array(1) { [0]=> object(stdClass)#13063 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 188

استراتيجية الإمارات للقوى الناعمة تشمل 7 محاور لتعزيز التسامح والاستدامة والازدهار

الأحد، 30 تموز/يوليو 2023

أراد الرئيس المصري الراحل أنور السادات عام 1976م، أن يعبر عن تقديره للفنان المبدع محمد عبد الوهاب فمنحه رتبة لواء، وهي رتبة عسكرية كما هو معروف، وكانت تلك إحدى تجليات القوة الناعمة عندما تتحول إلى قوة صلبة وتنتقل من ساحة الفن إلى ساحة الحرب.

ولكن ما هي القوة الناعمة؟

تشير القوة الناعمة، كما حددها الباحث الأمريكي في العلاقات الدولية جوزيف ناي، إلى استخدام الأدوات الدبلوماسية والثقافية من أجل تعزيز صورة بلد ما في الخارج وتحسين علاقاته الدولية وهي عادة ما تتكامل مع "القوة الصلبة"، التي تسعى لتحقيق أهدافها من خلال الإكراه المباشر والقوة العسكرية. وقد قدم جوزيف ناي مفهومه لأول مرة في أواخر ثمانينيات القرن العشرين، وذلك في كتابه "Bound to Lead: The Changing Nature of American Power,” أو "محكوم بالقيادة: الطبيعة المتغيرة للقوة الأمريكية"، الذي نشر في عام 1990م. ويعني قدرة الدولة على بناء العلاقات والتأثير على الآخرين من خلال وسائل غير قسرية، مثل الثقافة والقيم والدبلوماسية والسياسات المشتركة. وبالرغم أن ناي لم يعتبر القوة الناعمة بديلاً للقوة الصلبة أو الخشنة إلا أنه اعتبرها مكملة لها، وأن القوتين ضروريتان في العلاقات الدولية.

ولقد كانت الصين سباقة في استخدام القوة الناعمة منذ عهد أسرة تانغ في القرن الـ 20 حين استخدمت “دبلوماسية الباندا " كوسيلة لإقامة وتقوية العلاقات الدبلوماسية وتعزيز العلاقات الثقافية، وإبراز صورة الصين على المسرح العالمي عن طريق إهداء الباندا العملاقة، والتي ترمز إلى السلام والصداقة وتعميق العلاقات الدبلوماسية مع الدول والشعوب المتلقية.

وتتعدد أدوات القوة الناعمة وتختلف وسائلها من مكونات ثقافية تعزز التبادل الثقافي وتهتم بالجانب الأدبي والرياضي والفني بما في ذلك الموسيقى، والمسرح، والسينما والإعلام. كما أن التعاون العلمي والبحثي واستقطاب الجامعات الشهيرة والباحثين الدوليين والطلبة الدارسين تعتبر من المكونات الهامة في القوة الناعمة. كما تعد العلاقات الدبلوماسية الفاعلة والتعاون الاقتصادي والشراكات التجارية والاستثمار المشترك، وكذلك المساعدات الإنمائية، والمشاركة النشطة في المنظمات الدولية والالتزام بالقضايا العالمية، مثل تغير المناخ وحقوق الإنسان وحفظ السلام، مصدرًا هامًا في تعزيز القوة الناعمة وتبرز استعداد الدول للتعاون في مواجهة التحديات المشتركة.

القوة الناعمة لدولة الإمارات

اعتمدت "استراتيجية القوة الناعمة لدولة الإمارات" عام 2017م، ضمن أعمال الاجتماعات السنوية لحكومة دولة الإمارات، وتهدف إلى "إعداد منظومة حكومية شاملة لبلورة برامج وسياسات عمل مستدامة ذات بعد محلي وإقليمي وعالمي، يشمل كافة مقوّمات الدولة الاقتصادية والثقافية والفنية والسياحية والإنسانية والمجتمعية، مع التركيز على البعد الإنساني والحضاري والبناء على سمعتها، وإبراز الصورة الحضارية للدولة وإرثها وهويتها وثقافتها المميزة." وقد شملت الاستراتيجية سبعة محاور أساسية شكلت إطارًا للدبلوماسية العامة للدولة، أبرز أهدافها تعزيز مفاهيم التسامح والتنوع والابتكار والاستدامة والاستقرار والازدهار الاقتصادي.

