array(1) { [0]=> object(stdClass)#13063 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 191

خطوات السعودية للتقارب مع "آسيان " تجعلها بوابة الخليج للتكتل الآسيوي

الأحد، 29 تشرين1/أكتوير 2023

تناقش هذه الورقة عددًا من الأفكار المترابطة المهمة التي تتناول علاقات دول مجلس التعاون الخليجي و دول آسيان من خلال الواقع والمأمول ، وآفاق التعاون بينهما، من حيث المكاسب المتوقعة من تطوير هذه العلاقة، خاصة العلاقات الاقتصادية و التبادل التجاري و انعكاساتها على التنمية، كما تتناول توطين الصناعات الحديثة و جذب الاستثمارات في دول الخليج العربي والمنطقة العربية ، كما تركز على نتائج تعزيز التعاون والوصول إلى شراكة بين دول الخليج العربي على ضوء المزايا المشتركة للجانبين، وفقاً لما يمتلكه الجانبان من موارد طبيعية و خبرات في مجالات الصناعة والاستثمار وحجم كبير ومؤثر في التجارة العالمية.

إن مجموعة آسيان منظمة اقتصادية تضم 10 دول تقع جنوب شرق آسيا، و وفقاً إلى بيانات الحسابات القومية للبنك الدولي، و بيانات الحسابات القومية لمنظمة التعاون و التنمية في الميدان الاقتصادي لعام 2022م، بلغ حجم الناتج المحلي الإجمالي لدول مجموعة آسيان  وهي: إندونيسيا (1.3 تريليون ) وماليزيا (406.3 مليار) والفلبين ( 404.2 مليار ) وسنغافورة (466.8 مليار ) وتايلند ( 495.3 مليار ) وبروناي (16.7 مليار ) وفيتنام ( 408.8 مليار ) ولاوس ( 18.8 مليار ) وميانمار ( 59.3 مليار )  وكمبوديا (29.9 مليار )، إذ بلغ الناتج المحلي الإجمالي لدول آسيان 3.6 تريليون دولار، في عام 2022 م،  مما يجعلها ثالت أكبر اقتصاد في آسيا وخامس أكبر اقتصاد في العالم بعد أمريكا والصين واليابان وألمانيا، ويبلغ عدد سكان الدول الأعضاء في رابطة آسيان نحو 700 مليون نسمة؛ أي ما يعادل 8.8% من سكان العالم ، وعند إضافة الناتج المحلي الإجمالي لدول الخليج العربي البالغة 2.49 تريليون دولار عام 2022م، يصبح حجم التكتل بين آسيان و الخليج العربي تقريباً 6.09 تريليون دولار و هو يمثل تجمع اقتصادي كبير إذ سيقدم منافع كبيرة لهذا التكتل من خلال الارتباطات الأمامية والخلفية لهذا التجمع الكبير في العالم.

 وتصنف رابطة "آسيان" من بين المناطق الأسرع نمواً اقتصادياً ولديها كثافة سكانية مرتفعة، إذ أن رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) منظمة سياسية اقتصادية، وتعد سابع أكبر اقتصاد في العالم، تشكلت عام 1967م، في بانكوك بهدف تعاون الدول الأعضاء في الميادين الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتقنية والتعليمية، ولتعزيز السلام والاستقرار الإقليميين في المنطقة، و تشكلت الرابطة أولاً من 5 دول، هي: إندونيسيا وماليزيا والفلبين وسنغافورة وتايلند، ثم انضمت لاحقًا لاوس وكمبوديا وبروناي  وميانمار وفيتنام، وتهدف إلى تسريع نمو الدول الأعضاء، وتجنب النزاعات المسلحة، وإقامة منطقة تجارية حرة.

