array(1) { [0]=> object(stdClass)#13063 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 195

السياسة الأمريكية تقوم على ركيزتين: دعم التوجهات الإسرائيلية ومنع حصول الصين على مواطئ قدم استراتيجية في المنطقة

الخميس، 29 شباط/فبراير 2024

الحديث عن البحر الأحمر لابد أن يبدأ عند قناة السويس، لأنها منذ افتتاحها منحته أهمية كبيرة وجعلت منه واحداً من أهم طرق الملاحة العالمية التي تربط بين قارات ثلاث. القناة كذلك قربت بين أركان العالم، لأنها اختصرت طريق السفن المبحرة من أوروبا إلى آسيا وبالعكس، الذي كان يمر عبر رأس الرجاء الصالح في جنوب إفريقيا وهي رحلة طويلة تواجه فيها العديد من المخاطر.  بلغة اليوم، ومع الزيادة الكبيرة في سرعة السفن التجارية فإن فرق الوقت بين المرور من قناة السويس أو رأس الرجاء الصالح يصل بين 10 إلى 14 يوماً مع كل ما تعنيه هذه المدة من زيادة في كلفة الشحن والتأمين.  هذه المنطقة الحيوية شهدت مؤخراً العديد من الأحداث السياسية والأمنية كان من أبرزها الاتفاقية بين إثيوبيا وما يسمى "أرض الصومال" التي منحت إثيوبيا منفذاً على خليج عدن ثم جاء التصعيد العسكري لجماعة الحوثي باستهداف السفن المتوجهة إلى إسرائيل من خلال مضيق باب المندب هذا بالإضافة إلى الحروب العبثية المشتعلة في السودان والصومال. نحاول في السطور التالية إلقاء بعض الضوء على أهم الأحداث التي شهدتها منطقة البحر الأحمر والعوامل التي تدفع بها نحو عدم الاستقرار وماهي ردة فعل الولايات المتحدة تجاه تلك التهديدات وطبيعة التصورات الأمريكية لأمن الملاحة في المنطقة وعلاقة ذلك بما يجري في دول الإقليم والصراع العالمي.

 

العوامل التي تقف وراء عدم الاستقرار في البحر الأحمر

النزاعات في حوض البحر الأحمر ليست جديدة فهي تعود لسنوات طويلة مثل الحروب الأهلية في الصومال والسودان وإثيوبيا واليمن بالإضافة إلى أعمال القرصنة في خليج عدن.  ديمومة هذه الصراعات تشير إلى أمرين أولهما غياب الإرادة الدولية لمعالجة تلك الأزمات وثانيهما احتمال استفادة الدول المتنفذة من ورائها وهذه تذكرنا بمقولة هنري كيسنجر عن الحرب العراقية-الإيرانية: "من قال بأن جميع الحروب سيئة".  هذه الصراعات التي لا تنتهي تستمد ديمومتها من عوامل عديدة لعل من أهمها:

أولاً-تداعيات الصراع العربي-الإسرائيلي: سعت إسرائيل منذ قيامها مدعومة بالولايات المتحدة وبريطانيا إلى إدخال الإقليم في دوامة الفوضى بهدف إعادة تشكيل الخارطة السياسية للمنطقة في سبيل ضمان تفوقها العسكري على جميع دول الإقليم منفردة ومجتمعة لذلك عملت على إحداث تغيير في أدوار دول المنطقة والتمكين لبعض الدول على حساب أخرى. وقد استطاعت تحقيق الكثير من التقدم في مشروعها بعد غزو العراق وتفكيك منظومة الأمن العربي.  كما وأنها أقامت تحالفات إقليمية الغاية منها إضعاف دول الجوار العربي ولعل من أوضح الأمثلة على ذلك تنامي النفوذ الإيراني والسماح لمشروعه الطائفي بالتمدد في المنطقة وليس بعيداً عن ذلك التحالف الإثيوبي-الإسرائيلي الذي أثبت فعاليته في تمزيق السودان والصومال وأضعاف مصر وتهديد دورها بوصفها بوابة إفريقيا وقد برز دور التحالف في دعم إسرائيل لمشروع سد النهضة وتزويدها إثيوبيا بمنظومة صواريخ متطورة لحماية السد من أية هجمات مصرية محتملة. 