وتعددت وسائل ومفردات القوة الناعمة لدولة الإمارات نوجز أهمها فيما يلي:

الدبلوماسية الثقافية والإعلامية: ساهمت مبادرات الدبلوماسية الثقافية للبلاد، بما في ذلك استضافة المعارض والمهرجانات الدولية، في بناء قوتها الناعمة من خلال تعزيز التفاهم والتواصل بين الثقافات. ويعد متحف اللوفر أبو ظبي وأوبرا دبي ومعارض الكتب التي تقام سنويًا في جميع إمارات الدولة من المحطات الثقافية الشهيرة التي تجذب الانتباه الدولي. وكذلك تشارك الإمارات في العديد من المهرجانات والمعارض والفعاليات الثقافية حيث تعرض فنونها وموسيقاها وموروثها الثقافي عالميًا كما حدث في مهرجان سميث ونيان للحياة الشعبية في العاصمة واشنطن في الثالث من يوليو 2022م، ومعارض الشارقة للكتاب التي تقام سنويًا في العديد من الدول.

المساعدات الإنسانية: لعبت دولة الإمارات دورًا رائدًا في جهود الإغاثة والمساعدات الإنسانية على مستوى العالم. وقد نشطت منظماتها الخيرية مثل هيئة الهلال الأحمر، ومبادرات محمد بن راشد العالمية، في تقديم المساعدة إلى المناطق المنكوبة، ودعم مختلف المشاريع الإنسانية والتنموية في جميع أنحاء العالم مما جعل دولة الإمارات تأتي ضمن المانحين العشرة الكبار للمساعدات الإنمائية الرسمية نسبة للدخل القومي الإجمالي. وقد بلغت القيمة الإجمالية للمساعدات الإماراتية 11.31 مليار درهم (3.08 مليار دولار) منها 1.55 مليار دولار مساعدات إنمائية في عام 2021م. وفي عام 2019م، قدمت أكثر من 1.21 مليار درهم إماراتي (326 مليون دولار) كمساعدات لدعم ضحايا إعصار إيداي في موزمبيق وزيمبابوي وملاوي. وشملت هذه المساعدات الإمدادات الطبية والغذاء والمساعدة في المأوى.

الدبلوماسية الاقتصادية: ساهم الازدهار الاقتصادي للدولة والبيئة الصديقة للأعمال بشكل كبير في قوتها الناعمة. فقد برزت الإمارات كمركز للتجارة الدولية والتمويل والاستثمار وسعت إلى استقطاب الشركات الأجنبية والمهنيين العالميين من شتى بقاع العالم.  وتبوأت المرتبة 17 عالمياً في الاستثمارات الصادرة بإجمالي 22.5 مليار دولار وبنمو 19%، واستحوذت على المركز الأول عربياً والـ 19 عالمياً في جذب الاستثمار الأجنبي المباشر بحسب تقرير الأنكاد 2022م، وقد جذبت استثمارات أجنبية مباشرة بقيمة 20.7 مليار دولار في 2021م، بنمو 4% عن 2020م، وجاءت الأولى على مستوى غرب آسيا والشرق الأوسط وشمال إفريقيا واستحوذت على 40% من الاستثمارات الواردة إلى الدول العربية، و37% من تلك الواردة إلى غرب آسيا، و31% من التدفقات الواردة لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

 ووصل العدد الإجمالي لفروع الشركات الأجنبية العاملة في الدولة حتى نهاية العام 2020م، إلى 2577 فرعاً مسجلاً، وسجلت عدد الشركات الأجنبية التي تمتلك فروعاً مرخصة، وتعود إلى أكثر من 114 جنسية نمواً وصل إلى 52% خلال السنوات العشر الماضية من 2011 حتى 2020م، وجاءت الشركات البريطانية في مقدمة الشركات الأجنبية من حيث عدد فروعها المسجلة في الدولة وبنسبة بلغت 11.6% من إجمالي هذه الشركات، تلتها الشركات الأمريكية بنسبة 8.3%، ثم الهندية بنسبة 5.5%، ثم الكورية الجنوبية بنسبة 5.1%، تليها الفرنسية بنسبة 4%. وتستثمر هذه الشركات في مشاريع وأنشطة اقتصادية تغطي مختلف القطاعات الحيوية في الدولة، وتساهم في دعم تنوع وتنافسية الاقتصاد الوطني.

