array(1) { [0]=> object(stdClass)#13063 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 192

طريق التنمية بالعراق يواجه تحديات سياسية ومالية وأمنية والقبول الإقليمي والطرق البديلة

الأربعاء، 29 تشرين2/نوفمبر 2023

  يعمل العراق في ظل التحولات الجيوستراتيجية التي يشهدها النظام الدولي ومنطقة الشرق الأوسط، على مواكبة هذه التحولات من خلال اعتماد نمط جديد لاستعادة مكانته وتعزيزها بكل المستويات، فإعادة طرح مشروع القناة الجافة، الذي حاولت حكومات سابقة منذ عقود العمل على تنفيذه وكان مصيره التأجيل لأسباب سياسية واقتصادية وأمنية أو نتيجة ارتباط هذا المشروع بعوامل جيوسياسية خارجية لم توفر المناخات الدولية آنذاك لتنفيذه؛ إلا أن ذلك لم يمنع رئيس مجلس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني من أن يكون هذا المشروع " طريق التنمية" أحد أهم أولوياته الاستراتيجية والاقتصادية أو حتى تحويله إلى بوابة لانفتاح العراق وتشبيك علاقاته مع دول المنطقة المهتمة بطرق التجارة، إذ شجع الاستقرار السياسي المحدود والاستقرار الأمني النسبي رئيس الحكومة على تبني هذا المشروع، فالسوداني يحاول أن يصنع مشروعاته الخاصة في رئاسة الوزراء من خلال (طريق التنمية)، كما صنع من قبله مصطفى الكاظمي رئيس الوزراء السابق الذي طرح مشروع (الشام الجديد )، وعادل عبد المهدي رئيس الوزراء الأسبق الذي طرح مشروع الاتفاق الصيني (النفط مقابل الإعمار)، رغم إدراك الثلاثة أن هذه المشاريع أكبر من قدرة كل منهم على تحقيقها.

 

 يمثل طريق التنمية مشروعًا استراتيجيًا فريدًا بالنسبة للعراق ينتهي العمل به كمرحله أولى وفق ما خطط له في العام 2028م، بتزامن قريب من افتتاح ميناء الفاو أمام السفن والتجارة الدولية، فالخط الاستراتيجي الأساسي سيكون الطريق البري بطول 1190 كيلومتر والسكة الحديدية بطول 1175 كيلومتر، وسيكون للطريقين مساران مختلفان في جنوب البلاد، إلا أنهما سيلتقيان في شمال محافظة كربلاء، وبعدها سيسير الطريقان جنبًا إلى جنب حتى وصولهما إلى منطقة فيشخابور قرب الحدود العراقية السورية التركية؛ يمثل ميناء الفاو المطل على الخليج العربي نقطة بدايته ليمر بأكثر من  10 مدن كبرى وينتهى على الحدود العراقية ليرتبط بخطوط الطرق البرية وسكك الحديد على الجانب التركي ليصل إلى أوروبا، وبناءً على العقلية التي رسمت هذا المشروع سيعمل على اختصار الطريق البحري ما بين آسيا وأوروبا إلى ما يقارب 15 يومًا بدلاً من 30 إلى 40 يومًا بالطريق القديم، مع التخطيط بربط أنابيب وخطوط نقل الطاقة والغاز في مراحل لاحقه، وأيضًا التباحث مع عدد من الدول العربية والإقليمية لإيجاد تفرعات حيوية تؤمن مرونة أكبر في الربط لنقل البضائع وتشابك خطوط الصناعة والتجارة بين الدول المستهدفة من هذا المشروع ومنها المملكة العربية السعودية للوصول إلى موانئ البحر الأحمر وسوريا للوصول إلى البحر الأبيض المتوسط والأردن بهدف الوصول إلى ميناء العقبة  وإيران بهدف الارتباط بما يعرف بطريق الحرير وبما يحقق تكاملاً  استراتيجيًا كبيرًا .

 

 تضع الحكومة العراقية كل إمكانياتها لغرض نجاح مشروع طريق التنمية لتغيير الواقع نحو بنية اقتصادية متينة، لذلك انطلقت للدعوة إلى مؤتمر تحت عنوان ( طريق التنمية ) عقد في 27-5-2023م، اشترك فيه 10 دول عربية وإقليمية ومنها المملكة العربية السعودية وتركيا والكويت وقطر والإمارات وعمان والأردن وسوريا وإيران، إضافة إلى ممثلين عن الاتحاد الأوروبي والبنك الدولي، الأمر الذي يؤشر بأن هناك سعي لجعله واقعًا تشترك فيه العديد من دول المنطقة ، فضلاً عن ذلك فإن الاجتماع شهد للمرة الأولى ( بتاريخ هذا المشروع ) مشاركة من دول المنطقة وحتى الاتحاد الأوروبي لبحث آلياته، الأمر الذي يعكس الجدية نحو تنفيذه كأولوية من أجل تعزيز العوائد وتحقيق تنمية اقتصادية بعيدًا عن إيرادات النفط، فضلاً عن أهداف التشبيك الاقتصادي مع الدول بمختلف القطاعات الاقتصادية والذي يفتح نافذة لنمط مختلف في العلاقات الدبلوماسية معها.

