array(1) { [0]=> object(stdClass)#13180 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 194

لا مبادرة بدون السعودية لأي مشروع للسلام والرياض لا تريد المشاركة بدون التزام بالدولتين

الخميس، 25 كانون2/يناير 2024

منذ بداية الحرب الجديدة بين إسرائيل وحماس في شهر أكتوبر عام ٢٠٢٣، اكتشف المجتمع الدولي من جديد غياب تسوية الصراع بين الإسرائيليين والفلسطينيين منذ ٧٥ سنة، فقبل عدة أيام من هجوم حماس على المدنيين الإسرائيليين في ٧ أكتوبر، كان جيك سوليفان -المستشار للأمن الوطني للرئيس جو بايدن -يؤكد أن الشرق الأوسط بات "أكثر هدوءًا" منذ عقدين .. في الواقع، اختفت القضية الفلسطينية من الأولويات الدبلوماسية للقوى العظمى بعد فشل العملية السلمية خلال التسعينات – المعروفة بـ "عملية أوسلو" -وبالتالي يمكننا أن نعتبر مبادرة السلام العربية التي تقدم بها الملك عبد الله بن عبد العزيز في عام ٢٠٠٢ م، كانت آخر مبادرة طموحة لتسوية الصراع.

كان من أهداف هذه المبادرة إنشاء دولة فلسطينية على حدود ١٩٦٧م، (في قطاع غزة والضفة الغربية) وعودة اللاجئين وانسحاب القوات الإسرائيلية من الجولان السورية وفي نفس الوقت ينبغي على كافة الدول العربية الاعتراف بدولة إسرائيل وتطبيع العلاقات معها. الجدير بالذكر أن رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية ياسر عرفات كان يدعم المبادرة خصوصاً بعد أن تبنّتها جامعة الدول العربية خلال قمة بيروت في عام ٢٠٠٢م، لكن حكومة إسرائيل آنذاك-تحت رئاسة أرييل شارون -رفضت المبادرة لسببين ومن الضروري تفسير السياق وراء هذا الرفض:

أولاً، أعلنت جامعة الدول العربية المبادرة في نفس اليوم من هجوم كبير لحماس على إسرائيل – والذي أطلق عليه "مجزرة عيد الفصح" -والتي تسببت بمقتل٣٠ شخصاً، وبالتالي لم يقتنع شارون بإمكانية تنفيذ مبادرة السلام خلال فترة الانتفاضة الثانية.

السبب الثاني، كان رفض شارون الكامل مبدأ عودة اللاجئين.

اليوم بعد ٢٢ سنة من طرح المبادرة العربية للسلام، يبقى موضوع التعايش بين الإسرائيليين والفلسطينيين القضية الأساسية الضامنة لاستقرار المنطقة وعلى الرغم من ظهور قضايا راهنة أخرى مثل المكافحة ضد الإرهاب أو البرنامج النووي الإيراني، سلطت الحرب في غزة الضوء على القضية الفلسطينية من جديد. الأمر الذي يوجب على المجتمع الدولي -وخصوصًا الدول العربية – دراسة كل السيناريوهات الممكنة لإعادة السلام في المنطقة وفي هذا الإطار، تأخذ هذه المقالة بعين الاعتبار ثلاثة أسئلة محورية: أولاً، ما هي أبرز الاختلافات على المستوى الإسرائيلي-الفلسطيني وعلى المستوى الإقليمي بين سياق المبادرة العربية في عام ٢٠٠٢م، واليوم؟  ثانيًا، ما هي الشروط الأساسية للطرفين في عام ٢٠٢٤م، لاستئناف عملية سلمية حقيقية؟ ثالثًا، أي دور تلعبه القوى الخارجية، لاسيما الولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوروبي لدعم العملية الدبلوماسية؟

الاختلافات بين الوضع الراهن وسياق المبادرة في عام 2002

على الرغم من أن الحرب الحالية في غزة كانت كارثية بالنسبة لوضع الفلسطينيين الإنساني وعلى الرغم من أن الوضع الحالي يبدو ميؤوساً منه، لكن كان هناك بارقة أمل خلال العقدين السابقين خصوصًا بعد التحولات التي شهدها الشرق الأوسط وهكذا يمكننا أن نرى أبعادًا إيجابية وسلبية للسياق الدبلوماسي في نفس الوقت.

