array(1) { [0]=> object(stdClass)#13063 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 186

5 خصائص للأزمات العربية الكبرى في دول أزمة الانتقال الديمقراطي وإشكالية بناء الدولة

الإثنين، 29 أيار 2023

أزعم أن أحد المفاتيح المنهجية والنظرية لفهم طبيعة الأزمات الكبرى التي تعيشها بعض الدول العربية منذ ما يزيد عن العقد من الزمن(2011-2023م) تكمن في إشكالية بناء الدولة الوطنية وأزمة الانتقال الديمقراطي، من جهة، والحسابات الجيوسياسية الإقليمية والدولية التي استغلت البيئة السياسية والأمنية الهشة لهذه الدول العربية لتزيد من تعميق النزاعات الداخلية حول السلطة والثروة، من جهة أخرى. وجوهر القضية أن الدول التي عرفت نزاعات عنيفة ودموية كان بسب فقدانها البوصلة الاستراتيجية لكيفية الإدارة والحفاظ على مؤسسات الدولة واستمراريتها مع عدم قدرة الأنظمة السياسية العربية على التكيف مع عولمة موجة التحول الديمقراطي الذي سبق وأن بشر بها الكاتب الأمريكي من أصول يابانية، فرنسيس فوكوياما، في كتابه الفلسفي:" نهاية التاريخ والرجل الأخير"، الذي قدم وصفة ليبرالية معولمة للمجتمعات العالمية مفادها: أن التعددية السياسية والحرية الفردية والليبرالية، هي نهاية التاريخ البشري بمفهوم النظام السياسي الأفضل، الذي كان محور نقاش كل الفلاسفة السياسيين منذ الحقبة الإغريقية-الرومانية-المسيحية إلى غاية انهيار الاتحاد السوفياتي. وبالتالي، فإن بعض الدول العربية التي حاولت الانتقال من نموذج الدولة المركزية التسلطية تحت ضغط الشارع الذي رفع شعارات القيم الليبرالية والحريات السياسية والفردية اصطدمت بواقع مجتمعي وإرث من التراكم السياسي. وفي تقديري، هذه أول المفاتيح التي يجب أن نمسك بها لفتح الغرف المظلمة التي تراكمت فيها المآسي الإنسانية، الأمنية والاقتصادية نتيجة عجز الأنظمة السياسية في الانتقال الديمقراطي وأزمة بناء الدولة الوطنية، وهو ما سوف نحلله من خلال حالات الأزمات العربية الكبرى التي زلزلت المنطقة العربية برمتها ولا تزال ارتداداتها تؤثر على كل المحيط العربي.

أما المقاربة الجيوسياسية، فهي تهدف إلى تفسير استمرارية الأزمات داخل الدول العربية التي فشلت في بناء الدولة والانتقال الديمقراطي من خلال تصادم الإرادات الإقليمية والدولية على المجالات الحيوية لتلك الدول للسيطرة على الموارد ذات البعد العالمي أو ما يخدم استراتيجيات القوى الكبرى في إعادة الترتيب الجيوبولتيكي للعالم العربي، وزادت من تصنيف هذه الدول العربية ضمن الدول الهشة أو الفاشلة، بسبب غياب المؤسسات السياسية والأمنية الشرعية، وبحث كل طرف في الداخل على الاستقواء بالخارج في إطار لعبة الاستقطابات الإقليمية والدولية.

الأزمات العربية الكبرى: الخصائص والتداعيات.

تتميز طبيعة النزاعات الكبرى في الدول العربية التي عرفت أزمة الانتقال الديمقراطي وإشكالية بناء الدولة بمجموعة من الخصائص المشتركة، التي تفسر درجة وحدة الصدام المجتمعي والسياسي الداخلي، واستمراريته من حيث المدى مما يصعب من تحديد التوقيت الزمني لوضع حد لحالة اللاستقرار السياسي والأمني.  ومن أهم هذه الخصائص المشتركة، نؤكد على:

أولًا، عجز النظام السياسي عن التكيف مع تغيرات البيئة الداخلية وضغوطات البيئة الدولية التي تميزت بعولمة موجات التحول الديمقراطي، بحيث تشترك الأنظمة العربية التي شهدت عنفًا دمويًا داخليًا في احتكار السلطة السياسية وطول مدة بقاء الرئيس مع محاولات توريث السلطة، وتقريبًا تشترك كل من ليبيا- القذافي مع محاولة توريث السلطة لإبنه سيف الإسلام القذافي، علي عبد الله صالح في اليمن مع محاولة توريث السلطة لنجله أحمد، سوريا الأسد الأب والابن، التوريث تم عمليا بعد وفاة حافظ الأسد واستمرارية ابنه بشار بعد تعديل المادة الدستورية بتخفيض السن لكي يناسبه.

