array(1) { [0]=> object(stdClass)#13063 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 187

عودة سوريا للجامعة العربية يبعد دمشق عن التحالفات خارج النظام العربي

الخميس، 22 حزيران/يونيو 2023

عقدت في مدينة جدة القمة العربية الثانية والثلاثين في التاسع عشر من مايو الماضي، وجاءت القمة في ظل تحولات دولية وإقليمية ظهر فيها تراجع الدور الأمريكي وأهمية دور السعودية عربيًا وإقليميًا في حل القضايا الإقليمية والعربية تمثلت في عودة سوريا إلى مقعدها في الجامعة العربية وحضور الرئيس بشار الأسد للقمة، ومحاولة تصفير الأزمات إقليميًا وعربيًا،  وعبر  وزير الخارجية السعودية الأمير فيصل بن فرحان عن التحول بقوله " إن العالم يمر بتحديات كبيرة تفرض علينا التوحد لمواجهتها " وأشار وزير خارجية الجزائر أحمد عطاف إلى ضرورة حل الخلافات داخل البيت العربي، وأن القمة تسعى إلى توحيد الكلمة لمواجهة التحديات التي تشهدها المنطقة، وضرورة التركيز على العمل العربي المشترك لمواجهة التحديات العالمية، وأشاد الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي جاسم البديوي بالدبلوماسية السعودية ونشاطها الفعال بقوله "إن النشاط الدبلوماسي المكثف دلالة واضحة على المكانة المرموقة التي تحظى بها المملكة إقليميًا ودوليًا، باعتبارها شريكاً استراتيجيًا مهمًا لكل الدول، وعنصرًا مهماً في أية معادلة إقليمية ودولية تهدف إلى استتباب الأمن وتحقيق الاستقرار السياسي في المنطقة" .

إن عودة العلاقات السعودية / الإيرانية لها انعكاسها الأمني والسياسي على المنطقة ودور الصين فيها يعكس أهمية المملكة كما أن السعودية توسطت في الحرب الروسية / الأوكرانية مما يؤكد على دورها الدولي بالإضافة للعلاقات التركية السعودية وانعكاسها على العلاقات العربية بتعاون عربي / تركي / إيراني يركز على الجوانب الاقتصادية لتحقيق الأمن، كما قال وزير الدفاع الأمريكي الأسبق روبرت مكنمارا الذي أصبح فيما بعد مديراَ للبنك الدولي في كتابه ضرورة الأمن " أن الأمن هو التنمية" كما أن هناك اهتمام في القمة لحل الصراعات الداخلية في الدول العربية كاليمن، وليبيا، والسودان، وتونس، والعراق، والدعم للقضية المحورية "القضية الفلسطينية" وتؤكد المملكة على ضرورة تنفيذ مبادرة السلام العربية التي أقرتها القمة العربية في بيروت 2002م، ونلاحظ أيضًا الاهتمام الإيراني بمصر وإلحاحها بضرورة عودة العلاقات المصرية / الإيرانية  لأنها دولة مركزية في النظام الإقليمي وهذا ما عبر عنه  وزير الخارجية الإيرانية  حسين أمير عبداللهيان " مصر الدولة الشقيقة والصديقة الغالية"، وتشعر إسرائيل بالقلق من عودة العلاقات المصرية / الإيرانية فقد كتبت الصحفية الإسرائيلية سمدار بيري في " يديعوت أحرونوت مقالاً بعنوان " علاقات خطيرة" "، وتضغط إيران لاستئناف العلاقات مع مصر ، وتلعب العراق دور الوسيط بينهما كما توسطت سلطنة عمان في  فترة سابقة، وفي ظل عودة العلاقات السعودية/  الإيرانية وعودة سوريا لدورها في الجامعة العربية وفي حال استئناف العلاقات الإيرانية / المصرية فإن ذلك يشكل تحولاً استراتيجيًا مهمًا في المنطقة وخاصة علاقات هذه الدول مع الصين وروسيا وإمكانية الانضمام إلى مجموعة بريكس مما يحجم الدور الإسرائيلي وتجميد محاولات التطبيع ويعطي للغرب إشارة أن هناك بديل عنهم إذا استمرت سياسة ازدواجية المعايير.

