array(1) { [0]=> object(stdClass)#13063 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 193

لن يتحقق للسوداني نهج سياسي خاص لعدم امتلاك أدوات ضبط الاشتباك بين إيران وأمريكا

الخميس، 28 كانون1/ديسمبر 2023

   تشكَّلت الحكومة العراقية الجديدة برئاسة محمد شياع السوداني في عام  2022م، إثر انسحاب التيار الصدري بشكل كامل من الساحة السياسية، وهو ما أعطى حينها "الإطار التنسيقي" وبشكل خاص القوى المتطرفة الموالية لطهران فيه، الريادة في رسم الأطر العامة لعمل هذه الحكومة، وبذلك بدأت حركة  "عصائب أهل الحق" بمحاولة استغلال الفرصة لتعزيز نفوذها في البنية الأساسية للدولة العراقية، بهدف تعزيز مكانته السياسية والاقتصادية وقدراته المالية، ومن ثم تحسين موقفه ونتائجه في الانتخابات البرلمانية القادمة المقبلة بتحالف وثيق مع رئيس الحكومة، وإزاء ذلك شعرت الإدارة الأمريكية بالقلق من هذه التطورات التي عَدَّتها دليلاً على اتجاه العراق نحو مزيد من الهيمنة للنفوذ الإيراني،  وبالتالي أصبح رئيس الوزراء محمد شياع السوداني في موقف محرج بين إرضاء واشنطن، التي يحتاج دعمها ومساندتها من أجل تحقيق حكومته قبولاً في المجتمع الدولي، أو الاستجابة لإملاءات الفصائل المسلحة المقربة من الحرس الثوري الإيراني. وفي النهاية، لجأ السوداني إلى اختيار استراتيجية داخلية وخارجية وسطية للتعاطي مع هذه الإشكالية، حققت حتى شهر أيلول / سبتمبر  تقدما مرحلياً في ذلك، مُستفيداً من الاستقرار النسبي القائم وجو التهدئة الإقليمية، إلا أن خطته تراجعت بعد حرب غزة وتحول الفصائل لند لحكومته وسياساتها، فهو لا يرغب بالمواجهة العسكرية المباشرة مع الفصائل التي كانت جزءًا أساسياً من قرار "الإطار التنسيقي" الذي جاء به إلى رأس السلطة التنفيذية، فضلاً عن أنه كان مدركاً للآثار التي قد تنجم عن إهمال رؤية واشنطن في التعاطي مع هذه الملفات، وحاول أن يقدم من داخل منظومته قيادات معتدلة لتولي مهام إدارة الحكومة العراقية، بحيث يمكن من خلالها العمل على إعادة تشكيل مسار العلاقات الشيعية مع الولايات المتحدة الأمريكية، واستخدامها واجهات تسمح بامتصاص الضغط الأمريكي، من دون تقديم تضحيات واسعة على مستوى مصالح الفصائل المسلحة الموالية لإيران.

لقد أثبتت تطورات الأوضاع في عام 2023م، أنّ هناك قناعة في واشنطن بضرورة دعم رئيس الوزراء العراقي لإبقاء ملف المخابرات ووزارة المالية بعيداً عن هيمنة الفصائل، فضلاً عن الخطوات التي اتبعها في تحجيم مشكلة تهريب النفط، ويبدو أن واشنطن نظرت للسوداني إلى قريب من نهاية العام 2023م، بصفته وسيطاً مناسباً لتهدئة التوترات المتتالية مع الفصائل، ومنعها من التصعيد العسكري مجدداً ضد الوجود الأمريكي في الأراضي العراقية والسورية، إلا أن ذلك لم يستمر وهو ما عرض الحكومة إلى ارتباك كبير.

 واجهت الحكومة العراقية تحولات في مسار الدعم وانخفاضه خصوصًا مع تجدد التوتر بالعلاقة بين بغداد وإقليم كردستان حول عدد من الملفات التي لم تحسم ومنها إعادة تصدير النفط ونسبة الإقليم من الموازنة الاتحادية ورواتب موظفي الإقليم فضلًا عن تصاعد الخطاب السياسي للقوى السنية بضرورة تطبيق الاتفاق السياسي الذي صوت عليه البرلمان، مما أدى إلى اهتزاز في الائتلاف الحاكم وجعل الحكومة بموقف ضعيف من جهة الدعم التشريعي والسياسي وهذا أثر على خطط الحكومة وجعل برنامجها يتراجع من ناحية التنفيذ؛ ورغم مشاريع الحكومة لمكافحة الفساد إلا أن هذه الجهود لم تظهر إلى الآن قدرتها على وقف الفساد، مما يجعل هذه الخطط غير فاعلة .

