array(1) { [0]=> object(stdClass)#12912 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 192

3 أهداف أمريكية و3 تحديات للممر الهندي ومخاوف من صراع واجهته الصين والهند وخلفه أمريكا

الخميس، 30 تشرين2/نوفمبر 2023

التوسع الكبير الذي شهدته القاعدة الصناعية العالمية خلال العقود الأربعة الأخيرة كان من أول نتائجه زيادة حدة التنافس العالمي بين القوى الصناعية التقليدية والصاعدة وقد تركز التنافس حول الموارد الأولية والأسواق والطرق المؤدية إليهما.  هذه القضية أكسبت المنطقة أهمية مضافة لأنها تمثل المصالح الثلاث فهي تمتلك الخزين الأكبر من الموارد الطبيعية وخصوصاً الطاقة والمعادن كذلك تعتبر واحدة من أهم الأسواق العالمية بسبب ارتفاع المستوى المعاشي وحاجتها إلى استيراد معظم ما تحتاجه كما وأنها تقع في وسط القارات القديمة الثلاث مما جعلها على مفترق طرق النقل والتجارة العالمية. هذه الأهمية تجلت في العديد من المبادرات التي شملت المنطقة مثل مبادرة الحزام والطريق الصينية التي تسعى إلى ربط الصين بجميع قارات العالم، بالإضافة إلى "الممر الاقتصادي" الذي تم الإعلان عنه على هامش قمة العشرين التي عقدت في الهند صيف العام الحالي، وهو مشروع استراتيجي يسعى لربط الهند ودولة الإمارات العربية والمملكة العربية السعودية والأردن وإسرائيل لتشكيل طريق لتنمية التجارة مع أوروبا. كانت هذه الغاية المعلنة من وراء المشروع لكن في الحقيقة هناك غايات أخرى لا تخفى على الحصيف. نحاول في هذه الورقة إلقاء نظرة على العلاقات الهندية-الخليجية ومحاولة فهم الأسباب الحقيقة وراء المشروع وموقف القوى الدولية والإقليمية منه وشرح العوامل التي تدفع بالمشروع والعقبات التي تقف في طريقه.

 

صعود الهند كقوة اقتصادية وسياسية عالمية:

كان الاقتصاد العالمي فيما مضى يعتمد على القدرة على التصنيع ولذلك رأينا دولاً صغيرة من حيث السكان وقليلة الموارد مثل فرنسا وبريطانيا وألمانيا تتصدر الاقتصاد العالمي.  هذه الصورة تغيرت اليوم بالكامل لأن النموذج الحديث جعل من القاعدة السكانية الكبيرة عنصراً مهماً في نمو الاقتصاد ولذلك تشير التوقعات إلى أن أغلب الدول ذات الأكثرية السكانية سوف تصبح من القوى الاقتصادية الكبيرة فعلى سبيل المثال فإن اقتصاديات الدول الخمس الكبرى عام 2050م، سوف تكون الصين والولايات المتحدة والهند وإندونيسيا واليابان وهي أكبر دول العالم من حيث عدد السكان باستثناء اليابان صاحبة المرتبة 11 عالمياً.  ولأن الهند سوف تكون أكثر دول العالم سكاناً لذلك فإن اقتصادها سوف ينمو هو الأخر، حيث تشير التوقعات (أنظر الرسم البياني) إلى أن الناتج المحلي سوف ينمو بمعدل سنوي يقارب 14% خلال ربع القرن القادم وهناك توقعات أخرى تشير إلى معدلات نمو أكبر قد تدفع بالهند لتصبح الاقتصاد الثاني بعد الصين ومتفوقة على الولايات المتحدة بحلول عام 2050م.