وعلق الخبير بمركز الأهرام للدرسات  السياسية الاستراتيجية محمد السيد إدريس " إن العلاقات المصرية / الإيرانية علاقات مهمة جداً، ويجب أن تعود وأن مصر في حاجة للتنسيق مع القوى الإقليمية وأن تحسن علاقاتها مع تركيا وإيران "، وأضاف  إدريس " إن إيران وتركيا دول صديقة، وأن العدو الحقيقي هو الاحتلال الإسرائيلي الذي يجب أن توجه إليه الأنظار وأن تتوافق كل القوى الإقليمية على أن إسرائيل هي العدو الحقيقي وهي مصدر الخطر في إقليم الشرق الأوسط" ، إن تحولات النظام الدولي وأفول النجم الأمريكي وتورط الاتحاد الأوروبي في الأزمة الأوكرانية وبروز روسيا والصين بدور قيادي في نظام تعدد الأقطاب، يوفر فرصة قوية للدول العربية لتعزيز دورها ووجودها في النظام العالمي الجديد ويمكنها التحرر بسهولة من الضغوط الأمريكية والأوروبية؟

عودة سوريا خطوة استراتيجية هامة لتصفير الأزمات

إن سوريا دولة ذات أهمية استراتيجية في المنطقة وشكلت في محورها الثلاثي سوريا ومصر والسعودية عامل استقرار وثقل في العقود الماضية، ومنذ استقلالها وهي تتعرض لتنافس الدول الكبرى على النفوذ فيها، ولذلك كتب الخبير البريطاني في الشرق الأوسط  باتريك سيل كتاب " الصراع على سوريا 1945-1958م" وكتب فان دام " الصراع على السلطة في سوريا " ونشرته وزارة الخارجية الهولندية، وكان مايلز كوبلاند قد أشار في كتابه "لعبة الأمم" عن الدور الأمريكي في سوريا، وأكدت الوثائق التي نشرت عن  الصراع البريطاني/ الأمريكي في سوريا، حيث قامت الاستخبارات الأمريكية CIA بهندسة انقلاب العميد حسني الزعيم رئيس الأركان السوري في 30 مارس 1949م، وبعد الانقلاب بأحد عشر يومًا كانت الشركات البترولية الأمريكية تتفاوض مع الزعيم لمد خط التابلاين لنقل  البترول عبر الأنابيب  من السعودية إلى البحر الأبيض المتوسط  عبر الأراضي السورية لتقصير المسافة لتنقله بالسفن، وكانت حكومة شكري القوتلي رفضت مد الخط بضغوط بريطانية وفي 16 مايو 1949م، تم توقيع اتفاقية التابلاين TAPLINE، وذهب الزعيم أبعد من ذلك حسب الدراسة التي نشرها المؤرخ أفي شلايم معتمدًا على الوثائق الإسرائيلية والأمريكية، أن الزعيم عرض على بن غوريون رئيس وزراء إسرائيل توطين اللاجئين الفلسطينيين والاعتراف بإسرائيل وفي عهده وقعت اتفاقية الهدنة مع إسرائيل 29 يوليو 1945م، ولم يمكث حسني الزعيم في حكم سوريا سوى أربعة أِشهر ونصف حيث قاد سامي الحناوي في أغسطس 1949م، انقلابًا داميًا على حسني الزعيم بدعم من بريطانيا وأعدم الزعيم، ولكن الحناوي لم يمكث طويلًا حيث قاد أديب الشيشكلي انقلابًا على الحناوي بدعم أمريكي في ديسمبر 1949م، وقتل الحناوي، واستمر الصراع بالتهديد من تركيا التي دخلت حلف الناتو وكذلك من العراق لمشروع نوري السعيد مع بريطانيا للهلال الخصيب وفي ظل هذا الصراع توجه بعض الضابط السوريين إلى مصر في طلب الوحدة وهو ما تم 1958م، والتي تعرضت أيضًا  للمؤامرات.

