array(1) { [0]=> object(stdClass)#13063 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 197

الشكوك في الفضاء العالمي تغري منافسي أمريكا بالجرأة ما يؤدي لكوارث تخرج عن السيطرة

الإثنين، 29 نيسان/أبريل 2024

قلنا عند اندلاع الحرب التي بدأت بالغزو الروسي لأوكرانيا بأنها من الأحداث المهمة التي سوف تغير مجرى التاريخ ليس بسبب نتائجها المباشرة بل بسبب تداعياتها الكبيرة على الأمن في القارة الأوروبية وميزان القوى العالمية.  كذلك ذكرنا في حينها بأن هذه الحرب ليست من الحروب التقليدية التي تقرر نتائجها الأحداث في ساحة المعركة لأنها من حروب الاستنزاف التي لا يراد لها نهاية قريبة، لأن استدامتها تجلب العديد من المصالح.  وقد أثبتت الأحداث ذلك كله من عدة وجوه.  لكن حدث مالم يكن في الحسبان، ألا وهو اشتعال الصراع في غزة الذي فتح جبهة جديدة أمام الداعم الرئيس للطرف الأوكراني، وهي جبهة تتقدم في الأهمية على أي قضية أخرى، ومن ضمنها أوكرانيا لذلك أعطت الحرب في غزة دفعة قوية لروسيا التي أخذت تراودها الأحلام بحسم عسكري وشيك في أوكرانيا، أو على الأقل هكذا اعتقدت إلى أن جاءت العملية الإرهابية التي استهدفت النادي الليلي في موسكو لتكون بمثابة رسالة إلى القيادة الروسية بأن هناك جبهات غير أوكرانيا يمكن فتحها إذا ما حاولت استغلال الأوضاع في فلسطين لتجاوز الحدود المقبولة على الساحة الأوكرانية. المستجدات الداخلية والخارجية في الولايات المتحدة وخارجها تستلزم وقفة مراجعة لأهم نتائج الحرب في أوكرانيا بعد مرور ثلاث سنوات على اشتعالها ومآلاتها المستقبلية وضغط الأوضاع الداخلية والخارجية في الولايات المتحدة باتجاه إنهاء تلك الحرب بأقل الخسائر.

 

النظرة الأمريكية للحرب في أوكرانيا

 

لابد من التقديم بالقول بأن أوكرانيا بحد ذاتها، لا تمثل ثقلاً كبيراً في ميزان القوى العالمية، على الأقل من وجهة نظر الولايات المتحدة.  والسبب يعود أنها تاريخيا كانت تتأرجح في ارتباطها بروسيا بحسب قوة الأخيرة وضعفها، فهي على سبيل المثال كانت جزءاً من الاتحاد السوفيتي أثناء الحرب الباردة.  هذه الأوضاع هي التي شكلت الخلفية العامة لاتفاقية هلسنكي لعام 1975م، التي رسمت الخارطة السياسية لأوروبا وتم اعتراف دول أوروبا الغربية والولايات المتحدة فيها بالنفوذ السوفيتي على دول أوروبا الشرقية.

 

هذه الحقائق لم تمنع الولايات المتحدة من اتخاذ موقف قوي من الغزو الروسي لأوكرانيا، ولم يكن ذلك من باب الدفاع عن أوكرانيا بل لأن تلك الحرب شكلت خرقاً للترتيبات الأمنية لمرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية التي أقرتها اتفاقية هلسنكي.  لابد من الإشارة هنا إلى أن روسيا تعتبر دخول أي من دول أوروبا الشرقية وبحر البلطيق في حلف الأطلسي هو مخالف لتلك الاتفاقية. تأتي أهمية اتفاقية هلسنكي والتفاهمات التي تأسست عليها، وكان من أهمها نقل الصراعات بين القوى العالمية إلى خارج الساحة الأوروبية وهي التي جعلت أوروبا تنعم بواحدة من أطول فترات السلام في تاريخها المليء بالحروب والصراعات الدموية.  فترة السلام هذه انتهت بعد عبور أول جندي روسي للحدود الأوكرانية.  المشكل الأكبر هو ليس ما يجري في الساحة الأوكرانية، بل هو عدم وجود خارطة طريق لرسم الصورة المستقبلية لملف الأمن الأوروبي لمرحلة ما بعد الحرب، وفيما إذا كانت هذه الحرب سوف تشكل نقطة البداية لعودة أوروبا إلى عادتها القديمة والدخول في دوامة الصراعات المستدامة، أو أنها سوف تكون الدافع للوصول إلى تصورات وتفاهمات بديلة عن اتفاق هلسنكي تعيد السلام إلى أوروبا.