ثانياً-التنافس على السيطرة على طرق التجارة العالمية: نلاحظ اليوم أن أهم الممرات الإستراتيجية أصبحت مناطق صراعات مسلحة وإن اختلفت العناوين ومظاهر الصراع التي برزت على هيئة قرصنة بحرية أو عمليات إرهابية أو حروب أهلية أو نزاعات بين دول.  هذه الأحداث شملت بحر الصين ومضيق تايوان مروراً بسيراليون والباكستان وبحر آزوف والبحر الأسود وإقليم كراباخ والبحر الأبيض المتوسط والخليج العربي وبحر الصين وأخيراً البحر الأحمر وهي نزاعات لم تحصل بدوافع محلية بحتة بل هي نتيجة مباشرة لاحتدام الصراع العالمي على الأسواق والموارد الطبيعية والطرق البرية والبحرية التي توصل إليهما.  ليس من باب المصادفة إذاً أن أغلب هذه الصراعات بدأت بعد إعلان الصين عن استراتيجيتها في بناء الحزام والطريق وعزمها على منافسة الولايات المتحدة في حماية طرق التجارة العالمية وهي النقطة المفصلية التي حولت الصين من شريك اقتصادي الى غريم جيو إستراتيجي يجب التصدي له بكل الوسائل.

 

ثالثاً-صراع المشاريع الإقليمية في المنطقة وفي مقدمتها الإيرانية والإثيوبية والإسرائيلية والتركية.  هذه المشاريع تكتسب قوتها أيضاً من ارتباط بعضها بالاستراتيجيات العالمية وخير مثال على ذلك الاستراتيجية الإثيوبية الطامحة إلى لعب دور متقدم في القرن الإفريقي ولعب دور بوابة العالم على إفريقيا من خلال إزاحة مكانة مصر وهي الاستراتيجية التي لاقت الدعم الكبير من إسرائيل والولايات المتحدة.  وقد كان الثمن المطلوب بالإضافة إلى الغطاء الإسرائيلي لبناء سد النهضة حصول إثيوبيا على الدعم السياسي في مساعيها للحصول على منفذ عسكري وتجاري على البحر الأحمر وخليج عدن.

 

تركيا ليست غائبة عن المنطقة وإن كانت جهودها أقل من غيرها ربما بسبب بعد المسافة لكنها على العموم تسعى لمواجهة الجهود الإثيوبية من خلال محاولة الانفتاح على إفريقيا عن طريق البوابة المصرية وقد تكللت هذه الجهود بالزيارة الأخيرة للرئيس أردوغان إلى مصر وكذلك عملت تركيا على إسناد الحكومة الصومالية في مقديشو من خلال دعم أجهزتها المركزية والقيام ببعض المشاريع الاستراتيجية.

 

التحركات الإثيوبية وآثارها البعيدة

قام رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد في الأول من يناير من العام الحالي بتوقيع مذكرة تفاهم مع رئيس ما يسمى أرض الصومال موسى بيحي عبدي تحصل إثيوبيا بموجبها على ممر إستراتيجي بعرض 20 كيلومترًا على خليج عدن حيث تنوي إقامة ميناء تجاري وقاعدة عسكرية بحرية مقابل اعتراف إثيوبيا باستقلال "أرض الصومال" ومنحها حصة في الخطوط الجوية الإثيوبية.

هذه الخطوة التصعيدية من جانب رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد وهو اعترافها بتقسيم الصومال مقابل حصولها على منفذ مائي من شأنها أن تشكل عاملاً من عوامل التأزيم في المنطقة ليس بسبب حصول إثيوبيا على المنفذ البحري وإنما الطريقة التي تمت بها العملية والتي تشبه إلى حد كبير الأسلوب الذي سلكته في بناء سد النهضة على منابع النيل الدول الأخرى التي تشكل حوض النيل أو أدنى مراعاة لحقوقها هي التي سببت الإشكال. ذلك أن الاتفاقية مع "أرض الصومال" جاءت هي الأخرى على حساب دولة الصومال وهي دولة مستلقة وذات سيادة على جميع أراضيها ولا يحق لدولة أخرى المساس بسيادتها تحت أي ذريعة ولذلك فإن هذا الاتفاق يشكل سابقة خطيرة في هذا المجال وتدخلاً سافراً في شؤون بلد مجاور.  هذا الأمر مع خطورته إلا أنه قد لا يكون الأخطر لوجود عوامل أخرى قد تكون أشد خطورة منها أن سياسات آبي أحمد خاصة وهو المعروف بتوجهاته الشعبوية النابعة من إيمانه بعقيدته المسيحية-الخمسينية تحمل بذور فتنة كبيرة قد تحرق المنطقة وتزيد من نيرانها اشتعالاً وهذه تتمثل بإدخال العوامل الدينية والعرقية التي يمكن أن تظهر على شكل صراع مسيحي-إسلامي في المنطقة خصوصاً مع وجود الجماعات الدينية المتطرفة على الجانبين مثل القاعدة وحركة الشباب المجاهدين وجماعة الحوثي كذلك فإن من شأن هذه الخطوة أن تؤجج الصراعات العرقية بين إثيوبيا وقبائل الأورومو وهي من أكبر القبائل في الصومال وأرتيريا وإثيوبيا والتي أعلنت معارضتها لاتفاق آبي أحمد مع أرض الصومال.   