ومن أجل تسهيل عملية استقطاب المستثمرين والشركات الأجنبية، استحدثت الدولة نظامًا جديدًا للإقامة يسمح بمنح تأشيرات دائمة للمستثمرين ورواد الأعمال وأصحاب المواهب التخصصية والباحثين في مختلف العلوم والطلبة المتفوقين وأصحاب القدرات العلمية الاستثنائية. وذلك بهدف تحسين بيئة الأعمال وتحفيز الإنتاج المحلي وتطوير البيئة التنافسية. وخلال أزمة كوفيد 19 منحت الإقامة الذهبية لعدد كبير من الأطباء المقيمين في الدولة تقديرًا لجهودهم في مكافحة الوباء. وأكد الشيخ محمد بن راشد " إننا نرحب بكل شخص يسعى أن يشارك معنا مسيرة التطور والبناء المتواصلة، ونعتبره جزءًا منا".

العلاقات الدبلوماسية: تربط دولة الإمارات علاقات دبلوماسية قوية مع الدول في كافة أنحاء العالم. حيث تقيم علاقات دبلوماسية مع 189 دولة حول العالم، وتوجد على أراضيها 110 سفارة أجنبية، و75 قنصلية عامة، فضلاً عن مقرات لـ 15 منظمة إقليمية ودولية، ويصل عدد سفاراتها في الخارج إلى ما يقارب 70 سفارة، و11 قنصلية، بالإضافة إلى ثلاث بعثات دائمة.

وقد شاركت في المبادرات الدبلوماسية، وجهود حفظ السلام، والمنتديات الدولية لمعالجة القضايا العالمية. وأقامت علاقات دبلوماسية فعالة مع مجموعة واسعة من المنظمات الدولية وشاركت في العديد من المبادرات المتعددة الأطراف، مما حفظ لها دورًا وصوتًا في القضايا الإقليمية والدولية والشؤون العالمية.

الدبلوماسية العلمية والأكاديمية: استثمرت دولة الإمارات العربية المتحدة في إنشاء مؤسسات تعليمية عالمية وجذب الطلاب الدوليين وتسهيل تبادل المعرفة. ووفرت الجامعات المرموقة مثل جامعة نيويورك أبو ظبي وجامعة السوربون أبو ظبي وغيرها منصات للتبادل الفكري والثقافي، كما استقطبت هذه الجامعات العديد من الطلبة من جميع أنحاء العالم، ما ساهم في تعزيز تبادل المعرفة والتنوع الثقافي. كما أن استراتيجية الإمارات التعليمية الرامية إلى بناء اقتصاد المعرفة واعتماد استدامة الاستثمار في العلوم والابتكار وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات وعلوم الفضاء ساهم في اكتسابها درجة +1.0 في محور التعليم والعلوم مما كان له تأثير إيجابي في مؤشر القوة الناعمة.

بالإضافة إلى ذلك، قامت دولة الإمارات باستثمارات كبيرة في مجال البحث والتطوير، بهدف بناء اقتصاد قائم على المعرفة. وذلك من خلال إنشاء مراكز ومعاهد البحوث، مثل معهد مصدر للعلوم والتكنولوجيا وجامعة خليفة للعلوم والتكنولوجيا، مما يدل على التزام البلاد بالتقدم العلمي والابتكار.

الصحة والخدمات الطبية: حققت الإمارات تقدمًا كبيرًا في مجال الرعاية الصحية. وطورت بنية تحتية حديثة للرعاية الصحية، مع مستشفيات وعيادات ومرافق طبية مجهزة بأحدث التقنيات. واستقطبت العديد من مؤسسات الرعاية الصحية الشهيرة، مثل كليفلاند كلينك أبو ظبي، وأنشأت مدنًا طبية متخصصة كمدينة الشيخ خليفة الطبية، ومدينة دبي الطبية.

