array(1) { [0]=> object(stdClass)#13063 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 188

دول الخليج تجمع بين القوة الناعمة والقوة الذكية والتي لا تتوافر لدول عديدة

الأحد، 30 تموز/يوليو 2023

تتميز  دول مجلس التعاون الخليجي بعناصر  تجمع بين القوة الناعمة والقوة الذكية والتي قد لا تتوافر للعديد من الدول الأخرى، حيث تركز  دول المجلس على توظيف القدرات الاقتصادية الناعمة والمؤثرة بصورة كبيرة، إذ تسهم المعونات الاقتصادية والدعم الاقتصادي لعدد من دول العالم في زيادة الحضور والتأثير الخليجي بصورة كبيرة، ولا شك أن المنظمات المتخصصة في تقديم الدعم كالصناديق ومجالات الاستثمار والإيداعات التي تقوم بها دول الخليج في البنوك المركزية للدول الأخرى تجعل لها حضورًا وتأثيرًا غير مسبوق فيما يتعلق بعلاقاتها بتلك الدول.

بالإضافة إلى ما سبق، فإن ما تقوم به دول مجلس التعاون الخليجي من خلال الشراكات الاقتصادية أو الانصهار في التكتلات الاقتصادية العالمية وتستثمر هذه المكانة الاقتصادية الدولية في دفع القوى الكبرى إلى مرعاة مصالح دول الخليج واتخاذ مواقف سياسية ترتبط بتلك القدرات والشراكات الاقتصادية، وتتناغم مع المصالح السياسية والثقافية لدول مجلس التعاون الخليجي في نهاية المطاف. وعلى التوازي توظف هذه القدرات أيضاً في تطوير القطاعات الإنتاجية في دول الخليج وزيادة استثمارات صناديقها السيادية العالمية في دوائر مختلفة ومتعددة، ولا تقتصر على منطقة أو دول بعينها، وهو ما يتيح لها مساحة واسعة تتحرك خلالها بأمان دون أن تكون مرتبطة بصورة أساسية في قطاع النفط وحده، وجعلها قادرة على احتواء أي تهديد لأمنها.

ومن الأهمية بمكان الإشارة في هذا السياق إلى أن دول مجلس التعاون الخليجي قد بادرت بالاهتمام بصورة كبيرة بكل الصياغات والعناصر الخاصة بالقوة الناعمة، فعلى سبيل المثال أنشأت المملكة العربية السعودية المركز العالمي لمكافحة الفكر المتطرف "اعتدال" والذي جرى تدشينه خلال القمة الإسلامية الخليجية في الرياض مايو 2017م، كما أعلنت وزارة الثقافة والإعلام السعودية تدشين مركز التواصل الدولي ليكون همزة الوصل بين الوزارة ووسائل الإعلام الدولية ومختلف مراكز الأبحاث. من ناحية أخرى، أنشأت دولة الإمارات مجلس القوة الناعمة لدولة الإمارات العربية المتحدة لتكون من أوائل الدول في العالم التي تنتقل بمفهوم القوة الناعمة من إطار المفهوم إلى عالم التطبيق والواقع والتخطيط، وهو ما تبعته دول خليجية أخرى، بما يعني أن هناك اهتمام واضح من الخليج بالتأثير الثقافي بصورة كبيرة على مستوى العالم.

طفرة التحديث السعودية:

تجدر الإشارة إلى أن طفرة التحديث التي تشهدها المملكة العربية السعودية في السنوات الأخيرة قد رتبت نتائج إيجابية فيما يتعلق بالقوة الناعمة للمملكة العربية السعودية على مستوى العالم، وعليه فعملية التحديث التي تشهدها دول التعاون الخليجي تساهم بصورة كبيرة في تحسين صورة دول الخليج، واندماجها في النظام العالمي، وتقديم وجه آخر كان مفتقدًا في التعامل مع دول وتكتلات مختلفة، والدليل على ذلك أن دول مجلس التعاون الخليجي أصبحت وجهة ليس فقط سياحية واقتصادية واستثمارية لمعظم دول العالم وشركاتها ومؤسساتها، ولكن أيضًا للتعامل والاستفادة من المتغيرات الجديدة التي شهدتها تلك الدول والنماذج التي قدمتها سواء على المستوى السياسي أو الثقافي والاجتماعي وهذا يؤدي في النهاية لأن يكون هناك حضورًا دوليًا واضحًا، وقبولاً عالميًا وطرحًا إيجابيًا لمخرجات التفاعلات السياسية والاجتماعية في تلك الدول، ويزيد من تحقيق المصالح الاقتصادية والسياسية لدول مجلس التعاون الخليجي وتأثيرها.