 

 إن إصرار الحكومة العراقية على تنفيذ هذا المشروع لا يعني بالضرورة غياب التحديات التي تواجه تنفيذ طريق التنمية "القناة الجافة"  ففي الوقت الذي طرح فيه هذا الملف تولدت العديد من الأسئلة من مختصين ومراقبين حول قدرة رئيس الحكومة على تجاوز هذه التحديات مع ما تعانيه الدولة العراقية من أزمات بكل المستويات والتي تؤثر بشكل أو آخر على مراحل التنفيذ . ومن هذه التحديات:

 

1 ـ التحديات السياسية:

 

 كغيره من المشاريع الاستراتيجية التي أطلقتها الحكومات العراقية بعد العام 2003م، ( والتي لم تنفذ إلى الآن )، يواجه طريق التنمية تحديًا سياسيًا للبدء به أو إكماله، إذ أن الصراع والتنافس والخصومات السياسية بين القوى والأحزاب كان عاملاً أساسيًا في إحباط عدد من الخطط الاستثمارية في عدد من القطاعات الحيوية لأن هذه الأحزاب لا تنظر للمشروع على أنه مصلحة عامة بقدر ما تنظر إليه على أنه سيكون إنجازًا لرئيس الوزراء وحزبه ومن ثم تعمل على إنتاج أزمات تساهم في عرقلة هذه المشاريع، لذا فالسوداني لا يختلف عن سابقيه بظهور هذا التحدي السياسي لطريق التنمية، ومما يؤكد ذلك أن حليفه الأساس عصائب أهل الحق عدت المشروع "وصمة عار في تاريخ ساسة العراق ويمثل فاتورة أخرى يدفعها الشعب العراقي بسبب الطبقة السياسية التي تشبعت بفيروس الفساد الذي جعلهم لا يميزون بين الضار والنافع" ، كما هاجم ائتلاف دولة القانون أحد أهم الداعمين لرئيس الوزراء، المشروع بأن " مشروع التنمية لن يخدم العراق، وأن الفائدة الاقتصادية من إنشاء طريق التنمية الحالي ليست بحجم إنشاء مشروع طريق الحرير الذي يجعل العراق هو الممر العالمي للتجارة العالمية" ، وبذلك يمكن أن نؤشر أن السوداني إلى الآن لم يقنع شركاءه السياسيين بأهمية المشروع السياسية منها بالتحديد .

كذلك شنت مواقع تواصل اجتماعي ( قريبة من الإطار الشيعي الحاكم ) حملة انتقادات للمشروع تحت مبررات طول مدة إنجاز المشروع، وعدم إحالة تنفيذه إلى الشركات العراقية التي نجحت في إنشاء العديد من الطرق الحديثة والمتطورة، إضافة إلى غياب الضمانات الدولية تجاه تركيا التي قد تعمل على إغلاقه في حال تم الاختلاف على بعض النقاط ؛ فضلًا عن ما أصدره ما يسمى الحراك الشعبي من أجل الحزام والطريق، من موقف حين عبر عن رفضه القاطع لمشروع تحويل العراق إلى القناة الجافة والربط السككي، معتبرًا الأمر التفافًا على مبادرة الحزام والطريق الصينية، وأن العراق سيكون مجرد ممر وطريق لنقل بضاعة دول أخرى .

ولا يقتصر هذا الرفض لطريق التنمية على شركاء السوداني بل شكل عدم مرور طريق التنمية بالكامل لإقليم كردستان، نقطة خلاف بين بغداد وأربيل، إذ عد إقصاء كردستان من خطة جديدة للبنية التحتية خطوة محض سياسية على الرغم من المبررات التي تُساق في هذا المجال بشأن عدم الجدوى الاقتصادية، وإيمانهم بأن إبعادهم من مشاريع البنية التحتية هي عامل سياسي على الدوام، لا سيما حين يتعلق الأمر بمشاريع على مستوى البلاد وهذا سيجعل الأكراد العراقيون ينظرون إلى طريق التنمية جزءًا من استراتيجية تقويض التنمية المتصاعدة لديهم مما يؤدّي إلى تفاقم الخلاف الوطني.