 

 

نمو الناتج المحلي المتوقع للهند إلى عام 2050 (غولدمان ساكس)

 

بغض النظر عن تلك التوقعات ونتائجها فما يهم دول المنطقة هو أن الاقتصاد الهندي سوف ينمو بمعدلات كبيرة وأن هذه تشكل فرصة كبيرة لتوسيع العلاقات الاقتصادية كما أن ظهور الهند كقوة سياسية واقتصادية قد يفرز العديد من التحديات لها. لعل من أول تلك الفرص الزيادة الكبيرة في حاجة الهند الى موارد الطاقة من دول الخليج بالإضافة إلى توفير العديد من الفرص الاستثمارية للدول والشركات الخليجية.

 

تعتبر الجالية الهندية المقيمة في الخليج والتي تمثل نصف الهنود الموجودين في الخارج من أوضح الأدلة على قوة العلاقات بين الهند ودول الخليج حيث تمثل هذه الجاليات مصدر دخل للهند لا يستهان به يصل بين 80-90 مليار دولار سنوياً. هذا الوجود أيضاً قد يشكل مصدراً للعديد من التحديات خصوصاً في البلدان التي تمثل فيها الجالية الهندية نسبة كبيرة من السكان مثل دولة الإمارات التي تبلغ نسبة الهنود فيها بين 40-50% مقارنة بالمواطنين الذين لا يزيدون على 12%.

 

أعداد الجاليات الهندية في دول مجلس التعاون الخليجي

 

إن تنامي القوة الاقتصادية والسياسية للهند خصوصاً إذا ما كان مدعوماً بشراكة أمريكية أساسها احتواء الصين سوف يدفع بالهند للمطالبة بأثمان تلك العلاقة وسيكون من أولها توسيع دورها السياسي والأمني في منطقة الخليج بسبب حاجتها الكبيرة للموارد الطبيعية والاقتصادية ولمنافسة الصين في المنطقة. مشروع الممر الاقتصادي سيكون الخطوة الأولى في طريق الاعتراف الأمريكي بذلك الدور.  السؤال الذي يبرز هنا عن المدى الذي سوف تقبل به الهند كحدود لنفوذها في المنطقة وطبيعة الدور الذي تتوقعه للجالية الهندية المقيمة فيها؟  هذه التوقعات تزداد خطورة مع تنامي النزعة الدينية المتطرفة عند العديد من الأحزاب الهندوسية وفي مقدمتها الحزب الحاكم التي تنظر إلى الإسلام والعرب بنظرة العداء.

 

أهم المشكلات التي تهدد تطور الهند:

تقف أمام النمو الاقتصادي للهند العديد من التحديات ومن أهمها:

 

  1. النمو السكاني: ليس من السهل إغفال مشكلة النمو السكاني في الهند ذلك أن عدد السكان ارتفع بمقدار مليار نسمة منذ العام 1950م، ليصل اليوم الى 1.4 مليار وهو أعلى بكثير من سكان القارة الأوروبية وأكثر من سكان الأمريكيتين حسب ما جاء في تقرير لمركز بيو للدراسات الذي أشار إلى وجود ثلاثة سيناريوهات للنمو السكاني في الهند يقوم الأول على أساس اعتماد معدل وسطي لنسبة النمو وهذا يتوقع وصول السكان الى 1.5 مليار في عام 2030م، ليرتفع العدد إلى أعلاه وهو 1.7 مليار بحلول 2067م، ثم يبدأ بالانخفاض. السيناريو الثاني يفترض النسبة العالية للنمو والذي يتوقع تجاوز أعداد السكان 2 مليار نسمة في عام 2068م، أما الثالث الذي يفترض النسبة الأقل للنمو السكاني والذي يتنبأ بوصول السكان إلى أكثر من 1.5 مليار ثم تبدأ عملية الانخفاض بحلول 2047م.

يشير التقرير أيضاً إلى قضية مهمة وهي أن متوسط أعمار السكان الهنود هو 28 سنة مقارنة بالصين التي يبلغ المتوسط فيها 39 سنة.  هذه الحقيقة تعني ارتفاع نسبة السكان في عمر الشباب الذين هم دون سن 25 سنة والتي تصل في الهند إلى 40% مما يعني وجود الأعداد الكبيرة من الشباب في سن العمل التي تحتاج إلى تنمية اقتصادية كبيرة خصوصاً في قطاعي الصناعة والخدمات لتوفير فرص عمل لهذه المئات من الملايين التي سوف تدخل سوق العمل.

