array(1) { [0]=> object(stdClass)#13180 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 197

استبعاد قيام الهند بالوساطة بين روسيا وأوكرانيا و الانتخابات الأمريكية الفيصل

الإثنين، 29 نيسان/أبريل 2024

في مارس 2024م، أعلن وزيرا خارجية الهند وأوكرانيا اتفاقهما من أجل استعادة التجارة والتعاون الثنائي بين البلدين لمستويات ما قبل الغزو الروسي العسكري لأوكرانيا. وتعتبر زيارة وزير الخارجية الأوكراني إلى الهند هي الأولى لمسؤول رفيع المستوى من كييف، منذ أن بدأت الحرب في فبراير 2022م. وقد حملت الزيارة في طياتها دلالتين - أولًا، سعي أوكرانيا لعقد قمة دولية من أجل إنهاء الحرب، والتي من المُحتمل أن تجرى في سويسرا خلال الأشهر المقبلة (وفقًا لشروطها التي لم يقبل بها الجانب الروسي)؛ ثانيًا، حرص كييف على حشد الدعم لخطتها مع نيودلهي -الصديق القديم لموسكو. كذلك طرحت زيارة الوزير الأوكراني تساؤلاً مكونًا من ثلاثة محاور: هل في مقدور الهند الإسهام في إنهاء الحرب بين روسيا وأوكرانيا، وهل تنوي القيام بذلك؟ وما إذا كان ينبغي لها أن تفعل ذلك؟ والإجابة على السؤال منقسمة إلى 3 أجزاء:

"نعم، تستطيع"، "ربما تقوم بذلك"، " لا ينبغي لها".

 

وقد انعكست هذه الإجابة " المتناقضة" عبر البيان الصادر عن وزير الشؤون الخارجية الهندي سوبرامانيام جايشانكار في فبراير 2024م، بأن الهند " مُنفتحة على لعب دور الوسيط من أجل إنهاء الحرب الأوكرانية إذا ما تم التواصل معها بشأن ذلك، لكنها تعتقد بأنه لا ينبغي لها التطوع لفعل ذلك من تلقاء نفسها". وأضاف أن الهند:" لديها قناعة والتزام شديدين حيال جهود إنهاء الحرب الأوكرانية.. التي يعاني منها الجميع. ولكن لا أعلم تحديدًا متى قد تنتهي الحرب، فنحن لسنا مُلمين بكافة مجريات الأمور كي نحدد ذلك". يعد هذا الموقف مُتسقا مع حلقة أخرى في سلسلة المواقف الهندية في هذا الشأن. فأثناء انعقاد مؤتمر حوار "ريسينا" الهندي لعام 2023م، الذي يعد المؤتمر الرائد في الهند بمجال السياسة الخارجية، استضافت نيودلهي المفاوضات بين دول مجموعة العشرين، بما في ذلك اجتماع بين وزير خارجية الولايات المتحدة أنتوني بلينكن ووزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف. وفي حين أن اجتماع مجموعة العشرين الأوسع نطاقًا ومؤتمر "حوار ريسينا" ساعدا الهند على جذب الانتباه إلى القضايا العالمية مثل الأمن الغذائي والطاقة، فقد سلطا أيضًا الضوء على موقف الهند الجيوسياسي الفريد في ظل تبينها مسافة واحدة من الولايات المتحدة وروسيا. مع ذلك، اتضح أنه على الرغم من علاقات الهند الودية مع كل من الغرب وروسيا، لكنها لم تستغل كونها "أداة لبناء السلام"- في سبيل نزع فتيل التوترات بين روسيا وأوكرانيا.

 

في عام 2022م، قال رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، خلال لقائه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، على هامش قمة منظمة "شنغهاي" للتعاون التي عُقدت بأوزبكستان أن "هذا لم يعد عصر الحروب"، معربًا عن التزام بلاده حيال استكشاف الحلول السلمية. وفي العام ذاته، دعت الهند إلى "وقف القتال وإجراء المفاوضات". ولكن، مع طول أمد الحرب، ركزت الهند على الحفاظ على مصالحها الخاصة واتباع سياسة "الانحيازات المتعددة". وفي حين يواصل الغرب (بما في ذلك أوكرانيا وروسيا) إلقاء اللوم على إحداهما الأخرى، تسير الهند على حبل دبلوماسي مشدود. فهي لم توجه انتقادًا صريحًا لأي من الأطراف المعنية، لكنها نبهت، عوضًا عن ذلك، إلى أن الحرب: “تسببت في اقتناص النقاش الدائر بشأن التنمية المستدامة للجنوب العالمي". كما وجهت نيودلهي انتقادات حادة إلى الغرب بسبب "نفاقه" في عدم التعامل مع كافة الصراعات العالمية بنفس الأسلوب الذي تعامل به مع الحرب الروسية -الأوكرانية. مُستشهدة بنزاعاتها مع باكستان والصين كأمثلة للأزمات التي كان عليها أن تتعامل معها بنفسها دون تدخل أطراف خارجية.

