array(1) { [0]=> object(stdClass)#13063 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 192

الممر الهندي أقل أهمية للسعودية لتفوق تجارتها مع آسيا وميناء جدة يستقبل الواردات الأوروبية

الخميس، 30 تشرين2/نوفمبر 2023

تلعب التجارة الدولية دورًا محوريًا في النشاط الاقتصادي العالمي. وتؤثر هذه التجارة بصورة متفاوتة على حياة الشعوب ودخول أبناءها وقوة الدول المشاركة فيها. وكلما زادت مشاركة الدولة في التجارة العالمية كلما زادت قوتها الاقتصادية والسياسية وتأثيرها في القرارات العالمية.

و قد مر العالم بفترة طويلة كانت فيها الهيمنة التجارية و السيطرة على التجارة العالمية للولايات المتحدة الأمريكية ثم لليابان، ألمانيا، إيطاليا، هولاندا و المملكة المتحدة....الخ

ولكن خلال السنوات العشرين الماضية بدأت تحدث تحولات جذرية في النشاط الاقتصادي و زاد الدور النسبي لعدد كبير من الدول الناهضة و سريعة النمو خاصة في آسيا و أمريكا اللاتينية وفي مقدمتهم الصين والهند وكوريا الجنوبية وسنغافورة و تايوان......و دخلت هذه الدول في مجالات نشاط كانت السطوة فيها للشركات الأمريكية و الأوروبية مثل مجالات الاتصالات و صناعة السيارات والمعدات الإلكترونية....الخ و في مجالات تطوير البرمجيات (السوفت وير) و مكونات الحاسب (الهارد وير).

ومؤخرًا دخلت كل من المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات في هذا السباق التجاري.

وأصبح أحد أهم أهداف الدول النامية هو الترويج لمنتجاتهم وفتح أسواق جديدة، بل ومحاولة احتلال أسواق الدول القديمة الراسخة. ولم يكن ذلك ممكنًا بداية سوى من خلال توفير منتجات عالية الجودة عند أسعار منخفضة...

وهنا كان ولابد للدول الغربية الكبيرة أن تقاوم هذا الغزو التجاري للدول الجديدة من خلال وضع قيود مثل منع عمالة الأطفال والأجور المنخفضة ووضع اشتراطات بيئية صعبة أمام الدول المصدرة حتى تحول دون التوسع في صادراتهم.

ولكن حركة التطوير كانت قد بدأت ولم يكن هناك من سبيل لإيقافها. ومع ذلك فإن هذه الدول كان لديها خطط لغزو الأسواق الكبرى وأهمها أوروبا حيث القوة الشرائية المرتفعة.

ولما كان البعد الجغرافي أحد أهم العوائق أمام الوصول السريع وقليل التكلفة للأسواق الأوروبية والإفريقية، فقد كان من الضروري البحث عن حلول لهذه الإشكالية. ومن هنا جاءت أفكار الصين والهند وغيرهم للبحث عن أقصر وأرخص الطرق ووسائل النقل التي تحقق هذا الهدف.

ومن هنا جاءت فكرة إنشاء ممر الهند-الشرق الأوسط-أوروبا.

والسؤال الذي يطرح نفسه يصبح: إلى أي مدى تحتاج الدول الخمس الأساسية هذا الممر لتنمية نشاطها الاقتصادي وتجارتها الخارجية؟

للإجابة عن هذا السؤال سنتناول عدة نقاط:

  • ما هو ممر الهند-الشرق الأوسط-أوروبا وماهي أهميته اللوجستية؟

يبدأ ممر الهند-الشرق الأوسط-أوروبا من مومباي بالهند بحرًا إلى دبي وبعض الموانئ السعودية ومنهم برًا عبر الأراضي السعودية إلى الأردن وصولًا   لحيفا في إسرائيل، ثم الانطلاق بحرًا لمواني اليونان وغيرها في أوروبا (سوف نشير لهذا الممر التجاري في هذا المقال باسم "الممر").

وجاء الإعلان عن هذا الممر الاقتصادي في سبتمبر 2023م، بعد تخطيط وإعداد مسبق ومحقق لمصالح الدول الأطراف في ظل ظروف دولية وتجارية حافزة لذلك.

