array(1) { [0]=> object(stdClass)#13063 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 187

قناعة عربية أن الأمن هو التنمية وتصفير النزاعات يغلق أبواب التدخلات الخارجية

الخميس، 22 حزيران/يونيو 2023

أجمع المراقبون للشأن العربي على أن هناك عودة ديناميكية للتفاؤل والأمل للعمل العربي المشترك، بعدما انعقدت قمتان للجامعة العربية على مستوى القادة في أقل من سنة، بين قمة الجامعة العربية للم الشمل العربي المنعقدة بالجزائر في نوفمبر 2022م، وقمة جدة المنعقدة في 19 مايو 2023م، دوافع هذا التفاؤل والأمل، تحرك الإرادة العربية والقرار العربي إدراكًا وعزمًا، إدراكًا، بالحجم والكم الهائل من التحديات الأمنية متعددة الأوجه والأبعاد وذات التأثيرات غير المسبوقة على الأمن القومي العربي، وعزمًا على مواجهتها من خلال مختلف المبادرات العملية المطروحة لتفعيل العمل العربي المشترك، ترجمها البيان الختامي للقمة العربية فيما عرف بإعلان جدة، ومجموعة القرارات الصادرة عن مجلس جامعة الدول العربية على مستوى القمة في دورتها العادية الثانية والثلاثين. فكيف يمكن أن نقيم مخرجات قمة جدة؟ وما هو التصور العربي المشترك لتجاوز حجم النزاعات العربية المستعصية منها والطارئة؟ وما هي الخيارات العقلانية المطروحة للحفاظ على الأمن القومي العربي في ظل التجارب السابقة للتنازع الجيوسياسي الإقليمي في إطار المثلث الاستراتيجي المحيط بالعالم العربي: إسرائيل، إيران، وتركيا؟ وما هي البدائل العربية والسياسات المحتمل نهجها لتجنب لعبة الاستقطابات الدولية الكبرى وسياسات المحاور التقليدية القائمة على مقولة:" إن لم تكن معي فأنت ضدي" في بيئة دولية تتأرجح بين حرب عالمية وجودية توشك أن تتوسع لحرب عظمى بين كبار اللاعبين الجيوستراتيجيين، وإعادة صياغة النظام الدولي الكلاسيكي جيو-اقتصاديًا في عمقه المالي الذي أرست قواعده مؤسسات برتن وودز؟ خيارات وبدائل تفرض على القادة العرب أن تمتلك عناصر القوة والقدرة للحسم بين الخيارات العقلانية الأفضل للدفاع عن المصالح العربية، وهو ما طرحته مجموعة المبادرات السعودية التي ركزت على عامل التنمية المستدامة بكل أبعادها الاجتماعية، الاقتصادية والبيئية والتكنولوجية، محورها المواطن العربي مع توسيع الأمل الفسيح، الذي اعتبره المفكر العربي الماوردي بأهم أس لقوة الدولة واستمراريتها.

أولًا: مركزية القضية الفلسطينية والخيارات العربية المطروحة.