وبعد عقود من الاستقرار السياسي والإقليمي عاد الصراع على سوريا بين روسيا الاتحادية وإيران والولايات المتحدة والتدخل الإقليمي تركيا ودول الاتحاد الأوروبي مع الاضطرابات التي شهدتها المنطقة، بعد سقوط نظام زين العابدين  بن علي في تونس 2011م، كان تدخل روسيا العسكري لتحقيق المصالح الروسية للمحافظة على قاعدتها على البحر المتوسط وهو هدف استراتيجي منذ عهد الأمبراطورية الروسية للوصول للبحار الدافئة وبعد سقوط نظام القذافي إزدادت أهمية قاعدة روسيا في طرطوس، كما تدخلت إيران تحت حلم تشكيل الهلال الشيعي من إيران مرورًا بالعراق وسوريا ولبنان، ودعمت الولايات المتحدة بعض عناصر المعارضة السورية وبعض الأكراد في سوريا كما دخلت تركيا في الأزمة السورية، والصراع لا يختلف تقريبًا كما شهدته سوريا بعد الاستقلال ولكن باختلاف الأطراف المتنافسة، ولذلك فإن عودة سوريا تمثل نجاحًا مهمًا في إبعاد سوريا عن التحالفات الإقليمية خارج النظام الإقليمي العربي، ونجحت الدبلوماسية السعودية في احتواء سوريا ومشاركة الأسد في القمة هدف استراتيجي مهم للأمن القومي العربي وسوف يسهم في حل الأزمة اللبنانية والحرب في اليمن من خلال التعاون الإيراني السوري والسعودي التي ترأس القمة العربية ولها تأثيرها الإقليمي والدولي، لما لسوريا من تأثير مع بعض الأطراف اللبنانية وعلاقة إيران مع حزب الله والدور السعودي الفعال يسهم في حل أزمة الرئاسة في لبنان وكذلك جلب الأطراف اليمنية لطاولة الحوار لإنهاء الحرب الأهلية  والاستقرار في العراق وعودة اللاجئين السوريين، وإعادة الدور الفعال للمحور الثلاثي مصر والسعودية وسوريا ، فاحتواء سوريا ضرورة استراتيجية للأمن القومي العربي.