واستطاعت الرابطة الإقليمية أن تحافظ على موقف محايد في عدد من القضايا، وتعد من المنظمات الإقليمية الناجحة ذات الشراكات مع عديد من الدول والمنظمات الدولية، وفي أوائل التسعينات بزغت آسيان كصوت رائد في التجارة الإقليمية والقضايا الأمنية، كما تبنت حواراً للأمن الإقليمي من خلال تأسيس المنتدى الإقليمي لـ"آسيان"، ونجحت في جعل "آسيان" منطقة تجارة حرة، وفي عام 2008م، أعلنت الرابطة "ميثاق آسيان" الذي رفع مستوى عمل التكتل الإقليمي ليركز على المصالح الخاصة بدول وشعوب الرابطة واستقلالهم والحفاظ على المنطقة خالية من الأسلحة النووية، والعمل على التكامل الإقليمي اقتصادياً بين أسواق البلدان الأعضاء. 

و فيما يتعلق بالعلاقات الاقتصادية والتبادل التجاري وانعكاساتها على التنمية، فقد أدى استمرار ارتفاع أسعار النفط والسلع الأساسية إلى ارتفاع بشكل عام في اتجاه الصادرات السلعية العربية لعام 2022 م، ولكن مع تغير محدود في الهيكل الجغرافي للشركاء التجاريين، حيث شهدت مجموعة الدول الأخرى استمرار تنامي حصتها من الصادرات العربية حيث استحوذت في عام 2022 م، على ما نسبته  28.9 % مقارنة بنحو % 27.0  في عام 2021 وبنسبة  20.6 % في العام 2020م، وهو ما يعكس انفتاح الدول العربية على أسواق جديدة بينما مازالت دول آسيا تستحوذ على النصيب الأكبر من الصادرات العربية لتسجل ما نسبته  47  % مقارنة بنسبة 47.1 % في عام  2021م، ونسبة 50.6  %عام 2020 م، فقد سجلت اليابان ما نسبته 6.1 %، وسجلت الصادرات العربية للهند  10 %، وللصين بنسبة 13.9 %، واستحوذت باقي دول آسيا على نسبة 17.1 % ( دول آسيان )، حيث احتفظت آسيا بحصتها في صادرات الدول العربية من النفط، في حين احتفظ الاتحاد الأوروبي بحصته  من الصادرات العربية بارتفاع محدود ليسجل نحو% 10.6  مقارنة بما نسبته %10.2  في العام 2021م، بينما انخفضت الصادرات العربية إلى أمريكا لتسجل نحو %4.2  مقارنة بنسبة 4.8  %عام 2021 م، استناداً إلى التقرير الاقتصادي العربي الموحد 2023م .   

فيما يتعلق بالواردات السلعية العربية من الشركاء التجاريين الرئيسين  خلال عام 2022 م، ارتفع حجم الواردات بشكل ملحوظ حيث سجلت % 13.1  في عام 2022  م، مقارنة بنسبة% 17.1    عام 2021م،  ولم يشهد الهيكل الجغرافي  للواردات العربية سوى تغيرات محدودة مع كل الشركاء التجاريين، حيث استحوذ الاتحاد الأوروبي على ما نسبته  21.1 %  مقارنة بنسبة 22.1   %عام 2021م، بينما سجلت باقي دول العالم ما نسبته% 21.6  مقارنة بنسبة 18.7 % عن السنة السابقة، في حين احتفظت الدول العربية بنصيبها البالغ  13.1 % وهي أقل من العام السابق، واستمرت آسيا تشكل أعلى مصادر الواردات العربية، واستأثرت في العام 2022م، بالحصة الأكبر بنسبة 34  %مقارنة بنسبة 32  % في 2021 م، استأثرت الصين بنسبة 15.2 %، وباقي دول آسيا (دول آسيان ) نسبة 9.3 % من إجمالي الواردات العربية، أما الواردات من أمريكا ، فقد انخفضت بشكل طفيف لتبلغ  10.2 % مقارنة بنسبة 10.6 % العام السابق ، استناداً إلى التقرير الاقتصادي العربي الموحد 2023 م.   