أعادت قمة جدة تجديد التأكيد على مركزية القضية الفلسطينية باعتبارها أحد العوامل الرئيسية لاستقرار المنطقة. وجاء هذا التذكير تزامنًا وذكرى النكبة الفلسطينية التي تم إحياء ذكراها السنوية الخامسة والسبعين لأول مرة في تاريخ الأمم المتحدة بموجب تفويض ممنوح من الجمعية العامة، عن طريق تنظيم مناسبة رفيعة المستوى في قاعة الجمعية العامة في 15 مايو 2023م. وفي الكلمة التاريخية لرئيس الدولة الفلسطينية، محمود عباس، ذكر المجتمع الدولي قائلًا:" إن نحو ألف قرار أممي بشأن القضية الفلسطينية لم ينفذ أي منها منذ سنة 1947م". وطالب بإلزام إسرائيل بتطبيق القرارات الأممية أو تعليق عضويتها في الأمم المتحدة. ولعل أبلغ تعبير عن ذكرى النكبة ما قاله شيخ نيانغ، رئيس لجنة الأمم المتحدة المعنية بممارسة الشعب الفلسطيني لحقوقه غير قابلة للتصرف، بقوله:" النكبة ومعاناة أجيال الفلسطينيين هي قصة نادرًا ما يتم تدريسها في كتب التاريخ، وغالبًا ما يتم تغييبها ونسيانها. اليوم، يجب الاعتراف بقدرة الفلسطينيين على الصمود طوال تاريخهم وخاصة منذ 1948م". بين غياب المجتمع الدولي وصرامته في تطبيق مجموع القرارات الدولية المجمدة في ثلاجة الأمم المتحدة وصمود الشعب الفلسطيني، تطرح قمة جدة مرة أخرى بعض الأوراق الدبلوماسية الاستراتيجية للضغط على المجتمع الدولي وتحمل مسؤولياته لإنهاء الاحتلال. من بين هذه الأوراق، تكثيف الجهود العربية والدولية قصد التوصل إلى تسوية شاملة وعادلة للقضية الفلسطينية، جوهر هذه التسوية، الحفاظ على الهوية العربية للقدس الشرقية المحتلة، عاصمة دولة فلسطين، وحق دولة فلسطين بالسيادة المطلقة على كافة أرضها المحتلة منذ 1967م، ومجالها الجوي، مياهها الإقليمية، ومواردها الطبيعية، وحدودها مع دول الجوار. مع التمسك بالسلام كخيار استراتيجي لإنهاء الاحتلال، الذي يعكس الموقف العربي التوافقي والموحد، من خلال تبني مبادرة السلام العربية بكافة عناصرها وأولوياتها، وشرطها الأساسي الأرض مقابل السلام، بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي لجميع الأراضي الفلسطينية والعربية وتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة كاملة السيادة. ومن أدوات الضغط الدبلوماسي العربي المشترك، رفض أي خطة سلام لا تنسجم مع المرجعيات الدولية لعمليات السلام، ومواجهة كل الضغوطات السياسية والمالية الممارسة على الشعب الفلسطيني وقيادته. وبالمقابل، الدعم العربي لخطة السلام التي طرحها محمود عباس أمام مجلس الأمن والجمعية العامة في 23 سبتمبر 2022م، وتأسيس آلية دولية متعددة الأطراف لرعاية المسار التفاوضي وفق إطار زمني محدد ورقابة دولية، مع دعوة الولايات المتحدة الأمريكية التي بيدها مفاتيح السلام إلى الالتزام بتنفيذ حل الدولتين، كما وعد بذلك الرئيس جو بايدن نظيره الفلسطيني في بيت لحم بتاريخ 15 يوليو 2022م، مع الأمل في إعادة النظر في قرارات الرئيس دونالد ترومب الذي خضع لضغط اللوبي الصهيوني، بتصنيف منظمة التحرير الفلسطينية، كمنظمة إرهابية، وإعادة فتح بعثتها في واشنطن. ومن بين الأوراق الدبلوماسية الاستراتيجية التي تبناها القادة العرب في قمة جدة، تأسيس اللجنة الوزارية العربية المفتوحة العضوية برئاسة الدولة العضو التي تتولى الرئاسة الدورية للقمة العربية، وظيفتها التحرك الدولي لمساندة فلسطين في الحصول على العضوية الكاملة في الأمم المتحدة وعقد مؤتمر دولي للسلام وتوفير الحماية الدولية للشعب الفلسطيني. أما فما يخص دعم صمود الشعب الفلسطيني، فقرر القادة العرب تفعيل شبكة أمان مالية بأسرع وقت ممكن بمبلغ 100 مليون دولار شهريًا دعمًا لدولة فلسطين لمواجهة الضغوطات والأزمات المالية، لاسيما من قبل المحتل الإسرائيلي الذي يفرض إجراءات اقتصادية ومالية عقابية، باحتجاز أموال الضرائب وسرقة جزء كبير منها. كما شجعوا الدول العربية التي تفي بالتزاماتها المالية في دعم الموازنة الفلسطينية مع دعوة الدول الأعضاء، البرلمان العربي والمجتمع المدني، لتنفيذ قرار قمة عمان لسنة 2017م، فيما يخص زيادة رأس مال صندوقي الأقصى والقدس بمبلغ 500 مليون دولار.

ثانيًا، سوريا ولم الشمل العربي.

