array(1) { [0]=> object(stdClass)#13063 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 188

دول الخليج تساهم في فرض الأولويات الإقليمية والدولية لكبح القوة الصلبة

الأحد، 30 تموز/يوليو 2023

ما هي القوة الناعمة؟ كان السؤال الكبير الذي طرحه الكاتب والمساعد السابق لوزير الدفاع الأمريكي، جوزيف ناي، في كتابه:" القوة الناعمة، وسيلة النجاح في السياسة الدولية"، وكان جوابه مباشرة:" إنها القدرة على الحصول على ما تريد عن طريق الجاذبية بدلاً من الإرغام أو دفع الأموال. وهي تنشأ من جاذبية ثقافة بلد ما، أو مثله السياسية، وسياساته". وينسب جوزيف ناي مصطلح القوة الناعمة لنفسه بقوله:" قمت بتطوير القوة الناعمة لأول مرة في كتابي: "ملزمون بالقيادة" الذي نشرته في سنة 1990م، والذي عارض الرأي السائد في حينها والقائل بأن أمريكا آخذة في الانحدار. فأشرت إلى أن أمريكا هي أقوى أمة، ليس في القوة العسكرية والاقتصادية فحسب، بل كذلك في بعد ثالث أسميته القوة الناعمة. ولرفع اللبس أكثر عن المفهوم الذي استخدمه أعاد تحديد عناصره في كتابه الذي صدر سنة 2001م، بعنوان:" مفارقة القوة الأمريكية"، حيث يقارن القوة الصلبة بالقوة الناعمة، بينما تمثل كل من القوة العسكرية والقوة الاقتصادية مثالان عن القوة الصلبة التي يمكن استخدامها لإقناع الآخرين بتغيير موقفهم، لأن القوة الصلبة يمكن أن تستند إلى محاولات الإقناع (الجزر) وإلى التهديدات (العصي). غير أن القوة الناعمة هي طريقة غير مباشرة لممارسة القوة، فقد يحصل بلد ما على النتائج التي يريدها من السياسة العالمية لأن بلدانًا أخرى تريد أن تتبعه، معجبة بقيمه، تحذو حذوه وتقتدي بمثاله، متطلعة إلى مستواه من الازدهار والانفتاح. وبهذا المعنى فإن وضع جدول الأعمال في السياسة العالمية واجتذاب الآخرين هي من مصادر القوة الناعمة التي تكون اختيارية وليست إجبارية.

انطلاقًا من تحديد مصطلح القوة الناعمة ومصدره الفكري، نحاول أن نبين وسائل وأدوات القوة الناعمة لدول مجلس التعاون الخليجي ومصدر قوتها ومدى تأثيرها في إطار المتغيرين الأساسين لمفهوم القوة الناعمة، الذي حددهما جوزيف ناي، وهما: عناصر جاذبية ونجاح السياسات الخليجية، من جهة، والقدرة على فرض جدول الأعمال عن طريق الإقناع لمجموع القضايا المعولمة التي تهم المنطقة الخليجية والعالم العربي، من جهة أخرى. مع محاولة طرح التصورات الممكنة لتفعيل عناصر القوة الناعمة للدول الخليجية لإقناع القوى المتصارعة على إعادة ترتيب هيكلية النظام الدولي وتوزيع مصادر القوة العالمية، بأن القضايا العالمية التي تفرض نفسها على جدول الأعمال المستعجلة والطارئة تفوق قدرة الدول بمفردها مهما أوتيت من عناصر القوة الصلبة على مواجهتها أو حلها بمعزل عن الشراكة الدولية والتعاون الإيجابي بما يخدم مصلحة الحفاظ على الكون الذي يعيش فيه الجميع. ولعل تجربة كوفيد 19 ونتائجها الكارثية على البشرية أثبتت أن الأنانيات الضيقة لا تجدي نفعًا مع جائحة لا تعرف الحدود الجغرافية ولا السياسية ولا يمكن لمتغيرات القوة الصلبة أن تطرح الحلول لها، مثلها مثل التغيرات المناخية التي ستفرض على الجميع الالتفاف حول أنجع السياسات لكبح الاحتباس الحراري الذي سيهلك الحرث والنسل إن بقيت اتجاهاته السلبية على حاله.

