array(1) { [0]=> object(stdClass)#13063 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 187

قمة جدة نقلت الجغرافيا العربية من مساحة للتدافع الدولي إلى الوساطة وخلق فرص السلام

الخميس، 22 حزيران/يونيو 2023

  شهدت المرحلة التي عرفت بالربيع العربي، التي بدأت بالانتفاضة الشعبية في تونس، في ديسمبر/ كانون الأول 2010م، وما تلاها من تطورات متلاحقة في مصر وسوريا وليبيا واليمن، نشوء حالة من الانقسام العربي، فأيدت بعض الدول العربية تلك الانتفاضات وقدّمت لها الدعم السياسي بينما اتخذت بعض الدول الأخرى موقف تأييد نُظم الحكم القائمة أو على الأقل تبنّت سياسة الترقُّب وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وانعكس ذلك على حالة العلاقات بين الحكومات التي اتسمت بالريبة والشك، وخلق الفرصة للتدخلات الإقليمية والدولية.

   لاحقًا أدرك قادة الكثير من الدول العربية خُطورة التداعيات المُترتبة على دعم التنظيمات السياسية وميليشياتها العسكرية، وضرورة إنهاء هذه المرحلة والعمل على التسوية السلمية لهذه الصراعات لتحقيق مناخ الاستقرار الإقليمي. وظهر ذلك التغيُّر أساسًا على مستويين: مستوى العلاقات الثلاثية بين العراق ومصر والأردن، ومستوى جماعي بين دول مجلس التعاون الخليجي وهذه الدول الثلاث وذلك على النحو الآتي:

  أثمر ذلك التعاون الثلاثي عندما دعا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي كلًا من ملكَ الأردن ورئيسَ وزراء العراق لاجتماع في القاهرة في مارس 2019م، وانعقد الاجتماع الثاني في بغداد في يونيو 2021م، وأعقبه الاجتماع الثالث في الأردن في ديسمبر 2022م، وأرسى البيان الصادر عن اجتماع القاهرة أسس هذا التجمع التي ركزت على تعزيز مؤسسات الدولة الوطنية الحديثة، وتعزيز التكامل والتعاون الاقتصادي في مجالات الطاقة والبنية التحتية والاستثمار وإعادة الإعمار، ومكافحة الإرهاب. وفي هذا الشأن، انعقد عدد من الاجتماعات على مستوى الوزراء وكبار المسؤولين في هذه الدول، جرت الدعوة إليها تحديدًا أو عُقدت على هامش اجتماعات أخرى، مثل لقاء وزراء الخارجية الثلاث على هامش القمة العربية التي عقدت في الجزائر عام 2022م، وخلال الفترة ذاتِها تطورت علاقة كلٍّ من هذه الدول بدول مجلس التعاون الخليجي للدول العربية.

 جاءت الانعطافة الإيجابية في العلاقات العربية ـ العربية مع انعقاد قمة العُلا في يناير/ كانون الثاني 2021م، الذي أنهى حالة القطيعة بين الرباعي: المملكة العربية السعودية ومصر والإمارات والبحرين من ناحية، وقطر من ناحية أخرى، فتحت القمة الباب لصفحة جديدة من علاقات المصالحة والوفاق، فأُعلنَ عن عودة العلاقات الدبلوماسية الكاملة بين السعودية وقطر في يوم انعقاد المؤتمر وهو 5 يناير / كانون الثاني، وتبعتها الدول العربية الأخرى.

أوجدت قمة العُلا الأرض الخصبة لعدد من مظاهر التقارب والتعاون والتنسيق على المستوى العربي الشامل، منها على المستوى الرسمي المؤتمرات الدورية لمجلس جامعة الدول العربية التي أفصحت عن درجة أعلى من التفاهم العربي، وأيضًا اجتماعا قمة جدة مع الرئيس الأمريكي جو بايدن في حزيران 2022م، التي شارك فيها قادة دول مجلس التعاون الخليجي ومصر والعراق والأردن، وقمة الرياض مع الرئيس الصيني شي جين بينغ في ديسمبر من العام ذاتِه التي شاركت فيها الدول ذاتُها إضافة إلى تونس ولبنان وموريتانيا والسودان.