وعلى المستوى السياسي، حرصت دول مجلس التعاون الخليجي خلال السنوات الأخيرة بصورة واضحة على الانخراط في كافة التطورات السياسية والاقتصادية والاجتماعية ليس فقط في المنطقة، ولكن على امتداد العالم سواء ما يتعلق بالقضايا المثارة في إفريقيا أو في آسيا أو في أوروبا. وقد تم ترجمة ذلك فيما يتعلق بالوساطات التي قامت بها تلك الدول والمبادرات التي طُرحت، سواء المبادرات التي تعلقت بالحرب الروسية الأوكرانية والوساطات التي تمت للإفراج عن الأسرى من الطرفين، أو تقديم دعم إنساني لضحايا الحرب، أو تقديم دعم متعدد للدول التي عانت من جائحة كورونا بتقديم الأدوية واللقاحات اللازمة لها.

ولا شك أن موقف دول مجلس التعاون الخليجي فيما يتعلق بالزلزال الذي وقع في تركيا وشمال سوريا والمعونات التي قدمت على وجه السرعة والأولوية لكلا البلدين قد عبر عن حضور واضح على المستوى الإنساني لدول مجلس التعاون الخليجي تجاوز دور القوى الكبرى التي كانت تدعي أن لها مواقف إنسانية على مستوى العالم، ولكن كُشفت عنصريتها فيما يتعلق بضحايا الزلازل في كل من سوريا وتركيا.

إمتلاك عناصر القوة الشاملة:  

نظرياً؛ كانت القوة الشاملة للدول تقاس تقليديًا بالقوة العسكرية التي تمتلكها الدولة والتي تستطيع بها مجابهة أي مخاطر والذود عن نفسها أو تحقيق مكاسب وأهداف على مستويات متعددة. ولكن مع بداية التسعينيات، بدأ يتضح مفهوم جديد يسمى القوة الناعمة للدول وقد عبر عنه بصورة واضحة الكاتب الأمريكي "جوزيف ناي" في كتابه القوة الناعمة وسيلة النجاح في السياسة الدولية، كما عبر عنه أيضًا أمين عام الحزب الشيوعي الصيني عام 2007 م، عندما أعلن أن الصين بحاجة إلى زيادة قوتها الناعمة؛ لدعم مصالحها القومية، وأشار كذلك وزير الدفاع الأمريكي الأسبق "روبرت جيتس" إلى أنه من الضروري لخدمة الأمن القومي الأمريكي التركيز أيضًا على الدبلوماسية والاتصالات الاستراتيجية وتقديم المساعدات والتنمية الاقتصادية والقوة الناعمة.

وينصرف المقصود بالقوة الناعمة في إطار العلاقات الدولية إلى مدى قدرة الدول على تحقيق أهدافها في إطار علاقاتها مع الدول الأخرى، من خلال التأثير دون التهديد، ودون الاضطرار إلى استخدام الوسائل الصلبة كالأدوات العسكرية وغيرها؛ أي القدرة على الحصول على النتائج المرجوة من خلال الإقناع وليس الإكراه أو الإرغام.

