الإقليمية

تقوم الدول التي تشترك في بعض المصالح بتأسيس منظمات وهياكل دولية وإقليمية تسعى لتنسيق الجهود وتوحيدها في خدمة تلك المصالح.  لذلك لاحظنا التطور الكبير في العلاقات الأوروبية بعد الحرب العالمية الثانية والذي تجلى من خلال تجمع الدول المتحاربة في تلك الحرب تحت راية الاتحاد الأوروبي سعياً وراء تحقيق المصالح المشتركة بدلاً من الدخول في دوامة الصراعات التي لا يخرج منها منتصر، هذا على الرغم من قوة المشاعر القومية والعرقية التي تباعد بينهم بالإضافة إلى شدة الخلافات الدينية والمذهبية التي مزقت القارة لقرون طويلة لذلك قامت تلك الدول بالتنازل عن بعض صلاحياتها لتشكيل الاتحاد وكانت النتائج ما نرى اليوم من تطور العمل الأوروبي المشترك.  وليس ذلك فقط في أوروبا فهناك روابط تجمع العديد من دول العالم مثل الاتحاد الإفريقي ومنظمة الدول الأمريكية ومنظمة آسيان وغيرها. 

 

ليس هناك مجموعة دول تربطها وشائج بقوة وعمق العلاقات بين الدول العربية لكن ومع ذلك فإن دول المنطقة هي من أضعف دول العالم تعاوناً فيما بينها.  ويعود ذلك إلى عوامل عديدة من أهمها غياب الرؤية المشتركة التي أدت إلى فشل العمل الإقليمي والمتمثل بالجامعة العربية، والذي تجلى واضحاً في غياب أي دور للجامعة في جميع القضايا الأساسية التي مرت بها المنطقة وشكلت عوامل تهديد لأمن دول المنطقة مجتمعة ومنفردة. وقد فصلنا في ذلك في مقالنا السابق في مجلة "آراء" وذكرنا بأن التفكير الجدي في مستقبل المنطقة يقتضي إما إحداث تغيير جذري في عمل الجامعة العربية أو إلغاءها وإبدالها بكيان جديد يكون أقدر على تحقيق الحد الأدنى من طموحات دول وأبناء المنطقة. 

 

مراحل الانتقال من الدمار إلى إعادة الإعمار

إن الاستجابة للأزمات القائمة لا تختلف كثيراً عن الاستجابة لأية كارثة طبيعية كانت أو من صنع الإنسان، وهي تنقسم إلى ثلاث مراحل متداخلة:

  1. إطفاء النيران المشتعلة: ليس هنالك قضية أولى بالاهتمام من العمل الجاد على إنهاء الأزمات التي تستنزف مقدرات الأمة وقواها، ولعل العامل الأهم في ذلك هو تطوير الرؤية المشتركة للمنطقة والعمل مع الشركاء الإقليميين والقوى الدولية على الدفع بهذه التوجهات. ولابد أن نذكر أهمية الخطوات التي اتخذت مؤخراً وفي مقدمتها عودة العلاقات الدبلوماسية بين المملكة وإيران والتي نرجو أن تكون عاملاً مساعداً في إيجاد الحلول للعديد من المشكلات وفي مقدمتها اليمن وسوريا والعراق ولبنان وأمن الملاحة في الخليج، وكذلك اتفاق جدة بين الفرقاء المتحاربين في السودان والذي نأمل أن يتطور إلى حل شامل للحرب الأهلية هناك.
  2. تقوية إمكانيات الدول على حساب منظومة الفساد والسلاح المنفلت خارج سلطة الدولة من خلال قيام حلف فضول يضع على دول الإقليم شروطاً للاشتراك في المنظومة الإقليمية ويتضمن شروطاً أولية يجب أن تستوفى قبل الانضمام بالإضافة إلى عقوبات على التهاون في تحقيق الالتزامات، على غرار ما يجري في الاتحاد الأوروبي وأي منظمة عالمية ليس اسمها الجامعة العربية.
  3. تطوير المشروع التنموي: إن معالجة الأزمات تعتمد على توفير البديل التنموي الذي يشكل الحافز لدول المنطقة لتطوير العمل المشترك من خلال الدلالة على أن الكل أكبر من الأجزاء مهما كبرت. إن المنطقة تمتلك من المقدرات ما لا تمتلكه غيرها، ولذلك فإن تأسيس العمل يجب أن ينبني على تسخير إمكانات المنطقة التي من أهمها الموقع الاستراتيجي، والإمكانيات البشرية والخيرات الطبيعية.  إن تطوير العمل الإقليمي يجب أن ينطلق من تطوير العلاقات الاقتصادية بين دول الإقليم وتنمية التبادل التجاري والعمل على تحقيق التكامل الاقتصادي بين دول المنطقة والذي يمكن أن يتجسد من خلال مشاريع مشتركة للبنية التحتية مثل بناء شبكة أنابيب النفط والغاز وتوسيع شبكة الطرق السريعة والقطارات والربط الكهربائي، والانتقال بعد ذلك إلى تنمية الموارد الزراعية والصناعية وتطوير التعامل المالي والخدمات المصرفية.

 

موقف القوى العالمية والإقليمية

الحديث عن التنمية في المنطقة دائماً ما يواجه بالتساؤل عن موقف القوى العالمية وفي مقدمتها الولايات المتحدة وكذلك القوى الإقليمية وهي إسرائيل وإيران وتركيا، التي يشار إليها بوصفها العائق أمام التنمية والقوة الدافعة وراء الصراعات والنزاعات التي تعصف بالمنطقة.  ولسنا ندري إن كان هذا الحديث من باب تحديد الأسباب الحقيقية أم من باب ذكر الأعذار؟  لكننا نكتفي بالقول بأن ما تمر به المنطقة من صراعات ونزاعات داخلية وخارجية، ليست حكراً عليها وإنما مرت به العديد من الأمم التي استطاعت، وبدرجات مختلفة الخروج من تلك الدوامات إلى تحقيق الاستقرار والتنمية، وكانت العملية التنموية هي البديل لسلسلة الحروب.  إن تطوير الرؤية المستقبلية المشتركة من شأنها أن تحفز جميع دول العالم، أو على الأقل أغلبها للنظر إلى المنطقة من منظور جديد يقوم على ما يمكن أن تقدمه من منافع ومصالح متطورة وحلول للعديد من المشكلات التي تهدد أمن واستقرار العالم وفي مقدمتها أزمات المناخ وإيجاد مصادر الطاقة البديلة وحرية وأمن طرق التجارة العالمية وأزمة الهجرة غير المنضبطة.

 

خلاصة القول بأن الأزمات التي تعاني منها المنطقة مرشحة للاستمرار وابتلاع ما تبقى من دولها، هذا ما لم تتكاتف الجهود لإطفاء الحرائق المشتعلة وتطوير مبادرة جريئة لقيام منظومة تعاون اقتصادي وأمني بين دول الإقليم.  ليس هناك ضمان بالنجاح في أي مشروع، لكن المطلوب هو تطوير الرؤى والعمل الجاد على تنفيذها، والإيمان بالمستقبل، وعدم الركون إلى الدعة، وكما يقول المدرب الرياضي جون وودن "طالما أنك لا تبذل قصارى جهدك فلن تكون ، ومهما حصل فلا تلجأ إلى إلقاء اللوم على الآخرين".

مقالات لنفس الكاتب