بنظرة سريعة لهذا التحدي، الذي يمكن ان يوصف بأنه الأكبر، سيكون مشروع طريق التنمية معرضًا للتعويق ومن ثم إفشاله، بسبب تقاطعه مع المشاريع السياسية للقوى المحلية التي لا ترغب بأي نجاح لأي حكومة أو رئيسها، وبهذا يتطلب من السوداني أخذ هذا التحدي على محمل الجد والعمل على إيجاد البيئة السياسية الحليفة لتنفيذ طريق التنمية.

 

 

 2 ــ تحديات التمويل والاستثمار:

 

 يمثل تمويل طريق التنمية واحدة من أعقد التحديات الاقتصادية التي سيواجهها المشروع ورئيس الوزراء العراقي، خصوصًا مع وجود اقتصاد عراقي ضعيف غير قادر على النمو وأزمة مالية سواء على مستوى العجز الكبير في موازنة الثلاث سنوات التي أقرها البرلمان العراقي في 2023م، وسجلت عجزًا ماليًا كبيرًا يقدر بنحو 48 مليارًا سنويًا يعد الأعلى في تاريخ الموازنات ، ويزيد على أكثر من ضعفي العجز المسجل بآخر موازنة لعام 2021م، حين بلغ 19.7 مليارًا ، فضلًا عن أن تمويل العجز سيكون من الاقتراض الداخلي والخارجي بنسبة 66%، الأمر الذي سيزيد من المديونية المسجلة على الحكومة الحالية والحكومات القادمة ؛ ومع حجم العجز والمديونية للموازنة العامة سيكون من الصعب تغطية النفقات المالية لطريق التنمية والتي تقدر بــ  ( 17 ) مليار دولار ، خصص مبلغ  (10.5 ) مليارات دولار من النفقات الإجمالية لمد سكة حديدية جديدة من ميناء الفاو إلى منفذ فيشخابور ، ومبلغ (6.5 )  مليارات دولار لطريق النقل البري ، إذ تسعى الحكومة إلى احتكار البنى التحتية الأساسية من طرق برية وسكك حديد (مما يعني ميزانية مالية تقترب من 12 مليار دولار )، الأمر الذي يثير تساؤلات حول إمكانية توفير هذه المبالغ، ونوع التسويات والصفقات التي يتطلبها ذلك مع الأطراف السياسية بغية تمريرها، مع الأخذ بنظر الاعتبار أن طريق التنمية سيتطلب تخصيصات من الطاقة الكهربائية، خصوصاً أن نوع القطارات المخطط تسييرها تعتمد بشكل أساسي على الكهرباء، فإنّ توفير هذه الطاقة سيكون في محل شك في ظل أزمة الكهرباء التي يواجهها البلد حالياً، رغم المشاريع الكبرى المتعلقة بالكهرباء  التي نُفِّذَت في قطاع الكهرباء وشابها فساد وهدر كبيرين. 

 إن هذا الواقع المالي المنهار يدركه المتحمسون لتنفيذ طريق التنمية وهذا الإدراك دفعهم لطرحه كمشروع استثماري للدول العربية والإقليمية والغربية أو للمنظمات الدولية المالية بهدف توفير السيولة النقدية له، وهذا من أهم الأسباب التي حفزت العراق لعقد مؤتمر طريق التنمية، الذي مثل حضورها رغبة أولية بالدخول كمستثمرين مشاركين، إلا أنه ما بعد أشهر من عقد المؤتمر لم تعلن وزارة النقل العراقية عن تعاقدات استثمارية مع أي دولة حاضرة أو حتى البنك الدولي، وحتى مع إعلان أمير دولة قطر عن استثمار ما قيمته 5 مليارات دولار أمريكي في العراق ،إلا انها لقطاعات الطاقة والفنادق، رغم الإشارة إلى توسيع آفاق التعاون الاستثماري والتجاري ولاسيما في مشروع طريق التنمية المزمع البدء بتنفيذه قريبًا ؛ والأمر كذلك بالنسبة لدولة الإمارات العربية المتحدة التي أبدت حرصاً شديدًا للاستثمار بالمشروع إلا أنه لم يحدث أي تفاهم بروتوكولي إلى الآن، ورغم وجود عرض للاستثمار في البنى التحتية لطريق التنمية من تركيا وبنسبة تقارب 50٪، إلا أن هذا المقترح رفض لأنه عد تفريطًا وتدخلًا في قطاعات سيادية يجب أن تحتكرها الدولة العراقية، فضلًا عن عدم وجود قوانين داعمة للاستثمار الخارجي مما يقلص فرص دخوله؛ ومع كل هذا يبدو  من غير الواضح كيف سيمول العراق هذا المشروع الاستراتيجي وحتى الحكومة لم تعلن عن الخطط البديلة لتمويله، مما يضع هذا التحدي ضمن العقبات الاقتصادية لإتمام طريق التنمية.

