array(1) { [0]=> object(stdClass)#12621 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 189

الشراكات العالمية والإقليمية: المصالح وليس المحاور

الثلاثاء، 29 آب/أغسطس 2023

منذ فترة ليست قصيرة والمملكة العربية السعودية ومعها دول مجلس التعاون الخليجي تتوجه نحو التحول من الاقتصاد الريعي القائم على عائدات  مبيعات النفط، إلى توسيع القاعدة الاقتصادية وتنويع مصادر الدخل حتى لا تعتمد على سلعة واحدة كمصدر رئيس للدخل ومن ثم جعل الاقتصادات الوطنية عرضة للتقلبات السياسية والصراعات الدولية والحروب والكوارث الطبيعية، وصحة هذا التوجه الخليجي أكدته الأحداث الدولية التي عصفت باستقرار العالم ومنها على سبيل المثال الحرب الروسية ـ الأوكرانية الدائرة رحاها الآن، ومن أجل ذلك توجهت دولنا برؤى ثاقبة وخطى ثابتة منذ حرب الخليج الأولى إلى وضع الخطط والاستراتيجيات الشاملة لتنويع مصادر الدخل، واستفادت  في ذلك من عائدات النفط لتحقيق هذا التنوع المنشود، ووظفت هذه العائدات في خدمة التنمية المستدامة التي بدأ العمل عليها في تنفيذ مشروعات على أرض الواقع، وبدأ ذلك بإنشاء المدن الصناعية العملاقة، وتنفيذ مشروعات بنية تحتية ضخمة، وكذلك مشروعات الطاقة البديلة ومن بينها إنشاء محطات الطاقة النووية للأغراض السلمية وأدوات الطاقة الجديدة والمتجددة الأخرى، وأنشأت محطات التحلية العملاقة لتحلية مياه البحر وغير ذلك من المشروعات التي تشهد على ما نفذته دول مجلس التعاون من مشروعات عملاقة، وتوجهت أيضًا إلى إقامة الصناعات المشتركة والوطنية سواء المدنية أو العسكرية من أجل توفير مستلزمات الأسواق المحلية وتقليل الاعتماد على الاستيراد خاصة في المجالات الحيوية، كما زادت استثماراتها الخارجية لتحقيق الأمن الغذائي لشعوبها.

 ثم جاءت الرؤى التنموية 2030التي بدأت تتضح ملامحها والعمل عليها منذ بداية النصف الثاني من العقد الماضي ، وهي تحمل خططًا دقيقة واضحة المعالم والأهداف في إطار التوجه نحو توطين الاقتصادات الحديثة التي تعتمد على الإنتاج القائم على الصناعات التكنولوجية المتطورة، والتوسع في البرامج السياحية و الترفيهية والثقافية، وكذلك إنشاء المدن الجديدة العملاقة وما بها من مشروعات كبرى، ومرافق بنية تحتية ضخمة تستطيع تلبية احتياجات هذا التوسع متعدد الاتجاهات والأهداف، بل وإنشاء كل ما يحقق بناء الإنسان وتحقيق رفاهيته القائمة على التعليم والصحة والخدمات والمشروعات الإنتاجية والترفيهية والسياحية في إطار منظومة متكاملة من الأهداف واضحة المعالم.

 ومنذ أن تم الإعلان عن رؤية 2030 في المملكة العربية السعودية التي وضع إطارها العام خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز ـ حفظه الله ــ وتولى تنفيذها والإشراف عليها ومتابعتها  صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء ـ حفظه الله ـ والتي تمخض عنها مشروعات عملاقة وتوجهات جديدة وضعت المملكة على خريطة اقتصادات العالم الحديثة ؛ وجاري استكمالها على قدم وساق دون كلل أو ملل وفي إطار تخطيط سليم ومتابعة دقيقة ومستمرة، كل ذلك  تطلب الانفتاح على العالم بشرقه وغربه، وشماله وجنوبه لأسباب اقتصادية وتنموية وأهداف استراتيجية لدولة عملاقة من الناحية الاقتصادية والسياسية وذات موقع استراتيجي هام، و قائدة للمنطقة العربية والعالم الإسلامي ، وتنعم بقيادة سياسية وطنية مستنيرة تضع نصب أعينها مصالح شعبها وشعوب دول المنطقة في المقام الأول، وتحركها دوافع وطنية في إطار رؤية جلية لخدمة الحاضر والمستقبل، مستفيدة في ذلك من إمكانياتها الاقتصادية الضخمة باعتبارها من الدول العشرين الأغنى على مستوى العالم وذات قدرات نفطية تضعها في مقدمة دول العالم المنتجة والمصدرة للنفط ولديها أسواق محلية واسعة للاستهلاك، ومزايا نسبية وموارد طبيعية متعددة تمكنها من توطين مختلف أنواع الصناعات الحديثة بمختلف أنواعها المدنية والعسكرية ، أو التحويلية، أو التي يتم إعادة تدويرها وتصديرها، وكذلك جذب الكثير من الاستثمارات.