ومن المهم الإشارة هنا إلى أن العلاقة بين القوة الناعمة والقوة الصلبة هي علاقة تكاملية، فكل منهما يعزز الآخر ويدعم القوة الشاملة للدولة، ومن المهم أن تقوم الدولة بتطوير القوتين معًا، لأن أيًا منهما لن يكون فعالًا في غياب الآخر، وكل منهما مهم لتحقيق أهداف الدولة بصورة كاملة. وعليه فالقوة الناعمة طبقًا لذلك تكون قوة جذب وإقناع وليست قوة إكراه وإجبار، وعلى هذا الأساس نتناول موضوعنا الأساسي في هذه الورقة، وهو القوة الناعمة لدول الخليج ودورها.

وأصبح يضاف إلى عناصر القوة الشاملة للدولة القدرات التقنية والتكنولوجيا وتطبيقها في مختلف المجالات، وهو الأمر الذي بات يحقق فارقًا كبيرًا بين الدول المتقدمة والدولة المتخلفة؛ فالتطور التقني يسمح بتغيرات استراتيجية فيما يتعلق بالقدرات العسكرية أو الاقتصادية، كما يرفع من مستوى التنمية بصورة عامة وتحقيق الرفاهية للشعب على المستوى الداخلي، وهو ما يزيد من تعزيز الاستقرار.

وبناء على ذلك، ظهر مصطلح جديد عام 2003م، وهو مفهوم القوة الذكية، وهو نهج يؤكد على ضرورة وجود قوة صلبة، ولكنه يستثمر أيضًا بشكل أكبر في التحالفات والشراكات والمؤسسات على جميع المستويات، أي أن تستخدم القوة الصلبة إلى جانب موارد القوة الناعمة لتحقيق تأثير أوسع فيما يتعلق بمصالح الدول. وفيما يتعلق بتحديد استراتيجية القوة الذكية يشير العلماء والمراقبون إلى أن أكثر الاستراتيجيات فاعلية في السياسة الخارجية اليوم تتطلب مزيجًا بين موارد القوة الصلبة والناعمة؛ فإذا كان من الضروري في بعض الأحيان استخدام القوة الصلبة أي القوة العسكرية أو غيرها، فإنه من الضروري استخدام موارد القوة الناعمة لتغيير مواقف بعض الدول من خلال التلويح بتلك القوة وتحقيق الإرغام دون ممارسة القوة بصورة فجة.

على سبيل المثال فإن القوة الذكية وفقًا لهذا المفهوم تنطوي على استخدام استراتيجي للدبلوماسية والإقناع وبناء القدرات والتأثير بطرق مختلفة، مع التأكيد على أن هناك قوة صلبة يمكن استخدامها عند الضرورة. وإذا كان مفهوم القوة الذكية لا يزال يشهد تفسيرات مختلفة إلا أن معظم الدراسات التي تحدثت عن ذلك أكدت أن مفهوم القوة الذكية يؤكد أن القوة الصلبة هي القوة الأساسية وأن القوة الناعمة يجب أن تكون منفردة تحقق المطلوب وتنتج سياسة خارجية فعالة، إلا أن البعض الآخر يرى أن القوة الصلبة يمكن أن تكون غطاءً فيما يتعلق باستراتيجية القوة الذكية، وأن الدمج بين القوة الصلبة والناعمة يمكن أن يحقق أهدافًا أكبر ومصالح أكبر وهو ما سُمي بالقوة الذكية. ويشيرون هنا إلى مثال إيقاف برنامج الأسلحة النووية لكوريا الشمالية من خلال التلويح بالقدرات المؤثرة بتوجيه ضربات إلى جانب حصار ثم الحديث عن قوة ناعمة بإمكان تقديم مساعدات بما أدى إلى وقف للبرنامج في فترة من الفترات.

الاستثمار المزدوج للقوة الناعمة والذكية

عملياً، أدركت دول مجلس التعاون الخليجي التحولات الجيوسياسية والتطورات التي اجتاحت النظام العالمي في السنوات الأخيرة وأثرت على التحالفات والأوضاع الاقتصادية وطبيعة العلاقات الدولية تتيح لها فرصة لاستثمار تلك القوة لتحقيق مصالح واضحة سواء فيما يتعلق بدول مجلس التعاون الخليجي أو الإقليم، وبالتالي باتت دول مجلس التعاون الخليجي تستثمر قوتها الناعمة والذكية التي تصهر بين قوتها الصلبة والناعمة لتحقيق مصالحها ومصالح الإقليم بصورة كبيرة.