 

وفي أكتوبر 2022م، تصدرت الجهود الدبلوماسية الهندية عناوين الصحف الدولية، بعد أن طُلب من نيودلهي التوسط عقب ما ورد بشأن تصاعد حدة القتال بين روسيا وأوكرانيا بالقرب من محطة "زابوريجيا" النووية، ونقلت التقارير الإعلامية في عام 2024 م، عن مسؤولين أمريكيين إفادتهم بأن تدخلات الزعيمين الهندي (والصيني) كان لها تأثير على قرار روسيا التخلي عن مخططها لضرب أوكرانيا بصاروخ نووي.

 

بشكل عام، تتمتع الهند تقليديًا بعلاقات اقتصادية ودفاعية وثيقة مع روسيا. وهو ما قد أثناها عن انتقاد موسكو بعد غزو الأخيرة لأوكرانيا. وبدلًا من ذلك، حثت نيودلهي الدول المتحاربة على حل خلافاتها من خلال قنوات الحوار والدبلوماسية. وفي الوقت ذاته، زادت الهند مشترياتها من النفط الروسي (المُخفض) إلى مستويات قياسية، مما جعل روسيا المورد الرئيسي للإمدادات الهندية، متفوقة على العراق والمملكة العربية السعودية. وبررت نيودلهي، من جانبها، استمرار علاقاتها مع موسكو على أساس "الاستقلالية الاستراتيجية"، وذلك نظرًا لأهمية مكانة روسيا باعتبارها مورد للطاقة والأسلحة الهندية. الأهم من ذلك، أكدت نيودلهي أن موسكو "لم تقدم بأي شكل من الأشكال على انتهاك المصالح الهندية". وأنها تشعر بأن قربها من موسكو سوف يقف حائلًا بين تطور الصداقة الحميمة بين روسيا والصين (الغريم التقليدي للهند) حتى إنه قد يعطل عودة المياه لمجاريها بين روسيا وباكستان، أصدقاء بكين.

 

هل تستطيع الهند لعب دور الوسيط؟ وهل تقوم بذلك؟

مؤخرًا، تم مناقشة الإمكانات التي تتمتع بها الدبلوماسية الهندية ومدى فعاليتها إلى جانب جهود الوساطة الهندية، وذلك في ضوء حرب إسرائيل على قطاع غزة، نظرًا إلى حفاظ نيودلهي على مسافة متساوية بين الفلسطينيين والإسرائيليين.  فغالباً ما تعتبر الوساطة – بوصفها قوة ما بعد الاستعمار - "كلمة غير محبذة" في المعجم الدبلوماسي الهندي. ونظرًا للنزاعات الحدودية الخاصة بها، فإن الهند غير راغبة في التوسط وحل النزاعات الأخرى، فضلًا عن عدم السماح للآخرين بالتوسط وحل قضاياها المُتأججة. مع ذلك، فإن الاقتصاد الهندي المتنامي تحت حكم "رجل الهند القوي" رئيس الوزراء ناريندرا مودي بمثابة محاولة متعمدة من قبل الحكومة لإظهار الثقل الدبلوماسي الذي تتمتع به. وبمناسبة التوقيع على مشروع الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا- على هامش انعقاد مجموعة العشرين بنيودلهي في أغسطس 2023م- شجع رئيس الوزراء الهندي المصافحة بين الرئيس الأمريكي جو بايدن وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان آل سعود، في أول عرض من نوعه للتقارب العلني بين القادة الأمريكيين والسعوديين. أدى ذلك بدوره إلى اقتراحات تدعو نيودلهي إلى زيادة جهود الوساطة أو استخدام "مساعيها الحميدة" - كقوة محايدة ونزيهة ووسيط السلام – لحل الأزمات العالمية.