قد يقول قائل بأن المطامع الروسية في الأراضي الأوكرانية لم تبدأ قبل ثلاث سنوات بل ظهرت أمام أعين العالم عام 2014م، عندما أعلنت روسيا ضم شبه جزيرة القرم من جانب واحد، ولم يفعل أحد شيئاً وخصوصاً إدارة أوباما-بايدن التي كانت منشغلة آنذاك بما يجري في المحيط الهادي أو على الأقل هكذا أظهرت بالإضافة إلى المواقف الباهتة التي لم تتناسب مع حجم الحدث حيث تم الاكتفاء بتعليق عضوية روسيا في مجموعة الثمانية وأصدر قرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة برفض القرار الروسي والتأكيد على احترام سيادة أوكرانيا وهي على رأي المثل العربي كانت من باب "أشبعتهم شتماً وساروا بالإبل".  لعل ردة الفعل الأمريكي هي التي فتحت شهية روسيا نحو المزيد، وربما ذلك كان مقصوداً لاستدراجها إلى المستنقع الأوكراني.

 

تتلخص النظرة الأمريكية إلى الحرب التي نتجت عن الغزو الروسي لأوكرانيا بأنها شكلت الفرصة السانحة لإعادة ترتيب الوضع الأمني في أوروبا واستنزاف روسيا، لذلك قلنا في مقال سابق في "آراء" تحت عنوان "6 سناريوهات للأزمة الروسية في أوكرانيا؛ أكثرهم توقعاً حرب الاستنزاف وأضعفهم قيام حرب عالمية" وقد ذكرنا في حينها بأن: " أوكرانيا كانت بمثابة قطعة لحم مسمومة ألقيت أمام الدب الروسي الذي التهمها دون أدنى إدراك للعواقب الوخيمة التي تنتظره."

 

هذه الصورة للحرب ترسخت بعد ثلاث سنوات دامية شهدت الكثير من الدمار، والقليل من التغيير في خطوط التماس بين الطرفين، بعد الموجة الأولى التي أدت إلى احتلال روسيا لمقاطعتي دونتسك ولوهانسك المجاورتين لروسيا. أما الآن فقد تحول الصراع إلى حرب خنادق تعتمد فيها أوكرانيا بصورة مباشرة على الدعم الخارجي الذي سوف يقرر موقفها في الحرب بصورة مباشرة، وقد أشار إلى هذه الحقيقة أمين عام حلف الأطلسي في حديث له لقناة "إيه آر دي" الألمانية في 12 مارس الماضي، شدد فيه على ضرورة الاستمرار في دعم أوكرانيا في حربها ضد روسيا التي تحولت إلى بحسب قوله إلى حرب "لوجستية وعقوبات، ولا يمكن التكهن بمجريات الأحداث على الجبهات.

أهم النتائج التي تمخضت عنها الحرب في أوكرانيا

 

تتفاوت الحروب في حجمها وآثارها المباشرة والجانبية، فعلى سبيل المثال تذكر كتب التاريخ عن حروب طاحنة بين إمبراطورتين عظميتين هما الفارسية والرومانية، وقد جرت إحداها في شمال العراق وشارك فيها مئات الآلاف من الجنود.  لكن التاريخ يذكر أنه كانت هناك حرب صغيرة جداً، تزامنت مع الموقعة الكبرى، شارك فيها وعلى طرفي النزاع حوالي ألف مقاتل فقط، وهي موقعة بدر الكبرى. لا أحد يذكر آثار الحرب الكبيرة التي انتصرت فيها الإمبراطورية الرومانية على الفارسية، لكن الحرب الصغيرة هي التي كانت لها الآثار العظيمة على مستقبل المنطقة والعالم، لأن نتيجتها شكلت بداية صعود قوة جديدة قامت بتغير موازين القوى العالمية آنذاك وورثت الامبراطورتين في فترة قياسية. 

 

ليست جميع الحروب على مستوى غزوة بدر من حيث الأثر، لكن الذي أردناه من المثال، التدليل على أن للحروب آثاراً جانبية تفوق أحياناً آثارها المباشرة في الأهمية.  والحرب في أوكرانيا هي من هذا النوع من الحروب.  فما هي أهم آثارها الجانبية التي ظهرت لحد الآن؟