وكانت بداية الاستثمار من خلال الشراكات الاقتصادية مع التحالفات الدولية، فعضوية المملكة العربية السعودية في مجموعة العشرين بغض النظر عما أتاحته من وضع دولي متميز للمملكة يترجم قدرتها وقوتها على مستوى العالم، وقناعة الدول الكبرى بمركزية دورها على هذا المستوى، إلا أنها خلال عضويتها في المجموعة التي لا تقتصر فقط على قضايا اقتصادية بل تمتد للقضايا السياسية المثارة عالميًا وأزماته بصورة رئيسية، وبالتالي فالحضور السعودي في هذا المجال، لا يعتبر حضورًا سعوديًا فقط، بل يعني حضورًا لدول المنطقة، حيث تتبنى المملكة أجندات تتناول المصالح العربية والإقليمية بصورة كبيرة.

كما أن الشراكات الأخرى التي انخرطت فيها دول خليجية مختلفة سواء في مجموعة "البريكس"، والتي يرجح أن تنضم المملكة العربية السعودية إليها وعدد من دول مجلس التعاون الخليجي، يعني أن تكتلات أخرى إضافية تمتد على مستوى العالم سيكون هناك حضور لدول مجلس التعاون الخليجي من خلالها، لذلك نتوقع أن تكون القرارات الاقتصادية متفهمة لطبيعة المنطقة وتحدياتها وطرق حلها، بما يقنع الأطراف الأخرى بأن هناك مصالح يجب مراعاتها ليس فقط لمجلس التعاون الخليجي، ولكن لدول المنطقة ككل.

وعلاوة على ذلك، فإن دول مجلس التعاون الخليجي قد استثمرت القوة الناعمة في القيام بجهود مؤثرة فيما يتعلق بالأزمات الدولية، فالمجهود والدور الذي بذلته المملكة العربية السعودية في عودة سوريا إلى جامعة الدول العربية رغم اعتراض عدد من القوى الكبرى التي تفرض حصارًا على سوريا، قد أكد أن القوة الناعمة للممئلكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي يمكن أن تصبح أداة للتأثير على الدول الكبرى وتدفعها إلى مراعاة اعتبارات أخرى تتعلق بالمصالح القومية في المنطقة إلى مطالبها التي تفرض على الجميع.

ومن ناحية أخرى، فالدور الذي تقوم به سلطنة عمان في وساطاتها في مفاوضات البرنامج النووي الإيراني والتي تولتها منذ البداية وكادت أن تصل إلى نتائج إيجابية سرعان ما تتوقف لتطورات ومواقف مستجدة بين الطرفين، إلا أنها تؤكد أن ما تمتلكه سلطنة عمان من قوة ناعمة وقبول من أطراف النزاع يسمح لها بوساطة على هذا النوع ويؤكد حضورها الدولي في القضايا المؤثرة بما يؤدي لتهدئة التوترات ومن ثم إعادة الاستقرار للمنطقة بصورة كبيرة.

ومن الملاحظ أن دول مجلس التعاون الخليجي قد أدركت منذ فترة طويلة أن الاستراتيجية الاتصالية أصبحت أكثر أهمية من الجيوش، وأن التقدم والذكاء الاصطناعي أصبح عاملًا مؤثرًا في تحقيق المصالح، ولذلك ركزت على تطوير قدراتها الذكية من خلال استراتيجيات لاستخدام المعلومات والمعارف والاتصال وتوظيف ثقافتها وقيمها السياسية لتأكيد حضورها الدولي ونسج علاقات على مستوى عالٍ بينها وبين مجتمعات مختلفة على اتساع العالم.