إن حجم و نوع التبادل التجاري بين دول آسيان انعكس بشكل كبير على جهود التنمية في دول الخليج العربي، من خلال انتقال التكنولوجيا و المعرفة و المهارة و توطين الصناعات الحديثة من هذه المجموعة المهمة من دول آسيان ، إذ اتجهت بشكل ملموس على أرض الواقع نحو إقامة علاقات أكثر متانة وأعمق مع رابطة "آسيان"، لأسباب أهمها الموقع الاستراتيجي القريب من بحر الصين الجنوبي الذي يعد مركزاً لحركة البضائع الدولية، كما تصنف المنطقة باعتبارها خط الازدهار القادم للتجارة الإلكترونية ، يرجع التواصل الأول بين مجلس التعاون الخليجي ورابطة جنوب شرق آسيا إلى عام 1990م، ومنذ ذلك الحين اتفق الجانبان على عقد لقاءات سنوية على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، ووقع الجانبان مذكرة تفاهم في 2009م، في البحرين التي تعد أساس التعاون والعلاقات بين الكتلتين، وتبنى مجلس التعاون و رابطة آسيان  رؤيتهما المشتركة ، التي تضمنت دراسة ووضع توصيات عن مستقبل العلاقات بين الجانبين في مجالَي التجارة الحرة والتعاون الاقتصادي .

كما تعززت العلاقات الاقتصادية بين دول الخليج وآسيان في السنوات الأخيرة، إذ أعلنت شركة أرامكو السعودية استثمارات تبلغ قيمتها سبعة مليارات دولار مع بتروناس للبتروكيماويات في ماليزيا في عام 2017م، وهي تمثل أكبر استثمارات للشركة السعودية بالخارج ، وفي عام 2013م،  وقعت الإمارات اتفاقاً يقدر بـ6.57 مليار دولار لتأسيس منشأة لتخزين البترول بسعة تصل إلى 40 مليون برميل من النفط الخام في ولاية جوهور الماليزية، فيما استثمرت قطر حوالى 5 مليارات دولار في مجمع بينجيرانج المتكامل للبترول في ولاية جوهور أيضاً، كما وقعت في عام 2013م، على مشروع يسمح لماليزيا بالمنافسة مع سنغافورة لتصبح مركزاً إقليمياً للصناعات البترولية في جنوب شرقي آسيا. 

و يقدر تقرير الـ ايكونمست الصادر في 2022 م، حجم استثمارات دول مجلس التعاون الخليجي في آسيان بحوالي 13.4 مليار دولار في الفترة بين يناير 2016 م، وسبتمبر 2021م، وكانت الإمارات صاحبة النصيب الأوفر من هذه الاستثمارات خلال السنوات الخمس الأخيرة بنسبة وصلت إلى 74 %، وعلى جانب آخر، ارتفع عدد الشركات من دول رابطة آسيان المسجلة في غرفة دبي التجارية بنسبة حوالى 35.5 % منذ عام 2018م، وحتى العام الماضي، بينما وصلت صادرات الدول الخليجية إلى آسيان حوالى 4 % فقط من إجمالي الصادرات الخليجية خلال السنوات الخمس الماضية، كان أغلبها من النفط الخام.

ولدى سنغافورة، وهي أحد أعضاء آسيان، اتفاقاً للتجارة الحرة مع دول مجلس التعاون الخليجي يعود إلى عام 2008م، ويغطي حوالى 99 % من السلع المحلية السنغافورية وأصبح ساري المفعول منذ 2013م، ولا يزال في طور الاقتراح اتفاق للتجارة الحرة بين ماليزيا ودول مجلس التعاون  وتتشابه رابطة آسيان ومجلس التعاون الخليجي في كونهما محط أنظار القوى الكبرى والعالمية، فلدول مجلس التعاون الخليجي أهمية جغرافية واستراتيجية واقتصادية كبيرة، من الناحية الاستراتيجية تطل دول الخليج العربي على مضيق هرمز الذي يشكل شرياناً رئيسياً في حركة التجارة الدولية، واقتصادياً تمتلك دول مجلس التعاون الخليجي أكبر احتياطي نفط في العالم يقدر بـ33 % من إجمالي الاحتياطي العالمي .