ثانيًا، تميزت حالات بعض الدول العربية التي تعرف نزاعات عنيفة ومستمرة بعدم قدرتها على التكيف مع نموذج الدولة والنظام السياسي الذي تم فرضه من الخارج، ونقصد هنا، حالتي لبنان والعراق، بحيث لا يزال النظام السياسي اللبناني القائم على المحاصصة الطائفية منذ إقامة الدستور الذي يمنح الرئاسة للمسيحيين الموارنة، رئاسة البرلمان للشيعة ورئاسة الوزراء للسنة، يعيش اضطرابات سياسية بعد تجربة الحرب الأهلية 1975-1990م، والصدامات اللامتناهية حول تشكيل الحكومات وتحالفاتها الهشة والظرفية وبقاء مؤسسة الرئاسة تبحث عن التوافقات الداخلية والإقليمية. والقضية ذاتها مع العراق وإدارة بول بريمر الدبلوماسي الأمريكي، والمبعوث الرئاسي إلى العراق بين مايو 2013م، ويونيو 2004م، وهو الذي هندس لطبيعة النظام السياسي على الطريقة اللبنانية بتوزيع وتفتيت السلطة بين الطوائف والمذاهب، الرئاسة للأكراد، الحكومة للسنة والبرلمان للشيعة.

ثالثًا، الخاصية المشتركة لكل الدول العربية التي تعرف أزمات مؤسساتية وانهيار لمشروع الدولة الوطنية، أنها فقدت السيطرة على الاحتكار الشرعي لأدوات القوة والإكراه، وهي أبرز السمات التي أضعفت قوة الدولة واستمرارية مؤسساتها. فبمجرد انهيار الأنظمة السياسية التي عجزت عن التكيف مع الضغوطات الداخلية والخارجية، تفتت المؤسسة العسكرية والأمنية، وأضحى السلاح بيد الميليشيات، والكتائب المسلحة، مع استغلال الجماعات الإرهابية لحالة الفراغ الأمني. ونشير هنا، إلى حالة ليبيا ما بعد القذافي والصراع القائم بين جيش خليفة حفتر والكتائب المسلحة في طرابلس، فضلًا عن الجماعات المسلحة التي تتصارع حول السلطة والثروة. كما نشير إلى الحالة اليمنية ما بعد علي عبد الله صالح، وسيطرة الحوثيين على مراكز القوة العسكرية للجيش اليمني وتمددها الجغرافي بعد خبرتها القتالية المتتالية ضد نظام علي عبد الله صالح في جغرافية ضيقة لم تكن تتعدى منطقة صعدة. أما الحالة السودانية، فهي نموذج لاستمرارية الانقسام الأمني والعسكري في المرحلة الأولى بين الشمال والجنوب الذي انتهى بتقسيم السودان، ليصل إلى الصدام بين ما تبقى من المؤسسة العسكرية التقليدية وقوات الدعم السريع حول من يحتكر القوة والسيطرة على المؤسسات والأبنية الحكومية حول العاصمة الإدارية والسياسية الخرطوم، مع التهديد بانتقال الصراع إلى بؤر النزاعات المجمدة في دارفور وما جاورها، وخارج السودان ذاته المحيط بتجارب للانتقال الديمقراطي المتعثرة. ونفس الأمر في العراق حيث يصعب توحيد المؤسسة الأمنية والعسكرية بسبب تمسك كل طائفة بمليشياتها العسكرية، مما يزيد من تعميق أزمة شرعية السلطة وبناء مؤسسات الدولة. يوصف بول بريمر في كتابه:" عام قضيته في العراق"، هذه الحالة بقوله:" كان علينا عمل شيء حيال الميليشيات التي تطورت عن المقاومة الكردية والشيعية لصدام، وكنا نقدر أن هناك ما بين 60 ألف إلى 100 ألف مقاتل ينتمون إلى تسع مجموعات، كل منها ترتبط بحزب سياسي". والأخطر أن البعض منها يريد التطهير العرقي كما حصل مع الأكراد الذين تشبثوا بكركوك، واعتبروها بمثابة قدس كردستان، وجب إبعاد العرب منها. ثم إن ميليشيات البشمركة الكردية التي تجمع 50 ألف مقاتل كانت تراهن على سلطة أمنية مستقلة واحتكار الثورة النفطية في كركوك، استعدادًا للانفصال السياسي والجغرافي.  