انعقدت أيضًا لقاءات تشاورية لتبادل وجهات النظر بين عدد من القادة العرب، لتأكيد طابع تبادل الآراء والأفكار والمعلومات بينهم بشكل مباشر ودون مشاركة وفود رسمية أو معاونين لهم، مثل لقاء مدينة العَلمين المصرية في أغسطس/ آب 2022م، الذي حضره قادة الإمارات والبحرين ومصر والعراق والأردن، ولقاء أبو ظبي في ديسمبر / كانون الثاني 2022م، بحضور زعماء دول البحرين ومصر والإمارات وقطر وسلطنة عُمان والأردن.

 

تسارعت الأحداث على أكثر من مسار يتعلق بالبؤَر الساخنة في المنطقة فبالنسبة للعراق، انعقد مؤتمر بغداد 1 في أغسطس /آب 2021م، بهدف تنسيق جهود إعمار العراق بمشاركة عربية ضمّت المملكة العربية السعودية والإمارات ومصر والكويت وقطر والأردن، وإقليمية ضمّت تركيا وإيران، ودولية ضمّت الرئيس الفرنسي ماكرون وعددًا من ممثلي منظمات التنمية والتمويل الدولية، ثم مؤتمر بغداد 2 في الأردن في كانون الثاني 2022م، بالمشاركين ذواتهم مع انضمام البحرين وسلطنة عُمان.

وامتدت موجة المصالحات إلى القضية الفلسطينية، فبعد انقطاع في العلاقات بين المملكة العربية السعودية وحركة حماس استمر 8 سنوات، استقبلت الرياض في إبريل 2023م، وفدًا من حركة حماس قاده رئيس المكتب السياسي للحركة في الداخل إسماعيل هنية ورئيس الحركة في الخارج خالد مشعل، في الوقت ذاتِه الذي كان فيه رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس يزور السعودية برفقة عدد من قيادات السلطة.

ومن المؤشرات الأخرى لمسيرة المصالحة، الاتفاق الذي جرى بين المملكة العربية السعودية وإيران (المتحمسة لعقد الصلح) والذي جرى بوساطة عراقية وضمانة صينية وأُعلن عنه في بكين خلال مارس / آذار 2023م، متضمّنًا عودة العلاقات الدبلوماسية وإحياء معاهدة الأمن بين البلدين، ومن المرجح أن هذا الاتفاق سيسهم في إزالة مُسببات التوتر في عدد من صراعات المنطقة ويساعد على تسويتها، فضلاً عن، التقاربات التركية العربية التي حصلت خلال العامين الأخيرين.

 أن قمة جدة العربية التي جاءت بعد أقل من سبعة شهور على انعقاد قمة الجزائر في  نوفمبر / تشرين الثاني 2022م، وهو ما يؤشر إلى تأكيد حل أزمة انتظام عقد القمم العربية، فمن المعروف أن بروتوكول الانعقاد الدوري للقمم العربية الذي أقرته قمة القاهرة 2000م، قد نص على الانعقاد السنوي للقمة في مارس / آذار من كل عام، وأن تطبيق هذا البروتوكول قد انتظم منذ انعقاد قمة عَمان 2001م، وحتى قمة تونس عام 2019م، ولم يحدث استثناء لهذا الانتظام إلا في أمرين، أولهما أن القمة لم تنعقد في عام 2011 م، بسبب أحداث ما عُرف بـ"الربيع العربي"، والثاني أن الالتزام بانعقاد القمة في مارس /  آذار من كل عام قد تغير مرات قليلة لأسباب رأتها الدولة المُضيفة، كما في قرار تونس تأجيل قمة 2004 م، إلى مايو / أيار من نفس العام لأسباب ترتبط في الأغلب بتداعيات الاحتلال الأمريكي للعراق وإسقاط النظام السياسي في بغداد عام 2003م، وتأجيل قمة 2016م، إلى  يوليو / تموز لاعتذار المغرب عن استضافتها وعقدها في موريتانيا في ذلك التاريخ.