القمم العربية وأزمات الأمن القومي العربي

إرتبطت القمم العربية بأزمات الأمن القومي العربي، فكانت القمة العر بية الأولى في يناير 1964م، بدعوة من الرئيس المصري جمال عبد الناصر إثر قيام إسرائيل بتحويل مياه نهر الأردن وكان البيان الختامي للقمة الأولى يؤكد على إنهاء الخلافات العربية وتشكيل القيادة العسكرية الموحدة  في ظل الجامعة العربية ، كانت المنطقة قد شهدت قبل ذلك، الخلافات العربية التي أطلق عليها  الأكاديمي الأمريكي مالكوم كير " الحرب الباردة العربية" وبالقمة تمت المصالحة وتجاوز الخلافات السابقة ودعم الشعب الفلسطيني وفي القمة الثانية التي عقدت بالاسكندرية في سبتمبر نفس العام،  تم الإعلان عن منظمة التحرير الفلسطينية لتنظيم الشعب الفلسطيني وأصبح احمد الشفيري رئيسا للمنظمة وتم تشكيل المؤسسات الفلسطينية وجيش التحرير الفلسطيني، ويظهر أن القيادات العربية أو بعضها على الأقل أصبحت تتجه للحل السياسي وأن تكون هناك قيادة فلسطينية تتولى ذلك لأنه لا يستطيع أحد من  الزعماء تحمل تبعية الاعتراف بإسرائيل أمام الشعوب العربية، فكانت كثير من القيادات تأخذ شرعيتها السياسية من شعار تحرير فلسطين، وتتابع الأحداث يؤكد صحة هذا الرأي فعندما تمت اتفاقية أوسلو سبتمبر 1993م، تتابعت اتفاقيات السلام مع إسرائيل على اعتبار القيادة الفلسطينية اعترفت بإسرائيل، فكان دومينو التطبيع ورفع المقاطعة الاقتصادية عن إسرائيل، وفي القمة العربية بالرباط أكتوبر 1974م، اعترفت القمة بأن منظمة التحرير الفلسطينة هي الممثل الوحيد للشعب الفلسطيني رغم اعتراض الأردن على القرار ولكن بالإجماع العربي وافق الأردن تماشيًا مع بقية الأطراف العربية وهذا القرار يؤكد  النية للتوجه السياسي للتفاوض مع إسرائيل التي احتلت الضفة العربية والجولان وسيناء وكانت قمة الخرطوم أغسطس 1967م، التي عرفت بقمة اللاءآت الثلاثة وهي لا صلح ولا تفاوض مع إسرائيل ولا اعتراف بها وهي التي تم تجاوزها فيما بعد، وتكررت القمم العربية لمعالجة الأزمات العربية  كالقمم المرتبطة بالحرب الأهلية في لبنان، وفي عام 2000م، عقدت  القمة العربية الطارئة بالقاهرة إثر تفجر الانتفاضة الفلسطينية الثانية عندما دخل أريل شارون المسجد الأقصى وتم إنشاء صندوق الأقصى لدعم الشعب الفلسطيني، وبعدها أخذت القمم العربية تعقد سنويًا ( باستثناء فترة جائحة كوفيد19) لمناقشة القضايا العربية وهي ظاهرة إيجابية تركز على التضامن العربي والتنمية الاقتصادية، فقد عقدت منذ 2009م، أربع قمم اقتصادية تحت مسمى القمة الاقتصادية العربية والتنموية والاجتماعية كان آخرها قمة لبنان الاقتصادية 2019م، وكانت قمة الجزائر نوفمبر 2022م، تحت شعار لم الشمل وتأتي قمة جدة التي ترأستها السعودية لتؤكد أيضًا على التضامن العربي ولم الشمل فعليًا، وتأتي أهمية القمم العربية لتراجع دور الجامعة العربية ولطبيعة النظم السياسية العربية وآليات اتخاذ القرارات فيها، فالقرارات الاستراتيجية والأمن القومي تخضع للقيادة المركزية في الدولة، والقيادات السياسية من الملوك والرؤساء هم الأقدر على اتخاذ هذه القرارات التي تتعلق بالعلاقات العربية والأجنبية في حالة  تعثر الوصول إلى اتفاق في اجتماعات وزراء الخارجية، ومع انعقاد القمم سنوياً أصبحت المتابعة مستمرة للقضايا العربية وأصبح اهتمامًا عربيًا في ظل تحول النظام الدولي وظهور تكتلات إقليمية ودولية ورغبة أكيدة لدور عربي فعال على المستوى العالمي وفي ظل هذا الدور تتحرك الدبلوماسية العربية وخاصة السعودية كقوة اقتصادية وعضو في مجموعة العشرين ودورها في أكبر  تكتل بعد الأمم المتحدة وهي منظمة التعاون الإسلامي .