يحسب لقمة جدة اكتمال لم الشمل العربي بعودة سوريا إلى مقعدها في الجامعة العربية بعد تعليق عضويتها في سنة 2010م، وسحب الدول العربية لسفرائها من دمشق وفرض عقوبات اقتصادية وسياسية عليها. ويشير القرار العربي المتعلق بتطورات الوضع في سوريا إلى مسار هذه العودة والجهود التي بذلت من قبل الدول العربية، وبشكل خاص الجهود التي بذلت في قمة لم الشمل بالجزائر، ووصولًا إلى قرار مجلس الجامعة العربية على المستوى الوزاري الصادر بتاريخ 7 مايو 2023م القاضي باستئناف مشاركة وفود الحكومة السورية في اجتماعات مجلس جامعة الدول العربية، ومشاركة الرئيس السوري، بشار الأسد، في قمة جدة. ومن الناحية العملية، فإن قمة جدة أفرزت مجموعة من القرارات التي تهدف إلى تفعيل الدبلوماسية العربية في اتجاه تسوية الأزمة السورية وإيجاد حلا شاملا لها. وذلك، بدعوة لجنة الاتصال الخماسية المتكونة من الأردن، السعودية، العراق، لبنان، مصر لمتابعة تنفيذ بيان عمان، الذي وضع الأسس المنهجية لإدارة الأزمة السورية، والقائمة على دبلوماسية الخطوة-خطوة، باستمرار الحوار المباشر مع الحكومة السورية بما ينسجم مع قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254. ودعم الخطوات والجهود المبذولة لاستئناف اللجنة الدستورية قصد تحقيق المصالحة الوطنية الشاملة. وحرصت المملكة العربية السعودية قبل قمة جدة على تفعيل الدور العربي القيادي في إطلاق مبادرات للتسوية السياسية، الإنسانية والأمنية للأزمة السورية، وهو ما تكرس في البيانات العربية الصادرة عن اجتماع جدة بشأن سوريا في 14 أبريل 2023م، وتلاه اجتماع عمان في الأول من مايو 2023م، وبقي الهم العربي المشترك ما بعد قمة جدة، إعطاء ديناميكية أكبر لهذه القرارات وعلى وجه الخصوص، معالجة الآثار والتداعيات المرتبطة باللاجئين، الإرهاب وتهريب المخدرات. وتشكل مسألة اللاجئين السوريين في دول الجوار إحدى القضايا الإنسانية والسياسية الأكثر حساسية، التي يجب التنسيق العربي فيها بأكثر فعالية، لأننا نتحدث عما يفوق 5.4 مليون لاجىء سوري مسجلين في جميع المنطقة، ووفق تقديرات المفوضية السامية لشؤون اللاجئين لسنة 2019م، ما يقارب واحد مليون طفل سوري ولدوا في السنوات السبع السابقة في دول الجوار، أكبر نسبة منهم في تركيا، في لبنان، الأردن، مصر والعراق. وكما يلاحظ، فإن العبء الاجتماعي والمادي الأكبر يقع على الدول العربية المجاورة لسوريا، وهذا ما دفع بالتنسيق العربي بقيادة المملكة السعودية أن تنشأ لجنة الاتصال الوزارية المتشكلة أساسًا من الدول المعنية مباشرة باللاجئين السوريين، الذين اعتبرتهم الأمم المتحدة كأكبر الدول المانحة فعليًا، لما قدمته من خدمات وإيواء. لكن تبقى النقطة السوداء تتمثل في ضعف استجابة المجتمع الدولي للتكفل بهذا العدد الهائل من اللاجئين وتخفيف العبء على دول الجوار، وهو ما ترجمه البند الثامن من القرار العربي المتعلق بتطورات الوضع في سوريا، الذي ناشد الدول المانحة بسرعة الوفاء بتعهداتها التي أعلنت عنها في مؤتمرات المانحين لدعم الوضع الإنساني في سوريا، التي عقدت في الكويت فيما بين 2013 و2015م، ولندن سنة 2016م، وبروكسل من 2017 إلى 2022م، والتأكيد على أهمية دعم الدول العربية المجاورة لسوريا المضيفة للاجئين السوريين. نفس التعهدات تبقى قائمة حيث تعهدت المفوضية الأوروبية في منتصف يونيو 2023 في مؤتمر بروكسل بتقديم مساعدات مالية للاجئين السوريين ودول الجوار، بقيمة 3.8 مليار يورو، تؤمن المفوضية الأوروبية 55 % من المبلغ فيما ستؤمن الدول أعضاء الاتحاد الأوروبي ال 45 بالمائة المتبقية من المبلغ. كما تعهدت الولايات المتحدة الأمريكية بتقديم المساعدات الإنسانية للسوريين في سنة 2023م، بـ 1.1 مليار دولار. وفي أغلب التفسيرات، فإن الدول المانحة دائمًا ما تختفي في تعليل أسباب عدم وفائها بالتعهدات وراء العقوبات المفروضة على نظام بشار الأسد، لكنها تقر في الوقت ذاته، بالمأساة الإنسانية للشعب السوري وتستند إلى تقارير الأمم المتحدة الدورية التي تذكر بأكثر من 12 مليون سوري فروا من منازلهم بسبب النزاع منهم 5.4 مليون لاجئ في دول الجوار، وهو ما ذكره جوزيف بوريل، المفوض الأوروبي في مؤتمر بروكسل للمانحين بقوله:" إن 90 % من السوريين الذين بقوا في بلادهم يعيشون في فقر وأن 60% يعانون من انعدام الأمن الغذائي". .