البنية التحتية الناعمة: استثمرت الإمارات في البنية التحتية، بما في ذلك المطارات الحديثة وشركات الطيران وأنظمة النقل. وأصبح مطار دبي الدولي وطيران الإمارات ومطار أبو ظبي رموز للاتصال والكفاءة محليًا وعالميًا. كما أن مبادرات المدن الذكية التي تسلط الضوء على أهمية التطورات التكنولوجية في تحسين جودة الحياة والالتزام بالتقدم والابتكار عززت مكانة الدولة في مؤشرات التنافسية العالمية. وتصدرت أبو ظبي ودبي منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في مؤشر المدن الذكية للعام 2021م. والذي يُقيّم تصور المقيمين في كلّ مدينة حول الخدمات الذكية المُتاحة والبُنى التحتية، ويصدر عن المعهد الدولي للتنمية الإدارية، بالشراكة مع جامعة سنغافورة للتكنولوجيا والتصميم، ويغطي المؤشر خمسة محاور رئيسية، وهي: الصحة والسلامة، والتنقل، والأنشطة، والفرص، والحوكمة.

الدبلوماسية الرياضية: لم تغب الرياضة كقوة ناعمة عن استراتيجية دولة الإمارات وشكلت استضافة الأحداث الرياضية الكبرى وسيلة لتعزيز النوايا الحسنة وإبراز صورة الدولة عالميًا، فقد تمت استضافة العديد من الأنشطة الرياضية الإقليمية والعالمية مثل سباق جائزة أبو ظبي الكبرى في الفورمولا 1 وبطولة دبي للتنس، بالإضافة إلى الاستثمار في أندية كرة القدم رفيعة المستوى عالميًا مثل مانشستر سيتي، والتي ساعدت على إبراز الدولة عالميًا في عالم الرياضة.  كما استضافت دولة الإمارات بنجاح العديد من الأحداث الرياضية الدولية، بما في ذلك كأس العالم للأندية FIFA، وكأس آسيا، ودبي دزرت كلاسيك في الجولف. وحيث أن الدولة تتمتع بتراث فروسي غني، فقد حرصت على استضافة كأس دبي العالمية لسباق الخيل وكأس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، مما يجذب أفضل أبطال الفروسية من جميع أنحاء العالم. كما استضافت الأولمبياد الخاص في عام 2019م، والذي أظهر الشمولية والروح الرياضية وقدرات الرياضيين ذوي الإعاقات الذهنية.

وعلى المؤشر العام للقوة الناعمة، صعدت الإمارات من المرتبة 15 في عام 2022م إلى المرتبة العاشرة في عام 2023م، محققة أكبر ارتفاع بين الدول العشر الأولى وجعلها الدولة العربية والشرق أوسطية الوحيدة التي تدخل قائمة العشرة الأوائل.  وقد أشاد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم بمكانة دولة الإمارات مؤخرًا ضمن أكبر عشر قوى ناعمة عالمية، مشيرًا "إلى أن ذلك يدل على دقة منهجيتها التنموية ودورها الاقتصادي والتنموي والإعلامي المؤثر على الساحة الدولية".

وكانت أبرز المعايير التي حصلت بموجبها الإمارات على المركز الأول هي: بيئة الأعمال الملائمة، الاستقرار الاقتصادي والسياسي، امتلاك القيادة رؤية تدعم جهود اكتساب النفوذ الإقليمي والتوافق العالمي على كون الإمارات منطقة جاذبة للاستثمارات المحلية والأجنبية.

وقد أشار التقرير الصادر عن مؤسسة براند برس مع جامعة أكسفورد إلى أهمية توسيع الاستثمار في العلوم والتكنولوجيا حيث نوه إلى أن الإعلان عن رحلة استكشاف المريخ ساهم في تقدم دولة الإمارات في تصنيف مؤشر القوة الناعمة إلى المركز الخامس عشرة بزيادة مرتبتين من المرتبة 17 في 2021م.