   

  1. إدارة العلاقة مع الصين: العلاقة بين الصين والهند على غاية في القدم وهي علاقة متميزة بين جارين كبيرين حيث كانت على العموم علاقة سلمية لم تشهد الصراعات التي عهدناها عن الدول التي تجاور بعضها. ولعل السبب يعود إلى وجود الحواجز الطبيعية المتمثلة بجبال الهملايا التي جعلت التواصل المباشر بينهما على درجة من الصعوبة لكنها لم تمنع التواصل بالكامل حيث كان طريق الحرير الذي ربط بين البلدين وبقية العالم القديم، وكان الوسيلة ليس لنقل البضائع فحسب بل المساهمة في تفاعل الحضارات ومن ذلك انتقال العقيدة البوذية إلى الصين ومنها إلى كوريا واليابان.

الاستراتيجية الصينية القائمة على الوصول إلى الموارد والأسواق العالمية والمسماة بالحزام والطريق أثارت مخاوف الهند التي اعتبرتها محاولة لتطويقها.  هذا الموقف رحبت به الولايات المتحدة وسخرته للدفع بها المشاركة في التحالفات التي تهدف إلى احتواء الصين. ليس هناك سقف للإمكانيات الهائلة التي توفرها التجارة العالمية إذا ما شملت الجارين الكبيرين الذين يمثلان أكثر من ثلث سكان الأرض وفي نفس الوقت فليس هناك تصورات للحدود التي يمكن أن يقف عندها أي صراع بين العملاقين العالميين.  طبيعة هذه العلاقة والطريقة التي سوف تدار بها سوف يكون لها الأثر الكبير على طبيعة القوة الاقتصادية والسياسية للهند في المستقبل.  لأن اشتداد حدة الصراع مع الصين قد يفرض على الهند التوسع في إنفاقها العسكري فوق المعدلات المطلوبة.

 

  1. الحوكمة والإصلاح السياسي: التنمية الاقتصادية لن تشمل جميع الدول ذات الكثافة السكانية العالية لأنها تعتمد أيضاً على عوامل أخرى منها الحوكمة. الهند شعب متعدد الاعراق فعلى الرغم من انفصال المناطق التي شكلت أغلبية إسلامية بعد انفصال الباكستان وبنغلاديش إلا أن هناك عدد لا يستهان به من المسلمين يفوق 200 مليون نسمة بالإضافة إلى أعداد كبيرة من المسيحيين والسيخ وغيرهم من الأقليات. هذه التعددية البشرية بحاجة إلى نظام سياسي يقوم ليس فقط على قبولها بل الاستفادة منها في بناء مجتمع يكون التقدم فيه بناءً على العطاء وليس العرق أو الجنس.  كذلك فإن المطلوب التسريع في رفع القيود الاجتماعية عن المرأة وتحرير مساهمتها الاقتصادية والسياسية.  إن التأخر في عملية الإصلاح السياسي والمجتمعي سوف تترك آثاراً سلبية على نمو الاقتصاد وقد يدخل الهند في دوامة الصراعات العرقية والدينية. 

 

الأهداف الأمريكية من وراء تبني المشروع

كانت الولايات المتحدة من أكثر الدول حماسة للمشروع وبالتأكيد فإن ذلك لم يأت من فراغ بل هو جزء مهم من التوجه الأمريكي تجاه منطقتي آسيا والشرق الأوسط فما هي يا ترى الأهداف الأمريكية التي تقف وراء ذلك الاندفاع؟