ثالثًا: السودان...كيف يمكن تجنب التقسيم مرة أخرى؟

احتل تصاعد النزاع الأمني والسياسي الداخلي في السودان بين المكونين العسكريين، القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، باهتمام بالغ في قمة جدة، حيث كرس له إعلان القادة العرب البند الثاني بعد القضية المركزية الفلسطينية، لما يكتسيه هذا النزاع المسلح من مخاطر وتهديدات وجودية للدولة السودانية ذاتها، التي سبق وأن جربت مآسي التقسيم الجغرافي والسياسي والديمغرافي بين الشمال والجنوب، كما يهدد النزاع المسلح في حالة التدخلات الإقليمية والدولية لدعم طرفي النزاع إلى حالة البلقنة والصوملة، وما تلقيه من تداعيات أمنية شديدة الخطورة على دول الجوار. إن التصور العربي لطبيعة النزاع وخيارات التسوية المطروحة في قمة جدة، بعد تحليل القرارات التي تم تبنيها، توضح لنا دقة التحديد من حيث تشخيص طبيعة النزاع المسلح، باعتباره نزاعًا داخليًا، يتعلق بمسار الانتقال الديمقراطي للحفاظ على مؤسسات الدولة السودانية وسيادتها الإقليمية. مما شدد القادة العرب في بيانهم الختامي على تكاثف الجهود العربية لمنع انهيار مؤسسات الدولة الوطنية والحيلولة دون أي تدخل خارجي يزيد من تعميق الصراع الذي يهدد الأمن والسلم الإقليمين. أما من حيث الإجراءات العملية لفك النزاع المسلح الداخلي، فإن الدور السعودي كان بارزًا من خلال انخراطها بكثافة ومن خلال مستويات متعددة لاحتواء النزاع، ابتداء من إعلان جدة الإنساني الذي تم التوصل إليه في 11 مايو 2023م، بين طرفي النزاع القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، الذي يفرض على المتنازعين الالتزامات بالقانون الإنساني الدولي. ونظرًا لتعقيد النزاع السوداني فإن السعودية انخرطت في ديناميكية إقليمية ودولية لتسوية النزاع من خلال مسار المحادثات في مدينة جدة برعاية سعودية-أمريكية. مع إعطاء دور وظيفي إقليمي محوري لمجموعة الاتصال العربية المعنية بمتابعة تطورات الوضع في السودان والمتشكلة من مصر، السعودية والأمين العام للجامعة العربية، لبذل كل الجهود الدبلوماسية والمساعي الحميدة بين طرفي النزاع قصد التوصل إلى تسوية عاجلة والوقف الفوري والمستدام لوقف إطلاق النار. كما تحملت الجامعة العربية وفق مخرجات قمة جدة المسؤولية للتنسيق مع كل من الأمم المتحدة، الاتحاد الإفريقي ومجموعة الإيغاد والشركاء الدوليين لتسوية النزاع باعتباره شأنًا سودانيًا داخليًا مع ضرورة الالتزام بإيلاء الأهمية القصوى للبعد الإنساني في النزاع وتداعياته المأساوية على الشعب السوداني. فمن بين المؤشرات الأولية الدالة على الأوضاع الإنسانية الكارثية إلى غاية نهاية مايو الماضي فقط، أكدت منظمة الأمم المتحدة للطفولة، أن أكثر من 13.6 مليون طفل في السودان بحاجة ماسة للدعم الإنساني المنقذ للحياة، ويعد هذا العدد مؤشرًا كبيرًا على المأساة الإنسانية السودانية إذا عرفنا أن قبل النزاع المسلح كان يقدر عدد الأطفال المحتاجين للمساعدة بحوالي 9 ملايين، أي بزيادة عددية منذ اندلاع النزاع المسلح تقدر بـ 4.6 مليون طفل محتاج يوجد في وضعية وجودية خطيرة من أجل الحفاظ على الحياة، التي هي محور كل المواثيق والشرائع السماوية المكرسة لحقوق الإنسان. وعليه، فإن الديناميكية السعودية-العربية-الدولية في سباق مع الزمن لإلزام طرفي النزاع بوقف البنادق لاحتواء تمدد النزاع وتوسيعه الجغرافي والإثني، لاسيما بعدما امتدت التوترات إلى غرب دارفور بعد اغتيال حاكم ولاية غرب دارفور، التي لا تزال هذه المنطقة تختزن ذاكرة مريرة بعد حرب أهلية كلفت السودان 300 ألف قتيل وما يقارب مليوني لاجئ ونازح قبل أقل من عشرة سنوات. 