 

عمليات جماعة الحوثي في البحر الأحمر

قامت جماعة الحوثي بعدة عمليات عسكرية الغاية المعلنة منها استهداف السفن المتوجهة إلى إسرائيل كنوع من الدعم للمقاومة الفلسطينية التي تخوض حرباً ضد إسرائيل في غزة منذ السابع من أكتوبر الماضي.  نظرة بسيطة إلى هذه العمليات تثير العديد من الشكوك حول فعاليتها في خدمة الأهداف المعلنة أولها أن الادعاء بتضرر إسرائيل من هذه العمليات هو أمر مبالغ فيه لأن إسرائيل ليست من الدول الكبيرة من حيث أعداد السكان وما تحتاجه من واردات خصوصاً العسكرية والتي يجب أن تكون في مقدمة الأهداف تأتي من الولايات المتحدة وأوروبا عن طريق البحر الأبيض المتوسط وليس البحر الأحمر.  أما بالنسبة للواردات الأخرى وهي محدودة فإن إسرائيل استفادت من العمليات لوضع فكرة ممر التنمية الاقتصادي الذي يربطها بالهند عن طريق دول الخليج موضع التنفيذ وذلك من خلال نقل البضائع التي احتاجتها إسرائيل عن طريق دول الخليج والأردن.

 

الملامح العامة للاستجابة الأمريكية

السياسة الأمريكية في حوض البحر الأحمر إذا صح لنا أن نسميها كذلك تقوم على ركيزتين هما:

  • دعم التوجهات الإسرائيلية بغض النظر عن طبيعتها وتطابقها مع المصالح الأمريكية
  • الحيلولة دون حصول الصين على مواطئ قدم استراتيجية في المنطقة.

هذه السياسات مع بساطتها إلا أنه شابها العديد من الإشكالات ومن ذلك أن الطريقة التي سعت الولايات المتحدة إلى تحقيقها تميزت بالتخبط والعمل بردود الأفعال لدرجة أن النتائج جاءت في العديد من المواقف معاكسة للرغبات الأمريكية فعلى سبيل المثال فإن الانحياز الأمريكي الكامل لإسرائيل دفع بالعديد من دول المنطقة للبحث عن بديل للدور الاستراتيجي الأمريكي.  ولأن الولايات المتحدة لا تتعلم من أخطائها فهي تكرر نفس التجارب التي تؤدي بها إلى فقدان مواقع نفوذها حول العالم ذلك أن التقارب الأمريكي-الإسرائيلي مع إثيوبيا على سبيل المثال دفع بأرتيريا وقبلها السودان إلى التقارب مع الصين وموسكو وطهران بحيث أصبح الرئيس الأرتيري أسياس أفورقي من أشد الناقدين للسياسة الأمريكية في إفريقيا. هذه السياسة توجت بتوقيع إرتيريا في عام 2021م، اتفاقاً مع الصين للانضمام إلى مبادرة الحزام والطريق وفي نفس العام أعلنت أرتيريا موافقتها على منح روسيا موقعاً لوجستياً على البحر الأحمر. التقارب الأرتيري مع روسيا والصين قد يشكل مصدراً جديداً لعدم الاستقرار في المنطقة لأنه قد يغري آبي أحمد لاستغلاله كغطاء لإقناع شركائه في الحصول على الدعم لتحقيق تهديده الذي أطلقه في القريب والذي أعلن فيه أن إثيوبيا على استعداد لاستخدام جميع الوسائل في سبيل تحقيق هدفها الاستراتيجي في الحصول على منفذ على البحر الأحمر والذي فهم في حينها على أنه تهديد باستخدام القوة ضد إرتيريا.