 

_ الاقتصاد العراقي وممرات التجارة الدولية:

 

 أثار إقرار البرلمان العراقي الموازنة للعام الجاري 2023 م، والعامين المقبلين، بنحو 153 مليار دولار لكل عام، الكثير من الجدل بخصوص العجز الكبير فيها والذي وُصف بغير المسبوق، وعن خيارات حكومة محمد السوداني في سداد هذا العجز، إذ يقدر العجز بـ49.5 مليار دولار، والذي يعد قياسيًا مقارنة بالموازنة الأخيرة التي تم التصويت عليها في عام 2021م، إذ بلغ العجز حينها 19.8 مليار دولار.

  ظهرت أزمة أخرى للحكومة عندما قامت الخزانة الأمريكية في شهر تموز/ يوليو الماضي بمنع 14 مصرفًا عراقيًا من إجراء أي تعاملات بالدولار، في إطار حملة لمكافحة تسريب العملة الأمريكية إلى إيران، وبعد قرار المنع قفزت أسعار صرف الدولار بالسوق العراقية مقابل الدينار، وهذا انعكس بصورة سلبية على حياة المواطن العراقي.

 إن هذه الأزمة تعد واحدة من أخطر القضايا التي تواجه حكومة السوداني لما تحمله من تبعات كارثية في حال استمرارها أكثر، خصوصًا على الطبقات الفقيرة والمتوسطة، جراء هذا الانهيار في قيمة الدينار العراقي، والذي انعكس في زيادة حدة الغلاء وارتفاع سعر السلع والمواد الغذائية والأساسية وسبب حالة تذمر واسعة.

 

  إلا أن الحكومة العراقية تعول حين طرحت مشروع "طريق التنمية" في منتصف العام 2023م، لإحداث تطور اقتصادي على صعيد البنية التحتية وجعل العراق نقطة للوصل للتجارة العالمية تربط الشرق بالغرب، ويشمل خط سكك حديدية يربط ميناء الفاو الكبير جنوبي البصرة بالحدود الشمالية مع تركيا الطريق سيكلف 17 مليار دولار ويمتد على طول 1200 كلم وتنتهي المرحلة الأولى منه في 2028 ، وتستكمل آخر مرحلة في 2050م، ويتضمن بناء مدن صناعية وسكنية جديدة، ويفتح المجال لإنشاء أنابيب نفط جديدة من البصرة نحو تركيا وأنابيب لتصدير الغاز القطري إلى أوروبا بديلاً عن الغاز الروسي، ومع كل هذه المحفزات فإن هناك اختلاف في وجهات النظر تجاه هذا المشروع، والتي قد يعود سببها إلى وجود لغط حول تفاصيله، إذ يكيل البعض له الانتقادات على اعتبار أنه جزء من مبادرة الحزام والطريق أو طريق الحرير الصيني، ويعتقد البعض أن هذه الانتقادات "لها أسباب سياسية وليست اقتصادية"، وهو ما قد يكون يثير حفيظة الأطراف الموالية لإيران، والذي قد يعرقل هذا المشروع الذي مضى عام دون تحقيق تقدم فيه ؛ كذلك فإن  المشروع يواجه معارضة بعض الأطراف الإقليمية الفاعلة، إذ تنظر له مصر على أنه تهديد لقناة السويس، أو على الأقل سيقلص من إيراداتها السنوية، كما أن هناك مشاريع منافسة مثل طريق الحرير الصيني البري والممر الاقتصادي من الهند عبر المملكة العربية السعودية ثم إلى أوروبا ، وهذه المشاريع المنافسة لطريق التنمية العراقي، رغم أنها لا تتبع بالضرورة نفس المسار أو تستهدف كل التجارة في منطقة الشرق الاوسط، إلا أن من شأنها منافسته على اجتذاب الاستثمارات اللازمة وأيضًا تحويله إلى مسار عالمي يربط آسيا بأوروبا.