ولعل تصاعد الاحتجاجات الاجتماعية في كل من العراق ولبنان للمطالبة بوضع حد للمحاصصة الطائفية والمذهبية هي مؤشر على طبيعة النزاع الاجتماعي الطويل الأمد والخامد الذي يبرز إلى السطح كلما كانت الظروف الأمنية والاقتصادية والاجتماعية مواتية، لاسيما في حالة العجز عن الأداء الوظيفي لتلبية الحاجيات الأساسية للمواطنين، الماء، الكهرباء، الشغل، الأمن، مع تزايد مؤشرات الفساد المالي والسياسي للنخب الجديدة التي تدير المرحلة الانتقالية.

أما الحالة السورية، فهي نموذج للتكيف العسير للنظام السياسي مع قضية احتكار شرعية القوة، حيث واجهت مشروع الجيش السوري الحر كبديل للمؤسسة الأمنية والعسكرية القائمة، كما واجهت الجماعات المسلحة الانفصالية الكردية في الشمال بدعم أمريكي، إلى جانب انتشار التنظيمات الإرهابية للقاعدة وداعش. وفي الوقت ذاته، فهي نموذج لترابط النزاع السياسي الداخلي بالصراعات الجيوسياسية الإقليمية والدولية، حول المياه، النفط، المجال الحيوي، من خلال التمدد الجيوبوليتكي للاعبين الإقليميين، الإيراني-التركي-الإسرائيلي، من جهة، وصراع اللاعبين الاستراتيجيين الروسي-الأمريكي حول المياه والبحار والموارد، من جهة أخرى.

