array(1) { [0]=> object(stdClass)#13063 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 191

تعاون دول الخليج والآسيان يـؤسس منظومة دفاعية في الخليج ومجتمع ينشد التقدم والسلام

الأحد، 29 تشرين1/أكتوير 2023

يمر العالم بمرحلة تاريخية حرجة، تُنبئ بمتغيرات حادَّة تعيد تشكيل التحالفات القائمة، ويلعب فيها الاقتصاد والتكنولوجيا أدواراً حاسمة، مع استمرار النزاعات العسكرية بين روسيا وأوكرانيا، مرورًا بجائحة كورونا والتغيرات المناخية، والحرب الدائرة الآن بين إسرائيل والفلسطينيين. وفي ضوء ذلك أصبح أمن منطقة الخليج غاية مشروعة، وضرورة مُلِحَّة لحماية حدودها المترامية الأطراف، وثرواتها الطبيعية المُستهدَفَة. يَتَّسِق مع هذا الفكر أن دول الخليج تعرضت بالفعل لهجمات غادرة أصابت منشآتها الاقتصادية، وهددت الممرات المائية المحيطة الناقلة لثرواتها، مما يستلزم تحركاً حثيثاً لتتوحد أهداف منطقة الخليج وما يجاورها من الدول، ويترابط الكلُّ ارتباطاً وثيقاً واعياً يُهَيِّئ مِظلة أمنية يتحقق تحت حمايتها أقصى توظيف لإمكاناتهم البشرية والاقتصادية، وتنطلق قدراتهم التكنولوجية والدفاعية، وتتعزز قِيَمُهم الجيوسياسية.

رابطة دول جنوب شرق آسيا "الآسيان"، ونظرة إلى التعاون والأمن

تتطلع دول مجلس التعاون الخليجي ودول رابطة الآسيان ASEAN إلى تعزيز علاقاتهم في كافة المجالات وفي مقدمتها السياسية والاقتصادية والثقافية والدفاعية. وبحسب بيان للأمانة العامة لمجلس التعاون فإن العلاقة الاستراتيجية بين مجلس التعاون الخليجي وآسيان تلعب دورًا هامًا في الحفاظ على الاستقرار والأمن في منطقتي الخليج وجنوب شرق آسيا.

تنشد رابطة الآسيان إيجاد مجتمع مرن في منطقة سلمية وآمنة ومستقرة، يتمتع بالقدرة على المواجهة الحاسمة والفعالة للتحديات من أجل الصالح العام وفقًا لمبدأ الأمن الشامل. ويتطلب الأمر تعزيز قدرة الآسيان على معالجة القضايا الأمنية غير التقليدية مثل تهريب الأسلحة ومكافحة الإرهاب وحماية الحدود والأمن السيبراني. وينبغي اعتماد آليات سلمية لتسوية الخلافات والنزاعات، وفقًا لميثاق الآسيان ومبادئ القانون الدولي مع تعزيز تدابير بناء الثقة وتعزيز أنشطة الدبلوماسية الوقائية، والامتناع عن التهديد باستخدام القوة.  وتتخذ الرابطة مبادرات مثل التعاون الدفاعي، والدبلوماسية الوقائية، والحفاظ على المنطقة خالية من الأسلحة النووية وغيرها من أسلحة الدمار الشامل، مع المساهمة في الجهود العالمية بشأن نزع السلاح وعدم الانتشار والاستخدامات السلمية للطاقة النووية، وتعزيز الأمن البحري واعتماد الاتفاقيات والمبادئ البحرية المقبولة دوليًا.

التقارب بين دول مجلس التعاون ومجموعة الآسيان

تمكنت رابطة الآسيان بعد أكثر من خمسة عقود من العمل الجماعي الجاد والمكثف من تحقيق معدلات متميزة من التنمية والازدهار الاقتصادي. وتتنامى العلاقات السياسية بين دول رابطة الآسيان ومجلس التعاون الخليجي، ويعود الفضل في ذلك إلى السعودية والإمارات وعمان. وخلال الفترة بين عامي 2019 و2022م، وجهت السعودية الدعوة إلى ثلاث دول من الرابطة (سنغافورة وفيتنام وإندونيسيا) خلال رئاستها لمجموعة الـ20 في 2020م للمشاركة في اجتماعات وفعاليات المجموعة. وتبودلت زيارات مكثفة رفيعة المستوى، ويشهد عام 2023م، ترتيب عدة زيارات لعدد من حكام وقيادات دول الخليج إلى دول تلك المنطقة ردًا لزيارات مماثلة. وقد وقَّعت على معاهدة الصداقة والتعاون مع رابطة "آسيان"، والمعروفة اختصاراً باسم "TAC" كل من: البحرين، ثم كل من سلطنة عمان وقطر والإمارات، ثم السعودية، وأخيراً الكويت في 2023م، لتصبح بذلك الدولة رقم 54 التي تنضم لهذه المعاهدة.