 

وفي ديسمبر 2023م، قال المبعوث الهندي الدائم لدى الأمم المتحدة أن موقف بلاده الاستراتيجي يخول لها التعامل مع مختلف تكتلات القوى بصورة بناءة. وأضاف الدبلوماسي الهندي أن "قدرة بلاده على الإبحار في المياه الدبلوماسية المُعقدة تُبرز مكانتها كوسيط مُحتمل في النزاعات الدولية. وفي عصر يتسم بالتغيرات السريعة والتحديات المعقدة، تبرز مكانة الهند أيضًا ليس فقط كدولة ذات نسيج اجتماعي بالغ التنوع وثراء ثقافي فحسب، ولكن أيضًا كلاعب رئيسي على الساحة الدولية، يجسد مبادئ التعاون، والسلام، والاحترام المتبادل. وخلال الأعوام الأخيرة، جادلت الهند أن فلسفتها القديمة المُتمثلة في "فاسوديفا كوتومباكام" (العالم أسرة واحدة)، تضع البلاد في مكانة فريدة كلاعب مؤثر في عمليات الوساطة والتوفيق في الشؤون العالمية. علاوة على ذلك، فإن موقع البلاد الاستراتيجي، إلى جانب تاريخها في عدم الانحياز، من شأنه أن يتيح لها إمكانية التعامل بشكل بناء مع مختلف تكتلات القوى.

 

لطالما كانت فكرة الوساطة ('madhyastata') كأداة لحل النزاعات جزءا من الخطاب القانوني والنسيج الاجتماعي الهندي على مدى قرون عدة. كما تم تضمينه في الدستور الهندي باعتباره "الحل البديل للنزاعات" بموجب المادة 89 من قانون الإجراءات المدنية. كذلك أقرت نيودلهي مشروع قانون الوساطة لعام 2021م، وهي من الدول الموقعة أيضا على اتفاقية سنغافورة بشأن الوساطة. ومع ذلك، لم تقم الهند بدمج الوساطة في الممارسة العملية بسبب معارضتها لوساطة طرف ثالث في صراعاتها، وخاصة أزمة إقليم كشمير، مع باكستان. لكنها انخرطت عوضًا عن ذلك في "دبلوماسية القمة" وحاولت استخدامها كأداة لحل الصراعات. على سبيل المثال، نظمت الهند مؤتمر العلاقات الآسيوية عام 1947م، ودعمت استقلال كوريا. كما شاركت في جهود الوساطة الدولية في النزاعات خلال الأزمة الكورية في عام 1956م، وأزمة فيتنام في عام 1979م. ومنذ عام 2016م، تم استخدام مؤتمر حوار "ريسينا" الهندي كأداة لتعزيز المنظور الهندي للسياسة الخارجية على المسرح العالمي، وخاصة في قضايا مثل الأمن الدولي، والتعاون البحري، وتغير المناخ، والصحة العامة.

 

على الرغم من هذه السوابق في التاريخ الهندي، فمن غير المرجح أن تلعب الهند دورًا رئيسيًا في الأزمة الروسية الأوكرانية بسبب عدة عوامل؛ الافتقار إلى الحافز بسبب ضغط القضايا الداخلية المُلحة، وعدم توافر الوكالات والأدوات الدبلوماسية الكافية، فضلًا عن النتائج غير المحسومة، وعدم وضوح حجم المكاسب المترتبة على السلام أو الخسائر الناجمة عن استمرار الحرب. (نظرًا لشعبية مرشح الرئاسة الأمريكية دونالد ترامب وإعلانه أنه سينهي الحرب في غضون أيام من توليه السلطة، إذا تم انتخابه في سباق الانتخابات الرئاسية الوشيكة، فإن معظم البلدان، بما في ذلك الهند، يمكن أن تنظر إلى هذا باعتباره الحل الأفضل والأقل إيلامًا، حتى إذا لم يكن الأمر كذلك.)

 

هل ستقوم الهند بدور الوساطة؟

 