أولا: القوة الناعمة لدول مجلس التعاون الخليجي، الوسائل، عناصر القوة ومدى تأثيرها.

يمكن قياس عناصر القوة الناعمة لدول مجلس التعاون الخليجي من خلال مجموعة من المؤشرات التي تعكس سمعة ومكانة دول مجلس التعاون الخليجي في محيطها الجيوستراتيجي القريب والبعيد، بما يمنحها صفة الجاذبية لدى الآخرين في النجاحات الذي حققتها من خلال فرض قيمها وثقافتها، والمكاسب التي تحصلت عليها من خلال السياسات العامة المنتهجة في تحقيق سعادة المواطن وتحسين المؤشرات البشرية، فضلاً عن القدرة على حل الكثير من القضايا الاقتصادية والمالية الخانقة العالمية، والمساهمة في تسويق الدور الدبلوماسي الفعال لتسوية النزاعات المستعصية.  

أ- السمعة العالمية وجاذبية مجلس التعاون الخليجي: تكمن عناصر قوة التأثير والنفوذ لدول مجلس التعاون الخليجي في توسيع نشاطها الدبلوماسي العالمي، من خلال القمم التي تجريها مع القوى الدولية الفاعلة قصد إقناع اللاعبين الجيوستراتيجيين المتصارعين على المجالات الحيوية العالمية بأن خيار الأمن والتنمية أفضل البدائل لبناء الأمن والاستقرار العالمي، وهذا ما يتضح من مجموعة القمم الخليجية مع كل من الولايات المتحدة الأمريكية، الصين وروسيا. فإذا نظرنا إلى مخرجات قمة جدة لقادة دول مجلس التعاون الخليجي والولايات المتحدة الأمريكية المنعقدة بتاريخ 16 يوليو 2022م، فإنها تؤكد على مجموع القضايا التي تهم الاستقرار العالمي حيث تتفق كل من الدول الخليجية وواشنطن على التعاون المشترك لتعزيز جهود الإنعاش الاقتصادي العالمي ومعالجة التداعيات الاقتصادية الناتجة عن الوباء والحرب في أوكرانيا وضمان مرونة سلاسل التوريد وأمن إمدادات الغذاء والطاقة وتطوير مصادر الطاقة النظيفة والتكنولوجيات ومساعدة البلدان المحتاجة من خلال المساعدة في تلبية احتياجاتها الإنسانية والإغاثية. وفي هذا المجال، فإن الإشادة الأمريكية بالدور الفاعل لدول مجلس التعاون الخليجي يتضح في البند الثالث من البيان الختامي، الذي ترحب فيه بقرار مجموعة التنسيق العربية التي تضم عشر مؤسسات إنمائية مالية متخصصة عربية ووطنية، بتقديم ما لا يقل عن 10 مليارات دولار أمريكي لمواجهة تحديات الأمن الغذائي على الصعيدين الإقليمي والدولي تطبيقًا لأهداف خارطة الطريق للأمن الغذائي العالمي التي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية. وإلى جانب المساهمة في تحقيق الأمن الغذائي العالمي، تقوم دول الخليج بدور اللاعب المحوري في توازن استقرار سوق النفط العالمي لصالح المستهلكين والمنتجين من خلال مجموعة أوبيك بلوس. كما رحب الرئيس الأمريكي بايدن في ذات القمة، بنية بعض الشركاء من دول مجلس التعاون الخليجي باستثمار ما قيمته 3 مليارات دولار في مشاريع البنية التحتية والاستثمار العالمي في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل، بما فيها المشاريع التي تعزز أمن المناخ والطاقة والاتصال الرقمي وسلاسل التوريد العالمية. ما يجب ملاحظته في البيان الختامي للقمة الخليجية-الأمريكية أن البنود الخمسة الأولى كلها تعبر عن عناصر القوة الناعمة لدول مجلس التعاون الخليجي، وهو الشق الأول من الخطاب الذي أطلقه الرئيس بايدن في القمة، بأن "مجلس التعاون الخليجي والمنطقة أصبحت أكثر توحدًا من ذي قبل والشرق الأوسط