 

 يعتبر الفساد المستشري في البلاد أحد النقاط السوداء التي تجعل عقد شركات استثمارية  مع دول أو منظمات أو شركات عربية أو دولية غير موثوقة، ما يوجب على حكومة السوداني القيام بإصلاحات جادة لمكافحة الفساد وطمأنة المستثمرين الأجانب، فضلًا عن عدم استقرار الجانب الأمني في العراق والذي يؤثر على تنمية اقتصادية ؛ كذلك فإن الصناعة والزراعة كقطاعات مهمة في الاقتصاد العراقي إلا أنها لم تتمكن من أن تكون فاعلة بحكم تراكم سوء التخطيط وعدم المعالجة الحقيقة لهذه الملفات المهمة مما جعلها في العام 2023م، تتراجع بشكل كبير .

 

_ عزل رئيس البرلمان العراقي:

 

 قررت المحكمة الاتحادية العليا التي تعدّ أعلى سلطة قضائية في العراق في 10 تشرين الثاني 2023م، إنهاء عضوية رئيس البرلمان محمد الحلبوسي، بناء على دعوى "تزوير"، واعتبر القرار غير القابل للاستئناف بمثابة إنهاء لمسيرة أحد أقطاب السياسيين السنة في العراق، وأعاد قرار المحكمة الاتحادية العليا بعزل رئيس البرلمان العراقي من منصبه  سردية الإقصاء للمكون السني وساهم بخلط الأوراق السياسية في مشهد مضطرب رغم المحاولات لتدعيم استقراره، بينما تستعد القوى لخوض انتخابات مجالس المحافظات وهي انتخابات مفصلية أجريت آخر مرة قبل عشرة سنوات، تحدد وتعزز مواقع النفوذ للنخب الحزبية، وبذلك ينفتح العراق على حالة من الإرباك والمشاحنات السياسية وجدلًا حول دستورية الحكم الذي لا رجعة فيه إضافة إلى ما يترتب عن حتمية انتخاب رئيس جديد للمجلس وعدم بقاء النائب الحلبوسي وهو من المكون الشيعي في المنصب بسبب الحساسيات الطائفية ولمخالفته نظام المحاصصة المعتمد في تقسيمات الحكم.

 إن قرار إقالة الحلبوسي من المحكمة الاتحادية مكتمل قانونيًا وإداريًا ودون أبعاد سياسية لكن طبيعة الإشكالية السياسية هي ما بين محمد الحلبوسي وبعض الزعامات السياسية في الإطار الشيعي الحاكم التي تحاول تقديم قوى سنية قريبة إليها خصوصًا وأن القيادات التقليدية استغلت قرار المحكمة سياسيًا لتحقيق مكاسب ونقاط في هذا الصراع الزعاماتي ؛ فالإطار التنسيقي عمل على الاستغلال الأقصى لغياب كل من الصدر والحلبوسي عن المشهد السياسي، خصوصاً أن الأخير بات ينافس حتى في بغداد، ولعل ما يدفع "الإطار التنسيقي إلى الإصرار على إقامة الانتخابات في موعدها، هو كون خصوم الحلبوسي في الأجواء السنية حلفاء للإطار التنسيقي، وهذه المعطيات تدفع الإطار لاستغلال تلك الظروف لتوسعة نفوذه ،مما يمثّل "استكمالاً لمشروع استحواذ الإطار التنسيقي على البرلمان الاتحادي والحكومات المحلية بعد السيطرة على الحكومة المركزية في بغداد مدفوعة بتمكنه من إقصاء التيار الصدري من مراكز السلطة.

 مهد هذا القرار إلى ارتباك تنفيذي خصوصًا بعد تهديد وزراء حزب تقدم في الكابينة الحكومية بالاستقلال، فضلًا عن إمكانية حدوث اضطرابات تؤمن مناخاً ملائماً للإرهاب، فالحلبوسي نفسه قام بتذكير معارضيه بهذا الخطر في رد فعله على الحكم القضائي، عندما أشار إلى "بعض الذين يعملون على زعزعة استقرار العراق" .