وترتبط السعودية بإندونيسيا بعلاقات وثيقة باعتبارهما أكبر اقتصاديين في التجمعين، ولكون إندونيسيا أكبر بلد إسلامي من حيث عدد السكان، ولكون السعودية بلاد الحرمين الشريفين ومنها انطلق الإسلام، والبلدان عضوان فاعلان في منظمة التعاون الإسلامي ومجموعة العشرين، وتجمع بينهما على المستوى الشعبي علاقات مميزة.

وبرزت على مدى أعوام من العلاقات بين السعودية وإندونيسيا عدة زيارات رسمية لقادة البلدين، وانطلاقًا من حرص البلدين على تطوير علاقتهما الثنائية تم تشكيل اللجنة المشتركة عام 1982م، لبحث أوجه التعاون بين البلدين في جميع المجالات، كما تم تأسيس مجلس الأعمال السعودي -الإندونيسي المشترك الذي أطلق تأسيسه فصلاً جديدًا من الشراكة بين البلدين الصديقين، لمواصلة العمل وتعزيز التعاون في مجال الأعمال التجارية والاستثمار، كون السعودية وإندونيسيا قوتين اقتصاديتين مؤثرتين ضمن مجموعة العشرين.

و هناك تعاون في مجال الطاقة بين السعودية و إندونيسيا، حيث تعد شركة أرامكو للتجارة أكبر مورد للبنزين إلى إندونيسيا، إذ راوحت حصتها في السوق الإندونيسية ما بين 25 و30 % على مدى الأربعة أعوام الماضية، كما أن أرامكو أكبر مورد للنفط إلى إندونيسيا، حيث بلغ متوسط الإمدادات 11 مليون برميل سنويًا، ويبحث البلدان سبل التعاون في مجال تقنية الطاقة، وتعد إندونيسيا من الدول الجاذبة للاستثمارات الأجنبية ومنها السعودية لكونها أكبر اقتصاد في جنوب شرق آسيا والسابع في العالم، وتحتل المرتبة الـ16 عالميًا من حيث الناتج المحلي، والمرتبة الـ50 عالميًا من حيث التنافسية العالمية، والمرتبة الـ73 في تقرير ممارسة أنشطة الأعمال، والمرتبة الـ96 من الدول الأقل فسادًا وفقًا لمؤشر مدركات الفساد، إضافة إلى وفرة مواردها الطبيعية.  

لقد أثمر تحول دول مجلس التعاون الخليجي إلى آسيا عن عقد بعض الشراكات الاستراتيجية مع عمالقة المنطقة، بما في ذلك الصين والهند، لكن العلاقة مع دول رابطة أمم جنوب شرق آسيا لا تزال دون المستوى المنشود، فقد شكلّت الواردات من دول رابطة أمم جنوب شرق آسيا  6 % فقط من إجمالي واردات دول مجلس التعاون الخليجي بين عامي 2016 و 2020 م. وعلى الرغم من أن الصادرات من دول مجلس التعاون الخليجي إلى رابطة أمم جنوب شرق آسيا آخذة في الازدياد، فإنها لا تزال تتكون بشكل رئيسي من النفط الخام والبوليمرات البلاستيكية، بجانب المجالات التي يمكن تحقيق المزيد من التعاون ضمنها، لا سيما منها قطاعات النمو في المواد الغذائية والزراعة والتجارة الإلكترونية والتكنولوجيا المالية لدى أعضاء رابطة أمم جنوب شرق آسيا.