أصبح مساحة للانفتاح والفرص في العالم، وأن مصالح أمريكا مرتبطة بنجاح منطقة الشرق الأوسط"، طبعًا وفي قلبها منطقة الخليج العربي. إلا أن الشق الثاني من خطاب بايدن الذي ينظر فيه إلى المنطقة بنظرة جيوبوليتكية، حيث يصر على ألا يترك فراغًا في الشرق الأوسط لتملأه روسيا أو الصين أو إيران، فهي نظرة لا تعبر في الواقع عن إدراك دول مجلس التعاون الخليجي، الذي يركز على الشق الأول من خطاب بايدن باعتبار المنطقة ساحة للفرص والانفتاح على مجموع القوى الدولية والإقليمية بما يخدم معادلة الأمن والتنمية معًا. وهذا ما تبينه القمم الخليجية مع الصين أو روسيا مثلاً. فإذا رجعنا إلى القمة الخليجية-الصينية للتعاون والتنمية التي عقدت مباشرة بعد القمة الخليجية-الأمريكية بتاريخ 9 ديسمبر 2022م، فإننا ندرك طبيعة التوجه الخليجي باستخدام قضايا القوة الناعمة والجاذبية بما يخدم القضايا المشتركة التي تهم كل اللاعبين الجيوستراتيجيين، حيث يشير البيان الختامي إلى نفس القضايا المشتركة التي تم التأكيد عليها مع الولايات المتحدة الأمريكية، والتي تهم كل من الدول الخليجية والصين مما يجعلها تنسق المواقف حيالها ويتعلق الأمر بدعم الجهود للتعافي الاقتصادي الدولي، والعمل على ضمان مرونة سلاسل الإمدادات، وأمن إمدادات الغذاء والطاقة، وترقية التعاون في تطوير مصادر الطاقة النظيفة. والنقطة القوية في دعم القوة الناعمة الخليجية، تبرز في التركيز على تعزيز حوار الحضارات والتواصل بين الثقافات المتنوعة والحفاظ على التنوع الحضاري، وترقية قيم التسامح والتعايش بين الأمم والشعوب. مع التأكيد على عدم الاصطفاف في لعبة الحرب الباردة التقليدية القائمة على الاستقطاب الدولي أو التكتلات ضد القوى الكبرى أو ترجيح شريك على آخر، لأن منطق القوة الناعمة يقتضي أن تؤثر في الآخرين عن طريق تغليب قوة الإغراء والإقناع بدلاً من قوة الإكراه، ومجالها التنمية والتعاون بكل أشكالها. وهو ما توضحه شهية التعاون المتبادل المغري بين الدول الخليجية والصين، حيث سارعت صناديق سيادية خليجية في تعزيز محافظها من الأسهم الصينية، فأضحى جهاز أبو ظبي للاستثمار مساهمًا رئيسيًا في شركتي الفحم والطاقة "تشاينا شينخوا إنرجي" و"سيجين ما يننينغ" في نهاية 2022م، كما عززت الهيئة العامة للاستثمار الكويتي تواجدها في "مطار شنشن" و" أنجل بيست للخميرة" ومعالجة الأغذية. وبذلك تشكل الصناديق السيادية الخليجية مركز ثقل القوة الناعمة لخلق التوازن في التنمية والتعاون بين الأقطاب الدولية، وحسب تقرير وكالة بلومبيرغ المتخصصة في مجالات المال والأعمال، فإن صناديق الثروة السيادية الخليجية أضحت ممولة لبعض أكبر حزم الإنقاذ والاستثمارات وعمليات الاستحواذ في العالم، حيث تدير أكثر من 3.5 ترليون دولار، ويعود ذلك للسمعة الطيبة للمستثمرين الخليجين في اقتناص الاستثمارات بالدول الغربية مثل نادي مانشستر سيتي الإنجليزي، وعقارات مانهاتن ومتجر هارودز، وفق تعبير الوكالة ذاتها. وحسب مركز البيانات "غلوبال إس دبليو إف"، فإن صناديق الثروة السيادية الخليجية أنفقت ما يقارب 89 مليار دولار على الاستثمارات خلال سنة 2022م، وهو ضعف ما تم إنفاقه في السنة التي قبلها، حيث استحوذت أوروبا وأمريكا الشمالية على ما يقارب 52 مليار دولار من إجمالي ما تم إنفاقه.