رابعًا، الخاصية الأخرى التي ميزت النزاعات العربية الكبرى وتشترك فيها بدرجات متفاوتة، تتمثل في الفاتورة الكارثية على المستويات المتعددة، الإنسانية، الأمنية وتكاليف إعادة الإعمار. ونشير هنا، إلى حجم الكارثة والدمار الذي لحق بهذه الدول، حيث تدلنا المؤشرات الإنسانية على الحالة الإنسانية المؤلمة للاجئين والنازحين التي خلفتها هذه النزاعات الداخلية، ولقد عرفت سوريا حسب تقارير مفوضية الأمم المتحدة للاجئين أضخم أزمة نزوح في العالم، حيث اضطر أكثر من 13 مليون شخص للفرار خارج الحدود أو النزوح الداخلي، يعيش أغلبهم في حالة الفقر المدقع كما هو حال أكثر من 90 % من اللاجئين السوريين في لبنان، كما تتزايد الاحتياجات الإنسانية داخل سوريا حيث بلغ عدد النازحين ما يقارب السبعة ملايين، ويحتاج ما يقارب 15 مليون شخص إلى المساعدة الإنسانية والخدمات الأساسية من التعليم، والرعاية الصحية. أما من الناحية المادية، فإن إعادة إعمار البنية التحتية والمدن المدمرة في سوريا فتقدر حسب تصريحات الأمين العام للجامعة العربية، أحمد أبو الغيظ، إلى حوالي 900 مليار دولار، وتعد الفاتورة الأكبر في التاريخ الحديث لإعادة إعمار دولة مدمرة. بينما في اليمن، فإن إثنين من كل ثلاثة يمنيين يحتاجون إلى مساعدات إنسانية للبقاء على قيد الحياة، أي ما يعادل 20 مليون شخص، ولا يملك 92 % من النازحين أي مصدر للدخل ويتعين عليهم أن يعيشوا على أقل من 40 دولار في الشهر، تلك هي تقديرات هيئات الأمم المتحدة المتخصصة. وتضيف المصادر الأممية، أنه مع نهاية 2022م، كان ما يقارب 18 مليون يمني يفتقرون إلى المياه الصالحة للشرب وخدمات الصرف الصحي والنظافة الصحية مع انتشار الأمراض المعدية مثل الكوليرا، الحصبة والدفتريا. بينما تقديرات إعادة إعمار اليمن تتفاوت حسب الجهات المعنية، حيث صرحت مديرة مكتب اليمن في البنك الدولي، تانيا مير، في يونيو 2022م، أن البنك وضع تقييمًا لقطاعات عديدة في اليمن، قدرت تكلفة إعادة الإعمار لما خلفته الحرب بـ 25 مليار دولار، في حين أن رئيس الوزراء اليمني الأسبق، أحمد عبيد بن دغر، في بداية 2017م، قدر تكاليف إعادة الإعمار في اليمن بأكثر من 100 مليار دولار وتحتاج إلى 10 سنوات لإنجازها فيما إذا تم الانطلاق فيها في 2017م، أي قبل ستة سنوات من الآن. ووضعية السودان ليست على أفضل الأحوال، قبل الصدام المسلح بين قوات عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع لحميدتي، وما بعده، حيث قدرت الاحتياجات الإنسانية قبل الصدام المسلح بين الطرفين، بما يقارب 16 مليون شخص بحاجة مستعجلة إلى المساعدات الإنسانية، من بينهم 8.5 مليون طفل بما يؤشر كذلك بأعلى معدلات سوء تغذية الأطفال في العالم. ويذكر مدير منظمة رعاية الطفولة في السودان، أرشد مالك، بأنه قبل الصدام المسلح بين البرهان وحميدتي، كان هناك 7 ملايين طفل في السودان غير ملتحقين بالمدارس. وعندما نركز عن الطفولة هنا، فإننا نتصور استشراف المستقبل السوداني بعد عشرين سنة في حالة استمرارية الوضع على حاله، كيف سيكون شكل المجتمع المضطرب بين الأمراض المعدية وسوء التغذية وانتشار الأمية، فالتصور المنطقي أننا سنشهد المزيد من تجنيد الأطفال في الحروب وتحولهم إلى العنف المسلح خارج منطق احتكار الدولة لأدوات القوة والعنف الشرعي، لأن هذه الفئة الهشة من المجتمع حسب الدراسات الميدانية، يسهل تجنيدها بسبب انتشار عدد الأسلحة الخفيفة التي تناسب الأطفال، وسهولة التأثير عليهم نفسيًا وثقافيًا، مع إمكانية استقطابهم من خلال إطلاق وعود زائفة.

خامسًا، أدت النزاعات الداخلية في الدول العربية التي عرفت حالة فوضى الانتقال الديمقراطي وأزمة بناء الدولة الوطنية إلى فيضان التهديدات الأمنية وتدفقها إلى دول الجوار، فمن الناحية الأمنية- المجتمعية، ساهمت حالة الفراغ المؤسساتي وتفكك البنية الأمنية داخل تلك الدول إلى شدة الاستقطابات من خلال تجنيد المقاتلين الإرهابيين الأجانب والمرتزقة لدعم طرف على حساب طرف آخر، أو استغلال الفراغ الأمني لقيام نموذج مرعب لدولة داعش في العراق وسوريا، وهو ما تدل عليه التقارير الميدانية للأمم المتحدة، إذ تشير إلى أنه في ذروة صعود داعش، عاش ما يقارب 10 ملايين نسمة في مناطق خاضعة لسيطرة التنظيم الإرهابي في العراق وسوريا، مع وفود ما يفوق عن 40 ألف مقاتل أجنبي قدموا من 120 دولة انضموا إلى الجماعات الإرهابية في سوريا والعراق بحلول عام 2015م، وهو تقريبا نفس العدد الذي تم نشره من قبل المركز الدولي لدراسات التطرف التابع لكينغز كولدج في لندن، في يوليو 2018م، فيما يخص عدد الأجانب في صفوف تنظيم الدولة الإسلامية المقدر عددهم بأكثر من 41 ألف مقاتل، نصف الوافدين منهم قدموا من منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. وقد شكل هذا التجنيد انتشار التطرف العنيف والإرهاب وإعادة هؤلاء المقاتلين الإرهابيين في أوطانهم بعد تجربة القتال.