على المستوى الإقليمي، الفارق الأكبر كان وجود علاقات دبلوماسية بين إسرائيل وعدد من الدول العربية: عندما قدمت جامعة الدول العربية مبادرة السلام في عام ٢٠٠٢م، كان لدى إسرائيل علاقات رسمية مع الأردن ومصر فقط، لكن خلال العقدين الماضيين شهدنا تغيّراً تاريخيًا بالنسبة إلى العلاقات بين إسرائيل والعالم العربي، خاصة بعد اتفاقيات إبراهيم في عام ٢٠٢٠م، التي أدت إلى تطبيع علاقات إسرائيل مع الإمارات العربية المتحدة، ومملكة البحرين، والمغرب، والسودان.

على الرغم من حرب غزة وإدانة تداعيات العملية العسكرية الإسرائيلية على المدنيين، لم تقرر هذه الدول العربية إلغاء اعترافها بإسرائيل الأمر الذي يشير إلى استمرار عملية التطبيع الجارية.

بنفس المنطق، كان واضحاً قبل الحرب أن هذه العملية السياسية الإقليمية ستؤدي أيضًا إلى تقارب تاريخي بين إسرائيل و الدول العربية الكبرى ومن بينها المملكة العربية السعودية، ولكنّ اندلاع الصراع بين حماس والجيش الإسرائيلي علّق أي تقدم حول تطبيع علاقات بين الدولتين، فقد أعلن عدد من المسؤولين السعوديين أن المملكة لا تزال تدرس إمكانية تحقيق التطبيع مع إسرائيل لكن في المقابل من الضروري إحراز تقدم واضح لضمان تأسيس دولة فلسطينية. بالتالي يمثل هذا السياق الدبلوماسي جانبًا مهمًا لإمكانية استئناف عملية سلمية على المستوى الإقليمي.

لكن الوضع على الأرض تفاقم منذ عام ٢٠٠٢م، أولاً عبر زيادة عدد المستوطنات الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية. ففي حين قررت حكومة شارون سحب القوات المسلحة وسحب المستوطنات من قطاع غزة في عام ٢٠٠٥م، لم تؤد هذه الإجراءات إلى نفس التقدم في الضفة الغربية، في الواقع كانت كل الحكومات الإسرائيلية خلال ال٢٠ سنة السابقة قد سمحت بزيادة المستوطنات، وبالمقارنة مع ٢٠٠٢م، كان حوالي 110 000 مستوطن يعيشون في الضفة الغربية، يوجد فيها اليوم أكثر من 500 000 مستوطن واستمرار وجودهم سيعيق قدرة السلطة الفلسطينية على تحقيق السيادة على الأرض.

زيادة المستوطنات تعكس أيضًا تطرف الحكومات الإسرائيلية: بينما كانت عملية السلام مع السلطة الفلسطينية مشروعاً رئيسياً لليسار وحزب العمل في عهد إسحاق رابين وشمعون بيريز، وبالتالي فإن فشل عملية أوسلو أدى إلى انهيار معسكر السلام في إسرائيل وإلى صعود اليمين مع أريل شارون وبنيامين نتنياهو اللذين رفضا استئناف المفاوضات مع السلطة الفلسطينية. وفي نوفمبر ٢٠٢٢م، كسب نتنياهو الانتخابات مرة جديدة لكن بسبب رفض ممثلين من الوسط السياسي تشكيل تحالف حكومي، قرر نتنياهو الاقتراب من اليمين المتطرف ومن الحركات الصهيونية الدينية التي ترفض بشكل قاطع تأسيس دولة فلسطينية. هكذا أصبح إيتامار بن غفير وزيراً للأمن القومي وتولّى بتسلإيل سموتريش مسؤولية إدارة المستوطنات ومن الواضح أنّه لن نستطيع تصوّر عملية سلمية جديدة مع هذه الحكومة المتطرفة.

في نفس الوقت، من اللازم أن نذكر أيضاً تطرف السياسة الفلسطينية منذ عام ٢٠٠٢م، وهيمنة منظمات مثل حماس والجهاد الإسلامي على المستوى السياسي والعسكري، الأمر الذي يشير إلى تغيّر عميق في الطبقة السياسية الفلسطينية بعد فشل عملية أوسلو. وفق استطلاعات الرأي في غزة والضفة الغربية، فإن شرعية السلطة الفلسطينية وعلى رأسها محمود عباس انخفضت بشكل كبير في العقدين السابقين، ولفهم هذا الوضع يوجد عدة أسباب: عجز السلطة عن تنفيذ سيادتها على الأقاليم الفلسطينية وتفشي الفساد. خلال نفس الفترة، شهدنا ارتفاع نفوذ منظمة حماس التي تحكم غزة منذ فوزها في انتخابات عام ٢٠٠٦ م، وبالتالي أصبحت حماس اللاعب الاستراتيجي الاساسي ضد الجيش الإسرائيلي عبر شنّ خمسة حروب – في أعوام ٢٠٠٨، ٢٠١٢، ٢٠١٤، ٢٠٢١ و٢٠٢٣م.