  1. المشروع يمثل جبهة في جهود احتواء الصين: مشروع الممر الاقتصادي يمثل واحدة من مبادرات عديدة تقدمت بها الولايات المتحدة ضمن برنامجها الهادف إلى احتواء الصين، ومحاولة وقف تمددها في العديد من مناطق نفوذها في جنوب شرق آسيا والشرق الأوسط وأفريقيا ولذلك طورت إدارة بايدنخططاً ومقترحات لمشاريع بنية تحتية كبرى تم الإعلان عنها خلال قمة الدول الصناعية السبع التي عقدت في كورنويل ببريطانيا في 2021م، تحت عنوان "نحو إعادة بناء عالم أفضل" الهدف منها مساعدة الدول النامية في تطوير بنيتها التحتية ومشاريعها التنموية بحلول عام 2053م، بقيمة 40 مليار دولار. لابد من التذكير هنا بأن مبادرة الصين لبناء الحزام والطريق رصدت لها ترليون دولار.
  2. المشروع يمثل خطوة في تنفيذ التصور الأمريكي للمنطقة: شرح جون فينر، نائب مستشار الأمن القومي الأمريكي أهداف الولايات المتحدة من المشروع فأشار إلى أن الاتفاق المقترح سيفيد الدول الفقيرة ومتوسطة الدخل في المنطقة ويسمح للشرق الأوسط بلعب دور مهم في التجارة العالمية. وأشار أيضًا إلى أن المبادرة تسعى إلى ما هو أكثر من مجرد العلاقات الاقتصادية حين قال: "لدينا توجه تجاه الشرق الأوسط ننفذه منذ اليوم الأول لهذه الإدارة، يركز على تهدئة الصراعات التي كانت موجودة لسنوات عديدة". وهي إشارة واضحة إلى أن غاية الولايات المتحدة من المشروع هي دمج إسرائيل اقتصادياً وسياسياً مع دول المنطقة وهي الغاية التي تمثل الهدف الأول والوحيد لإدارة بايدن من المنطقة وهو أمر يؤسف له لأن علاقات الولايات المتحدة مع منطقة حيوية مثل منطقة الشرق الأوسط لا يمكن اختزالها بهدف واحد مهما كانت أهميته لكنه قصر النظر الذي تعاني منه واشنطن منذ زمن ليس بالقصير ولسوف تكتشف هذه الحقيقة ربما بعد فوات الأوان.

 

تطوير العلاقة بين الولايات المتحدة والهند: عملية التقارب الصيني-الروسي تسببت في صداع كبير للولايات المتحدة بسبب الخلل الذي أحدثه ذلك التقارب في ميزان القوى العالمية. ولأن الولايات المتحدة تعتبر أن أي تقارب بين الصين والهند سوف يشكل الخطر الأكبر الذي يهدد مكانتها لأنه سوف يقلب ميزان القوى العالمية رأساً على عقب لذلك فهي تسعى وبكل الوسائل إلى تقوية العلاقة مع الهند والدفع بها لكي تكون أحد أهم أركان عملية احتواء الصين.

 

أهم التحديات التي تواجه المشروع:

الطريق أمام الممر لن يكون معبداً بالورود فهناك العديد من التحديات التي تقف أمامه ومنها طبيعة الاقتصاد الهندي وارتباط المبادرة بعملية التطبيع العربي-الإسرائيلي ومواقف القوى الإقليمية منه:

 

أولاً-طبيعة الاقتصاد الهندي

صحيح أن الهند تسعى من خلال المبادرة إلى منافسة الصين في السيطرة على طرق التجارة العالمية لكن الاقتصاد في البلدين مختلف تماماً ومن ذلك أن حجم الصادرات الهندية لا تقارن بالصين لأنها تحتل المرتبة العاشرة عالمياً بين الدول المصدرة. كذلك فإن الفرق بين الاثنين لا يقف عند هذه القضية بل يتجاوزها إلى الاختلاف في طبيعة المواد المصدرة. كما هو موضح في الرسم البياني. 

 

 

أهم الصادرات الهندية إلى العالم

 

هذه الحقيقة تمثل المشكلة الأبرز التي تواجه المشروع ألا وهي أن طبيعة الاقتصاد الهندي يعتمد على تصدير المواد الأولية وأما أهم الصناعات فهي صناعة الأدوية التي لا تشكل جزءاً كبيراً من التجارة العالمية من حيث الكم بسبب صغر حجمها مقارنة بالمعدات الثقيلة أو الأجهزة الاليكترونية. المسألة الثالثة هي أن أهم الشركاء التجاريين مع الهند كما هو موضح في الرسم البياني لا يقعون على الممر الاقتصادي بل هم إلى الشرق من الهند باستثناء دولة الإمارات. 