إن التوجه الخليجي نحو تنويع الشركاء الدوليين أعطاها نقاط قوة ذات بعد استراتيجي يمكن استخدامها لإعادة بناء الثقة بين القوى الدولية المتنازعة جيوسياسيا، بتفضيل التعاون والتنمية بدلًا من استخدام أدوات القوة الصلبة في حل النزاعات الحيوية كما هو الحال مع الحرب الروسية-الأوكرانية-الأطلسية، وهذا ما تؤكده الجولة السادسة للحوار الاستراتيجي الخليجي-الروسي المنعقدة بموسكو بتاريخ 10 يوليو 2023م، الذي أقر خطة العمل المشتركة للفترة 2023-2028م، والتي تهدف إلى تقوية العلاقات وتبادل الخبرات في القضايا المتعددة. وما يلاحظ في بنود البيان الختامي، الترحيب بجهود دول مجلس التعاون الخليجي في الوساطة بهدف تهيئة الظروف لحل سياسي للأزمة في أوكرانيا، وفقًا للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة بما تساهم في إحلال سلام عادل وشامل ومستدام، مع التأكيد على تضافر الجهود للحفاظ على النظام الدولي القائم على احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها واستقلالها السياسي، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وعدم استخدام القوة أو التهديد بها، وتسوية النزاعات بالآليات السلمية. وتشكل هذه البنود، اعترافًا روسيًا بمكانة ونفوذ دول مجلس التعاون الخليجي في إذابة الجليد بين القطبين الروسي-الأمريكي، خصوصًا وأن القمة تزامنت بوقت قصير مع القمة الأمريكية-الخليجية، وقد تنطلق بمساعي بناء الثقة في المجالات الإنسانية من خلال المساعدة على وصول الأغذية والأسمدة دون حواجز إلى الأسواق العالمية، سعيًا للحد من أزمة الأمن الغذائي العالمي. كما أن أوكرانيا تجد نفسها أقرب إلى دول الخليج في الوساطة بعدما استقبلت قمة جدة للجامعة العربية الرئيس الأوكراني فلوديمير زيلنسكي مع التزام دول الخليج بالتصويت مرتين لإدانة الحرب في أوكرانيا.

ب- المساعدات الإنسانية والإنمائية والاستثمارات الخارجية.