ومن الواضح أنّ توازن القوى بين المؤسسات السياسية الفلسطينية سيؤثر على قدرة السلطة على تنفيذ مبادرة جديدة ومن الصعب حالياً أن نتخيل إطلاق عملية دبلوماسية مع السلطة تحت رئاسة عباس بدون حصول تغيرات عميقة تسمح لأغلبية الفلسطينيين بدعم هذه المبادرة.

المطالب الأساسية للطرفين وللقوات الإقليمية

بالنسبة إلى الإسرائيليين، المطلب الأساسي اليوم هو الحصول على ضمانات أمنية، خصوصاً بعد هجوم حماس المفاجئ في أكتوبر ٢٠٢٣م، ضد مدن و"كبوزتين" في جنوب البلاد التي أدت إلى مقتل ١٤٠٠ شخص تقريباً ومنذ هذه العملية الإرهابية، ترفض الحكومة الإسرائيلية -وأغلبية الطبقة السياسية -بشكل مطلق كل السيناريوهات حول مفاوضات سلام مع حماس ويظهر أن إسرائيل لن تقبل بعملية دبلوماسية مع أي طرف فلسطيني يسمح بوجود أفراد من حماس في هذه المفاوضات.

مع ذلك، من الصعب أن نرى كيف سيحقّق الفلسطينيون هذه المطالب الإسرائيلية: فكما رأينا، إنّ توازن القوى ليس لصالح السلطة ومحمود عباس وعلى الرغم من هدف أنّ العملية العسكرية الإسرائيلية التي تهدف إلى تدمير حماس والقضاء عليها، يمكننا أن نرى استمرار إيديولوجية حماس واستمرار دعمها من السكان في غزة والضفة الغربية.

بالنسبة إلى الجبهة الفلسطينية، ولاسيما مسؤولو السلطة في رام الله، لا يريدون استئناف العملية السلمية بدون إنهاء الاحتلال ووقف الحملة العسكرية الإسرائيلية في غزة. بالإضافة إلى ذلك، من الضروري لبدء المفاوضات حول مبادرة للسلام، تحديد خريطة واضحة وفعّالة تعزّز السيادة الفلسطينية وسيطرة السلطة على كل أراضيها.  لكن اليوم من الصعب تنفيذ المطالب الإسرائيلية والفلسطينية في نفس الوقت، فعلى سبيل المثال، أكدت حكومة نتانياهو أن إسرائيل ستحتفظ بحق التدخل العسكري في غزة في حال كان ضروريا لأمنها الوطني وحسب نتانياهو، "إسرائيل ستبقى المسؤولة الأمنية الرئيسية على غزة بعد الحرب الحالية"، الأمر الذي يظهر تناقض مهم بين رغبة إسرائيل بالسيطرة على الوضع الأمني في غزة وتحقيق سيادة فلسطينية على الإقليم.

هذا التناقض العميق يمثل سببًا من الأسباب خلف تردد الدول العربية المشاركة في عملية سلمية بعد الحرب: ترفض الدول العربية المشاركة بمبادرة من دون ضمانات لتأسيس دولة فلسطينية. على سبيل المثال، في شهر ديسمبر ٢٠٢٣م، أكدت حكومة الإمارات أنّها لن تدعم إعادة إعمار غزة بدون خطة دبلوماسية لتطبيق "حل الدولتين". بالنسبة إلى مصر والأردن، فإنّ تسوية القضية الفلسطينية تمثل أولوية سياسية وامنية لكن الدولتين العربيتين تظلان حذرتين حول التنسيق مع إسرائيل بسبب البرنامج الأيديولوجي لبعض أفراد حكومة نتنياهو -خصوصًا بن غبير وسموتريش الذين يدعوان بشكل واضح إلى التطهير العرقي في غزة والضفة الغربية. بالتالي رفضت حكومة عبد الفتاح السيسي استقبال اللاجئين الفلسطينيين من غزة خلال الحرب الأخيرة لمنع طرد السكان من غزة "بحكم الأمر الواقع".