المثال الآخر على التخبط الأمريكي جاء على شاكلة الرد على هجمات الحوثي وهو الذي أثار العديد من الأسئلة ومنها أنه تزامن مع سعي الولايات المتحدة إلى عدم توسيع دائرة الصراع الدائر في غزة من خلال الضغط على دول المنطقة بعدم التصعيد لكن في نفس الوقت تقوم مع بريطانيا بتوجيه ضربات جوية ضد أهداف في اليمن تدعي أنها تابعة لجماعة الحوثي وكذلك توجه ضربات جوية ضد مواقع تدعي أنها تابعة لجماعات مسلحة مرتبطة بإيران في العراق وسوريا.  فكيف يمكن أن نوفق بين الأمرين؟ 

الجواب البسيط هو لأن الولايات المتحدة موقنة من أن ردة الفعل من هذه الجماعات سوف تبقى منضبطة بحسب الإيقاع الإيراني الذي لا يريد توسيع دائرة الحرب لكنه يسعى في ذات الوقت إلى تسجيل النقاط الإيجابية مع الولايات المتحدة. هذه العمليات جاءت ضمن حدود مدروسة ومتفق عليها تستفيد منها إيران والجماعات المرتبطة بها مثل الحوثي للدفع بالمشروع الطائفي والتمدد من خلاله في المنطقة. والدليل على محدودية العمليات أن المتحدث باسم مجلس الأمن القومي الأمريكي أعلن بأن الولايات المتحدة أعلمت الحكومة العراقية بالضربات قبل وقوعها كذلك أعلن رئيس بلدية القائم وهي إحدى المدن التي استهدفت في العراق من قبل الولايات المتحدة بأنهم علموا بحدوث الضربات قبل يومين من وقوعها ولذلك لم يفاجؤوا بها. 

 

ردة الفعل الأمريكية شملت أيضاً الدعوة الى قيام تحالف دولي لضمان حرية الملاحة في البحر الأحمر لكن أياً من دول المنطقة لم تنضم إلى هذا التحالف.  كما أنها أعلنت إعادة إدراج جماعة الحوثي على قائمة الإرهاب وهو الأمر الذي ذكرنا بالمثل العربي "أشبعتهم شتماً وفروا بالإبل" لأن القرار لا قيمة له في الواقع إلا منح الشرعية لتلك الجماعة الطائفية ومشروعها التخريبي القائم على تخريب اليمن والمنطقة تحت ذريعة محاربة أمريكا وإسرائيل. النجاحات التي حققتها جماعة الحوثي وردة الفعل الأمريكية الضعيفة سوف تغري الجماعة بالمزيد من الهجمات على السفن في المنطقة وتنذر برفع وتيرة التصعيد. 

 

حسابات الخسائر والأرباح في البحر الأحمر

تعتبر الصين أحد أكبر المتضررين من الفوضى في البحر الأحمر  لكونها المستفيد الأكبر من الملاحة فيه حيث تمر خلاله بضائع صينية تقدر كلفتها بأكثر من مليار دولار يوميًا لذلك فقد ذكرت العديد من المصادر نقلاً عن صحيفة (Global Times) الحكومية الصينية أن كلفة شحن الحاوية الواحدة سعة 40 قدم من ميناء شنغهاي إلى الولايات المتحدة قد تضاعفت منذ بداية شهر ديسمبر لتصل إلى 4 آلاف دولار إلى الساحل الغربي الأمريكي و6 آلاف دولار إلى الساحل الشرقي هذا بالإضافة إلى الزيادة في الوقت الذي يضاف إلى الرحلة نتيجة تغيير الوجهة من البحر الأحمر إلى رأس الرجاء الصالح.

هناك آثار سلبية على المدى البعيد بالنسبة للصين وهي خسائر تتعلق بالمكاسب التي حققتها في السنوات الماضية والتي كان من أولها الاتفاق الذي وقعه الرئيس اليمني عبدربه منصور هادي عام 2013م، والذي منح الصين فرصة تشغيل ميناء عدن الاستراتيجي مقابل استثمار مبلغ 570 مليون دولار في تطوير الميناء لكن المشروع تعثر لأن صنعاء سقطت تحت سيطرة جماعة الحوثي بعد عام من توقيع الاتفاق. 

