array(1) { [0]=> object(stdClass)#13063 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 196

7 متطلبات لتحقيق الأمن الإقليمي في إطار الجامعة العربية .. وبقاء الجامعة مهم

الأحد، 31 آذار/مارس 2024

كشفت حرب الإبادة التي تشنها قوات الاحتلال الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، منذ السابع من أكتوبر 2023م، فضلًا عمَّا سبقها وما زال يصاحبها من الأزمات والمواجهات المسلحة في كل من السودان وليبيا وسوريا واليمن والعراق، والتوترات القائمة في الصومال وموريتانيا والمغرب العربي... وغيرها من الدول العربية؛ مدى الوهن الذي أصاب الأمن الإقليمي العربي، ومستوى الضعف الذي تعاني منه جامعة الدول العربية، التي تأسست في الثاني والعشرين من شهر مارس عام 1945م، لتكون أول منظمة إقليمية يتم تأسيسها لحفظ الأمن الإقليمي العربي.

ويثير هذا الواقع المرير الكثير من الأسئلة حول: مفهوم الأمن الإقليمي؟ وعلاقته بالأمن الدولي؟ ومدى نجاح أو إخفاق جامعة الدول العربية في تحقيقه في الماضي والحاضر؟ وما هي المعوقات أو التحديات التي حالت دون ذلك؟ وما هي السبل التي يمكن أن تسهم في تحقيقه في المستقبل؟ وهي الأسئلة التي تسعى هذه الورقة إلى الإجابة عليها.

مفهوم الأمن الإقليمي وركائزه

برز مفهوم الأمن الإقليمي، بين الحربين العالميتين ليعبر عن: "سياسة مجموعة من الدول تنتمي إلى إقليم واحد، تسعى ــ من خلال وضع تعاون عسكري وتنظيمي لدول ذلك الإقليم ــ إلى منع أي قوة أجنبية أو خارجية من التدخل في هذا الإقليم، على قاعدة التنسيق والتكامل الأمني والعسكري على جبهاتها الداخلية"؛ فهو "نظام يعمل على تأمين مجموعة من الدول داخلياً، ويدفع عنها التهديد الخارجي، بما يكفل لها الأمن والاستقرار".

ويعرفه البعض بأنه: "اتخاذ خطوات متدرجة تهدف إلى تنسيق السياسات الدفاعية بين أكثر من طرف، وصولا إلى تبني سياسة دفاعية موحدة تقوم على تقرير موحد لمصادر التهديد وسبل مواجهتها".

ويتضح من المفهوم والتعريف الآنفين أن للأمن الإقليمي ركائز يقوم عليها، ومنها:

  • التقارب المكاني أو الروابط الجغرافية بين الأعضاء المشاركين في هذا الأمن؛ ما يعني أنه لا يضم دولاً من خارج المنطقة التي يشملها الاختصاص المكاني. ويرى البعض أن دخول دولة من خارج جغرافية الإقليم لا يتعارض مع مفهوم الإقليمية جغرافيًا.
  • التوافق والترابط الثقافي والتاريخي والحضاري، والتشابه في الظروف والأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية؛ حيث تقرب الركائز وجهات النظر، وتوحد المنطلقات والأهداف بين الدول الأعضاء في المنظومة الأمنية الإقليمية.
  • التقاء المصالح السياسية والاقتصادية، حيث يؤدي تعارض المصالح إلى عدم التوافق بين الدول الأعضاء، حتى لو تقاربت مواقعهم الجغرافية أو انتماءاتهم الثقافية والحضارية؛ وهو ما يفقد التنظيم أهميته وجدواه وقدرته على تحقيق الأهداف التي تكوَّن من أجلها. ولا يعني هذا أن تتطابق دول المنظمة في المصالح والمواقف والأهداف، لأن ذلك أمر مستبعد وغير واقعي؛ ولكن المقصود هو استبعاد المجالات المختلف فيها، أو تأجيلها حتى تتوصل الدول المختلفة إلى قاعدة مرضية لها للعمل على أساسها، والانطلاق من المجالات المتفق عليها؛ مع الاستمرار في تقريب وجهات النظر في الأمور المختلف عليها.
  • أن يكون للدول الساعية لتحقيق الأمن الإقليمي مؤسسة/ منظمة تجمعهم وتعبر عنهم وتسعى إلى تحقيق مصالحهم على المستوى البيني، فضلًا عن المستويين الإقليمي والدولي. وقد أقر ميثاق هيئة الأمم قيام منظمات إقليمية تعالج الأمور المتعلقة بحفظ السلم والأمن الدوليين ما دامت هذه المنظمات الإقليمية تلتزم في نشاطها بمقاصدالأمم المتحدة ومبادئها.