وتمتلك دول مجلس التعاون الخليجي ودول رابطة أمم جنوب شرق آسيا أرضيَّةً مُشتركة لتعزيز أواصر التعاون في المستقبل، ولم تقتصر استثمارات الشركات الخليجية في إنشاء مصافي للبترول ومرافق للبتروكيماويات، بل إنها امتدت أيضًا إلى استثمارات في قطاع المواد الغذائية والتجارة الإلكترونية والخدمات المالية. وتجدر الإشارة إلى أن شركات رابطة أمم جنوب شرق آسيا تنشط في قطاعي الضيافة والمواد الغذائية في دول مجلس التعاون الخليجي، إلا أنها لا تملك سوى حضورًا صغيرًا في قطاع الخدمات المالية.

وهناك مجال لزيادة التجارة في المنتجات الزراعية، إذ تعتمد دول مجلس التعاون الخليجي على منطقة رابطة أمم جنوب شرق آسيا بنسبة 7 % فقط من إجمالي وارداتها من المواد الغذائية والمشروبات، ونظرًا لأن رابطة أمم جنوب شرق آسيا معروفة بإنتاج الأرز وفول الصويا والفواكه الاستوائية وغيرها، فيمكن لدول مجلس التعاون الخليجي استكشاف مجموعة أوسع من المنتجات الزراعية بهدف استيرادها. وقد يثمر تعزيز روابط النقل والخدمات اللوجستية بالإضافة إلى توحيد القواعد للمنتجات الحلال عن زيادة التجارة في الزراعة والمواد الغذائية والمشروبات بين المنطقتين.

ويمكن أن يثمر تبادل المعارف في القطاعات الرئيسية لتعزيز أواصر التعاون بين المنطقتين عن توفير إطار يمكن للجهات التنظيمية التي تهدف إلى تطوير قطاع التكنولوجيا المالية في دول مجلس التعاون الخليجي التعلم من الجهات التنظيمية المتقدمة في منطقة رابطة أمم جنوب شرق آسيا، ويمكن أن يفضي التعاون في تدريب مدققي الحلال إلى تسهيل التجارة في مجموعة من المنتجات الحلال بما في ذلك المواد الغذائية والأدوية. 

و قد استحوذت دول جنوب شرق آسيا على 4 % فقط من إجمالي صادرات دول مجلس التعاون الخليجي خلال فترة الخمس سنوات نفسها، أي ما يعادل 126 مليار دولار أمريكي، وكان الجزء الأكبر منها من النفط الخام % 43  والبوليمرات البلاستيكية 20%  وفي حين انخفضت صادرات البوليمرات البلاستيكية من دول مجلس التعاون الخليجي في عام 2020  م، إلا أن صادرات النفط الخام ارتفعت بنسبة % 180 تقريبًا بين عامي 2019  2020 م، وقد تزايدت بشكل مطرد منذ عام 2016  م، قد يكون أحد أسباب الزيادة في عام 2020 م، هو أنه في حين أن معظم المصانع في العالم كانت تعمل بسعات أقل فقد تعافت آسيا بسرعة من الموجة الأولى من الجائحة.

كما تركزت الاستثمارات من الحكومات والشركات على قطاعات مماثلة، ولكن هناك اهتمام من قطاعات أخرى مثل المواد الغذائية والخدمات اللوجستية والضيافة، ووفقًا لقاعدة البيانات الإلكترونية فاستنادًا إلى الصفقات المعروفة، قدرت  ”Markets القيمة الإجمالية لاستثمارات دول مجلس التعاون الخليجي في منطقة الآسيان بمبلغ 13.4 مليار دولار  أمريكي في الفترة ما بين يناير 2016 وسبتمبر 2020م،  واستحوذت الإمارات على % 74 من إجمالي قيمة هذه الاستثمارات حيث كان نصيب عمان 20%   أو أكثر قليلًا. كان استثمار دول رابطة أمم جنوب شرق آسيا في دول مجلس التعاون الخليجي أقل بكثير، إذ تقدر قيمته بنحو 3.6 مليار دولار أمريكي خلال الفترة ذاتها؛ وجاء ثلثا هذه الاستثمارات من سنغافورة. 