كما يعزز من توطيد العلاقات بين دول مجلس التعاون الخليجي ودول رابطة الآسيان ذلك التشابه الكبير بينهما في محط أنظار القوى الكبرى والعالمية، فلدول مجلس التعاون الخليجي أهمية جغرافية واستراتيجية واقتصادية كبيرة. من الناحية الاستراتيجية تطل دول الخليج العربي على مضيق هرمز الذي يشكل شرياناً رئيساً في حركة التجارة الدولية، واقتصادياً تمتلك دول مجلس التعاون الخليجي أكبر احتياطي نفط في العالم يقدر بـ33% من إجمالي الاحتياطي العالمي، بينما تنتج خمس دول من المجلس حوالي 18% من الطلب العالمي على النفط. وجاء في البيان المشترك للاجتماع السادس والخمسين لوزراء خارجية الآسيان، جاكرتا، 11-12 يوليو 2023م: "إنا نتطلع إلى عقد قمة الآسيان ومجلس التعاون الخليجي في أكتوبر 2023م، في الرياض والتي تعزز علاقاتنا المستقبلية مع مجلس التعاون الخليجي. كما نتطلع إلى اعتماد إطار التعاون بين الآسيان ودول مجلس التعاون الخليجي 2024-2028م".

لا شك في أن سياسة التوجه شرقاً من قِبَل دول الخليج صوب آسيا، وسياسة التوجه غرباً من دول آسيا صوب الخليج، إنما تأتي نتاجاً لمتغيرات وتحولات دولية كبرى سوف تعيد هيكلة النظام الاقتصادي والسياسي العالمي، وتقدم فرصة أمام دول الخليج في أن تعيد أولويات الأسواق النفطية، واحتمال ربط عملاتها بعملات أخرى غير الدولار على المدى المتوسط، والتوسع الاستثماري المتبادل بينها وبين الدول الآسيوية الصاعدة، والشراكة في المجالات المتعلقة بالأمن والدفاع.

التسليح والصناعات العسكرية الدفاعية

هناك إمكانات كبيرة لزيادة الاستثمارات الخليجية مع دول الآسيان خاصة مع قيام دول الخليج بتدبير احتياجات دول الآسيان من البترول والغاز الطبيعي. ويتنامى التعاون التكنولوجي إذ تمثل التكنولوجيا عنصراً رئيساً في تحديد طبيعة العلاقات مع دول الخليج، وهناك سباق تسلح آسيوي متصاعد مع التحول في العقيدة العسكرية لبعض القوى الآسيوية. وربما كانت البداية لهذا الاتجاه مع تأسيس تحالفات على غرار "أوكوس" "AUKUS" الذي يضم الولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا، وتحالف "كواد" "Quad" بين الولايات المتحدة وأستراليا واليابان والهند.

يعتبر الدفاع أحد العناصر الأساسية للسلام والاستقرار الإقليميين، ويتولى الجيش دوره الحاسم في الحفاظ على الأمن القومي والقدرة على حشد الأصول والقدرات. ومن شأن التعاون الدولي في الصناعات الدفاعية الوطنية أن يلعب دوراً في التنمية المتوسطة والطويلة الأجل لقطاعات الأمن في الخليج. فحتى الآن، ذهبت كل مليارات الدولارات تقريباً التي أنفقت على الأسلحة إلى المُورّدين الأجانب. وفي المستقبل، يجب على مجلس التعاون الخليجي التركيز على تطوير قاعدة محلية للتصنيع الدفاعي لتعزيز قدرة المنطقة على مواجهة مجموعة من التهديدات التقليدية وغير المتكافئة من قبل الإرهابيين والمهاجمين السيبرانيين وغيرهم. سوف يتطلب الأمر رؤية جديدة للسياسة الدفاعية لكل دولة، تركز على بناء مُسيَّرات، وأنظمة كمبيوتر واتصالات، وغير ذلك من القدرات الاستراتيجية محليًا.