 

 

رسم بياني يمثل أهم الشركاء التجاريين للهند

 

المشروع إذاً يفتقد الجدوى الاقتصادية ولكي يتجاوز ذلك فالمطلوب إحداث زيادة كبيرة ليس في كمية الصادرات الهندية فحسب بل في طبيعة تلك الصادرات بالإضافة إلى إيجاد أسواق جديدة على الممر في دول الشرق الأوسط وأوروبا وإفريقيا.  وهذه جميعاً تتطلب منافسة قوية مع القوى الصناعية الحالية مثل الصين واليابان وكوريا. فما هي يا ترى فرص الهند في النجاح في هذه المجالات؟ وماهي جدوى المشروع في غياب ذلك؟

 

ثانيًا -تعثر عملية التطبيع مع إسرائيل: المشروع يمثل مبادرة من المبادرات العديدة التي تقدمت بها الإدارة الأمريكية لتطبيع العلاقات بين إسرائيل ودول المنطقة.  جميع المبادرات كانت تحوم حول الحمى وذلك لعجز الإدارة الأمريكية عن مواجهة المشكلة مباشرة. كذلك تعثرت جهود التسوية بسبب التوجهات المتطرفة لدى حكومة اليمين في إسرائيل لم تكن معنية بتوفير الأرضية المطلوبة لحل القضية الفلسطينية الذي هو شرط التطبيع.  ثم جاءت الأحداث الأخيرة في غزة لتنسف كل تلك الجهود وتعود بالعملية إلى المربع الصفر.  بغض النظر عما حصل ويحصل فإن المطلوب في الماضي وهو المطلوب الآن مبادرة حقيقية لإيجاد حل للقضية يلبي طموح الشعب الفلسطيني ويفتح الطريق أمام مثل هذه المشاريع لكننا لا نعتقد أن الإدارة الأمريكية أو الحكومة الإسرائيلية سوف تصل إلى هذه النتيجة إلا بعد حين وربما بعد فوات الأوان. ولذلك سوف تبقى مبادرة الممر الاقتصادي تراوح مكانها بانتظار حلحلة الأوضاع السياسية والأمنية في المنطقة.  

 

ثالثًا-موقف القوى الإقليمية من المشروع: يعتبر المشروع عامل تهديد للعديد من الدول في الإقليم مثل إيران وتركيا ومصر بالإضافة إلى بعض الدول الخليجية مثل عمان والكويت والعراق.

 

بالنسبة لإيران فإن تنمية علاقات دول الخليج العربية مع الهند سوف تؤدي إلى تقوية نفوذ الهند السياسي والاقتصادي في جوارها الإقليمي وخصوصاً في مناطق مهمة بالنسبة لها مثل الإمارات والبحرين والكويت والعراق.  بالإضافة إلى أن هدف المشروع الذي هو دمج إسرائيل سياسياً واقتصادياً سوف يفقد إيران الورقة الأساسية التي تراهن عليها في منظومة أمنها الوطني وهي قيادة ما تسميه جبهة الممانعة والتي تمكنت من خلالها بسط نفوذها على رقعة واسعة من المنطقة تمتد من اليمن إلى لبنان مروراً بالعراق وسوريا.  بالطبع لابد من التذكير هنا بأن هذا الدور الذي تقوم به إنما هو بمباركة إسرائيلية-أمريكية لكن الذي نقصده هو أن عملية التطبيع العربي-الإسرائيلي إن حصلت فإنها سوف تفقد إيران هذه الورقة وتحتم عليها إعادة النظر بالعديد من الوسائل التي استفادت منها في مد نفوذها.  لذلك فإن عملية دمج إيران بالمشروع سوف تكون صعبة للغاية لأنها تستلزم إحداث تغييرات بنيوية في السياسة الإيرانية واستراتيجية أمنها القومي ومقاربتها للدول العربية.  كما أن إيران قد حسمت أمرها بالاندماج في مشروع الحزام والطريق الصيني وهي ترتبط مع روسيا باتفاق شراكة استراتيجية فما هي المغريات التي قد تقدمها الهند والولايات المتحدة لها لفك ارتباطها بالصين وروسيا؟