  في نهاية المطاف، تعتمد تسوية الصراع على توحيد الموقف الدبلوماسي للدول العربية ولذلك -كما حصل في عام ٢٠٠٢م، -لا نستطيع توقّع مبادرة جديدة بدون قيادة المملكة العربية السعودية التي ستكون اللاعب الإقليمي الحاسم لتنفيذ المشروع بسبب الدور السعودي في العالم العربي والإسلامي لكن مثل بقية الدول العربية، الرياض لا تريد المشاركة في أي عملية دبلوماسية جديدة بدون التزام حقيقي لحل الدولتين.

في ضوء هذه التطورات الإقليمية، يبدو واضحًا أن العودة إلى العملية السلمية ستعتمد على تشكيل حكومة إسرائيلية جديدة بدون وجود أفراد من اليمين المتطرف وفي نفس الوقت على إصلاح السلطة الفلسطينية وبدون هذين الشرطين، من غير المحتمل أن الدول في المنطقة ستقبل مشاركتها في هذا المشروع. 

دور القوات الخارجية في دعم العملية الدبلوماسية              

بالإضافة إلى هذه التحديات الإقليمية، سيعتمد إطلاق مبادرة دبلوماسية جديدة على دور القوى العظمى -لاسيما الولايات المتحدة والصين -لدعم المشروع. من جهة الولايات المتحدة، التي تبقى القوة الأولى في الشرق الأوسط دبلوماسيًا وعسكريًا على الرغم من كل القيل والقال عن تراجع الوجود الأمريكي في المنطقة، فقد شهدنا زيادة القوات المسلحة الأمريكية في البحر المتوسط والخليج بسبب الحرب بين حماس وإسرائيل وآثارها على المنطقة. في نفس الوقت، لا نجد أحدًا سوى الولايات المتحدة تستطيع فرض مطالب سياسية على إسرائيل مثل سيطرة السلطة الفلسطينية على غزة والذي ظهر بشكل واضح من خلال التوترات بين إدارة بايدن وحكومة نتنياهو حول قضية "اليوم التالي بعد الحرب" في غزة. مع ذلك، يوجد عدد من الصعوبات التي تواجه دور واشنطن في إطار مبادرة سلمية جديدة، فتاريخيًا، كانت إدارة بيل كلينتون الأخيرة التي اعتبرت عملية السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين أولوية أمريكية ومنذ فشل "أوسلو"، تجاهلت كل الحكومات في واشنطن الصراع، وبالإضافة إلى ذلك فإن الموضوع الرئيسي الذي يحضر اليوم في الدوائر الاستراتيجية للعاصمة الأمريكية ليس تسوية مشاكل الشرق الأوسط بل المنافسة مع الصين في آسيا والصراع بين روسيا وأوكرانيا. بالإضافة إلى ذلك، فإنّ البيت الأبيض سيواجه على المدى القريب ضغط في السياسة الداخلية بسبب الانتخابات الرئاسية المقبلة في شهر نوفمبر ٢٠٢٤م، وحسب أغلبية استطلاعات الرأي، فإن احتمال فوز دونالد ترامب ضد جو بايدن كبير وفي هذا السيناريو، من الممكن أن تؤدي رئاسة ترامب الثانية إلى تنفيذ السياسة "الانعزالية" التي ستنهي كل الآمال حول دور أمريكي في إطار مبادرة سلمية إقليمية. لذلك من الصعب على إدارة بايدن أن تبقي مشاركتها في المناقشات الجارية حول خطة السلام الجديدة.

على الرغم من السياق الداخلي في الولايات المتحدة الذي قد يعيق قدرة إدارة بايدن لدعم مبادرة دبلوماسية للمنطقة، من الممكن أن ننتظر تنسيقًا سياسيًا بين القوى العظمى حول قضية التعايش بين الإسرائيليين والفلسطينيين: في الواقع، لا يوجد خلاف كبير بين واشنطن وبكين حول هذه القضية على النقيض من التوترات بينهما في آسيا ومضيق تايوان. حتى الآن، الصين لم تعرض رغبة كبيرة لتدخلها في عملية السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين كما يظهر حذرها خلال الحرب الحالية وعلى المستوى الرسمي، وزارة الخارجية الصينية تحافظ على موقفها التقليدي الذي يدعو إلى حل الدولتين وإنشاء دولة فلسطينية على حدود ١٩٦٧م، مع ذلك، فإنّ لدى الصين نفوذ اقتصادي واستراتيجي حاسم لدعم المبادرة: استثمرت الشركات الصينية في كل بلدان الشرق الأوسط -من إسرائيل إلى مصر وإيران -وهذه الاستثمارات توفر لبكين نفوذاً على حكومات المنطقة للالتزام بالمبادرة الجديدة. إذا الولايات المتحدة كانت اللاعب الاستراتيجي الوحيد الذي لديه القدرة على إلزام إسرائيل بعملية سلمية، وكذلك الأمر الصين لديها نفس القدرة على إلزام إيران ولذلك لا نستطيع أن نتخيل خطة سلام جديدة بدون دور صيني يمنع طهران من عرقلة أي مبادرة سلام.