لقد استخدمت الهند حرب روسيا وأوكرانيا كوسيلة لسد الفجوة بين الشرق والغرب وبين الشمال والجنوب. وأخذت نيودلهي تُجري محادثات مع قادة روسيا، وأوكرانيا، والولايات المتحدة، وأوروبا بصورة منتظمة، وتُمرر الرسائل من طرف لآخر، وهو ما يدل على الاستراتيجيات الخاصة بها في إدارة جهود الوساطة وإدارة الصراع بأكثر من طريقة. ومن أجل المضي قدمًا، ينبغي على الهند بطبيعة الحال، أن تواصل الاستثمار في كافة أنماط الدبلوماسية وألا تقف موقف المتفرج المتردد. فيما يعتبر السلام والاستقرار في جميع أنحاء العالم شرطين أساسيين كي تتمكن الهند من الحفاظ على نموها الاقتصادي الراهن. وكلما تنامت القوة الاقتصادية، كلما أتت بمسؤولية أكبر تجاه الشؤون العالمية. في الوقت ذاته، ينبغي أن تتوخى نيودلهي الحذر وأن تراقب خطوات الصين التي لم تشارك سوى في عدد قليل جدًا من الصراعات حول العالم على الرغم من ثقلها الاقتصادي، والدبلوماسي، والعسكري (المصالحة السعودية -الإيرانية واحدة منها). وربما يعود ذلك جزئيًا إلى رغبة بكين في فضح مدى انحسار النفوذ الأمريكي أكثر مما يبدو عليه، والسبب الآخر هو أن بكين قامت بتقييم الحدود الدبلوماسية لمشاركتها في جهود الوساطة. 

 

وللمضي قدمًا، ينبغي للهند ألا تحاول أن تكون صانع السلام الوحيد في أي صراع، ناهيك عن الصراع بين روسيا وأوكرانيا. فيمكنها أن تكون من بين العديد من "المُستجيبين الرئيسيين" وتستفيد من سياستها الخارجية الفريدة، متعددة الانحيازات، من أجل تشجيع "دبلوماسية القمة" بهدف الجمع بين الدول ذات التفكير المُماثل، بما في ذلك تلك المتحاربة، حول طاولة واحدة لمحاولة إدارة الصراع وتسويته بين الأطراف المتخاصمة. أثناء ذلك، يتعين على الهند ودول الخليج (خاصة المملكة العربية السعودية، والإمارات، وعمان)، إلى جانب شركائهم المشتركين في آسيا وإفريقيا، استحداث طرق وأساليب "غير غربية “للتعاون والسعي من أجل السلام حيث إن جميعها تتمتع بالنوايا الدبلوماسية ذاتها، والنفوذ، والأدوات التي تخول لها القيام بذلك. كذلك يتعين عليهم العمل معًا على إيجاد أساليب غير رسمية للوساطة متجذرة في عدم التدخل، والدبلوماسية الهادئة، والمفاوضات السرية، والقنوات غير الرسمية. ويمكن لهذه الأساليب أن تسهل سبل تأمين مصالحها الوطنية الخاصة مع القيام بدور الوساطة أيضًا وتحقيق الأهداف النهائية للأطراف المتنازعة، بما في ذلك روسيا وأوكرانيا، فضلًا عن، المساهمة في إعلاء الصالح العالمي.

 

وأخيرًا، لنعود من حيث بدأنا. فإن السؤال المطروح: هل في مقدور الهند الإسهام في إنهاء الحرب بين روسيا وأوكرانيا، وهل تنوي القيام بذلك؟ وهل ينبغي لها ذلك؟

 إن الإجابة على هذه الأسئلة تتألف من ثلاثة محاور: نعم (تستطيع)، ربما يكون ذلك (ممكنًا)، لا (ينبغي لها).

وكما قال أحد الدبلوماسيين الهنود السابقين في عام 2022م: "احذروا التفاحة المُغرية للوساطة بين "روسيا وأوكرانيا... إذا تم القيام بذلك في أعقاب التحفيز الواضح من الغرب، فإن جهود الوساطة الهندية لن تفشل فحسب، بل ستكشف أيضًا المدى الحقيقي للنفوذ الهندي على الساحة العالمية".

 

ومن خلال التعاون مع الآخرين، من الممكن أن تثمر الجهود الهندية في مجملها عن نتائج مختلفة. فقد أشار تقرير إعلامي هندي صدر مؤخرًا إلى أن الهند يمكن أن تلعب دور الوسيط لإنهاء الحرب الروسية -الأوكرانية إذا ظل ناريندرا مودي رئيسًا لوزراء الهند بعد يونيو 2024م. ولكن أيًا كانت النتيجة التي ستأتي بها الانتخابات الهندية المقبلة، من غير المرجح أن تقوم الهند بدور الوساطة (سواء بشكل فردي أو في إطار جماعي). فإن الفيصل هنا هو انتخابات الرئاسة الأمريكية الوشيكة، والتي من المرجح أن تكون المحطة التالية لتحديد استمرار الحرب (أو السلام) بين روسيا وأوكرانيا.

 

مقالات لنفس الكاتب