رقم صعب في معادلات التحول في النظام الدولي:

من الثابت أن هناك تغيير في موازين القوى على مستوى العالم، استند هذا التغيير بصورة أساسية إلى العناصر والأدوات الجديدة لمفهوم القوة الذكية وتأثيرها، وهو ما أتاح لدول مجلس التعاون الخليجي حضورًا على خريطة التوازن الدولي بامتلاكها عناصر للقوة الناعمة وعناصر للقوة الذكية جعلتها في مصاف الدول الكبرى والتي تستطيع أن تتعامل على هذا الأساس وترغم الأطراف الأخرى على التعامل معها ومراعاة مصالحها بناء على تقييم وتأثير قوتها الناعمة بصورة كبيرة.

ولا شك أن نجاحها في هذا المجال على هذا المستوى قد أدى إلى سقوط نظرية كانت سائدة سواء على مستوى المنطقة أو العالم وهي مقولة الأمن مقابل النفط؛ فقد أدركت دول مجلس التعاون الخليجي أن لديها القدرة على أن تحقق أمنها من خلال علاقاتها وتطوير شراكاتها المختلفة، وبالتالي فإن التوجه نحو الشرق ونسج علاقات قوية سواء مع الصين أو الدول الكبرى في آسيا قد أدى إلى توفير بديل، ودفع الولايات المتحدة والدول الغربية بصورة عامة إلى مراجعة سياساتها واستراتيجياتها التي تبلورت خلال السنوات الأخيرة وأعلنت خلالها أن منطقة الشرق الأوسط والخليج لم تعد بنفس درجة الأهمية التي كانت بها. ويكفي أن وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن في زيارته الأخيرة للمملكة العربية السعودية قد أمضى ثلاثة أيام متصلة وعقد لقاءات مكثفة منفردة ومجمعة وذلك في أعقاب قمم ثلاث سبق وأن عقدت قبل ذلك وقمم ثلاث عقدتها الصين. إذًا القوة الناعمة لدول الخليج على المستوى الاقتصادي رتبت عائدًا سياسيًا كبيرًا ومحسوسًا وساعدت على تغيير استراتيجيات سياسية في التعامل معها، وحققت مكاسب لدول المنطقة بصفة عامة.

ويمكن القول، أنه في إطار التوازن الدولي القائم وما شهده من متغيرات سواء في أعقاب جائحة كورونا أو في تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، أصبحت دول مجلس التعاون الخليجي رقمًا مؤثرًا سواء في الانفتاح الاقتصادي أو في تعزيز الحوار وتأمين فرص لشراكات ناجحة على مستوى العالم، ورتب لها حضورًا ليس فقط إقليميًا، ولكن دوليًا. ولا شك أن ما شهده العالم مما يسمى بحراك الغاز بعد أزمة الطاقة قد شهدت نوعًا من الإقبال الغربي بصورة كبيرة على تحسين العلاقات مع دول مجلس التعاون الخليجي وتجاوز بعض الطروحات التي سبق وأن طرحتها خلال سنوات سابقة وتجاوزتها بصورة كبيرة في تعبير واضح عن تقديرها لتلك الدول. أي أن القوة الناعمة على المستوى الاقتصادي لدول مجلس التعاون الخليجي قد نجحت في تحقيق مكاسب ومصالح لتلك الدول بطريقة هادئة ودون إرغام، وهو ما يمثل نجاحًا للقوة الناعمة لدول مجلس التعاون الخليجي.

ولا شك أن العلاقات الدبلوماسية لدول مجلس التعاون الخليجي سواء بالتكتلات الدولية أو المنظمات الدولية وحضورها فيها وممارستها أدوارًا كبيرة أكد على أن دول مجلس التعاون الخليجي أصبحت تمتلك أدوات تأثير واضحة وتساهم في صياغة مواقف وقرارات، ولا شك أن الموقف الخليجي من أزمة السودان الأخيرة والمبادرات والوساطات التي قُدمت يعني أن دول مجلس التعاون الخليجي على تنوعها واختلافها وتباين المواقف فيما يتعلق بتلك القضايا إلا أنها في النهاية تؤكد أنها تمتلك أدوات تأثير واضحة في التطورات الإقليمية ولها حضور واضح ومؤثر على هذا المستوى، تدفع دول العالم إلى مراعاتها وتقديرها.