 إن إقالة الحلبوسي أسهمت بشكل واضح في إرباك ملف الانتخابات المحلية خصوصاً أن حزبه يعدّ المنافس الأبرز على الساحة السنية وحتى داخل المناطق المشتركة انتخابياً، إذ مثل عامل إحباط كبير لمؤيديه وتجدد شعور الإقصاء الذي يمارسه الائتلاف الشيعي الحاكم ضد القيادات السنية، ما سيؤثر على انخفاض نسبة الاشتراك على مستوى البلاد بالتزامن مع دعوة مقتدى الصدر أنصاره إلى المقاطعة.

 

_ حرب غزة وتداعياتها على الداخل العراقي:

 

 أحدثت عملية طوفان الأقصى، في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023م، ردود فعل فورية قوية في العراق، واعتبرت الحكومة العراقية العمليات العسكرية التي شنتها حماس ضد إسرائيل " نتيجة طبيعية للقمع الممنهج الذي يتعرض له الشعب الفلسطيني " ، فيما تسابق سياسيون عراقيون إلى تأييد تلك العمليات، وخرجت مظاهرات في بغداد والبصرة لدعم الفلسطينيين، وقد شملت المواقف العراقية عقد اجتماع خاص لمجلس النواب واحتضان بغداد اجتماعًا طارئًا للاتحاد البرلماني العربي ندَّدا بالهجوم الإسرائيلي، وأكدا التضامن مع الشعب الفلسطيني، وترافق هذا الزخم الحكومي والبرلماني مع زخم سياسي واضح في الاتجاه ذاته، وكذلك مع فعاليات شعبية.

 

 منذ نهاية الحرب على داعش وجدت الفصائل العراقية المسلحة في القضية الفلسطينية سببًا للبقاء والاحتفاظ بسلاحها خارج إطار الدولة، فضلًا عن هدف "طرد" القوات الأمريكية من العراق، وقد شكَّل هذا النمط العابر للدولة والحدود، تحديًا مستمرًّا للحكومات العراقية منذ العام 2018م،  لذلك وجدت بحرب غزة رافعة جديدة لها على مستوى الداخل العراقي ، لذا ربطت عدد من الفصائل العراقية مشاركتها في حرب غزة بتحقق أحد أمرين: التدخل الأمريكي إلى جانب إسرائيل، وبدء الهجوم البري الإسرائيلي، وبعد إعلان ما يسمى ( تنسيقية المقاومة الإسلامية ) الانخراط بالحرب والبدء عمليًّا دخول معركة طوفان الأقصى وتوجيه ضرباتها إلى القواعد الأمريكية في قاعدة (عين الأسد) في غرب العراق وقاعدة  (حرير) في أربيل و(فيكتوريا) في بغداد، فضلًا عن قاعدة القوات الأمريكية في منطقة التنف في جنوب شرق سوريا.

إن استمرار القصف على التواجد العسكري الأمريكي في العراق وانتقاله إلى استهداف الوجود الدبلوماسي مثل مساحة إحراج كبيرة للحكومة العراقية وجعلها تقع تحت ضغط كبير ، فهي غير مستعدة لخسارة بيئتها السياسية ( الفصائل المسلحة) وأيضًا لا ترغب بخسارة علاقتها مع الولايات المتحدة الأمريكية، كذلك فإن العمليات المتبادلة بين الجماعات المسلحة والقوات الأمريكية لها أثر كبير على الملف السياسي والأمني خصوصاً في حال تطور عمليات الاستهداف ونوعية الأهداف وأن آلية الرد الأمريكية على استهداف السفارة في بغداد هي التي ستحدد ما إذا كانت البلاد ستدخل في حال من الفوضى كما حصل بعد عام 2020 م.

 أن التداعيات في العلاقات بين واشنطن والفصائل المسلحة مؤثرة على الساحة العراقية وستكون انعكاساتها واضحة على نسب المشاركة في الانتخابات، سيما وأن القلق الأمني يعزز القناعة لدى الناخبين غير المتحزبين بأن الأجواء الأمنية غير مناسبة؛ كذلك فإن استهداف السفارة الأمريكية وما حصل من استهدافات متبادلة ساهمت بحدوث انقسامات داخل الإطار التنسيقي بشكل واضح، خصوصا بعد حديث قادة فصائل رئيسة بأن عملياتهم لن تتوقف وهو ما سينعكس بشكل مباشر على رئيس الوزراء ومستقبله السياسي وعلى المشهد السياسي بشكل عام.