حتى الوقت الحالي تعتبر قناة السويس أهم ممر بحري يربط آسيا بأوروبا، وإن كان طول مدة نقل البضائع من شرق وجنوب شرق آسيا إلى أوروبا والتي تتراوح ما بين 32 يوم للتجارة القادمة من الصين لأوروبا و22 يومًا من الهند لأوروبا. دفعت بعض هذه الدول للبحث عن طرق أقصر لوصول البضائع لأوروبا.

والممر الذي نتناوله في هذا المقال ليس الوحيد الذي خططت له الهند أو الصين ولكن هناك العديد من هذه الطرق منها العاملة بالفعل أو تحت التنفيذ.

فالمنافسة الكبيرة بين كل من الهند والصين في مجال التجارة الدولية دفعت الصين وتلتها الهند إلى تبني مسارات جديدة بديلة ولو متعددة الوسائط (بحر- بر جو ) (سيارات نقل أو قطارات)  للوصول لأوروبا. ومن ثم فإن الممر ((IMEC ليس الوحيد، ولكن هناك عدة ممرات برية أو برية-بحرية خططت لها الصين في إطار مبادرة الحزام والطريق: ثلاثة طرق كبرى في آسيا وصولًا لأوروبا؛ وعدد من الطرق تخترق إفريقيا عرضًا.

أما الهند فخططت لمسار آخر (مائي-ارضي) يبدأ من مومباي بحرًا وصولًا لبندر عباس (إيران) ثم أذربيجان فروسيا وصولًا لأوروبا (عن طريق النقل البري).

وكل هذه المسارات تختصر في وقت النقل مقارنة بقناة السويس، ولكن يعيبها أمران: الأول هو ارتفاع التكلفة النقل متعدد الوسائط مقارنة بالنقل البحري من خلال قناة السويس؛ الثاني أن كل هذه الطرق قد تكون مناسبة لنقل البضائع الأصغر حجمًا، أما السلع والمنتجات كبيرة الحجم ومنخفضة السعر فالأرخص أن تنقل عبر النقل البحري عن طريق قناة السويس أو رأس الرجاء الصالح (الطريق الأطول). وإن كانت الأرقام الخاصة بالتكلفة مازالت غير محددة بدقة بعد.

  • ما أهمية التجارة الخليجية والهندية مع أوروبا؟

يشارك في تبني ممر الهند-الشرق الأوسط-أوروبا، خمس دول وهي الهند، دولة الإمارات، المملكة العربية السعودية، الأردن وإسرائيل. وقد تنضم لهذه الدول دول خليجية أخرى.

هذه الدول تحتل مراكز متقدمة في الناتج العالمي، حيث يأتي ترتيب الهند الخامسة عالميًا، السعودية رقم 17، إسرائيل رقم 28، الإمارات رقم 29 والأردن رقم 89، وتمثل نواتجهم حوالي 5.7% من إجمالي الناتج العالمي، كما يوضح الجدول التالي:

 

جدول 1 ترتيب دول الممر وفقًا للناتج المحلي الإجمالي عالميًا في 2022

جدول 1 ترتيب دول الممر بحسب الناتج المحلي الإجمالي في 2022

ترتيب الدولة عالميًا

قيمة الناتج المحلي الإجمالي بالمليار دولار أمريكي 2022

الدولة

5

3385

الهند

19

1108

المملكة العربية السعودية

31

507.5

الإمارات العربية المتحدة

55

237.3

قطر

29

522

إسرائيل

93

47.5

الأردن

 

5807.3

إجمالي نواتج دول الممر

 

101003

إجمالي الناتج العالمي

المصدر: List of countries by GDP (nominal - Wikipedia

 

وهذه المجموعة من الدول مثلت حوالي 5.6% من حجم التجارة العالمية في 2022.

وهي تتميز بأن معظمها دول تنمو تجارتها بمعدلات سريعة نسبيًا سنويًا. ففي عام 2022م، مقارنة بالعام السابق 2021م، حققت الهند (14.7%)، السعودية (41.4%) الإمارات (-26.8%) إسرائيل (22.3%) الأردن (-6.1%). كما ان كل هذه الدول تستهدف زيادة صادراتها في المستقبل.

جدول 2 نصيب دول الممر في التجارة العالمية 2021م.