الخلاصة

إن دول مجلس التعاون الخليجي رغم اهتمامها بقوتها الصلبة وقدراتها العسكرية وحصولها على صفقات أسلحة أكثر حداثة بصورة كبيرة، الأمر الذي جعل القوات الجوية للمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات –على سبيل المثال- تفوق قدرات الطرف الآخر الذي مثل تهديدًا للمنطقة وهي إيران، ومع ذلك فإن دول الخليج كانت حريصة على عدم رفع درجة التطور مع إيران رغم أنشطتها المقوضة لاستقرار المنطقة، بل كان هناك حرصًا على التواصل معها، وكانت هناك وساطات متعددة سواء من قبل سلطنة عمان أو قطر والكويت، والبحث عن منطقة مصالح مشتركة تهدئ من التوتر وتوقف عملية التصعيد، وكانت النتيجة الإيجابية لذلك الاتفاق الذي تم توقيعه في بكين بين الرياض وطهران، وعاد بالعلاقات بينهما لمستوى مناسب، رغم انه في بدايته، إلا أنه خفف من درجة التوتر التي سيطرت على المشهد، وحقق نوعًا من الاستقرار.

وعليه فاستثمار القوة الناعمة والذكية من قبل دول مجلس التعاون الخليجي والمملكة العربية السعودية بصفة خاصة، قد ساهم في تحقيق الاستقرار والتهدئة في المنطقة، ومن المتوقع أن ينعكس هذا الاتفاق أيضًا على الأزمات العربية التي تشهد نوعًا من الاشتباك مع إيران سواء في اليمن، سوريا، العراق، ولبنان وهذه مصالح قومية بدرجة كبيرة، والبحث عن مجالات  ومستوى للوصول لحل لتلك الأزمات يكفل التهدئة ويحد من التدخلات الخارجية ويعيد المنطقة لطبيعتها وبداية عمليات التنمية ومواجهة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والأمنية التي تعاني منها تلك الدول.

هذا مثال واضح على استثمار القوة الناعمة والقوة الذكية لدول مجلس التعاون الخليجي بما يعود بالفائدة والمصلحة على دول المنطقة بأكملها. ولا شك أن الوساطات التي تقوم بها الدول الخليجية إلى جانب أنها تكفل دورًا متميزًا لتلك الدول وحضورًا على المستوى الدولي إلا أنها توفر أوراق لدول مجلس التعاون الخليجي تستثمرها ليس فقط في علاقاتها الثنائية، ولكن فيما يتعلق بالقضايا العابرة للدول والمناطق أي القضايا التي تشهد اشتباكًا دوليًا بصورة كبيرة.

فقد أصبحت القوة الناعمة لدول مجلس التعاون الخليجي إحدى الأدوات الأساسية لتلك الدول ليس فقط لتحقيق المصالح ولكن أيضًا لترتيب مزايا فيما يتعلق بدورها على مستوى العلاقات الدولية وحضورها في هيكل التوازن الدولي الذي يشهد متغيرات جيوسياسية كبيرة حتى لا تغيب عنها وحتى تصبح طرفًا مؤثرًا فيها، وهو الواضح حتى الآن؛ فالشراكات الاقتصادية والدخول في التحالفات المختفلة والقيام بأدوار الوساطة، واستثمار ما تقدمه من مساعدات اقتصادية، وتبنيها أدوارًا معينة في مواجهة الفكر المتطرف والدعم الثقافي للاهتمام بمشاكل الدول الأكثر فقرًا، كل هذه الأمور تعني أن دول مجلس التعاون الخليجي من خلال استثمارها لقدراتها على هذا المستوى قد حققت مصالح ووضعت نفسها على خريطة التأثير والحضور الإقليمي والدولي بصورة كبيرة.

مقالات لنفس الكاتب