كل ذلك جعل المملكة دولة مرغوبة ومطلوبة من كافة الدول المتقدمة والتكتلات الاقتصادية الكبرى في العالم لإقامة شراكات اقتصادية وتعاون معها وهذا ما حدث من جانب الدول الصناعية الكبرى مثل الصين وكوريا الجنوبية، ومن قبل من الولايات المتحدة الأمريكية ودول الاتحاد الأوروبي والدول الصناعية السبع وروسيا، وكذلك التكتلات الدولية المهمة مثل منظمة شنغهاي للتعاون، وتجمع دول البريكس، والآسيان، حيث تحقق هذه الشراكات مزايا ومنافع لجميع الأطراف وليس المملكة فقط، فهذه الدول مازالت في أشد الاحتياج للنفط السعودي، وللتبادل التجاري مع المملكة وإلى استثماراتها  الكبيرة، مقابل احتياج المملكة لتوطين التكنولوجيا والصناعات المتقدمة والتدريب والتأهيل لتوفير متطلبات النهضة الحديثة التي تعيشها في العهد الزاهر الحالي بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز ـ يحفظه الله ـ وصاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء ــ يحفظه الله ـ  وفي هذه التوجهات لا تزج المملكة بالسياسة في أتون الشراكات  الاقتصادية، ولا تسعى لاستبدال شريك بآخر، ولا تقدم المصالح السياسية على الاقتصادية، فهي شراكات للتعاون الاقتصادي فقط  مع الجميع في إطار علاقات متوازنة بعيدًا عن التحالفات السياسية أو العسكرية أو الانزلاق إلى ميادين الحروب الباردة أو المواجهات العسكرية، بل تقود منطقة الخليج والمنطقة العربية إلى السلام والاستقرار وتصفية الخلافات الداخلية ،وهذا ما تقوم به المملكة تجاه السودان، وسوريا، واليمن، وليبيا، وأيضًا تجاه الإقليم وجواره الجغرافي سواء إيران أو تركيا، أو غيرها من دول الجوار ، حيث استضافت المملكة في الشهور القليلة الماضية العديد من القمم والاجتماعات الدولية والإقليمية لتحقيق السلام والاستقرار داخل المنطقة العربية ولاسيما الدول التي تتعرض لحروب داخلية، أو لبقايا موجات ما يسمى بثورات الربيع العربي، وتقديم المبادرات التي تأخذ بيد دول المنطقة للخروج من أزماتها الاقتصادية والسياسية  التي أرهقت كاهل شعوبها والمضي قدمًا على طريق التنمية والخروج من الأزمات ، بل وتحقيق السلام العادل والشامل في منطقة الشرق الأوسط برمتها وفي مقدمتها القضية الفلسطينية والتهدئة في منطقة الخليج العربي.

بل ذهبت إلى الدائرة الأوسع سواء تجاه دول الآسيان، ودول آسيا الوسطى في إطار مساعي متوازنة لتحقيق التنمية، وكذلك امتدت مساعيها إلى الساحة الدولية وعقدت اجتماعًا بشأن الأزمة الروسية ـ الأوكرانية من أجل إنهاء هذه الأزمة التي طال أمدها وألقت بظلالها على جميع دول العالم، وكل هذه المساعي تأتي في إطار نهج ثابت اختطته المملكة لنفسها منذ تأسيسها قائم على تبني السلام ورفض التدخلات الخارجية في شؤون الدول المستقلة ونبذ الفرقة والعنصرية، ورفض الحلول العسكرية للقضايا والخلافات السياسية.

وعليه، فإن المملكة تسعى للشراكات الاقتصادية وفقًا لمصالحها، ومصالح، واحتياجات الشعوب، وتحقيق التنمية المستدامة مع مراعاة ظروف البيئة والتغيرات المناخية وتثبيت دعائم السلام عبر الانفتاح على جميع دول العالم دون تفرقة ودون الانحياز إلى الشرق أو الغرب، بل الحياد الإيجابي الذي يخدم المصالح.    


 

مقالات لنفس الكاتب