أهداف الأمن الإقليمي وغاياته

تتثمل أهداف منظمات الأمن الإقليمي فيما يلي:

ــ تحقيق طموحات وتطلعات الدول الأعضاء في المنظمة الإقليمية التابعة لها.

ــ التصدي للتدخلات والتحديات التي تمثل تهديدًا خارجيًا لأمن دول المنظمة الإقليمية وسيادتها، مجتمعة أو منفردة، وذلك لضمان الاستقرار الداخلي لدول الإقليم، ومنع التدخل الخارجي في شؤونها.

ــ إيجاد الحلول العملية والحاسمة، لما قد ينشأ بين دول المنظمة من صراعات ونزاعات، اعتمادًا على الطرق السلمية، وغير السلمية، إذا لزم الأمر وفشلت الحلول السلمية.

ــ تعزيز العلاقات بين دول المنظمة على كافة الأصعدة، وتشجيع التعاون والتكامل، في مختلف الأنشطة الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية.

ــ تمثيل دول المنظمة في المنظمات الدولية (الأمم المتحدة ومجلس الأمن)، والتعامل مع المنظمات الإقليمية المماثلة.

ــ تحقيق التفاعل مع القوانين والمواثيق الدولية المتعلقة باحترام حقوق الإنسان، والحريات العامة، واشراك المجتمع المدني في النشاطات السياسية والاقتصادية والأمنية، بما في ذلك المشاركة في إدارة مؤسسات النظام الأمني الإقليمي... ونحوها؛ باعتبار النظام الإقليمي جزءاً لا يتجزأ من النظام الدولي.

ــ التأكد من، والتأكيد على، التزام دول المنظمة بالمواثيق الدولية فيما يتعلق بامتلاك الأسلحة المحظورة دوليًا ــ النووية والكيميائية والجرثومية ــ واتخاذ إجراءات حاسمة للسيطرة على التسلح ونزع السلاح.

 

نظام الأمن الإقليمي العربي

يعد النظام الإقليمي العربي من أكثر الأنظمة الإقليمية التي تنطبق عليها المعايير الرئيسة في تعريف النظم الإقليمية؛ حيث يتحقق له: التواصل الجغرافي (تمتد منظومة البلاد العربية من موريتانيا إلى الخليج)؛ ومتانة الروابط التاريخية والثقافية والحضارية والاقتصادية والاجتماعية بين مكوناته. وينفرد النظام العربي عن النظم الإقليمية الأخرى في العالم، بالبعد القومي، وهو اعتبار معنوي ونفسي له نتائج سياسية مهمة؛ وتتجلى أهمية هذا البعد، في أنه يجعل التفاعل بين أعضاء النظام لا يقتصر على الدول فقط، بل يمتد إلى الشعوب، مما يعطيها بعدًا رمزيًا وقيمة خاصة.  

أداء الجامعة العربية بين النجاح والإخفاق:

حرصت الجامعة منذ تأسيسها على القيام بدورها في المجال الأمني العربي وذلك من خلال: حل النزاعات، مثل الصراع العربي / الإسرائيلي، والحرب الأهلية اللبنانية، ومؤخرًا الصراعات في ليبيا وسوريا واليمن؛ وتحقيق الأمن الجماعي من خلال توفير إطار للتعاون والتنسيق العسكري في أوقات الأزمات (حرب أكتوبر 1973م)؛ ومناقشة التحديات الأمنية الإقليمية وصياغة الاستجابات الجماعية من خلال مؤتمرات القمة والاجتماعات الوزارية التي تعقدها للتشاور والحوار؛ وتفعيل الدبلوماسية الوقائية، لتوقُّع المصادر المحتملة لعدم الاستقرار، والعمل احتوائها قبل أن تتصاعد إلى أزمات شاملة؛ ومكافحة الإرهاب والتطرف عبر إلزام الأعضاء بالتصدي للتحديات الأمنية التي تفرضها المنظمات الإرهابية (الاتفاقية العربية لقمع الإرهاب).