 القمم العربية ودول الجوار الجغرافي

اهتمت القمم  العربية بدول الجوار الجغرافي لأنها ذات أهمية استراتيجية للمنطقة العربية، وكانت إسرائيل عند  إنشائها عام 1948م، تبنى بن غوريون استراتيجية عرفت باستراتيجية الأطراف بإقامة علاقات مع دول الجوار الجغرافي العربي إيران وتركيا وأثيوبيا للخروج من تأثير المقاطعة العربية،  فكانت إيران الشاة تمد إسرائيل بالبترول وتتعاون مع الموساد الإسرائيلي ضد الدول العربية وتدعم أكراد العراق، وفي تركيا العلمانية شكلت المؤسسة العسكرية الحاكمة علاقات تعاون مع إسرائيل وكانت تهدد سوريا من الشمال وفي أثيوبيا تعاونت إسرائيل معها لاختراق القارة الإفريقية وتهديد الأمن القومي العربي من الجنوب لمصر والسودان، ولكن سقوط الشاه وتراجع المؤسسة العسكرية في تركيا فشلت استراتيجية الأطراف الإسرائيلية، فأقامت دول عربية علاقات متميزة مع إيران وتركيا مثل سوريا والجزائر ووطدت دول عربية علاقاتها مع تركيا خاصة بعد مجئ حزب العدالة والتنمية للحكم عام 2002م، ولكن إسرائيل تكثف علاقاتها مع أثيوبيا وعلاقاتهما بين المد والجزر حسب علاقة أثيوبيا بالقرن الإفريقي وعلاقاتها مع واشنطن، وفي قمة جدة تم التركيز على أهمية التعاون بين تركيا وإيران وتم تخفيف البيان الختامي لما يتوافق مع تطور العلاقات العربية / التركية والإيرانية، وفي خطاب القمة للرئيس الجزائري الذي مثله رئيس الوزراء أيمن عبد الرحمن في جدة قال  "لطالما دعت الجزائر لا سيما في القمة العربية السابقة إلى الاهتداء بفضائل الحوار لتأسيس علاقات بناءة مع دول الجوار الجيوسياسي، التي نتقاسم معها روابط الدين والتاريخ والإرث الحضاري فضلاً عن العامل الجغرافي "، وأكدت القمة على أهمية إعادة العلاقات السعودية / الإيرانية والعلاقات مع تركيا، ولعل الخطورة تكمن في الأزمة السودانية أن تستغلها الأطراف الإقليمية والدولية مثل أثيوبيا وفرنسا ودول أخرى، ولذلك جاء في بيان القمة رفض التدخل الخارجي في القضايا العربية وجاء في البيان " الحيلولة دون أي تدخل خارجي في الشأن السوداني يؤجج الصراع ويهدد السلم والأمن الإقليميين"، ولأن السودان له حدود طويلة مع سبعة دول إفريقية وهذا يسهل استخدام المرتزقة من تشاد وإفريقيا الوسطى وغيرهما، وقد تسعى بعض الدول الاستعمارية التي أخذت تفقد نفوذها في منطقة الساحل والصحراء كما حدث في مالي لأن  تستغل الأحداث في إشعال منطقة الساحل والصحراء والصراعات القبلية في دارفور لإستنزاف دول الساحل والصحراء بالتورط في النزاع في السودان إذا استمرت الأوضاع فيه لشهور قادمة، ويمكن تعزيز الدور العربي مع دول الجوار الجغرافي وإفريقيا بالتعاون الاقتصادي والاستثمار وعقد القمم السياسية مع هذه الدول لأن تبقى عمقًا استراتيجيًا للنظام الإقليمي العربي وخاصة الدول الإفريقية التي بحاجة للاستثمار والتنمية وهي عمق استراتيجي يمكن استعمال القوة الناعمة فيها، فالأزهر بمصر والقرويون بفاس والجامعة الإسلامية في المدينة المنورة تشكل فرصة لجذب الطلاب الأفارقة فيها كما نشرت المراكز الثقافية للتشجيع على تعلم اللغة العربية لتحجيم انتشار اللغة الفرنسية التي تعتبر وسيلة لنشر الثقافة الفرنسية ومعظم الدول الإفريقية بالقارة دول إسلامية أو أغلبها يسكنها المسلمون وينتشر الإسلام فيها علمًا بأن التبشير في القارة كان مقدمة للاستعمار الأوروبي، ولا زالت الذاكرة الإفريقية ضد المستعمر الأوروبي تسهم في التقارب العربي الإفريقي، لأنه كانت فيها ممالك إسلامية  في غرب ووسط إفريقيا ،وفي ظل التحولات الدولية فإن الفرصة مناسبة لدور عربي في إفريقيا وجمهوريات آسيا الوسطى ودول الجوار الجغرافي فالاقتصاد أقوى وسيلة لتعزيز العلاقات لأنها بحاجة للاستثمار والتجارة والمساعدات الاقتصادية وإقامة المشاريع الاقتصادية.