سعت المملكة العربية السعودية والإمارات إلى توسيع تعاونهما الدفاعي مع دول الآسيان كما في نموذج الصناعات الدفاعية الإندونيسية والماليزية، واستفاد كلا الجانبين من مستويات متزايدة من الاستثمار الأجنبي المباشر في القطاعات الاقتصادية المستهدفة مثل الطاقة والرقمنة والرعاية الصحية والسياحة والذكاء الاصطناعي. وينشد المسؤولون في جميع أنحاء الآسيان اغتنام هذه الفرصة لاستغلال مصلحة دول الخليج في المشاركة الاقتصادية الموسعة، واستخدام هذا النفوذ لتشكيل التواصل المستقبلي بما يتماشى مع مصالحهم الخاصة. يمتد هذا التواصل المتجدد ليشمل توسيع التكامل الاقتصادي الإقليمي مع دول الآسيان عبر التعاون في مجال الطاقة وصناعات الدفاع، وتوسيع البنية التحتية الرقمية، وفرص الاستثمار.

والآن، تشهد القطاعات الأمنية في دول مجلس التعاون الخليجي تحولاً نحو مزيد من القدرات والاستقلالية، الأمر الذي سيؤدي إلى دور دقيق ولكنه مهم أيضًا للصين وروسيا والدول الآسيوية. وتتنافس الآن عواصم دول الخليج العربية على استضافة معارض دفاعية دولية تهدف إلى جذب رجال الأعمال وسمو المكانة الوطنية.

ومن أمثلة التعاون في الصناعات الدفاعية بين دول مجلس التعاون الخليجي ودول الآسيان:

  • في معرض فارنبورو للطيران في يوليو 2022م، وقعت الشركة السعودية للصناعات العسكرية (SAMI) مشروعًا مشتركًا مع شركة ST Engineering وهي مجموعة تكنولوجية ودفاعية وهندسية عالمية ومقرها سنغافورة. وأعربت عن الفخر بتنفيذ المشاريع الجديدة مع شركة ST Engineering، التي برزت باستمرار كشركة رائدة عالميًا في قطاع الدفاع. ومع هذه المبادرات الجديدة تأتي فرصة مشرقة للاستفادة من قدرات سلسلة التوريد وتعزيز المكانة المحلية للمملكة في الوقت الذي تتجه فيه نحو استقلالية قطاع الدفاع بما يتماشى مع هدف رؤية 2030م.
  • وقال مسؤول ماليزي إن ماليزيا والمملكة العربية السعودية قد استكشفتا التعاون العسكري، وقد استفاد المسؤولون من كلا البلدين من برامج التدريب المختلفة في المسائل الأمنية والاستخباراتية التي أجراها الجانبان من خلال برامج التعاون الفني. واتفقا على مزيد من التعاون والمبادرات الاستراتيجية في مكافحة الإرهاب.
  • تضم مجموعة إيدج للتكنولوجيا المتقدمة في الإمارات أكثر من عشرين شركة في قطاعات المنصات والأنظمة، والأسلحة والصواريخ، والحرب الإلكترونية والتقنيات السيبرانية. وتتضمن قطاعات دفاعية حيوية كالذخائر دقيقة التوجيه، والأنظمة المستقلة، والأنظمة البحرية والبرية، والأسلحة الخفيفة، والحرب الإلكترونية، والاستخبارات، والتدريب، والصيانة والإصلاح والعمرة، تماشيًا مع الثورة الصناعية الرابعة. وقد نجحت في بناء شبكة واسعة من الشركاء والعملاء على الصعيدين المحلي والعالمي. وفي سبتمبر الماضي أعلنت شركة ST Engineering السنغافورية السابق ذكرها، ومجموعة إيدج، عن شراكتهما الرامية إلى تبادل الحلول والخدمات والقدرات في مجالات الذخائر ذات العيار الصغير والتقنيات غير المأهولة وأنظمة الجندي المستقبلي والتدريب والمحاكاة. ومن خلال تبادل الخبرات والتجارب والموارد، ستعمل كلاهما على تعزيز القدرات التكنولوجية في قطاعات الدفاع الإقليمية بمنطقة جنوب شرق آسيا وخارجها.