 

_ السياسة الخارجية العراقية:

 

 رغم أن العراق اعتمد على مبدأ التوازن في سياسته الخارجية والنأي بالبلاد عن سياسة المحاور الإقليمية، وهو ذات المبدأ الذي رفعته حكومات ما بعد 2003م،  في برامجها الوزارية وفي خطاباتها السياسية الخارجية، إلا أنه في عام 2023م، لا يبدو واضحًا بوصلة العراق الخارجية، فرغم امتلاك الحكومة العراقية ما يكفي من الدوافع للانخراط في جهود نشطة للتقريب بين الدول المتضادة  إلا أن ذلك لم يحقق تقدمًا مثلما حدث في حكومتي حيدر العبادي أو حكومة مصطفى الكاظمي، فقد شكل هذا العام بداية تراجع كبير لدور العراق على الصعيد الخارجي أو حتى على مستوى تفاهماته السابقة، فلم تستطع بغداد إحياء الاتفاقات التي وقعت تحت مظلة ما يعرف بالتحالف الثلاثي الذي ضم بالإضافة للعراق كل من مصر والأردن ، كذلك فشل في عقد مؤتمر بغداد بنسخته الثالثة والذي كان من المؤمل أن الأهمية من ناحية التوقيت وتزامنه مع ما يجري في المنطقة من تداعيات حرب غزة.

 حاولت بغداد في العام 2023م، إعادة التموضع في مربع الحياد والبحث عن مصالحها أولًا ضمن شرق أوسط يسعى لرسم خريطة سياسية جديدة تقوم على مبدأ تصفير المشكلات الإقليمية بوصفه نهجًا جديدًا والذي نجحت فيه المملكة العربية السعودية ؛ لكن العراق اصطدم  بالعوائق التي تضعها إيران، إذ تحاول الأخيرة استغلال الساحة العراقية  للضغط من أجل تحقيق مكتسبات سياسية واقتصادية، فطهران ما تزال تواجه أزمات داخلية أبرزها التعثر الاقتصادي ومواجهة العقوبات الغربية الذي يدفعها لمحاولة التوصل إلى صفقة مع الولايات المتحدة لاستعادة أموالها المُجمدة، والتجارة بحُرية مع جيرانها، وفي مقدمتهم العراق.

 كذلك لم تتخلص حكومة السوداني في العام 2023م، من مستويات التعقيد في العلاقة بين البيئة السياسية الداخلية وانعكاساتها على سياسة العراق الخارجية، فمشكلة القوى السلطوية والحكومات تكمن في اعتقادها بأنَّ شرعيتها في الحكم لا تكتمل إلا في استحصال الاعتراف الدولي والإقليمي، لذلك تعدّ اللقاءات والزيارات والمؤتمرات الدوليّة اعترافاً بها وبحكمها، وليس بوصفها سياقاً سياسياً يرتبط بتحقيق المصالح العليا لِلبلاد.

 أشرت قضية المعارضة الكردية الإيرانية والمتواجدين في إقليم كردستان العراق وطبيعة التعاطي معها وفق الرؤية الإيرانية مديات الحذر في سياسة العراق الخارجية من إغضاب إيران ولذلك عملت على صياغة اتفاق ثنائي ثبت فيه منظور الأمن القومي الإيراني على حساب التزامات العراق الدولية أو تلك المرتبطة بحق اللجوء للأفراد المتواجدين في العراق، في حين لم تظهر بغداد اي توجه مشابه لذلك بخصوص وجود حزب العمال الكردستاني وتهديده الأمن القومي التركي.

ومع نهاية العام 2023م، ظهر أن شعار (الدبلوماسية المنتجة) الذي اعتمده رئيس الوزراء محمد السوداني لم يحقق للدبلوماسية العراقية دورًا محوريًا في قضايا المنطقة، وأعتمد فقط على زيارات ثنائية أو بروتوكولية، لم تحقق خلال هذه السنة ما يمكن أن يشكل فارقًا للداخل العراقي أو يعزز مكانة العراق الدولية.