تشكل المساعدات الإنسانية والإنمائية إحدى الوسائل التي تعتمدها دول مجلس التعاون الخليجي في بسط قوتها الناعمة، حيث تساهم بشكل فعال في البرامج الإنمائية للأمم المتحدة سواء تعلق الأمر بإنجاز أهداف الألفية الإنمائية أو أهداف التنمية المستدامة 2030. وتتجاوز بعض الدول الخليجية المحورية في مساعداتها الإنمائية النسبة التي حددتها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية والمقدرة ب 0.7 بالمائة من إجمالي ناتجها القومي. مما جعلها تتبوأ المكانة الأولى من ضمن الدول المانحة في العالم، وهو ما يمنحها السمعة العالمية في أكبر المنتديات المتخصصة في مجالي التنمية، مساهمة ومشاركة. تشير بعض التقديرات إلى أن دول الخليج أنفقت ما قيمته 245 مليار دولار في الفترة الممتدة ما بين 1974 وسنة 2020م، أكثر من نصف المبلغ استفادت منه دول منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وبذلك تجاوزت بكثير معظم المانحين بما فيهم صندوق النقد الدولي لنفس الفترة التي بلغت 81 مليار دولار. ووفق التقرير الذي نشرته لجنة المساعدات الإنمائية التابعة لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في ديسمبر 2022م، التي تعد أكبر منتدى للدول المانحة، فإن السعودية تصدرت الدول المانحة في مجال تقديم المساعدات الإنمائية الرسمية، الإنسانية والتنموية، إلى الدول منخفضة ومتوسطة الدخل بما يزيد عن 7 مليارات دولار. وبذلك، تشكل هذه المساعدات حسب المصادر الرسمية السعودية 1.05 بالمائة من الدخل القومي الإجمالي متجاوزة السقف المحدد لــ0.7 بالمائة. وإذا دققنا في الحجم الإجمالي للمساعدات المختلفة التي قدمتها السعودية كما هو مبين في المنصة الحكومية للمساعدات فإنها بلغت 65.74 مليار دولار استفادت منها 167 دولة، 96 بالمائة منها وجهت للدول الآسيوية والإفريقية. إلى جانب السعودية، تعد الإمارات العربية المتحدة من بين الدول المانحة، حيث تجاوزت قيمة المساعدات في عام 2018 م، ما يقارب 29 مليار درهم استفادت منها 42 دولة، والمؤشر الإيجابي في تسويق صورتها الناعمة أنها للسنة السادسة على التوالي تتجاوز قيمة المساعدات نسبة 0.7 بالمائة من إجمالي الناتج القومي. ويحسب لدول مجلس التعاون الخليجي قدرتها على المساعدات الإنسانية، لاسيما تلك الممنوحة للشعب الفلسطيني، فقد سبق وأن تم تصنيف كل من السعودية، الإمارات والكويت مجتمعة، كثاني أكبر مانح على مستوى العالم لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين ( الأونروا) متجاوزة حجم مليار دولار خلال الفترة الممتدة ما بين 2013 و 2018م، بينما لم تتعدى مساعدات بقية الدول والمنظمات العربية والإسلامية بما فيها تركيا وإيران 90 مليون دولار، أي بعملية بسيطة، فإن المساعدات الإنسانية لدول الخليج الثلاث مجتمعة تمثل 12 مرة ما قدمته مجموع المنظمات العربية والإسلامية والدول الفاعلة فيها في نفس الفترة.

ج. الانخراط في الدبلوماسية العالمية للسلام العالمي.

تمتلك دول الخليج القدرة على إدارة وتسوية النزاعات الإقليمية والدولية المستعصية وذلك حسب تنوع أساليب وسمعة كل بلد، فإذا كانت عمان ذات الهوية الدبلوماسية الخافتة التي تشكل الفضاء الخلفي لتسوية النزاعات المصنفة ضمن النزاعات العالية الحدة، فإن قطر تقوم بدور دبلوماسية العلاقات العامة للترويج لمكانتها في الفضاء الخليجي مستخدمة عنصري القوة الناعمة الداعمة لإنجاح دورها الدبلوماسي، وهما القناة الإعلامية "الجزيرة"، من جهة، والموارد المالية لتغطية تكلفة الوساطة وحل النزاع المستعصي، من جهة أخرى. ويمكن أن نستشهد هنا، بتجربتين ناجحتين نسبيا، بالنسبة لعمان يحسب لها استضافتها للمفاوضين الأمريكيين والإيرانيين بسرية تامة قبل الإعلان عن توقيع الاتفاق النووي لسنة 2015م، كما تعمل بصمت في دور المساعي الحميدة لوقف إطلاق النار في اليمن كما حدث في لقاء صنعاء بين الحوثيين والسعودية. أما بالنسبة لقطر، فإن وثيقة الدوحة للسلام التي تم التوقيع عليها في يوليو 2011م، تم بموجبها تقاسم الثروات والسلطة بين الحكومة في الخرطوم وحركات دارفور وحسم النزاع المسلح مع تقديم تعويضات للنازحين، التزمت بموجبه قطر بتنفيذ برامج تنموية لبناء السلام. ولعل الاتفاق الأكثر إثارة للنقاش هو الذي تم التوقيع عليه بين الولايات المتحدة الأمريكية وطالبان في الدوحة بتاريخ 29 فبراير 2020م، التزمت الإدارة الأمريكية بموجبه الانسحاب التدريجي من أفغانستان مقابل ضمانات أمنية من طالبان بمحادثات سلام مع حكومة كابول. كما تلعب المملكة العربية السعودية الدور البارز في الفترة الأخيرة في فض النزاعات الإقليمية والدولية انطلاقًا من منطلق تحديد الدور المستقبلي للمملكة في إعادة ترتيب النظام الدولي، حيث نجحت الدبلوماسية الإنسانية السعودية في الإفراج عن عشرة أسرى لدى روسيا من جنسيات بريطانية وأمريكية في عز الحرب الروسية-الأوكرانية، لكن يبقى الدور الأكثر حضورًا يتعلق بالقضايا الحيوية المحيطة بها مباشرة، أولها، الحرب في اليمن، التي لا تزال تستخدم رصيدها الإيجابي في دفع الأطراف المتصارعة لطاولة المفاوضات وإسكات صوت البنادق في مرحلة انتقالية طال أمدها وتكاليف مادية وبشرية يصعب حمل وزرها، فالمبادرة الخليجية التي قادتها الرياض لتسوية النزاع حول السلطة والنفوذ في اليمن يمكن فرضها على الحوثيين بإغراءات يمكن تفعيلها بعد التقارب السعودي-الإيراني، أهمها التركيز على مشاريع تنموية لإعادة البناء تكون جاذبة ومغرية لكل أطراف النزاع. وفي النزاع السوداني، فإن الدور السعودي في استضافة مفاوضات الهدنة بين طرفي النزاع، قوات الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، ساهم في إطلاق إعلان هدن متتالية من أجل المساعدات الإنسانية لشعب سوداني لا يزال يعيش ويلات مشاريع التسوية التقليدية، تقسيم السلطة وتوزيع الثروة. لا يمكن حسمها إلا بالإكراهات المفروضة على طرفي النزاع والإغراءات بأن خيار السلام أفضل البدائل للجميع. 