 

3-تحديات الأمن والفساد:

 

  لا مشاريع استراتيجية ولا خطط مستقبلية استثمارية مالم تتوفر البيئة الأمنية المناسبة في أي دولة طامحة بتنفيذ خططها التنموية، لذا تفشل العديد البلدان في المشاريع الاقتصادية الكبرى حال تعرضها إلى اضطرابات أو انتكاسات أمنية، ومع عدم انتقال العراق من حالة الاستقرار الأمني النسبي لحالة الاستقرار الأمني الكامل فإن ذلك سيمثل تحديًا لطريق التنمية على امتداد مراحل التنفيذ أو ما بعد دخول هذا المشروع حيز العمل، ورغم الرهان الذي تعقده حكومة محمد السوداني على إمكانية ضبطها الملف الأمني إلا أن الواقع يشير خلاف ذلك، فنظرة سريعة للجغرافية الأمنية لطريق التنمية تثبت أن على الحكومة وضع خطط تتناسب مع طبيعة كل مدينة تمر بها خطوط الطريق، فبدءً من محافظة البصرة  ( نقطة انطلاق المشروع ) إلى العاصمة بغداد تشهد هذه المساحة الجغرافية وجودًا ملحوظًا للسلاح خارج إطار الدولة سواء لجماعات مسلحة تتصارع فيما بينها نتيجة تقاطعات النفوذ والقوة أو السلاح العشائري الذي يستخدم بسبب الأعراف الاجتماعية ويعطل الحياة لأيام طويلة في تلك المدن لحين تدخل متأخر للمؤسسة الأمنية العراقية، كذلك سيواجه طريق التنمية ثغرة أمنية أثناء مروره بما يعرف بالمناطق المتنازع عليها تتمثل بصراع لم يحسم بين بغداد وأربيل وكذلك نشاط متقطع للجماعات الإرهابية في عدد من المدن، فضلًا عن أن طريق التنمية سوف يصل لنقطة حدودية مع تركيا مما يتطلب ضمان أمن الحدود والتصدي للتهديدات المحتملة عبر الحدود مثل التهريب أو تحركات المسلحين عبر الحدود ، لذا يكون من واجب الحكومة التعاون مع الدول المجاورة لضمان إدارة أمنية للحدود المشتركة  من خلال اتفاقات بهذا الخصوص.

 يمثل الفساد أحد التحديات المهمة التي قد تعترض تنفيذ طريق التنمية، فتعدد صور الفساد المستشري في العراق سواء كان الفساد السياسي والمالي، يضع علامات استفهام حول قدرة الأجهزة الرقابية على مكافحته وبكل ما يتعلق بهذا المشروع وإمكانية أن يتحول طريق التنمية إلى مصدرٍ لتمويل مصالح الأحزاب والسياسيين المتنفذين، ورغم حملة رئيس الوزراء السوداني ومن سبقه للقضاء على الفساد إلا أنه ما زال هناك من يشكك بقدرةَ أجهزة الدولة العراقية بعدم كفاءتها وتغلغل المصالح الحزبية فيها، مما يؤثر على حماية أموال مشروع بهذا الحجم والإشراف عليه دون التسبب بإهدار أموال طائلة .

 

4-تحديات القبول الإقليمي والطرق البديلة:

 

 إن تسليط الضوء على مواقف الدول الإقليمية من طريق التنمية، قبل الحديث عن منافسة الطرق الاستراتيجية الأخرى، يعد مهمًا لمعرفة طريقة تعاطيهم الإيجابي أو السلبي تجاه المشروع ولما له من تأثير هذه الدول على استكمال المشروع، فبالرغم من أن تركيا هي الشريك الأساس لهذا الممر التجاري إلى أوروبا إلا أن موقفها يبدو مشروطا، فدخولها السريع بمفاوضات مع العراق جاء كرد فعل لعدم مرور الممر التجاري بين الهند والشرق الأوسط والذي سينقل البضائع من شبه القارة الهندية عبر الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية والأردن وإسرائيل إلى الأسواق الأوروبية وتجاوزه تركيا بالكامل، لذلك قد تعمل أنقرة على فرض رؤية على العراق مقابل أن تكون شريكا للطريق تتعلق بالتهديد الأمني الذي يمثله حزب العمال الكردستاني في شمال العراق، وبتعزيز الصادرات التركية بما يضر بالهدف العراقي الرامي إلى الاستفادة من الطريق لتعزيز البنية الصناعية الداخلية والإنتاج المحلي، فضلاً عن صعوبة أن تكيف تركيا لمطالب طموحها في المنطقة وفق المتطلبات العراقية مع وجود ملفات عالقة لم تحسم منذ عقود، مما قد يجعل تركيا شريكًا قلقًا على المدى البعيد.