أن العلاقة التجارية والاستثمارية بين دول مجلس التعاون الخليجي ودول آسيان، تنتقل إلى مرحلة غير مكتملة المعالم، وانطلاقاً من قاعدة التجارة القائمة على النفط الخام من دول مجلس التعاون الخليجي، والإلكترونيات والآلات وقطع السيارات من دول جنوب شرق آسيا، يجب أن تندمج الشركات في قطاعات استراتيجية أخرى مثل المواد الغذائية، وكذلك القطاعات ذات النمو المرتفع مثل الخدمات المالية والتجارة الإلكترونية والخدمات اللوجستية، ويُعتبر الاستقرار السياسي في دول مجلس التعاون الخليجي هو السبب الرئيسي الذي يجعل المسؤولين التنفيذيين في رابطة أمم جنوب شرق آسيا يعتبرون المنطقة جذابة، كما تعتبر بعض الشركات دول مجلس التعاون الخليجي نقطة انطلاق للتوسع الأوسع نطاقًا في المنطقة إذ أن دول مجلس التعاون الخليجي تمثل مركزًا لتطوير الأعمال في دول الشرق الأوسط وإفريقيا .

وتعتمد دول مجلس التعاون الخليجي على منطقة رابطة أمم جنوب شرق آسيا بنسبة  % 7 فقط من إجمالي وارداتها من الأغذية والمشروبات، وهو أمر مفاجئ، نظرًا لأن المنطقة معروفة بإنتاج الأرز وفول الصويا والفواكه الاستوائية وغيرها، ويمكن أن يؤدي تعزيز روابط سلسلة التوريد إلى رفع مستوى الواردات ومساعدة دول مجلس التعاون الخليجي على مواجهة التحديات المتعلقة بالأمن الغذائي، وتمثل المؤسسة الإسلامية لتنمية القطاع الخاص ، ذراع القطاع الخاص في البنك الإسلامي للتنمية،  فرصًا لتحقيق تكامل في قيمة المواد الغذائية الحلال بين المنطقتين ، وعلى الرغم من وجود قطاع صغير حاليًا، إلا أن الأسواق الكبيرة في رابطة أمم جنوب شرق آسيا، مثل إندونيسيا وماليزيا، مستعدة لتقديم منتجات حلال إلى دول مجلس التعاون الخليجي، بما في ذلك على سبيل المثال لا الحصر المواد الغذائية .

ويمكن أن يشكل التطور في مجال تنظيم التكنولوجيا المالية مجالًا مهماً للتعاون، وعلى وجه التحديد فقد أنشأت سلطة النقد السنغافورية بيئة تجريبية لتمكين الابتكار في مجال التكنولوجيا المالية، ودعم تبني مجموعة من التقنيات ويمكن لتبادل الدروس المستفادة مع الجهات التنظيمية في أسواق دول مجلس التعاون الخليجي، مثل أسواق دبي وأبو ظبي والمنامة والرياض، أن تسرِّع من وتيرة الابتكار وتقود النجاح في هذا القطاع.

و لا يزال المسؤولون التنفيذيون في كلتا المنطقتين، إيجابيين بشأن إمكانية المشاركة بشكل أعمق إذ يتطلعون إلى التوسع المستمر للأعمال في المنطقة العربية، ليكونوا قادرين على خدمة المزيد من المستهلكين المحليين في دول مجلس التعاون الخليجي ومن ناحية أخرى، فإن تجارب شركات مثل مجموعة لولو تصادق على أن الشركات الخليجية لديها الكثير لتحقيقه من مكاسب كبيرة في سوق رابطة أمم جنوب شرق آسيا أيضًا، إن رابطة أمم جنوب شرق آسيا، منطقة نابضة بالحياة ومثيرة حقًا، حيث تبرز فيها الكثير من التوجهات المثيرة للاهتمام وختامًا فيبدو بأنه قد حان الوقت لمستوى أقوى من التفاعل الاقتصادي بين هاتين المنطقتين الشابتين والنابضتين بالحياة.