وبالرغم من حرص الجامعة وسعيها لتحقيق أهدافها من خلال الممارسات الآنفة؛ إلا أن معظم أدائها ــ منذ أن نشأت وإلى اليوم ــ قد اتسم بالقصور، وأحيانًا الفشل، في معالجة القضايا العربية في مختلف المجالات، الأمر الذي أدى إلى الخطورة على كينونة النظام الإقليمي العربي جراء الخلافات والنزاعات ومظاهر التجزئة وموجات التغير التي يشهدها العالم العربي؛ فقد فشلت الجامعة في أن تقف حائلاً دون نشوب صراعات بين الدول الأعضاء بداخلها (العراق والكويت في تسعينيات القرن الماضي، وقبلها الجزائر والمغرب)؛ كما فشلت في حل النزاعات والصراعات والحروب بين الجماعات المتقاتلة داخل الدول الأعضاء (سوريا، العراق، اليمن، ليبيا، السودان). وقد أدى عجزها عن القيام بواجباتها الأمنية الإقليمية، إلى إسناد تلك الواجبات إلى قوى دولية لتتولى القيام بها؛ وهو ما يعد اختراقًا للأمن العربي الذي تأسست الجامعة لحمايته.

وهنا يرد التساؤل عن العوامل التي أدت إلى ضعف الجامعة العربية، وعجزها عن تحقيق الأمن العربي الإقليمي في كثير من الحالات؟

عوامل ضعف الجامعة:

يمكن رد أهم عوامل ضعف الجامعة إلى نوعين من العوامل:

 عوامل داخلية:

وهي العوامل التي تعود إلى تكوين الجامعة وميثاقها وآليات تنفيذ قراراتها ونحو ذلك من العوامل التي من أبرزها:

  • الجامعة كيان توافقي خلق ضعيفًا بعمد، ويمكن الإشارة إلى سلبية بعض النقاط التي تضمنها ميثاق الجامعة كالجانب المتعلق بنظام التصويت واتخاذ القرارات، حيث لا تعد قرارات الجامعة ملزمة إلا لمن يقبلها من الأعضاء فقط؛ وهو ما يفقدها القدرة على مواجهة التحديات والتطورات المحيطة بها على نحو فعال يلبي الطموحات والآمال التي كانت معقودة عليها.
  • الجامعة كيان غير قابل للتطور السريع والجذري، ويمكن الإشارة إلى عدم مواكبة الميثاق لما تواجهه الدول الأعضاء من تحديات قائمة؛ وإخفاقه في استيعاب التغيرات المتعددة والأحداث المتسارعة على الساحة العربية بعامة، ولدى العديد من الدول العربية بخاصة، والتي أصبح من الصعب معالجتها على ضوء الميثاق الحالي للجامعة.
  • اتساع مفهوم الأمن، حيث لم يعد يقتصر على الجانب العسكري فقط، بل أصبح يشتمل على الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والسياسية؛ وهو نوع جديد من التنظير لفكرة الأمن ليشمل (الأمن القومي الإنساني)، وتعني أن الأمن يبدأ من الفرد صعودًا إلى الدول. وهذا المفهوم أدَّى إلى انكفاء كثير من الدول العربية على أمنها الداخلي، وانحسار مساحات التفكير في الأمن القومي.
  • ظهور مظاهر جديدة وعديدة للتهديد الأمني والاجتماعي والسياسي داخل الدول العربية، تمثلت في الحركات الاحتجاجية، والجماعات المتمردة، وخصوصاً ظهور قوة المليشيات العقائدية او الطائفية او المناطقية المسلَّحة منها، مثل (حزب الله) في لبنان، و(الدعم السريع) في السودان، وجماعة (حفتر) في ليبيا، و(الحوثي) في اليمن، و(الحشد الشعبي) في العراق... وغيرها. ومما ضاعف من خطورة هذه التهديدات على الأمن العربي، أن دول الجامعة لم تقف منها موقفًا موحدًا؛ فبينما أدان البعض (حزب الله) في لبنان، و(الحوثي) في اليمن بدعوى تهديد الدولة، وقف مع (الدعم السريع) في السودان ودعمه.
  • معاناة الجامعة في بعض الفترات من العجز في ميزانيتها، بسبب إحجام الدول الأعضاء الممولة لها عن التمويل، اعتراضًا على سياسة الأمين العام للجامعة، أو امتعاضًا من بعض قراراتها، التي تصدر على عكس رغبة أو رضا الأعضاء الممولين.
  • افتقار الجامعة إلى آلية أو قوة ملزمة لتطبيق قراراتها وتنفيذها من قبل الدول المعنية، كغياب وجود قوات عربيه تابعه للجامعة وعدم وجود محكمه عدل عربية؛ الأمر الذي أفقدها هيبتها وأهمية وجودها، وأعاق تنفيذ الكثير من القرارات التي أصدرتها. كما تفتقر الجامعة لهيئة متابعة لما تم إصداره من قرارات؛ الأمر الذي أفقد قراراتها صفة الإلزام، وجعلها أقرب إلى التوصيات أو التمنيات.
  • التباطؤ في، أو ندرة تنفيذ، ما تم الاتفاق عليه من معاهدات بين الدول الأعضاء في الجامعة، وتعد (معاهدة الدفاع العربي المشترك)، التي تم التوقيع عليها عام 1950م، من أبرز الأمثلة في هذا الشأن؛ فعلى الرغم من كثرة ما تعرضت له الدول العربية من اعتداءات عسكرية وأمنية، سواء من قبل بعضها البعض أو من قبل قوى خارجية، فإن تطبيق هذه المبادرة على أرض الواقع لم يحدث إلا نادرًا، على نحو ما تم خلال حرب أكتوبر 1973م، عبر مشاركة قوات عربية لمصر وسوريا بالمعدات الفنية والقوات والأموال؛ فضلًا عن قرار المملكة العربية السعودية الخاص بوقف إمداد الدول المتعاونة مع إسرائيل بالبترول. وعمومًا تتصف الدول العربية الأعضاء في الجامعة بضعف ومحدودية قدراتها العسكرية، واعتماد بعضها على الضمانات الدفاعية الخارجية، واعتماد معظمها على توريد الأسلحة والتكنولوجيا العسكرية الخارجي.  
  • محاولة بعض الأنظمة الحاكمة في الدول العربية تغليب مصالحها الوطنية على المصالح الشاملة للوطن العربي، من خلال الربط بين الأمن العربي وبين رؤيتها وأيديولوجيتها السياسية والفكرية، على نحو ما كان سائدًا في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي؛ حيث كان أي تعارض يؤثر على كل القضايا الأخرى المتفق عليها.
  • تعرض الأمن العربي لاهتزازات أخلت بثوابته الراسخة وأثرت سلبًا على مسيرته المستقبلية، على مدى العقود الماضية؛ ومنها: (مبادرة السلام بين مصر وإسرائيل، 26 مارس 1979م)، و(الاجتياح العراقي للكويت في أغسطس 1990م، والإعلان عن ضمها كمحافظة عراقية!)، واشتعال ما عرف بـ (ثورات الربيع العربي) ضد الأنظمة الحاكمة في بعض الدول العربية (تونس، مصر، ليبيا، اليمن، السودان)، وما أعقبها من صرعات على السلطة أفضت إلى مواجهات عسكرية بين الحكومات الشرعية والمتمردين عليها (جماعة الحوثي ضد الحكومة الشرعية في اليمن، وقوات التدخل السريع ضد مجلس السيادة السوداني).
  • إغفال العمل على تطوير استراتيجية أمنية عربية موحدة لمواجهة هذه التهديدات، والحد من نتائجها السلبية المتفاقمة على الأمن العربي والإقليمي؛ والاستعانة بالقوى الأجنبية الكبرى للرد على التهديدات الإقليمية المتعددة والمتجددة.