 جدول 2 دول الممر موزعة بحسب قيمة الصادرات والترتيب في التجارة العالمية 2022

معدل النمو % في 2022 بالمقارنة ب 2021

ترتيب الدولة عالميًا

قيمة الصادرات بالمليار دولار الأمريكي

الدولة

14.7

18

452.6

الهند

41.4

22

378.2

المملكة العربية السعودية

-26.8

26

311.3

الإمارات العربية المتحدة

50.2

36

130.9

قطر

22.3

50

73.6

إسرائيل

-6.1

104

8.8

الأردن

 

 

1355.4

إجمالي تجارة دول الممر

 

 

24487

إجمالي التجارة العالمية

المصدر:https://www.worldstopexports.com/worlds-top-export-countries   /

 

ولعله من المفيد توضيح أن بعض هذه الدول تلعب دورًا محوريًا في صادرات بعض السلع دوليًا. فإذا نظرنا للهند نلاحظ أنها من أكبر الدول تصديرًا للمنتجات البترولية المصنعة، الألماس، المنتجات الذهبية، المنسوجات، الحديد، الألومنيوم، السيارات، والمعدات الثقيلة.

وتتجه حوالي 20% من المنتجات الهندية لأوروبا، 20% لأمريكا الشمالية، 46% للدول الآسيوية وباقي الصادرات تتجه لدول أخرى. ولعل تصدير خمس (20%) صادرات الهند لأوروبا من أهم الأسباب وراء الاهتمام بفكرة الممر من جانبها.

أما فيما يخص أهم الدول التي تستورد منها الهند فكانت الصين (14%)، الإمارات (7.5%)، الولايات المتحدة الأمريكية (7.2%)، المملكة العربية السعودية (6.4%)، روسيا (5.6%)، العراق (5.4%)، إندونيسيا (4%)، سنغافورة (3.4%)، كوريا الجنوبية (2.9%)....أما الصادرات الأوروبية للهند فلا تتجاوز في مجملها 6% من إجمالي واردات الهند.

أما بالنسبة للمملكة العربية السعودية فإن صادراتها في 2022 م، أقل تنوعًا ويأتي في مقدمتها الوقود (83.5%)، البلاستيك (6.1%)، الكيماويات العضوية (4%) والأسمدة (1.3%).  وتعتبر الصين، اليابان، الهند، كوريا الجنوبية والإمارات ومصر.... من أهم الدول المستوردة من الهند. أما الدول الأوروبية فلا تمثل شريكًا تجاريًا أساسيًا في صادرات المملكة. أما فيما يخص واردات المملكة العربية السعودية فإن الصين تأتي في المقدمة، تليها الولايات المتحدة، الإمارات، الهند، ألمانيا، اليابان، مصر، كوريا الجنوبية، إيطاليا وفرنسا.

يعتبر ميناء جدة على البحر الأحمر من أهم موانئ المملكة البحرية، ويليه في الأهمية ميناء الدمام على الخليج العربي.

ومن ثم فإن اهتمام المملكة بهذا الممر يعد أقل أهمية من الهند أولًا لأن الأهمية النسبية للتجارة الخارجية مع أوروبا أضعف كثيرًا من تجارتها مع الدول الآسيوية والدول الخليجية والعربية المجاورة، وثانيًا لأن ميناء جدة الدولي يستقبل التجارة الواردة من أوروبا بسهولة عن طريق قناة السويس.

أما فيما يخص دولة الإمارات فإن صادراتها الأساسية يتصدرها المنتجات البترولية (68.6%)، الأحجار الكريمة والمجوهرات (14.3%)، الألومنيوم (3.3%)، البلاستيك و منتجاته (2.5%)، المعدات الكهربائية (1.3%).

وأهم الدول التي صدرت لها في 2021م، هي الهند، اليابان، الصين، السعودية، العراق، سنغافورة، الاتحاد الأوروبي (4%)، عمان، هونج كونج، وتايلاند....

أما أكبر نسبة من واردات الإمارات فتأتي من الصين، ثم الهند، الولايات المتحدة، اليابان، تركيا، وألمانيا....