التوازن الإقليمي في المنطقة

من المنتظر ـ مع إعداد هذا المقال ـ عقد قمة الآسيان ومجلس التعاون الخليجي في أكتوبر 2023م، في الرياض والتي ستعزز العلاقات المستقبلية مع التطلع إلى اعتماد إطار ممتد للتعاون خلال 2024-2028م. يتوقع المراقبون قيام تحالف استراتيجي خليجي-آسيوي، مع تحول دول الخليج عن استراتيجية الاعتماد على حليف واحد، هو الولايات المتحدة إلى بناء علاقات متينة مع شرق آسيا والاستفادة من التجارب الممارسة في الجانبين. ومن الأسباب التي تدفع إلى قيام تحالف آسيوي خليجي أن 50 % من احتياجات آسيا للطاقة تأتي من الخليج، فيما توجد عمالة آسيوية تقدر بـ 12 مليون آسيوي في الخليج يحولون 30 بليون دولار من الخليج إلى آسيا.

وتحاول دول الخليج الاستفادة من تجربة رابطة الآسيان المؤلفة من 10 دول ومتابعة نجاحاتها في التحالف كما تتطلع باهتمام للاستفادة من تجربتها الصناعية. ومع تحول الإرهاب إلى خطر عالمي فهو الآن محور اهتمام مشترك خليجي-آسيوي، إذ يجري تدريب جماعات إرهابية وتصديرها إلى المنطقة. وتبرز قضية أمن الممرات النفطية. ومما يقلق الخليج أيضًا هو تسلح إيران وبرنامجها النووي سعيًا لإنتاج سلاح نووي مما يهدد الخليج ويدفعه لمواجهة هذا الخطر وجلب قوة نووية. ويشكل تصاعد سباق التسلح النووي في آسيا انعكاسات هامة على الخليج.

يتنامى التنافس البحري في آسيا، وتسعى استراتيجيات الأمن البحري للحفاظ على مبادئ حرية الملاحة في الممرات الرئيسية، واستقرار سلاسل الإمداد العالمية. من المتوقع صعود الاقتصادات الآسيوية على المدى الطويل، وأن تصبح الصين والهند بحلول عام 2050م، في مقدمة الاقتصاد عالمياً، قبل الولايات المتحدة. ومن المرجح أيضاً أن تكون إندونيسيا رابع أكبر اقتصاد. من شأن مشروعات مشتركة مثل الحزام والطريق، وطريق الحرير الإلكتروني، التي تضم 25 دولة بينها الإمارات والسعودية ومصر، أن تتداخل مع دول الخليج وخططها التنموية، فضلاً عن انعكاساتها على الاقتصاد والأمن في العالم.

التأثير على منطقتي بحر الصين وجنوب شرق آسيا

عززت الدول الأعضاء في رابطة الآسيان من تعاونها في مجال الأمن البحري من خلال أول مناورة عسكرية مشتركة على الإطلاق في جزر ناتونا وأماكن أخرى في بحر الصين الجنوبي، حيث تعمل الصين على زيادة أنشطتها البحرية. تتولى جاكرتا الرئاسة الدورية لرابطة دول الآسيان لهذا العام 2023م، وأرسلت أربع دول أعضاء، بما في ذلك إندونيسيا وسنغافورة، سفنًا بحرية للقيام بدوريات بحرية وعمليات إنقاذ. وقال الجيش الإندونيسي في بيان إن العملية غير القتالية التي تستمر خمسة أيام تهدف إلى تطوير المهارات العسكرية، بما في ذلك الأمن البحري والدوريات، وتوزيع المساعدات الإنسانية والإغاثة في حالات الكوارث. وتركز الآسيان بشكل أكبر على الاقتصاد ولذا فإن التدريب يتعلق أكثر بالأنشطة الاجتماعية.

جرت التدريبات وسط تصاعد التوترات الجيوسياسية بين القوى الكبرى واحتجاجات دبلوماسية على نشر الصين لخريطة "خط العشر نقاط"، والتي توسع مطالباتها لتغطي حوالي 90٪ من بحر الصين الجنوبي بما في ذلك المياه المتنازع عليها، وقد أثار ذلك احتجاجات من قبل العديد من أعضاء الآسيان. وأثارت الخريطة غضب الدول في جميع أنحاء منطقة آسيا والمحيط الهادئ، والرفض الشديد من الهند وماليزيا وفيتنام والفلبين. وبمشاركة الصين وروسيا والولايات المتحدة، اجتمع زعماء رابطة دول الآسيان في إندونيسيا لإجراء محادثات على رأسها إصرار الصين على فرض سيادتها على بحر الصين الجنوبي. كما انتقد بايدن إجراءات الصين "القسرية والاستباقية" عبر مضيق تايوان، وأكد على التزام الولايات المتحدة بنظام دولي قائم على القواعد في بحر الصين الجنوبي. وتمر أكثر من 3 تريليون دولار من التجارة عبر المنطقة البحرية الاستراتيجية كل عام، وفي السنوات الأخيرة دخلت السفن الصينية المناطق الاقتصادية الخالصة لإندونيسيا.