عوامل خارجية:

  • استمرار الصراع العربي ــ الإسرائيلي، وفشل محاولات حله سلميًا ــ عبر ما تم من اتفاقيات (أوسلو) و(وادي عربة) ــ بسبب رفض إسرائيل الالتزام بما تم الاتفاق عليه؛ وسعيها إلى تصفية القضية الفلسطينية، وتهجير من بقي من الفلسطينيين في الضفة والقطاع والقدس إلى مصر والأردن وغيرهما، وجعل فلسطين كلها دولة خالصة لليهود، وهو المخطط الذي تسعى إسرائيل إلى تنفيذه منذ السابع من أكتوبر 2023م بمساعدة ودعم أمريكي وغربي ــ عسكري وسياسي ومالي وإعلامي ــ بدعوى الدفاع عن النفس والحرب على الإرهاب؛واحتمال استمرار هذا الصراع ما لم يتم الوصول إلى حل الدولتين، الذي وافقت عليه الدول العربية في قمة بيروت 2002م؛ ما يعني غياب الأمن والسلم الإقليميين، بما يترتب عليهما من الاستقرار والتقارب والأمن الجماعي الذي ترنو إليه المنطقة.
  • سعي القوى الإقليمية التقليدية (إيران/ تركيا)، فضلًا عن القوة الإقليمية الدخيلة (إسرائيل)، إلى تحقيق مصالحها السياسية والاقتصادية ــ المتعارضة والمتضاربة ــ وتطلعاتها المتناقضة لتحقيق النفوذ السياسي في المنطقة على حساب الأمن الإقليمي العربي؛ حيث سعت إيران ــ من خلال تواجدها في كل من العراق واليمن وسورية ولبنان ــ إلى بناء منظومة أمنية جديدة تعمل لصالح محيطها الأمني والجيوسياسي، على حساب جامعة الدول العربية ومجلس التعاون الخليجي.

كما قامت تركيا بالتنسيق الأمني مع كل من ليبيا والجزائر؛ حيث استعانت حكومة فايز السراج في ليبيا عام 2019م، بتركيا من أجل صد الزحف العسكري للمشير خليفة حفتر على العاصمة طرابلس في مقابل موطئ قدم لتركيا في ليبيا ومنطقة شرق المتوسط؛ وعقدت تركيا مع ليبيا ــ ممثلة في حكومة فايز السراج ــ اتفاقًا لترسيم الحدود البحرية. وفيما يتعلق بالجزائر، فقد تمت الترتيبات بين الطرفين فيما يختص بشكل مباشر بليبيا؛ وهي تفاهمات أنشئت بالأساس ردًا على التفاهمات الأمنية بين المغرب وإسرائيل، ويتوقع استمرارها والتوسع فيها مستقبلًا، نظراً إلى توتر الأوضاع الجزائرية ــ المغربية.

  • تغييب (اتفاق الدفاع العربي المشترك)، ما أوجد حاجة إلى ترتيبات أمنية فرعية خارج إطار الجامعة، مثل: قوات (درع الجزيرة) و(مجلس الدفاع المشترك) و(تحالف دعم الشرعية في اليمن)، واتفاقات التعاون العسكري والأمني التي أبرمت بصورة ثنائية بين دول الخليج العربي (قطر، البحرين، الكويت، العراق)، والقوى الكبرى ــ الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا ــ فضلًا عن الاتفاقات والترتيبات الأمنية (العراقية ــ الأميركية)، و(الروسية ــ السورية).
  • موافقة دول الجامعة على الاستعانة بالقوى الدولية للمشاركة في أمن المنطقة، من خلال تواجدها بقدراتها الدفاعية في العديد من المواقع، وهو ما يعتبر اعترافًا عمليًا من دول الجامعة بعجزها عن تحقيق الأمن العربي، فضلًا عن الأمن الإقليمي.
  • فرض أمريكا وغيرها من الدول الأوروبية تواجدها العسكري والأمني في المنطقة لرعاية مصالحها الاقتصادية (استمرار تدفق النفط)، والعسكرية (ضمان أمن إسرائيل)؛ وهو ما تجسد بوضوح منذ بدأ الحرب على غزة في السابع من أكتوبر 2023م، حيث فرضت القوات الأمريكية والبريطانية وغيرهما، وجودها العسكري في المنطقة لتقديم الدعم العسكري والسياسي والمالي والإعلامي لما تقوم به إسرائيل في غزة من إبادة جماعية للشعب الفلسطيني على مرأى ومسمع من كل دول الجامعة العربية، بل وكل دول العالم، التي لم تستطع وقف الحرب تأثرًا بالردع الأمريكي السياسي (الفيتو) والعسكري (البوارج وحاملات الطائرات الأمريكية المرابط في المنطقة منذ بدأ الحرب).
  • غياب مفهوم واضح وشامل للأمن الإقليمي من منظور عربي يعكس رؤية دول الجامعة العربية؛ في الوقت الذي تتعدد فيه المفاهيم الأمنية المطروحة للأمن الإقليمي للمنطقة، حيث تتبنى إيران مفهومًا آخر للأمن الإقليمي يتعارض مع الأمن المعزز من الحلفاء الدوليين، وتسعى إلى استبداله بنظام أمني إيراني المنشأ (مبادرة هرمز للسلام ) قائم على الاقرار بالهيمنة والتفوق الايراني، في محاولة منها لثني الأطراف الدولية ــ لا سيما الولايات المتحدة ــ عن أن تكون عاملًا مهمًا في موازنة التنافس الإقليمي، ومحاولة أيضًا لتفتيت الدعائم الجيوسياسية والاستراتيجية التي تحظى بها بقية القوى الإقليمية، لا سيما السعودية ومنظومة الخليج، من خلال علاقاتها مع هذه الأطراف.