لهذا يمكن القول إن الشركاء التجاريين الأساسيين لدولة الإمارات هم معظمهم دول آسيوية والولايات المتحدة الأمريكية وعدد محدود من الدول الأوروبية. ومن ثم فإن التعاملات التجارية الدولية مع أوروبا محدودة نسبيًا بالمقارنة بالتجارة الآسيوية.

الخلاصة، إنه باستثناء الهند التي تمثل صادراتها لأوروبا 20% من إجمالي صادراتها، فإن كل من المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات لا تعتبر أوروبا شريكًا تجاريًا أساسيًا لا تصديرًا ولا استيرادًا.

أما فيما يخص الأردن وإسرائيل فقربهما من البحر المتوسط يجعلهما في غير حاجة ماسة لهذا الممر من الناحية اللوجستية.

ولهذا يصبح من الضروري أن نطرح سؤالاً حول أهمية هذا الممر الحقيقية لهذه الدول وغيرها؟

أولاً، فكرة هذا الممر تبلورت بداية من خلال مذكرة تفاهم وقعتها الهند والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وثلاث من الدول الأعضاء الرئيسية فيه، وهي فرنسا وألمانيا وإيطاليا، لأسباب ليست اقتصادية فحسب ولكن أيضًا، وقبل كل شيء، لأهميتها الاستراتيجية خاصة في إطار الحرب التجارية مع الصين. فالممر يعتبر مبادرة هامة من جانب الدول الغربية لمواجهة الزحف الاقتصادي الصيني باتجاه أوروبا وتحقيق توازن تدريجي بين الاتحاد الأوروبي ودول آسيا وإزالة مخاطر الغزو الصيني.

ثانيًا، من ناحية أخرى فكل الدول الأطراف في تنفيذ المبادرة ترى فيها فرصة لاجتذاب الاستثمارات الأجنبية والاستثمار في الوقود الأخضر والصناعة والاستفادة من التكنولوجيا المتطورة في تطوير الصناعة وتسهيل تصديرها.

ثالثًا، من ناحية ثالثة فإن إسرائيل ترى في الممر فرصة ذهبية لتطبيع العلاقات الاقتصادية بصورة رسمية ودعم أمريكي/أوروبي.

رابعًا، تأمل الدول المشاركة في الممر أن يكون سبيلاً لخلق أنشطة اقتصادية متنوعة تولد فرص عمل جديدة.

ولكن بالرغم من الدعم الغربي والإسرائيلي للمشروع فإن تنفيذه يشوبه عدة مشاكل أهمها:

أولاً، إن كثيرًا من مشروعات البنية الأساسية الدولية بدأت كبيرة ثم انتهت للنسيان والأمثلة على ذلك كثيرة وقد حذر المراقبون من التوقعات غير الواقعية في ضوء النتائج المخيبة للآمال لبرامج البنية التحتية الغربية السابقة بما في ذلك برامج BUILD الأمريكية وإعادة بناء عالم أفضل، أو البوابة العالمية للاتحاد الأوروبي Global Gateway، أو شراكة G-7 للاستثمار في البنية التحتية العالمية .

ثانيًا، مشروع الممر يختصر من وقت المرور من قناة السويس بحوالي 40% ولكن هذا لا يعني بالضرورة أن التكلفة سوف تكون أقل أو أن كفاءة النقل سوف تكون أعلى.

ثالثًا، في ظل كل المخاطر السياسية التي عادة ما تمر بها منطقة الشرق الأوسط فإن هذا يجعل الممر أقل أمانًا خاصة لمروره خلال الأردن وإسرائيل.

وفي هذه الحالة تكون هناك طرق أخرى متعددة الوسائط أفضل منه مثل طريق الهند-إيران-روسيا أو طريق الهند-العراق-تركيا وكل منهما يصل لأوروبا...

ومع ذلك فإن المرور بقناة السويس يظل الطريق الأكثر كفاءة لعدة أسباب أهمها: عدم نقل البضائع من وسيلة نقل لأخرى، انخفاض تكلفة النقل البحري نسبيًا، كما أن النقل البحري يظل الأكفأ في نقل السلع كبيرة الحجم ومنخفضة السعر.

الخلاصة، من الواضح أن فكرة الممر تحتاج لمزيد من الدراسة والتدقيق وحسابات للتكلفة والعائد لكل دولة من الدول المشاركة في إنشائه.

مقالات لنفس الكاتب