وبدءاً من القمة التي عقدت في تونس في عام 2019م، ظهر أن جامعة الدول العربية تواجه تحدياً حقيقياً، فلم تُعقد قمة في عام 2020 وعام 2021م، كما أن قمة عام 2022 م، لم تُعقد في  مارس / آذار، وإنما عُقدت في الجزائر في تشرين الثاني من هذا العام، وكان التبرير الرسمي هو جائحة كورونا ، غير أن ذلك يبدو غير منطقيًا لان معظم اللقاءات الدولية المهمة كانت تُعقد إلكترونيًا بشكل منتظم ومن دون معرقلات، ولم يكن هناك مفر من الاعتراف بأن ثمة خلافات حقيقية حول قضايا أساسية أبرزها عودة الحكومة السورية لعضوية جامعة الدول العربية وغير ذلك، وفي النهاية تمكنت الجزائر من عقد القمة في نوفمبر/ تشرين الثاني 2022م، وإن لم تتمكن من حل معضلة عودة النظام السوري للجامعة، وساد مع انعقاد تلك القمة نوع من الاطمئنان لعودة الانتظام إلى انعقاد القمم العربية، وهو ما تأكد بانعقاد قمة جدة بعد أقل من سبعة شهور، والتزام ملك البحرين في كلمته أمام القمة بعقد قمة 2024م، في بلاده، بل ومبادرة رئيس وزراء العراق في كلمته بطلب استضافة قمة 2025م، وهو ما يعني بكل المعايير أن مؤسسة القمة قد رُد إليها اعتبارها في قمة جدة، وزال عنها الخطر الذي كان يهددها، وبقي أن يفضي هذا التطور الإيجابي إلى المزيد من الفاعلية العربية في مواجهة التحديات الراهنة للنظام العربي.

 تبنت قمة جدة مواقف سليمة من قضايا الصراع وعدم الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، سواءً كانت تدور داخل الدول العربية، أو بين دول عربية ومحيطها الإقليمي، وأبدأ هنا بالقضية الفلسطينية التي أكد "إعلان جدة" أهميتها للدول العربية، وأدان بأشد العبارات الممارسات والانتهاكات التي تستهدف الفلسطينيين في ممتلكاتهم وأرواحهم بل ووجودهم، كما أكد التمسك بخيار التسوية الشاملة والعادلة على أساس حل الدولتين وفقاً للقرارات الدولية والمبادرة العربية، ودعا المجتمع الدولي إلى الاضطلاع بمسؤولياته لإنهاء الاحتلال ووقف اعتداءاته وانتهاكاته المتكررة التي تعرقل الحلول السياسية، وحماية القدس المحتلة ومقدساتها. 

أما باقي القوى الإقليمية، فقد وردت مواقف القمة بشأنها في القرارات التفصيلية وليس في البيان، فعلى سبيل المثال، فإن الموقف المؤيد لمصر والسودان في قضية سد النهضة الإثيوبي ورد في القرار الخامس عشر، وكذلك وردت القرارات المتعلقة بالتدخلات الإيرانية والتركية في الشؤون العربية (القرارات من 11 -14)، ومعظمها وافقت القمة بشأنها على مشاريع قرارات قدمتها الدول العربية ذات الشأن.

وفيما يتعلق بالأوضاع داخل بعض الدول العربية، أعطى البيان الختامي للقمة الأولوية للتطورات الجارية في السودان، وأبدى القلق من تداعياتها على أمن الدول العربية واستقرار شعوبها، وأكد ضرورة التهدئة وتغليب لغة الحوار ورفع المعاناة عن الشعب السوداني والمحافظة على مؤسسات الدولة الوطنية والحيلولة دون أي تدخل خارجي في الشأن السوداني، واعتبار اجتماعات جدة التي بدأت في 6  مايو/ أيار بين الفرقاء السودانيين خطوة مهمة يمكن البناء عليها، ورحب بطبيعة الحال باستئناف مشاركة الحكومة السورية في اجتماعات مجلس الجامعة والمنظمات والأجهزة التابعة لها، وأعرب عن أهمية مواصلة الجهود العربية وتكثيفها لمساعدة سوريا على تجاوز أزمتها الداخلية الحالية . 