ثانيًا: القوة الناعمة الخليجية في مواجهة التحديات العالمية

إذا عددنا مجموع القضايا التي يتم التطرق إليها في الأجندات الإقليمية والدولية، فإن النزاعات التقليدية لا تزال تطغى على معظم النقاشات بسبب تزايد حدتها وتأثيراتها العابرة للحدود، ونقصد بذلك على سبيل المثال، أن الحرب الروسية-الأوكرانية-الأطلسية ألقت بثقلها، وغطت على أعظم التحديات العالمية التي ستكتوي بها البشرية على المديين القريب والمتوسط، ونشير هنا، إلى متغير المناخ الذي سيكون عدوًا للجميع، في تقرير صادر عن الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغيير المناخ الذي صدر سنة 2022م، يحذر من الخطر القادم الذي يهدد رفاهية البشر وصحة الكوكب، حيث سيواجه العالم أخطارًا مناخية متعددة لا يمكن تفاديها على مدى العقدين القادمين في ظل احترار عالمي بنسبة 1.5 درجة مئوية. والمؤلم أن هناك قناعة لدى علماء البيئة وصانعي القرار بأن السيناريو التشاؤمي هو قائم أمامنا كما جاء في التقرير:" تتجاوز موجات الحر، والجفاف، والفيضانات قوة تحمل النباتات والحيوانات، وتؤدي إلى موت أعداد هائلة من أنواع النباتات والحيوانات، وتحدث ظواهر الطقس المتطرفة هذه في وقت واحد، مما تتسبب في انعدام الأمن الغذائي والمائي الحاد، ولاسيما في إفريقيا، وآسيا، وأمريكا الوسطى، وأمريكا الجنوبية والجزر الصغيرة وفي المنطقة القطبية الشمالية". وفي هذا المجال، فإنه لا يجب أن نغفل توقعات علماء المناخ عن ظاهرة النينيو والنينيا، التي تشكل حالة مناخية عابرة للحدود سوف تزيد من ارتفاع درجة الحرارة العالمية، وهي مؤشر على التهديدات المناخية التي تنطلق من شرق المحيط الهادي لتؤثر على العديد من القارات. وعليه، فإن أهم متغير في القوة الناعمة، كيف يمكن أن تساهم دول مجلس التعاون الخليجي في فرض الأولويات على جدول الأعمال الإقليمية والدولية، لمواجهة هذه التهديدات البيئية التي تحتاج إلى العقل البشري لكبح أدوات القوة الصلبة القائمة على الإكراه في إدارة القضايا السياسية والأمنية، وتوجيه الموارد خدمة للإنسان والكوكب الذي نعيش فيه وتحت سقفه جميعًا.

مقالات لنفس الكاتب