كما أن النزاعات الداخلية ذات الاستقطابات الإقليمية أثرت بشكل مباشر على الأمن القومي لدول الجوار باستخدام الجماعات الإرهابية والميليشيات المسلحة للتكنولوجيا العسكرية المتقدمة مثل الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية، وكان أبرز تلك التأثيرات ما قامت به جماعة أنصار الله الحوثية من اعتداءات متكررة على السفن والمنشآت النفطية في منطقة الخليج العربي، وراهنت جماعة أنصار الله الحوثية على ضرب المنشئات المدنية السعودية والإماراتية من أجل فرض إرادتها في المنطقة من خلال الهجوم على المطارات الدولية وضرب منشأة أرامكو في جدة.

الأزمة الليبية: التداعيات على منطقة الساحل وشمال إفريقيا

تشكل الحالة الليبية نموذجًا للدول العربية الأولى التي عرفت أزمة الانتقال الديمقراطي وإشكالية بناء الدولة الوطنية بعد انهيار نظام القذافي، ويمكن أن نصنفها ضمن حالة النزاعات الداخلية ذات الاستقطابات الإقليمية والدولية شديدة الحدة، بسبب تعدد الأطراف الداخلية وتناقضاتها في كيفية إدارة المرحلة الانتقالية بسبب الانقسام المؤسساتي وطول مدة المرحلة الانتقالية (2011-2023م) مع الأمل أن يوضع حدًا نهائيًا لهذا الانقسام في حالة التوافق على إجراء الانتخابات قبل نهاية هذا العام. وزاد من طول عمر المرحلة الانتقالية حجم التدخلات الخارجية وتمسك الأطراف الداخلية بتعزيز قدراتها القتالية والاستناد إلى تحالفات عسكرية خارجية واستيعاب المقاتلين الأجانب، في غياب الإجماع الداخلي على التنظيم الشرعي لاحتكار القوة والسلاح، وفي كل مرة يقدم خبراء الأمم المتحدة تقاريرهم لأعضاء مجلس الأمن حول ليبيا، تؤكد على عدم فعالية قرار حظر الأسلحة الأممي المفروض منذ 2011م، كما أن استعانة أطراف الصراع الداخلي بالمقاتلين الأجانب من التشاد، السودان، سوريا وشركات عسكرية خاصة يشكل خطرًا على أمن المنطقة، كما أن الكثير من المناطق الليبية تقع تحت سيطرة الجماعات المسلحة. وكثيرًا ما تتهم مجموعة فاغنر الروسية بزرع الألغام دون تحديد مواقعها مع إذكاء النزاع الروسي-الغربي في ليبيا. وحسب وزير الدفاع الليبي السابق، محمد البرغثي، فإن عدد المرتزقة المتواجدين في ليبيا يصل إلى 20 ألف مرتزق من مختلف الجنسيات، 11 ألف من السوريين و9 آلاف من مرتزقة فاغنر من دول الساحل.

تمثل هذه التهديدات الأمنية تحديًا كبيرًا لدول الجوار والأمم المتحدة، حيث وضعت الآليات الأمنية المناسبة لإبعاد المقاتلين الأجانب طبقًا لمخرجات برلين حول ليبيا، ورغم الخطوات البطيئة التي باشرتها اللجنة الفنية الأممية المختصة مع ما يعرف بلجنة 5+5 الليبية التي تسهر على وقف إطلاق النار القائم منذ 2020م، فإنها أوجدت لجان للاتصال مع دول الجوار المعنية بالمقاتلين الأجانب في ليبيا، حيث أشار عبدالله باتيلي، المبعوث الأممي الخاص إلى ليبيا، في إحاطته لمجلس الأمن في أبريل 2023م، إلى مجموعة من الاتصالات مع السودان، التشاد والنيجر حول كيفية تحسين ظروف عودة المقاتلين الأجانب والمرتزقة، وكان الاتفاق أن يتم الانسحاب للمقاتلين الأجانب بطريقة منسقة ومتسلسلة ومتزامنة حتى لا تشكل تهديدًا أمنيًا لبلدانهم، ومن المفترض أن تسهم هذه العملية حسب باتيلي أيضًا في مكافحة الإرهاب والتنقيب غير المشروع عن الذهب والاتجار بالبشر والمخدرات وجميع أوجه الجريمة التي تنخر المناطق الحدودية.

الجزائر وخيارات الحلول السياسية...مؤتمر برلين2 والجامعة العربية.