إذا كان واضحًا أن واشنطن وبكين لديهما الدور الأكبر لدعم استئناف عملية السلام بين إسرائيل وفلسطين، ما دور بقية المجتمع الدولي؟ بالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي، لم نر موقفاً دبلوماسيًا موّحداً أثناء الحرب بين إسرائيل وحماس، تواجه الحكومات الأوروبية خلافات عميقة حول الصراع وفي نفس الوقت لا تعتبر دول المنطقة الاتحاد الأوروبي لاعبًا استراتيجيًا حاسمًا لكن على الرغم من هذه الصعوبات، من الممكن أن الأوروبيين سيلعبون دورًا مهمًا في مجال المساعدة الاقتصادية والإنسانية التي ستسمح ببناء دولة فلسطينية قادرة على إدارة الواقع بعد الحرب.

بالنسبة إلى القوى الآسيوية الأخرى مثل الهند واليابان وكوريا الجنوبية وإندونيسيا، فإنّ دورها كما الدور الأوروبي سيكون ثانوياً في إدارة عملية السلام، على الرغم من أنّ كثيراً من هذه الدول الآسيوية لديها علاقات دبلوماسية واقتصادية وثقافية على سبيل المثال الدول الآسيوية الإسلامية كإندونيسيا وماليزيا – التي تؤيّد العالم العربي. في المقابل أصبحت الهند شريكًا استراتيجيًا أساسيًا لدول الخليج ولإسرائيل في عصر ناريندرا مودي. لكن ليس لديها النفوذ الحقيقي للعب دور رئيسي خلال عملية السلام بين إسرائيل وفلسطين.

مع ذلك، من الممكن أن دعم الدول الآسيوية لمبادرة السلام يكون عبر منح مساعدات اقتصادية وإنسانية للفلسطينيين وفي نفس الوقت، فإن تقدم خطة السلام يستطيع أن يؤدي إلى توسيع عملية تطبيع العلاقات بين إسرائيل ودول العالم الإسلامي، خصوصًا إندونيسيا وماليزيا.          

  **

ختاماً، لم نفترض عبر هذا المقال أن إعادة مبادرة السلام مثل مبادرة ٢٠٠٢م، ستكون عملية هادئة في سياق الحرب الجارية في غزة التي تسببت في أكبر مأساة للفلسطينيين منذ عام ١٩٤٨م، لكن التشاؤم ليس مقاربة عملية في الشرق الأوسط: تاريخيًا، لم يتوقع أحد بعد حرب أكتوبر ١٩٧٣م، أن رئيس مصر أنور السادات سيزور إسرائيل بعد ٤ سنوات وأن هذه الزيارة ستؤدي إلى اتفاق سلام بين إسرائيل ومصر الذي لا يزال مستمرًا حتى اليوم على الرغم من كل الأحداث الإقليمية منذ ذلك الحين.

على المدى القريب، إعادة مبادرة السلام ستعتمد على عاملين: أولًا على المستوى العسكري من الضروري وضع نهاية حقيقية لحرب غزة وبالتالي إعادة إسرائيل النظر في قدرات حماس العسكرية.

وثانيًا التغير العميق للطبقة السياسية من الجانبين. من الواضح أنه لا يمكن اعتبار العودة إلى العملية السلمية بدون تحوّل واسع ولاسيما تهميش الجماعات المتشدّدة لدى الطرفين لكن لا يمكن أن نعرف كم من الوقت سوف يستغرق الوصول إلى هذا الهدف...

بالإضافة إلى ذلك وعلى المدى البعيد، تنفيذ مبادرة السلام الجديدة سيعتمد على قدرة الإسرائيليين والفلسطينيين لمواجهة أكبر القضايا التي تسببت بفشل عملية أوسلو قبل ٢٢ سنة مثل مفهوم حق العودة للفلسطينيين ووضع القدس التي يعتبرها الطرفان عاصمتهما وبالرغم من صعوبة تصوّر كل التفاصيل حول المفاوضات المستقبلية لن توجد مبادرة فعلية بدون تنازلات من الطرفين حول معتقداتهما الأساسية.       

مقالات لنفس الكاتب