على جانب آخر، ترجع بعض التقارير الاقتصادية زيادة الاستثمارات الخليجية في "آسيان" خلال الفترة الأخيرة إلى عدة أسباب، منها الاختلالات الاقتصادية التي تشهدها أوروبا وأمريكا أخيراً، وقدرة دول جنوب شرقي آسيا على التأقلم مع انكماش الاقتصاد العالمي، والتعافي السريع من جراء الأزمات الاقتصادية، مما يكسب المستثمرين ثقة في هذه المنطقة ويجعل جنوب شرقي آسيا أرضاً صالحة للاستثمارات الخليجية. من ناحية أخرى، يمكن لدول "آسيان" أن توفر السلع والمنتجات الغذائية والزراعية لدول الخليج، مما قد يجنبها ارتفاع الأسعار المفاجئ في الأزمات ويضمن لها مصادر متعددة في هذا النوع من السلع.

إن العلاقات التجارية بين رابطة أمم جنوب شرق آسيا ومجلس التعاون الخليجي، أدت إلى تحول دول مجلس التعاون الخليجي إلى آسيا على مدى العقدين الماضيين إلى نمو مستويات التجارة والاستثمار بين المنطقتين، إلا أن التجارة مع الصين والهند تهيمن على هذه العلاقة. فبين عامي 2016  و 2020 م، شكلت الصين ما يقرب من % 15 من إجمالي واردات دول مجلس التعاون الخليجي مقارنةً بنسبة 6  % فقط من دول رابطة أمم جنوب شرق آسيا العشرة مجتمعة ، وتُعتبر دول مجلس التعاون الخليجي وجهة لبعض الصادرات الرئيسية لرابطة أمم جنوب شرق آسيا.. وعلى مدى السنوات الخمس الماضية جاءت الإلكترونيات والآلات -والتي تعد من بين منتجات التصدير الرئيسية الثلاثة لرابطة أمم جنوب شرق آسيا -من بين أهم السلع التي تستوردها دول مجلس التعاون الخليجي، ومثلت الإلكترونيات % 28 والآلات 12 % من قيمة الواردات البالغة 144 مليار دولار أمريكي من دول رابطة أمم جنوب شرق آسيا في الفترة بين  2016   و 2020 م.

و في الختام فقد تنامت العلاقات الاقتصادية بين دول مجلس التعاون الخليجي وآسيان  ، إذ يرى مراقبون أن السعودية اتخذت أخيراً خطوات واسعة في التقارب مع دول آسيان، مما قد يجعلها بوابة الخليج العربي إلى تكتل الشرق الآسيوي، ويتضح ذلك من خلال دعوتها إلى ثلاث دول من الرابطة خلال رئاستها لمجموعة الـ20 في عام 2020م، حيث حلت سنغافورة وفيتنام ضيفتين على المنتدى العالمي، إلى جانب إندونيسيا أحد أعضاء المجموعة، ويتوقع أن يحقق مزيد من التقارب بين الكتلتين خلال الفترة المقبلة ، فوائد للجانبين ، بخاصة مع عمل رابطة آسيان ومجلس التعاون الخليجي على الابتعاد عن الصراعات بين القوى الكبرى والتزام الحياد والاهتمام بمصالح شعوبهم وتحقيق النمو الاقتصادي، و بالنظر إلى المستقبل، تحرص دول مجلس التعاون الخليجي على تعميق علاقتها التجارية والاستثمارية مع الاقتصادات الرئيسية في تكتل رابطة أمم جنوب شرق آسيا .

مقالات لنفس الكاتب