باعتبار الجزائر من دول الجوار لليبيا بحدود برية تقارب الألف كلم، فإنها تهتم من منطلق أمنها القومي والأمن المتبادل مع دول الجوار بما يجري في ليبيا، وكانت تأثيرات حالة الفراغ المؤسساتي والأمني وفوضى الانتقال الديمقراطي في ليبيا على الجزائر كبيرة جدًا في سنة 2013م، حيث استخدمت الجماعات الإرهابية المتعددة الجنسيات الأراضي الليبية للهجوم على احدى المنشئات الحيوية للغاز الجزائري في الجنوب الشرقي فيما عرف بهجمات تقنتورين، مما جعل الجزائر تقوم بتأمين الحدود الشرقية والتنسيق الأمني مع تونس والحكومات الانتقالية المتعاقبة في ليبيا، إلى جانب تفعيل آليات دول الجوار الليبي السبعة الموسعة، ثم تنخرط فيما بعد بشكل ديناميكي في مؤتمر برلين الثاني، الذي وضع خريطة الطريق في مساراتها الثلاثة، الأمنية- السياسية، الاقتصادية والإنسانية. وعليه، فإن المقاربة الجزائرية لا تخرج عن المقاربة العربية التي تم تبنيها في إعلان الجزائر للقمة العربية في دورتها الحادية والثلاثين في نوفمبر 2022م، تعبر كذلك عن التضامن الجزائري العربي مع الشعب الليبي كما جاء في البند المخصص لليبيا:" التضامن الكامل مع الشعب الليبي ودعم الجهود الهادفة لإنهاء الأزمة الليبية من خلال حل ليبي-ليبي يحفظ وحدة وسيادة ليبيا ويصون أمنها وأمن جوارها، ويحقق طموحات شعبها في الوصل إلى تنظيم الانتخابات في أسرع وقت ممكن لتحقيق الاستقرار السياسي الدائم". وتصر الجزائر على الخطوات التنسيقية مع دول الجوار فيما يخص انسحاب المقاتلين الأجانب بالرغم من أنها من الدول القليلة في إفريقيا التي ينعدم فيها الرعايا الجزائريين المقاتلين في بؤر النزاعات العربية، إلا أنها مدركة لحجم المخاطر في الفترة القادمة في حالة اشتداد النزاع المسلح في السودان وهشاشة الانتقال الديمقراطي في التشاد بعد اغتيال الرئيس إدريس دبي من قبل جماعات مسلحة متواجدة في الحدود الجنوبية المتاخمة لليبيا، وكلتا الدولتين لديهما حدود رخوة مع ليبيا مع توافد المقاتلين من الدولتين إلى ليبيا. وعليه، فإن الخيارات العقلانية التي تحفظ استقرار ليبيا ودول الجوار تكمن في الإسراع في العملية السياسية والدستورية من أجل إنجاح العملية الانتخابية قبل نهاية سنة 2023م، كما يتوقع مبعوث الأمم المتحدة عبدالله باتيلي، وكل خيارات النجاح متوفرة في ليبيا مقارنة بالكثير من الدول التي تعرف أزمة بناء الدولة الوطنية، لما تملكه من قدرات طاقوية ومالية وجغرافية، ونخب سياسية وأمنية تدرك حجم المخاطر المحيطة بها بعد التجربة الطويلة من الصدامات والتناقضات، بشرط أن تكون الإرادة السياسية والمصلحة الوطنية فوق كل الاعتبارات الشخصية، فتفعيل اللجنة المشتركة بين مجلس النواب والمجلس الرئاسي المعروفة بـ 6+6 أمامها تحدٍ لإيجاد الصيغة الدستورية والتشريعية الضرورية للانتخابات في آجال محددة. وبالمناسبة قبل أن نختم، نذكر أن فرنسيس فوكوياما، أعاد تقييم أفكاره بعدما بشر بنهاية التاريخ في كتابه الموسوم بــ: "بناء الدولة: النظام العالمي ومشكلة الحكم والإدارة في القرن الحادي والعشرين"، مقتنعًا بأن بناء الدول مهمة ضخمة، إذ يجب ابتكار العملية مجددًا لكل دولة على حدة، وهو المطلوب من النخب الليبية وعبقريتها السياسية أن تبتكره.

مقالات لنفس الكاتب