رابعًا: اليمن السعيد والعودة إلى الحكمة اليمنية

في غياب الحكمة يبقى اليمن السعيد يبحث عن مفاتيح إيمانه وحكمته، هذا هو ملخص تطورات الأوضاع الذي تبناه مجلس الجامعة العربية في قمة جدة، فالبنود التسعة والعشرين، تشخص طبيعة النزاع وتأثيراته الأمنية والإنسانية على الشعب اليمني ودول الجوار. فأولًا، يبقى النزاع قائمًا بين الحكومة الشرعية بقيادة مجلس القيادة الرئاسي، من جهة، والحوثيين، من جهة أخرى، التي تم وسمها بالجماعة الإرهابية طبقًا لقرار مجلس الأمن رقم 2624 الصادر بتاريخ 27 فبراير 2022م، مع إدراجها في قائمة عقوبات مجلس الأمن بموجب قرار مجلس الأمن 2675 الصادر بتاريخ 15 فبراير 2023م، بسبب الانتهاكات والاعتداءات التي تمارسها هذه الميليشيا على الشعب اليمني ودول الجوار. ثانيًا، إنهاء النزاع مرهونا بالتزام الطرف الحوثي بمجموع المرجعيات الإقليمية والدولية المحددة لخيار السلام وتتمثل في، المبادرة الخليجية وآلياتها التنفيذية، مخرجات مؤتمر الحوار الوطني الشامل وقرار مجلس الأمن 2216 الصادر في سنة 2015م، ثالثًا، استمرار النزاع يؤشر على البعد الطائفي الذي تكرسه جماعة الحوثيين التي تبحث عن السيطرة على المناطق الحيوية في اليمن، الموانئ، المطارات والمواقع النفطية والاقتصادية، من خلال التغيير الجذري للمناهج التعليمية والتربوية المفككة للتجانس الاجتماعي والوحدة الروحية والوطنية للشعب اليمني، مما ينقل النزاع إلى صنف النزاعات الاجتماعية الطويلة الأمد التي يستعصى حلها إلا بتفكيك الدولة أكثر وتصاعد الخسائر البشرية والمادية، أكثر مما عليه، للأسف، وهو ما يتضح من رفض الحوثيين لكل المبادرات والاقتراحات الدولية الرامية لوقف الحرب وبناء السلام المستدام، بما فيها معارضة الجهود التي يبذلها المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة، هانس جروند برج، من أجل استئناف العملية السياسية. رابعًا، من بين الخيارات العربية المطروحة لتطبيق خيارات السلام والتسوية المعطلة في اليمن، استخدام الضغط الدولي ضد الحوثيين، مع التأييد العربي والدولي للمبادرة السعودية للسلام في اليمن التي طرحتها في 22 مارس 2021م، الرامية إلى التوصل إلى حل سياسي شامل برعاية الأمم المتحدة، مع التأكيد على ضرورة التعامل مع المبادرة السعودية كحزمة وككل لا يمكن تجزئته. وفرض التنفيذ الكامل للحوثيين لاتفاق ستوكهولم المتعلق بمدينة وموانئ الحديدة والصليف ورأس عيسى، وآليات التنفيذ الخاصة بتفعيل تبادل الأسرى وبيان التفاهمات بشأن تعز. لأن استمرار هذا التعنت الحوثي سيكلف الشعب اليمني ويمس بالأمن الطاقوي العالمي خصوصًا بعد اعتداءاتها المتكررة على المنشآت المدنية الحيوية وإمدادات الطاقة في السعودية والإمارات. خامسًا، اتفاق القادة العرب في قمة جدة على الإشادة بمساعي المملكة السعودية بدعم المشاريع التنموية والإنسانية في اليمن، باعتبارها أكبر الدول المانحة في اليمن، بقيمة مالية تجاوزت 21 مليار دولار من خلال مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية والبرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن ومشروع "مسام" لتطهير الأراضي اليمنية من الألغام، وتوقيع المملكة اتفاقية وديعة مع البنك المركزي اليمني بمبلغ واحد مليار دولار بتاريخ 21 فبراير 2023.  