التوترات بين الشرق والغرب وبين الولايات المتحدة والصين

لم تعد الولايات المتحدة الشريك الاقتصادي الرئيس لدول مجلس التعاون الخليجي، بعد أن تجاوزتها الصين، كما أدت السياسات الأمريكية مثل "عدم وجود قوات على الأرض" و"تقاسم الأعباء" إلى خفض مصداقية الولايات المتحدة كضامن أمني لدول مجلس التعاون الخليجي. في الوقت نفسه، اتسمت المشتريات الدفاعية لدول مجلس التعاون الخليجي بالتنويع بعيدًا عن المعدات الأمريكية.

وعند النظر في الركائز الأربع لأي علاقة استراتيجية -السياسية والأمنية والاقتصادية والثقافية-لم تغير دول الخليج العربي وجهات نظرها في أهمية الولايات المتحدة كشريك استراتيجي أساسي لها، ورغم "الانفصال" الواضح عن السياسات الأمريكية الأخيرة بين دول الخليج، ينبغي عدم "الخلط بين ذلك والرغبة في تغيير العلاقة الأساسية مع الولايات المتحدة". فدول الخليج تتابع بنشاط التكيف مع نظام عالمي جديد قائم على الترابط، وليس الاستقطاب، ما يتطلب تطوير شرايين الاتصال بين المراكز الاقتصادية مثل الولايات المتحدة وأوروبا وأمريكا اللاتينية والهند والصين وروسيا واليابان وكوريا الجنوبية وإندونيسيا وغيرها.

 الآسيان والخليج وإرهاصات النظام الدولي الجديد

في سياق إعادة تشكيل النظام الدولي تعد التحولات الجارية في القارة الآسيوية، بداية من صعود التنافس الاستراتيجي بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية، والتطورات الأمنية والعسكرية، والدور المتصاعد للدول الآسيوية كقوى مؤثرة عسكرياً واقتصادياً وتكنولوجياً؛ واحدة من الأنماط الرئيسية البارزة في النظام الدولي قيد التشكل. فالقارة الآسيوية وصعودها على مسرح الأحداث العالمية، سيكون من أبرز معالم المرحلة المقبلة. ويبرز هنا أيضاً زيادة تأثير دول الخليج في عملية صُنع القرار العالمي، كإحدى نتائج الحرب الروسية الأوكرانية.

حققت رابطة الآسيان خلال الفترة الممتدة منذ تأسيسها في 1967م، وحتى الآن عدة نجاحات تفوقت بها على عدة منظمات إقليمية سبقتها في التأسيس. وجاء تصنيف رابطة ”آسيان“ – وفقًا لكثير من تقارير المؤسسات الاقتصادية الدولية – بأنها من بين المناطق الأسرع نمواً اقتصادياً على المستوى العالمي والإقليمي. وتمثل المسارات التالية مقومات هذه النجاحات: (1) التركيز على إنشاء اللجان الفنية والمتخصصة في تعزيز التعاون والمشاركات الاقتصادية والمتعددة المجالات ومنحها سلطات وصلاحيات واسعة في تسيير ومتابعة تنفيذ خطط التعاون المشترك؛ وتقليل الاعتماد على المستويات السياسية العليا. (2) جاء تأسيس الرابطة ضمن ترتيبات الأمن الإقليمي والحاجة إلى إقامة منظمة دولية تعاونية في جنوب شرق آسيا تكون مهمتها حصار المد الشيوعي والحيلولة دون انتشاره، وهو الأمر الذي دفع الولايات المتحدة إلى تبني هذه الآلية في محاولة لتنظيم صفوف الحلفاء في جنوب شرقي القارة، وتقوية اقتصادهم من خلال ضخ رؤوس الأموال الهائلة والزائدة عن دورة رأس المال الأمريكي. (3) رغبة وطموح الدول الأعضاء في الرابطة في تحقيق طفرة اقتصادية تنموية لشعوب المنطقة، من خلال معاهدة التجارة التفضيلية، وتنشيط وتشجيع التعاون الصناعي، وتوزيع المشروعات الصناعية على الدول الأعضاء. (4) نجاح الرابطة في إقامة شراكات اقتصادية وتكنولوجية مع الدول الكبرى في الاقتصاد العالمي، وتحتفظ الرابطة حاليًا باتفاقات مشاركة تنموية أو اقتصادية أو حوارية مع 96 دولة من أهمها: الصين وكوريا الجنوبية؛ واليابان؛ وكندا؛ والولايات المتحدة؛ والهند؛ والإمارات العربية؛ وقطر؛ وسلطنة عمان ….. وغيرها من دول العالم.