الدبلوماسية الدينية: أدركت دولة الإمارات أهمية الدين في تشكيل الثقافة والحضارة ودور علماء الدين والقادة الروحيين في إرساء السلام وتعزيز الاستقرار والتعايش السلمي خصوصًا في ظل افتقاد منطقة الشرق الأوسط لأطر وآليات وقواعد مؤسسية فعالة لحل الصراعات والنزاعات والتوترات الناتجة من تباين المذاهب والمعتقدات والتي غالبًا ما تخلق بؤر صراعات محلية وإقليمية تستغلها أطراف خارجية. وقد برزت هذه التوترات بصورة جلية خلال فترة ما يسمى "الربيع العربي". وقد آمنت الدولة بأهمية دعم الحوار بين الأديان وتعزيز قيم التسامح والتعددية الثقافية. كما سعت إلى خلق منصات ومبادرات تهدف إلى توطيد الدبلوماسية الدينية مثل مجلس حكماء المسلمين ومنتدى أبو ظبي للسلم والمجلس العالمي للمجتمعات المسلمة ومركز صواب وغيرها من المجالس والمبادرات. وفي قمة مجموعة العشرين الدينية في 2022 م، تم إشراك مجتمعات الأديان في صياغة أجندة القمة تحت شعار "إبراز الدين مصدرًا للحلول العالمية: حركة دولية تقودها القيم الأخلاقية المشتركة". وفي ديسمبر 2022م، انطلقت فعاليات منتدى الأديان لمجموعة العشرين من أبو ظبي تحت عنوان " إشراك مجتمعات الأديان في صياغة أجندة قمة العشرين وما وراء ذلك" (ابتسام الكتبي:2023).

مكامن القوة الناعمة

نجحت دولة الإمارات العربية المتحدة في تنويع اقتصادها بعيدًا عن النفط والغاز. من خلال التخطيط الاستراتيجي والاستثمار وطورت البلاد قطاعات مزدهرة مثل التمويل والسياحة والعقارات والخدمات اللوجستية والطاقة المتجددة. وقد ساهم هذا التنويع الاقتصادي في تعزيز مكانة الدولة ومرونتها عالميًا في مواجهة ديناميكيات السوق المتغيرة. إن اقتصاد الإمارات القوي، مدفوعًا بقطاعات مثل التمويل والتجارة والسياحة والطاقة، يضعها كقوة اقتصادية إقليمية، تجذب ثروتها وبيئتها الصديقة للأعمال المستثمرين والشركات والمهنيين العالميين، مما يساعدها في لعب دور محوري على الساحة المحلية والإقليمية والدولية على الرغم من عدم اليقين الذي يشهده العالم.

حققت البنية التحتية والتقدم التكنولوجي في دولة الإمارات تقدمًا ملحوظًا في تطوير البنية التحتية الحديثة وأنظمة النقل المتقدمة ومبادرات المدن الذكية، ما يؤكد التزامها بالتقدم والابتكار وتعزز هذه التطورات القوة الناعمة للدولة من خلال إبراز صورتها كدولة متقدمة تقنيًا تسير بخطوات ثابتة نحو اقتصاد المستقبل. ولعل المشاريع الشهيرة مثل برج خليفة كأطول مبنى في العالم ونخلة جميرا كجزيرة اصطناعية، ومترو دبي كنظام السكك الحديدية بدون سائق نماذج تعزز دور الدولة كمركز عالمي للأعمال والسياحة والتجارة.

وتتجلى القوة الناعمة لدولة الإمارات في قدرتها على استضافة الفعاليات والمؤتمرات الدولية الكبرى، وأبرزها اكسبو 2020 م، ووفق التقديرات الرسمية فقد زاد عدد الزوار خلاله عن 24.1 مليون زائر من أكثر من 178 دولة.  

كما تمتلك دولة الإمارات ريادة مهمة في مجال الطاقة المتجددة. فقد حققت تقدمًا كبيرًا وأنشأت مؤسسات خاصة تعني بالاستدامة والطاقة المتجددة كمدينة مصدر، وهي مشروع حضاري مستدام، كما استثمرت في مشاريع الطاقة الشمسية والنووية والهيدروجين. وما يؤكد التزام الدولة بالطاقة المتجددة استضافتها لمقر الوكالة الدولية للطاقة المتجددة (آريينا)، واستعدادها لتنظيم القمة العالمية للمناخ (Cop 28)   في نوفمبر 2023م.

أما في مجال استكشاف الفضاء، فإن دولة الإمارات تعتبر لاعبًا بارزًا في علوم الفضاء من خلال إطلاق مشروع الإمارات لاستكشاف المريخ أو "مسبار الأمل". وصلت هذه المهمة بنجاح إلى مدار المريخ في فبراير 2021م، كما أن الاستثمار في برامج رواد الفضاء الخاص بالمواطنين الإماراتيين يؤكد على اهتمام الدولة بهذا المجال، مما جعلها أول دولة عربية وخامس دولة على مستوى العالم تحقق مثل هذا الإنجاز.