متطلبات تحقيق الأمن العربي الإقليمي

بالرغم من إخفاقات الجامعة المتعددة في تحقيق الأمن العربي الإقليمي على مدى العقود الماضية، إلا أنها تبقى السبيل الأمثل لتحقيق هذا الأمن، إذا تم تطويرها وإصلاحها والتخلص مما يواجهها من عقبات وتحديات داخلية وخارجية، حتى تتمكن من تحقيق مصالح أعضائها. والتطوير والإصلاح المنشود لهما متطلبات عديدة، من أهمها:

  1. تعديل مواد ميثاق الجامعة التي تعيق المؤسسة عن تأدية مهامها بالصورة المرجوة؛ ومنها المادة الخاصة بضرورة إجماع الدول الأعضاء على ما يتم اتخاذه من قرارات، وعدم إلزام الدول التي لم توافق على قرار ما بعدم الالتزام به؛ لتصبح الموافقة على القرارات الملزمة للجميع بأغلبية الأعضاء؛ دون إعفاء أحد من الالتزام بدعوى عدم الموافقة؛ حيث يجب أن تنطلق دول الجامعة من أن تحقيق الأمن الجماعي (الإقليمي) وتعزيزه هو تحقيق لأمنها القطري، ومن ثم يتعين عليها تقديم المطلوب لذلك.
  2. ضرورة الاتفاق حول التهديدات التي تواجه الأمن العربي الإقليمي، وتكوين رؤية جماعية عنها، والتوافق على آليات ووسائل دفعها والتعامل معها من قبل جميع دول الجامعة، والاعتماد في ذلك على رأي الأغلبية واعتباره ملزمًا للجميع، وإن لم يتفق معه أو يوافق عليه، كما هو الحال حاليًا؛ واعتبار عدم المشاركة فيما تتفق عليه أغلبية الدول الأعضاء، مخالفة صريحة لميثاق الجامع المعدل، يوجب على دول الجامعة اتخاذ موقف مضاد للمخالفين.
  3. إعادة النظر في نص (معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي العربي) باعتبارها جزءًا رئيسًا وهامًا من أركان النظام العام للجامعة العربية، ومراجعة بنودها السياسية والاستراتيجية؛ والتخلص مما هو محل اختلاف فيها؛ وتحديث وتعزيز البنود التي تدعم الجامعة في تحقيق أهدافها؛ كضرورة إنشاء القوة العربية المشتركة، لتمكينها من التصدي للأخطار والتهديدات المحدقة بالمنطقة كلها؛ والتغلب على ما قد يواجه تشكيل هذه القوة من تحديات ومعوقات تهدد الفكرة من أساسها؛ وهو ما يتطلب من بعض الدول العربية تقريب وجهات النظر فيما بينها حول بعض النقاط الخلافية والقضايا والمواضيع الإقليمية، بما يجعلها قادرة على إيجاد وسائل عملية وفعالة وقابلة للتطبيق ضد كل أشكال التحديات التي يواجهها الأمن القومي العربي.