تعتبر قاعدة جيش التحرير الشعبي الصيني في جيبوتي من أوضح الأمثلة على التمدد الصيني في المنطقة عامة والبحر الأحمر خاصة.  هذه القاعدة التي تم افتتاحها في عام 2017م، وبلغت كلفة إنشاؤها أكثر من نصف مليار دولار كانت الغاية المعلنة من ورائها المساهمة في عمليات مكافحة القرصنة وإسناد العمليات الإنسانية وحفظ السلام بحسب المصادر الصينية.  تعتبر القاعدة التي تضم أكثر من ألف جندي صيني من أكبر وأول القواعد العسكرية الصينية فيما وراء البحار. ليس بعيداً عن القاعدة الصينية يقع ميناء دور إليه الذي تشغله الصين إلى الغرب من مدينة جيبوتي حيث قامت الصين بربط الميناء بإثيوبيا بخط سكة حديد.

الصين ليست الخاسر الوحيد من الاضطرابات في البحر الأحمر لأن روسيا هي الأخرى فقدت موطئ القدم الذي حصلت عليه في قاعدة الفلامنغو السودانية من خلال الاتفاق الذي وقعته مع حكومة الرئيس السوداني السابق عمر البشير عام 2017م، الذي سمح للبحرية الروسية بإقامة قاعدة عسكرية في بورتسودان والاحتفاظ بها لمدة 25 عامًا، قابلة للتمديد لمدة 10 سنوات في حال عدم وجود اعتراض من الجانبين لكن الاتفاق تم تجميده بعد الإطاحة بالبشير عام 2019م.

 

المتضرر الأكبر بالنسبة لدول المنطقة هو ليس إسرائيل بل مصر وذلك بسبب الانخفاض الكبير في واردات قناة السويس التي هبطت بنسبة تقارب 40% وهي أزمة جاءت في توقيت صعب جداً لأنها حرمت مصر من أهم مصادرها للعملات الصعبة وأضافت بذلك عبئاً جديداً على الأوضاع الاقتصادية المتردية ولذلك لاحظنا قيام المؤسسات الائتمانية العالمية بتخفيض تقييمها للاقتصاد المصري الأمر الذي انعكس سلباً على قيمة الجنيه المصري مقابل الدولار.

 

يقول المثل العربي "مصائب قوم عند قوم فوائد" لأن المصيبة في مكان ما قد تشكل فرصة للآخرين لذلك فهناك العديد من الرابحين من التهديدات الحوثية للملاحة في البحر حيث تقف الولايات المتحدة على رأس المستفيدين من تلك التحركات والسبب يعود إلى أنها تسعى كما ذكرنا آنفاً إلى التصدي للتمدد الصيني في المنطقة وحرمانها من المكاسب التي حصلت عليها مؤخراً في سبيل ترسيخ قدمها في المنطقة التي تسيطر على أهم ممرات التجارة العالمية وتمتلك أكبر خزين من الموارد الطبيعية وفي مقدمتها الطاقة والمعادن التي هي بأمس الحاجة لها ولذلك فإن قيامها بالمسؤولية المباشرة عن حماية الملاحة في البحر الأحمر يمثل تهديداً للمكاسب الصينية التي حققتها في المنطقة والتي ذكرنا بعضاً منها.  كذلك فإن التصعيد العسكري هو بمثابة فرصة للولايات المتحدة لتحقيق مزيد من التقدم في إعادة رسم خارطة المنطقة وذلك من خلال إبراز دور الأقليات على حساب الأكثرية وإضعاف سلطة الدول في المنطقة ومن هنا نفهم العمليات العسكرية ضد القوات الأمريكية في العراق وسوريا ومسارعة الولايات المتحدة إلى تبرئة إيران من تلك العمليات لأن الغاية من هذه العمليات هي إعطاء غطاء الشرعية للجماعات المرتبطة بها ومنحها الأسباب التي تمكنها من الانتشار في مناطق أوسع خصوصاً في المناطق الحدودية بين العراق وسوريا والأردن تحت ذريعة محاربة الولايات المتحدة.

 

خاتمة القول بأن الأحداث التي تجري في حوض البحر الأحمر يجب النظر إليها على أنها جبهة من جبهات الصراع على المنطقة ومقدراتها ومنها موقعها الاستراتيجي الذي وضعها على أهم طرق التجارة العالمية. هذه الأحداث لا تختلف عما يجري في الخليج العربي والبحر الأبيض المتوسط.  وقد لاحظنا من خلال الحديث غياب الفعل الاستراتيجي العربي، لذلك فلابد من قيام عمل إقليمي موحد يغير من منحى مسار الأحداث ويحفظ لدول الإقليم مصالحها.

مقالات لنفس الكاتب