 

الحسابات التركية مختلفة تماماً وإن كانت تؤدي إلى نفس النتيجة ذلك أنها تنظر إلى المشروع بعين الريبة وسوف تعمل على عرقلته والسبب يعود إلى أن الاستراتيجية التركية قائمة على أساس أنها الجسر الموصل بين أوروبا وآسيا. 

 

حققت تركيا تقدماً كبيراً في الآونة الأخيرة في مشروعها من خلال إسنادها للعمل العسكري الذي قامت به أذربيجان في سبيل استعادة سيطرتها على إقليم كراباخ وإنهاء النفوذ الأرمني والسبب يعود الى أن ذلك يعينها في مد ممر اقتصادي يربط بينها وبين أوروبا من جهة ودول أواسط آسيا من جهة أخرى.  وهذا يفسر الدعم السياسي والعسكري الذي تلقته أذربيجان من تركيا وكذلك الموقف الإيراني الداعم لأرمينيا.  لذلك تسعى تركيا الى تكون عنصراً مفصلياً في منظومة ربط دول الخليج بأوروبا وآسيا وهذا يفسر الحماسة التركية تجاه مبادرة العراق في بناء ممر التنمية الاقتصادية الذي يربط دول الخليج بتركيا وليس الممر الاقتصادي.

 

الموقف المصري من المشروع تنتابه الضبابية والسبب يعود إلى التحديات الكبيرة التي تواجه مصر وفي مقدمتها الأوضاع الاقتصادية التي أدت إلى إثقال كاهلها بديون تفاقمت لدرجة جعلتها تستنزف نصف موارد الموازنة. هذه المشكلة زادت سوءاً بعد قيام المؤسسات الائتمانية بتخفيض تقييمها للاقتصاد المصري الذي سوف يزيد من قيمة الفوائد على الديون المصرية ويضعف قدرة الحكومة المصرية على الاقتراض.  وإذا لم يكن ذلك كافياً فهناك الهم الأكبر المتمثل بإنشاء سد النهضة الذي يهدد مصر في شريان حياتها وهو نهر النيل ولا ننسى الأوضاع المشتعلة في فلسطين والتي تشكل تهديداً مباشراً لأمن مصر ودورها الإقليمي.  لكن وعلى الرغم من ذلك فإن مصر تنظر إلى المشروع بعين الريبة لأنها تعتبره عامل تهديد لدور قناة السويس باعتبارها الشريان الذي يربط بين آسيا وأوروبا والذي يوفر لمصر المكانة الدولية بالإضافة إلى الموارد الاقتصادية.  كذلك تتخوف مصر من أن عملية دمج إسرائيل بمنظومة التجارة الإقليمية قد يدفع بالأخيرة إلى التفكير الجدي بالقناة البديلة لقناة السويس التي تربط خليج العقبة بالبحر المتوسط والتي تعتبرها مصر تهديدًا مباشراً لأمنها القومي.

 

خاتمة القول بأن تنمية العلاقات الاقتصادية والتجارية مع الهند أمر على درجة كبيرة من الأهمية لدول الخليج لكن مبادرة الممر الاقتصادي والطريقة التي تم التوصل إليها تقف أمامها العديد من المشكلات من أهمها طبيعة الاقتصاد الهندي وآثار المبادرة على بعض دول الإقليم وتعثر عملية السلام في المنطقة كذلك فإنها قد تنذر بتحول المنطقة إلى ساحة صراع بالوكالة في واجهته الصين والهند وتديره الولايات المتحدة من وراء الستار.

مقالات لنفس الكاتب