المطلوب للمرحلة القادمة: التكامل بدل التنافس

أكدت دول مجلس التعاون الخليجي على أهمية استخدام "القوة الناعمة" كجزء أساسي من استراتيجياتها الوطنية الشاملة. فقد سعت كل دولة إلى تبني العديد من المبادرات المؤسسة للقوة الناعمة من خلال برامج ثقافية وفنية وإعلامية أدت إلى استثمارات كبيرة في الرياضة والسياحة والبيئة مثل بطولة LIV العالمية للجولف ومدينة العلا ومدينة المستقبل نيوم في المملكة العربية السعودية والتي تستعد في نفس الوقت لاستضافة اكسبو 2030، واستضافة قطر لكأس العالم في 2023م. ومن الواضح أن هذه الاستراتيجية كان لها آثار إيجابية على العلاقات الدولية لدول المجلس وتصوراتها في جميع أنحاء العالم.

وحيث أن العديد من الدراسات أشارت إلى أن اقتصاد الدول الخليجية يشهد آفاقًا اقتصادية موجبة، مما يجعلها من أكثر الاقتصادات نموًا في العالم حيث أكدت بعض الإحصاءات على أن معدل النمو لكل من السعودية والكويت والإمارات بلغ 8.7% و8.2% و7.4% على التوالي، وحققت هذه الدول مجتمعة وفرة في استثمارات صناديقها السيادية وصلت إلى 3 ترليون دولار وبزيادة قدرها 42% خلال العامين الماضيين (ظافر العجمي: قناة المراقب الخليجي). فإن ذلك يجعلها في صدارة الدول المؤثرة في الاقتصاد العالمي والعلاقات الدولية.

لقد ساهمت الإنجازات الكبيرة وعناصر النجاح في تجربة دولة الإمارات التنموية على المستوى العالمي في خلق نموذج يمكن استثماره والبناء عليه لصالح دول المجلس. وقد شدد سمو الشيخ محمد بن راشد على أهمية تعميم مسيرة دولة الإمارات التنموية وأكد على " أن ما نصنعه في الإمارات هو بناء نموذجًا ناجحًا للمنطقة تستطيع أي دولة أو شعب أن يتبناه، كما أن ما نفعله بناء نموذجًا من داخل المنطقة يصلح للتطبيق في المنطقة بكل تعقيداتها وتداخلاتها".

أن التنمية الاقتصادية، والبنية التحتية، والتبادل الثقافي، والمساعدات الإنسانية، والطاقة المتجددة، واستكشاف الفضاء، عوامل يمكن أن تتشارك بها دول مجلس التعاون.

ومن أجل تعظيم الاستفادة وترشيد الإنفاق لابد تنسيق الاستراتيجيات على مستوى دول مجلس التعاون لتعميم المزايا إقليميا. كما أن الاستثمار والتعاون المشترك لتطوير التعليم وتوسيع برامج المنح الدراسية لجذب وتعزيز التعاون الأكاديمي والشراكات البحثية، يمكن أن تساهم في جذب الأكاديميين والطلبة الدوليين المتميزين وتحول دول المجلس إلى مركز إقليمي لتبادل المعرفة.

الخاتمة

إن دول مجلس التعاون تبدو اليوم أقرب إلى التكامل ما يقضي التنسيق فيما بينها سواء على صعيد الابتكار في المدن الذكية أو في ريادة الفضاء، كما في الإمارات والسعودية. أو في التعليم واستقطاب الجامعات والمواهب كما في الإمارات وقطر، أو في السياحة التي باتت مصدرًا مهمًا في تنويع الدخل القومي، أو في الرياضة التي باتت أقرب إلى الخبز اليومي لجميع شعوب العالم. 

وأخيرًا ربما من الإفادة الإشارة إلى أن "اللواء" محمد عبد الوهاب هو التجسيد الواقعي اليوم للشعار الذي أطلقه الزعيم العربي جمال عبد الناصر "إن ما أوخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة"؟

مقالات لنفس الكاتب