وفي الشأن اليمني، جدد "إعلان جدة" تأكيد دعم كل ما يضمن أمن الجمهورية اليمنية واستقرارها، وكذلك دعم الجهود الأممية والإقليمية الرامية للتوصل لحل سياسي شامل استناداً إلى المبادرة الخليجية ومخرجات الحوار الوطني وقرار مجلس الأمن المرقم 2216، كما جدد الإعلان دعم مجلس القيادة الرئاسي، وأعرب الإعلان عن التضامن مع لبنان، وحث الأطراف اللبنانية كافة على التحاور لانتخاب رئيس للجمهورية يلبي طموحات اللبنانيين، وانتظام عمل المؤسسات الدستورية هناك وإقرار الإصلاحات الداخلية المطلوبة.

 

لقد سلطت القمة العربية 32 التي استضافتها مدينة جدة مؤخرًا، الضوء على دور المملكة العربية السعودية كقوة دبلوماسية ناجحة وصاعدة وتحولها إلى البرجماتية، بدليل حضور الرئيس السوري بشار الأسد للقمة لأول مرة منذ 12 عامًا، ومشاركة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي.

   إن مشاركة الرئيس السوري في القمة تضفي بلا شك طابعًا رسميًا لاستعادة سوريا علاقاتها بمعظم الدول العربي، لا سيما الجامعة العربية جمدت علاقاتها مع دمشق عام 2011 م، بعد حملة القمع العنيفة التي قادتها حكومة الأسد ضد الاحتجاجات والتي تحولت فيما بعد إلى صراع أهلي دامٍ.

   أن اللقاء الثنائي الذي جمع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان والرئيس السوري بشار الأسد على هامش اجتماعات القمة في جدة يعد ثمرة للجهود التي قادتها المملكة العربية السعودية في الفترة الأخيرة للدفع نحو تطبيع العلاقات مع نظام الأسد، فالحراك السعودي الرامي إلى إنهاء عزلة سوريا وتنسيق الجهود لمعالجة الصراعات في السودان وأوكرانيا، يسلط الضوء على كيفية توظيف المملكة لاجتماع القمة العربية لتعزيز مكانتها كعنصر أساسي في تحقيق السلام العالمي وكدولة ارتكاز عربي وإقليمي.

   وإلى جانب عودة سوريا إلى الساحة السياسية العربية، نسق ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بنفسه حضور الرئيس الأوكراني للقمة العربية، ويبدو أن هدف المملكة من هذه الخطوة هو تأكيد دورها كوسيط في الصراع الأوكراني ــ الروسي، وبعد القمة، أعلنت المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأمريكية كل على حدة، التوسط في وقف مؤقت لإطلاق النار في السودان، وبغض النظر عن مدى فاعلية الجهود الدبلوماسية السعودية الأخيرة في ملفات أوكرانيا والسودان وسوريا، إلا أنها توكد تحول المملكة إلى قوة جيو ـ سياسية ودبلوماسية لا يمكن تجاوزها فيما يخص ملفات منطقة الشرق الأوسط بشكل كامل.

 

قدمت القمة العربية في جدة المزيد من الإجراءات الواقعية، وسلطت الضوء على دور المملكة العربية السعودية كقوة دبلوماسية صاعدة، وهذا يرجح أن تستمر الرياض في تواصلها الفعال مع دمشق للحد من النفوذ الإيراني على حكومة الأسد، ومن المتوقع أيضًا أن تقدم السعودية وغيرها من دول الخليج الدعم المالي لسوريا، في حال تمكنت دمشق من الإيفاء بتعهداتها بالحد من تهريب المخدرات وتسهيل العودة الآمنة للاجئين السوريين من الدول العربية، وفيما يخص الصراع الأوكراني / الروسي، فمن المتوقع أن تحافظ الرياض على حيادها من جهة، وأن تعزز صورتها كوسيط في محادثات السلام المستقبلية.