وتبرز أيضاً إشكاليات دخول آسيا في "العصر النووي الثالث"، إذ يطرح صعود الدول الآسيوية تساؤلات حول مستقبل تنظيم الانتشار النووي في هذه القارة. ويتميز "العصر النووي الثالث" بشيوع القدرات التكنولوجية النووية، مما يُهدد الأنماط السابقة للحد من انتشار القدرات النووية. ويبرز في هذا الإطار، أزمة إيران النووية، وملف كوريا الشمالية.

وتبقى ملاحظة تتعلق باعتماد دول مجلس التعاون الخليجي على مشتريات دفاعية كبيرة من الغرب، مما يحد من مشاركة الفنيين والمدربين والمستشارين الشرقيين في قطاعات الأمن في دول مجلس التعاون الخليجي بسبب المعدات والخبرات غير المتوافقة. وبدلاً من ذلك، قد يكون توطين صناعة الدفاع في دول مجلس التعاون الخليجي -وهو أحد ركائز التنويع في مرحلة ما بعد النفط والغاز -أكثر أهمية للمراقبة، خاصة على المدى المتوسط إلى الطويل.

خاتمة

يجري الآن تطوير رؤية مجتمع الآسيان لما بعد عام 2025م، وسيحدد الإطار الجديد المسار الاستراتيجي المستقبلي للرابطة خلال العقدين المقبلين، ومن أجل تحقيق أهدافها الاستراتيجية طويلة الأجل، تعكف الرابطة على أن تظهر مزيداً من الثقة والرغبة في اغتنام الفرص التي ستفيد المنطقة. ويبدو مستقبل الآسيان واعداً أكثر لأنه سيوفر فرصاً جديدة ليس فقط لشعوب الآسيان ولكن أيضاً للمجتمع العالمي الأوسع. وعلى الرغم من مواجهة عدد من الصعوبات، فإن النمو المستمر في المنطقة يمنح الأمل، ومن المتوقع أن يتوسع اقتصاد الآسيان بنسبة 4.7% في عام 2023م و5.0% في عام 2024م، مدفوعاً بالطلب المحلي وصافي الصادرات وانتعاش أسرع في قطاع الخدمات. ويتضح تصميم الرابطة على جعل جنوب شرقي آسيا مركزاً للنمو الاقتصادي الإقليمي وقوة دافعة للنمو العالمي، من خلال ضمان أن تظل رابطة الآسيان ذات صلة وتنافسية وتفكير مرن يستجيب للتحديات الإقليمية والعالمية المستقبلية، فضلاً عن تعزيز قدرة المنطقة كمحرك للنمو.

ولا شك أن آفاق التعاون المنتظر بين آسيان ومجلس التعاون الخليجي تـؤسس نحو تشكيل منظومة دفاعية قادرة في الخليج. إذ تتمتع منطقة الخليج العربي وجوارها بمقوِّمات حقيقية، تستطيع البناء عليها لصالح أمنها ورفاه مواطنيها، وتأسيس نموذجًا لمجتمع جديد متطور يقوم على تحالف أعضائه وينشد التقدم والسلام. إن التطور والنمو يتجه شرقًا، فالغرب يريد الأمة هنا مريضة حتى يبيع لها الدواء، وفقيرة حتى يبيع لها الغذاء، ومتحاربة حتى يبيع لها السلاح، ومقسمة حتى يضمن لنفسه البقاء.

 


الأمير فيصل بن فرحان، وزير الخارجية السعودي مع نظيرته الإندونيسية ريتنو مارسودي يحملان وثيقة توقيع السعودية على معاهدة الصداقة والتعاون مع رابطة دول جنوب شرق آسيا "آسيان"، والمعروفة اختصاراً باسم "TAC"، يوم 12 يوليو 2023م، جاكرتا، إندونيسيا

 


دول الآسيان: إندونيسيا-ماليزيا-الفلبين-سنغافورة-تايلاند-
بروناي-فيتنام-لاوس-ميانمار-كمبوديا

مقالات لنفس الكاتب