  إيران تمثل أيضًا تحديًا لطريق التنمية، فهي تضع في حساباتها نجاح مبادرة الحزام والطري( طريق الحرير ) أحد أهم الأهداف السياسية لتحالف أوثق مع الصين لتدعيم مواجهة اقتصادية ضد الولايات المتحدة الأمريكية، وهذا يجعلها تعتقد ( رغم حضورها مؤتمر طريق التنمية ) أن هذا المشروع قد يشكل تهديدًا  للمصالح الإيرانية لأنه سيفقدها ميزة استخدامها لطريق الربط بين الشمال والجنوب عبر ميناء الخميني وحتى بحر قزوين، إلى جانب كونه يتقاطع مع الطريق البري الذي يربط إيران بالبحر الأبيض المتوسط ، لذا سارعت طهران بالضغط على بغداد لتوقيع الربط السككي بين الشلامجة والبصرة في محاولة منها لتوسيع تجارتها عبر العراق وصولًا لسوريا، وهو ما يعارض جدوى طريق التنمية، ورغم هذا التوجه إلا أنّ مجلس الوزراء العراقي وافق على التسريع بتفعيل الربط السككي بين البصرة والشلامجة، الأمر الذي يؤشر بأنه محاولة لتأمين عدم اعتراض إيران وحلفائها العراقيين على مشروع طريق التنمية. 

 

  تبرز أمام مشروع طريق التنمية تحدي الضد والمتمثل بالطرق البديلة،  التقليدية منها أو التي سيتم العمل بها مستقبلاً ، فوجود قناة السويس وما توفره من مرونة أكبر في نقل البضائع بطاقة استيعابية أكبر من طريق التنمية مما قد يجعله طريقًا مساعدًا لها، إلا أن ذلك يبدو غير مقنع للمصريين الذين بدأوا ينظرون للمشروع العراقي على أنه استهداف لشريان مصر الاستراتيجي السياسي والاقتصادي والأمني، وهذا ما يفسر غيابها عن مؤتمر طريق التنمية؛ كذلك فإن طريق الحرير الجديد الذي أعلن عنه الرئيس الصيني شي جين بينغ، عام 2013م، وسمي هذا المشروع رسميا مشروع "الحزام والطريق" ويضم 130 دولة، ويهدف إلى تطوير البنى التحتية البرية والبحرية من أجل تحقيق ربط أفضل بين الصين وأوروبا وإفريقيا، يجعله الطريق الأكثر قدرة على التنفيذ لجدواه الاقتصادية ولأهميته الجيوسياسية، الأمر الذي سيدفع إلى النظر لطريق التنمية على أنه طريقًا ثانويًا لا أكثر ؛ وهذا الأمر ينسحب أيضاً على الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا IMEC، الذي أعلن عنه ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، والذي يعد مشروعًا لتكامل اقتصادي استراتيجي سيؤدي إلى تحولات اقتصادية كبرى مرتقبة، ولا سيما في مجال الهيدروجين والطاقة الجديدة ونقل البيانات، وهذا يؤشر إلى أننا أمام أنموذج جديد للطرق الدولية، مما يضعف قدرة طريق التنمية على المنافسة.

 

 مع هذه التحديات الجمة يبدو من الصعوبة الرهان على تنفيذ طريق التنمية لمجرد كونه مشروعًا استراتيجيًا ممكن أن ينقل العراق لمستوى سياسي واقتصادي متقدم، ما لم يتم إعادة ترتيب الداخل العراقي بكل مستوياته وبما يقدم البيئة الحليفة والداعمة لهذا المشروع وأيضًا صياغة مقاربة خارجية يتم بناؤها على أساس المصالح المشتركة بدون أن تكون هناك تنازلات قد تلحق الضرر الكبير بالعراق وموقعه ودوره الجيوسياسي

مقالات لنفس الكاتب