خامسًا: التدخلات الخارجية والتهديدات الأمنية الجديدة العابرة للحدود

إذا حللنا البند السادس لإعلان جدة لمجلس جامعة الدول العربية على مستوى القمة، فإننا نقف أمام التحدي الكبير الذي يبقى يعطل كل المشاريع ومبادرات التسوية لمجموع النزاعات العربية الداخلية من اليمن، السودان، ليبيا وسوريا، وينص البند السادس على:" التشديد على وقف التدخلات الخارجية في الشؤون الداخلية للدول العربية، والرفض التام لدعم تشكيل الجماعات والميليشيات المسلحة الخارجة عن نطاق مؤسسات الدولة"، مع التأكيد على أن " الصراعات العسكرية الداخلية لن تؤدي إلى انتصار طرف على طرف آخر وإنما تفاقم معاناة الشعوب وتقضي على منجزاتها". ويبدو لي في هذا المجال، أن الترحيب العربي بالاتفاق الذي تم التوصل إليه بين المملكة العربية السعودية وإيران في بكين بمبادرة من الرئيس الصيني، شي جين بينغ، باستئناف العلاقات الدبلوماسية وتفعيل اتفاقية التعاون الأمني واتفاقية التعاون الاقتصادي بين البلدين، فيها الكثير من التفاؤل الواقعي كما جاء في البند الأول من قرار مجلس الجامعة على مستوى القمة المتعلق بالتدخلات الإيرانية في الشؤون الداخلية للدول العربية :" باعتبار الاتفاق يشكل خطوة إيجابية لحل الخلافات وإنهاء النزاعات الإقليمية كافة بالحوار والطرق الدبلوماسية، وإقامة العلاقات بين الدول على أسس من التفاهم والاحترام المتبادل وحسن الجوار واحترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية". لأن تصفير النزاعات الإقليمية من بين أفضل الخيارات الاستراتيجية للقضاء على الميليشيات المسلحة التي تتغذى من صراع الإرادات الإقليمية، كما تحقق قدرًا أكبر من الأمن المتبادل الذي يواجه كل أشكال التهديدات العابرة للحدود الكلاسيكية من جماعات الجريمة المنظمة والتنظيمات الإرهابية إلى التهديدات البيئية والرقمية التي أضحت تشكل همًا مشتركًا لكل دول الجوار لما تشكله الهجمات السيبرانية من تهديدات وجودية للدولة ومنشآتها التحتية الحيوية. لأنه في النهاية، قمة جدة أرست قناعة عربية أن الأمن هو التنمية، والتنمية هي الأمن، وأن التنمية تحتاج إلى تصفير النزاعات الإقليمية كمفتاح ذهبي لغلق كل أبواب التدخلات الخارجية في مجموع النزاعات العربية.  

مقالات لنفس الكاتب