  4. دراسة ما يتم طرحه من صيغ وأفكار للأمن الاستراتيجي لمنطقة الشرق الأوسط، كفكرة (الناتو العربي)، التي طرحها الرئيس الأمريكي السابق (ترامب)، وأعاد طرحها الرئيس الحالي (بايدن)؛ وغيرها من الأفكار التي تهدف إلى توسيع دائرة الأمن الاستراتيجي في المنطقة؛ بما يتطلبه من إقامة مراكز تنبيه مبكر ووحدات للإنذار الاستراتيجي وتبادل معلومات وبيانات، مع العمل على تطويق ومحاصرة التهديدات المشتركة؛ على أن يتم ذلك بالتوازي مع تطوير مفهوم الأمن العربي الإقليمي وتعزيزه، وليس من أجل إلغائه والبناء على أنقاضه، كما يتصور البعض، ويدعو إلى أن يكون الأمن الاستراتيجي الشرق أوسطي بديلًا أو نقيضًا للأمن العربي القائم والموجود.
  5. معالجة القضايا الرئيسة المهددة للأمن العربي والإقليمي، وفي مقدمتها: القضية الفلسطينية، بما تتطلبه من حل الدولتين لإنهاء الصراع والتوتر في المنطقة؛ وحسم النزاع السيادي على منطقة الخليج العربي، بما يرتبط به من التمدد الإيراني في بعض الدول العربية الجماعات الإرهابية؛ والتأكيد على جعل المنطقة خالية من الأسلحة النووية؛ والعمل على تحقيق التنمية الاقتصادية لدول المنطقة. على أن تكون معالجة هذه القضايا هي الهدف الرئيس لأية منظومة أمنية إقليمية ــ عربية وشرق أوسطية.
  6. إنشاء قوة ردع عربية تتولى تنفذ العمليات العسكرية والأمنية، استنادًا إلى قرارات الجامعة؛ وكذلك تأسيس بنك عربي ليصبح ذراعًا تنمويًا لعمليات التعاون العربي في مجالات التنمية والبناء.
  7. إصدار وثيقة "الأمن القومي العربي" الخاضعة للتحديث والمراجعة الدورية لتمثل مرجعية ووثيقة ترسخ حقوق والتزامات الدول الأعضاء، وتحدد المخاطر والمهددات التي تواجه الأمن والاستقرار العربي. وتعمل كآلية للحكم على سلوكيات الدول الأعضاء. وتتضمن المحرمات التي تهدد الأمن العربي الجماعي، كتقديم الدعم لطرف خارجي لارتكاب فعل العدوان الخارجي أو التدخل في الشؤون الداخلية لدول العالم العربي.

خاتمة

نختم هذه الورقة بالتأكيد على أهمية جامعة الدول العربية، ودورها المحوري في لم الشمل العربي، والعمل على حل الخلافات البينية العربية؛ فضلًا عن محاولات التصدي للتهديدات والتحديات التي تواجه الدول الأعضاء. ونشير إلى أن ما يطالب به البعض بإنهاء دورها والبحث عن بدائل أخرى لتحقيق الأمن؛ بدعوى أن الجامعة لم تحقق النجاح المنشود والإنجاز المطلوب في عديد من القضايا العربية التي واجهت العالم العربي على مدى العقود الماضة، وبخاصة ما يتعلق منها بالأمن الإقليمي؛ هو مطلب يفتقر إلى الموضوعية، لكون فشل الجامعة يعود إلى عدم وجود رغبة حقيقية وصادقة لتطوير ميثاقها؛ وافتقارها لآلية تنفِّذ من خلالها ما تتخذه من قرارات؛ ولجوء أعضائها إلى حلول قضاياهم الأمنية خارج أروقتها، إضافة لأسباب عديدة خارجية أوضحتها الورقة؛ وكلها عوامل يمكن التخلص منها، وتفعيل دور الجامعة في تحقيق الأمن العربي الإقليمي، إذا خلصت النوايا وانعقدت الإرادات العربية على ذلك.

مقالات لنفس الكاتب