رؤية مستقبلية بعد قمة جدة

حظيت قمة جدة باهتمام كبير على  المستوى الدولي والإقليمي، فرسالة الرئيس الصيني للقمة العربية وكذلك رسالة الرئيس الروسي للقمة تعكس أهمية الدور العربي كما أن حضور الرئيس الأوكراني أيضًا الذي تنقل من باريس إلى قمة  الدول السبع في طوكيو ثم القمة العربية في جدة تعكس الأهمية السياسية للموقف العربي، وخاصة أن السعودية لها موقف متوازن في علاقاتها الخارجية والصراعات الدولية قائمة على سياسة الحياد في النزاعات الدولية، كما أن معظم الدول العربية تمارس الحياد الإيجابي، ويظهر التأثير العربي بأنه لأول مرة في تاريخ الأمم المتحدة ووفقًا للتفويض الممنوح من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة ( القرار /A23/77/RES  الصادر في 30 نوفمبر 2022م) تم إحياء ذكرى النكبة بمقر الأمم المتحدة، وهذا يشكل هزيمة سياسية واخلاقية لإسرائيل ومؤيديها.

إن الأمن القومي ينبع من الداخل العربي بالتضامن والتكامل الاقتصادي، وأن الدول الأجنبية لم تحقق الأمن للمنطقة العربية بل هي وراء عدم الاستقرار والحروب الأهلية والإقليمية، والدول الغربية تخوض حرباً بالوكالة مع روسيا الاتحادية من خلال أوكرانيا، ولكن القلق أخذ يساور بعض الدول الأوروبية وكما كتب الصحفي الأمريكي المخضرم سيمون هيرش بأن مجموعة من الدول الأوروبية بقيادة بولندا تدعو سراً الرئيس الأوكراني زيلينسكي لإنهاء الصراع في البلاد حتى على حساب استقالته. وليس غريبًا فقد تخلت الولايات المتحدة والدول العربية عن كثير من أصدقائها في حالة تهديد مصالحها.

ومما يميز هذه القمة الرؤية الواضحة للمستقبل في التأكيد على التنمية المستدامة وتوطين التنمية لنهضة زراعية وصناعية عربية واحترام الحقوق الأصيلة للمواطن العربي، وأشار بيان القمة إلى رفض الهيمنة الثقافية لثقافات أخرى دون سواها واستخدامها ذرائع للتدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية، وأكد البيان على الاهتمام بالقيم والثقافة العربية وخاصة الاهتمام باللغة العربية لأنها وعاء الأمة الحضاري وتعليم العربية لغير الناطقين بها وخاصة للأجيال العربية التي عاشت في الغرب من أبناء المهاجرين لتعزير التواصل مع بلدانهم وحضارتهم وإبراز الحضارة والثقافة العربية على مستوى العالم لمواجهة الغزو الثقافي الذي تتعرض له الأجيال العربية الشابة .

إن انهيار الماركسية والأزمات التي تعاني منها الرأسمالية الغربية والانحراف الاجتماعي في قيم الغرب تحت شعار الحرية كلها تجعل من القيم والحضارة العربية الإسلامية نموذجًا يحتذى بها، فالرأسمالية الموحشة نشرت الفقر والجوع وتحت شعار الحرية المضللة انتشر الشذوذ الجنسي في الغرب، وأن القيم الحضارية العربية الإسلامية قدمت مساهمة كبرى للحضارة الإنسانية تظهر آثارها باقية وتشهد آثارها في الأندلس، والاعتزاز بالهوية الثقافية واللغة العربية كلها تسهم في توطيد العلاقات بين شعوب  الأمة العربية وتقدم للعالم نموذجًا فكريًا من العدل والمساواة والحرية التي تتوافق مع فطرة الإنسان، وفي ظل تحول العالم الذي يتشكل يمكن للدول العربية وفي ظل رئاسة السعودية للقمة أن تكون لها دور عالمي اقتصادي وسياسي وفكري واجتماعي، والأمة  تقع في قلب العالم الجيوبولتيكي وهي مهد الحضارات والديانات وهي ميزات لا تتوفر في أي أمة من الأمم عبر التاريخ.  

مقالات لنفس الكاتب