 

  كان إعلان القمة العربية السابقة التي عقدت في الجزائر 2022م، قد منح اهتماماً خاصاً بالتطورات الدولية الراهنة، وبلور بشأنها رؤية متكاملة يمكن أن يُبنى عليها دور عربي فاعل في إعادة تشكيل النظام الدولي، فقد رأى أن التوترات الدولية المتصاعدة تُسلط الضوء على الاختلالات الهيكلية في آليات الحوكمة العالمية، وعلى الحاجة الماسة لمعالجتها ضمن مقاربة تكفل التكافؤ والمساواة بين جميع الدول، وتضع حداً لتهميش الدول النامية، وأكد ضرورة مشاركة الدول العربية في صياغة معالم المنظومة الدولية الجديدة كمجموعة منسجمة وموحدة، وكطرف فاعل لا تنقصه الإرادة والإمكانات والكفاءات لتقديم مساهمة فعلية إيجابية في هذا المجال، كما أكد هذا الإعلان الالتزام بمبادئ عدم الانحياز كأساس للموقف العربي من الحرب الأوكرانية - الروسية الذي يقوم على نبذ استخدام القوة والسعي لتفضيل خيار السلام عبر الانخراط الفعلي لمجموعة الاتصال الوزارية العربية في الجهود الدولية الرامية لإيجاد حل سياسي لهذه الأزمة يتوافق مع مبادئ ميثاق منظمة الأمم المتحدة، ويراعي الدوافع الأمنية للأطراف كافة، وفي هذا السياق، أشاد إعلان قمة الجزائر بقرارات منظمة "أوبك" التي أدت فيها الدول العربية المُصدرة للنفط دوراً رائداً بالتعامل معها على أنها قرارات ضامنة لاستقرار الأسواق العالمية للطاقة، وكانت هذه القرارات باعثة للأمل في إمكان بلورة دور عربي موحد تجاه تلك التطورات وعملية إعادة تشكيل النظام الدولي يعزز مكانة الدول العربية في هذا النظام.

 

  لقد امتازت القمم العربية السابقة عادة بطرح كل قمة لقضايا جديدة، إلا أن ما طرح في  "إعلان جدة" كان مختلفًا عندما تضمن عدداً من القضايا، منها المبادرات الثلاث التي وردت في البند الحادي عشر من الإعلان، وأولاها مبادرة تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها، والتي تستهدف تحديداً أبناء الجيلين الثاني والثالث من المهاجرين العرب، وهذه المبادرة شديدة الأهمية لاتصالها بتعزيز الحضور العربي في بلدان المهجر وربطه بالثقافة العربية وما من شأنه أن يعود بفائدة جمة على المصالح العربية إذا تحقق النجاح في تكوين لوبي عربي في بلدان المهجر يدافع عن القضايا العربية العادلة ؛ أما المبادرة الثانية فهي مبادرة استدامة سلاسل إمداد السلع الغذائية الأساسية للدول العربية، بما يسهم في تحقيق الأمن الغذائي للدول العربية ، وأخيراً مبادرة البحث والتميز في صناعة تحلية المياه بغرض تحفيز البحث العلمي والتطبيقي والابتكار في إنتاج المياه المحلاة، والإسهام في تحسين اقتصاديات هذه الصناعة، لخفض التكلفة، وتوفير المقومات اللازمة لجعلها صناعة استراتيجية للدول العربية. كما تضمن البند 12 من "إعلان جدة" مبادرة رابعة لإنشاء "حاوية فكرية للبحوث والدراسات في الاستدامة والتنمية الاقتصادية"، وذلك لتعزيز التوجهات والأفكار الجديدة في مجال التنمية المستدامة.

ولا تخفى بطبيعة الحال الأهمية الفائقة للمبادرات السابقة لمواجهة التحديات الاقتصادية الحالية للدول العربية، وبالذات في مجال شح المياه والأمن الغذائي، بغية أن تسير هذه المبادرات جنباً إلى جنب مع جهود تحقيق الأمن الغذائي العربي، وأن تكون مرتبطة بآليات تنفيذ واضحة، وأن يتم التنسيق في هذا الصدد مع القمة التنموية الخامسة التي من المقرر أن تُعقد في نواكشوط لاحقاً هذا العام، والأهم من هذا كله أن تحظى تلك المبادرات بمتابعة جادة من الجامعة العربية وتجسيدها على أرض الواقع، والحقيقة أن هذه النقطة بالغة الأهمية بسبب ما يُلاحظ أحياناً من قلة الفاعلية في متابعة قرارات القمم العربية منذ القمة الأولى عام 1964م، وحتى الآن. 