 

_ مؤشرات العام 2024:  

 

على الأرجح أن حكومة السوداني ستواجه في العام 2024م، قوى سياسية تحاول تكبيلها من خلال نفوذها في مجالس المحافظات التي تفرزها الانتخابات المرتقبة التي ستجرى في كانون الأول 2023م، إذ أثبتت الأحداث طيلة السنوات السابقة أن أغلب الأطراف السياسية تبحث عن استثمار السلطة مالياً وسياسياً بعد أي انتخابات، بينما لا يملك هو تمثيلاً وازناً في البرلمان، ولذلك سيكون موقفه ضعيفًا في هذه المعادلة.

 إن مشاكل ارتفاع سعر صرف الدولار والتصعيد الأمني ومواجهة قوى فاعلة في الإطار التنسيقي والتعامل مع قواعد اشتباك متحركة بين الأمريكيين والإيرانيين، ستمثل الصداع الأكبر لدى رئيس الوزراء في العام المقبل، وبذلك فإن الأخير عليه أن يعمل أكثر لحماية التماسك في تحالف “إدارة الدولة” بعدما أن اهتز إثر إقالة محمد الحلبوسي من البرلمان، إذ أنه يطمح إلى التمرد ضد قيود الإطار التنسيقي، لكنه لا يملك الأدوات لفعل ذلك ولهذا سوف يستمر تحت مظلتهم السياسية.

 كل المؤشرات تذهب إلى أن التحالف السياسي الذي شكل الحكومة لن يبقى متماسكاً في العام 2024م، إذ أن الانتخابات المحلية ونتائجها ستلقي بظلالها حتمًا على العملية السياسية، فضلاً عن تفكك التحالفات في المناطق الغربية بالإضافة إلى أن الصراع في إقليم كردستان سيتفاقم إلى مستويات أخرى، ويبدو أن السوداني سيبقى رهينة القوى السياسية وسيركز أكثر على ضمان استمرار تماسك دعم الإطار التنسيقي لمركزه، ووفق المؤشرات فإن السوداني لا يملك النفوذ والقوة، بينما يحاول جاهدًا على إرضاء كافة الفاعلين في الداخل والخارج.

 كذلك فإن العراق سيجد من الصعوبة التعامل مع تداعيات الحرب على غزة وما بعدها، والعثور على معادلة عراقية خارجية يمكنها الصمود أمام مشروع “الشرق الأوسط الجديد" ، مما سيدفعه إلى مقاربة استيعاب الجانب الأمريكي باستثمار سلسلة تفاهمات مع واشنطن .

 وبحكم العلاقة المتوترة بين الولايات المتحدة الأمريكية وبين الفصائل المسلحة الموالية لإيران سيجد السوداني في وضع قد يفقد من خلاله بوصلة التحكم بسلوك الفصائل المسلحة، وهذا سيكون التحدي الأكبر والمرتبط بمستقبله السياسي، وبمستقبل الوضع العراقي بشكل عام أيضاً، وبذلك يمكن القول إنّ استراتيجيته في مقايضة تخلي الفصائل عن الإملاءات في مقابل منحها امتيازات سياسية أو مالية واسعة، لن تكون في العام 2024م ، حلاً مضموناً أو كابحاً لحصول احتكاك قادم بين بعض هذه الفصائل والدولة وأجهزتها المختلفة، بل قد تصبح تمهيدًا لتحقيق هدفها النهائي بالاستيلاء على سدة الحكم في الدولة العراقية.

 إن محاولة السوداني لخط مشروع أو نهج سياسي خاص به قد لا يتحقق، فهو لا يمتلك أدوات ضبط قواعد الاشتباك بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية، لكنه ربما يقدم على ذلك بعد منتصف عام 2024م، إذا استطاع ترسيخ نفسه، وهذا احتمال ضعيف، خصوصاً إذا حقق ائتلاف المالكي وعصائب أهل الحق عدداً كبيراً من المقاعد في مجالس المحافظات، وحينها سيكون السوداني مكبلاً بقيود هاتين القوتين، بينما في المقابل، الولايات المتحدة الأمريكية وإيران لن يتخليا عن أي رئيس وزراء عراقي، بصرف النظر عن اسمه وطرفه السياسي، لأن معادلة التأثير الأمريكية تعتمد على التعامل مع الأمر الواقع والتعاون مع الفاعل الرسمي وصانع القرار السياسي، وهذا سيجعل العراق جغرافية لتصفية الحسابات بين واشنطن وطهران على مدى العام 2024م.

مقالات لنفس الكاتب