 

إن أمام العمل العربي المشترك مهمتان أساسيتان لا تنفصلان، الأولى هي تصحيح المسار السياسي الداخلي لعدد من البلدان العربية فيما يرتبط بالتنمية، والثانية هي تراكمية البناء المؤسساتي للسياسات الداخلية وحتى الخارجية على أساس الوعي الكامل بالتنسيق والتعاون بين الدول العربية ، نحو تحقيق المشروع العربي الوحدوي المنشود، إذ أن خيار التضامن العربي والتكامل السياسي والاقتصادي والثقافي بين الدول العربية على قاعدة الالتزام بالثوابت القومية، هو وحده الطريق في ظل وضع دولي يتجه بقوة نحو صناعة تكتلات سياسية واقتصادية كبرى، وهو السبيل لمواجهة الأخطار المحدقة بالأمن العربي من كل مكان .

 إن العالم العربي في هذه المرحلة يحتاج إلى ما هو أكثر من عقد القمم سنويًا، بل إلى المزيد من الجهود السياسية والتنسيق المشترك  لمواجهة التحديات الخارجية الراهنة لعل في مقدمتها التهديدات والتحديات السياسية والأمنية، وهى أبرز القضايا المطروحة حالياً على الساحة العربية، وتؤثِّر على العالم العربي في مجمُوعِهِ؛ كما أن هذا النوع من التحديات لا يمكن لدولةٍ بمفردها مواجهتها أو وضع حلولٍ لها، لأنها تستلزم تضافر جهود وإمكانات مجموعةٍ من الدول العربية أو كلها، لإيجاد سياسة مشتركة، بعيداً عن عوامل القطرية أو التفرّد الذي حظيت به المجموعة الأولي من التحديات. كما أن الحكومات العربية اتخذت موقفاً إيجابياً من الحملة الدولية على الإرهاب وشاركت بشكل أو بآخر مع الولايات المتحدة في الحرب على الإرهاب، وَسَعَت في الوقت نفسه إلى إطلاق العديد من التصريحات التي تميّز بين الإرهاب والمقاومة المشروعة للاحتلال.

  أما على صعيد الصراعات العالمية الراهنة وتأثيرها على العالم العربي، فإن الحرب الروسية على أوكرانيا رغم بعدها جغرافيًا عن المنطقة العربية، فإنها كشفت الأعطاب التي خلفها النظام السياسي العربي على مدى عقود بفعل عدم تحقيقه استقلالًا ذاتيًا، في الأمن الغذائي كما هو الحال مع باقي المجالات التي تعد الدول العربية رهينة خيارات لا تسهم في صياغتها، بل يمكن القول -بالنظر لعدة أسباب تاريخية وسياسية واجتماعية- إنها في ظل الشروط الراهنة وطبيعة الأسس التي ترتكز عليها سياسات هذه الدول، وافتقادها للشرعية وللمشروع الوطني الديمقراطي ولسلطة القانون ، ستبقى عاجزة عن تحقيق أبسط المتطلبات التي تحول بين شعوب منطقة غنية بثرواتها ومساحاتها الجغرافية الكبرى، وبين هزات اجتماعية قد تكون بسبب الأوضاع الاقتصادية.

 

 إن قمة جدة ووفق المعطيات أسست لمرحلة جديدة في العمل والتكامل العربي، فالقمة لم تكن تقليدية في كل مستوياتها من ناحية الملفات العربية وطبيعة التعاطي معها كقرارات أو من خلال النهج الجديد الذي اعتمدته المملكة العربية السعودية في التحضير لها لغرض الوصول إلى تحقيق الهدف الأساس منه وهو لم الشمل العربي وهذا لم تنجح به  القمم العربية منذ ما يقارب الثلاثة عقود ، فضلًا عن قدرة المملكة العربية السعودية على نقل هذا الحدث من نطاقه العربي إلى نطاق عالمي ودفع المنتظم العربي ليكون كتلة قادرة على طرح رؤيتها في القضايا العالمية أو نقل الجغرافية العربية من كونها مساحة للتدافع الدولي إلى مساحة للوساطة وخلق فرص السلام.

مقالات لنفس الكاتب