  1. عودة الحياة في حلف الأطلسي وتوسيع نفوذه من خلال انضمام السويد وفنلندا: هذه الحرب قامت تحت ذريعة عدم السماح لحلف الناتو من الاقتراب من الحدود الروسية، لكن النتيجة هي أن الناتو الذي أُبعد بعض مئات الكيلومترات في جبهة أوكرانيا، اقترب آلاف الكيلومترات بانضمام فنلندا إلى الحلف وهي التي تمتلك حدوداً مع روسيا يبلغ طولها 1309 كم بالإضافة إلى السويد.
  2. استنزاف روسيا وإضعاف دورها الأوروبي: كان ينظر إلى الجيش الروسي على أنه ثاني قوة عسكرية في العالم بعد الولايات المتحدة، لكن الحرب أثبتت وبشكل واضح أن تلك الصورة كانت أقرب إلى الخيال منها إلى الواقع، فلم يستطع ذلك الجيش الكبير دحر الجيش الأوكراني، الذي لا يمتلك القدرات الهجومية، لا بل أن الجيش الأوكراني كان الأكثر تنظيماً من الجيش الروسي الذي كان متوقعاً أن يجتاح أوكرانيا من شرقها إلى غربها في أيام، وليس أسابيع. لكن ذلك كله تبخر وتحولت الحرب إلى حرب استنزاف دخلت عامها الثالث من دون تحقيق أي من الطرفين نتائج حاسمة، كذلك أصابت الحرب العلاقات الروسية-الأوروبية، التي كان أساسها الأول موارد الطاقة الروسية لأوروبا، في مقتل، وانتهت أكبر المبادرات التي كانت تنذر بإحداث تغيير جذري في العلاقات الروسية-الأوروبية مثل خط نورد ستريم الذي تم تفجيره في المراحل الأولى للحرب.
  3. رسالة إلى الصين حول الثمن المحتمل لغزو تايوان
  4. المكاسب العسكرية وذلك من خلال تطوير تقنيات حديثة، حيث تعتبر الحرب في أوكرانيا حرب الطائرات المسيرة بامتياز بسبب التوسع الكبير في استخدامها، كذلك أبرزت الحرب الدور الكبير لاستخدام الوسائل السيبرانية والمعلوماتية، هذا بالإضافة إلى التطور الكبير في التعاون الاستخباراتي والتنسيق العملياتي بين قوات الدول المنضوية في حلف الناتو.
  5. إعادة بناء القدرات العسكرية الهجومية في ألمانيا واليابان.

 

تفجيرات موسكو هل تنذر بفتح جبهة داخلية لاستنزاف روسيا؟

 

هز موسكو تفجير إرهابي استهدف أحد الملاهي الليلية مساء يوم الجمعة 22 مارس الماضي، وقد أعلنت لجنة التحقيقات الروسية أن ما لا يقل عن 143 قتلوا في الهجوم، ونبهت إلى أن عدد القتلى مرشح للارتفاع، بالإضافة إلى إصابة حوالي 150 شخصًا. يشار إلى أنه تم الإعلان عن اعتقال المسلحين الأربعة الذين نفذوا الهجوم قبل أن يتمكنوا من عبور الحدود إلى أوكرانيا. أثار الهجوم وتوقيته العديد من التساؤلات حول الغاية والمستفيد من العملية، ومما زاد في الشكوك مسارعة الحكومة الأمريكية إلى تأكيد مسؤولية تنظيم الدولة الإسلامية المعروف بخراسان عن الحادث.  الحكومة الروسية سارعت إلى تغيير الوجهة وتحويلها باتجاه أوكرانيا والدول الغربية، رغبة منها في استغلال الغضب الشعبي في حشد الجهود وراء الحرب في أوكرانيا، والتي قد تستخدم في تبرير هجوم واسع في أوائل الصيف القادم تكون الغاية منه إحداث تغيير كبير في وجهة الحرب والضغط على أوكرانيا للتفاوض حسب الشروط الروسية.   

 

الأوضاع الداخلية في أمريكا وانعكاساتها على الحرب في أوكرانيا

 

الانقسام الحاد الذي تشهده السياسة الأمريكية بين الحزبين الجمهوري والديموقراطي، انعكس على الموقف من الحرب في أوكرانيا، فالحزب الجمهوري الذي أعاد تشكيله دونالد ترامب بصورة جذرية ومختلفة تماماً عما كان عليه قبل وصوله إلى الرئاسة قبل ستة أعوام، أصبح يقف على قاعدة فكرية يمنية تمثل توجهات أقلية بيضاء عنصرية متشددة في نظرتها الدينية، لذلك تخلى معظم أعضاء الحزب عن البراغماتية القديمة التي استبدلت بمواقف متصلبة ترفض وتعاقب من يقوم بالتعامل بالطريقة القديمة.

يشكل الموقف من الحرب في أوكرانيا، واحداً من القضايا التي يصعب التوفيق فيها بين الطرفين، ففي حين يقف الحزب الديموقراطي وراء سياسة بايدن الداعمة لأوكرانيا وحلف الناتو، نرى أن الحزب الجمهوري، خصوصاً الجناح المتشدد فيه، يرفض ذلك بشدة ويتخذ موقفاً قريباً من الموقف الروسي، أو على الأقل يدعو إلى عدم التدخل في الحرب في أوكرانيا، ولذلك عندما تقدمت إدارة بايدن بمشروع لتقديم الدعم العسكري لإسرائيل وأوكرانيا أواخر العام الماضي، رفض مجلس النواب المشروع وصوت على تقديم الدعم لإسرائيل دون أوكرانيا.

دعوة النائبة الجمهورية عن ولاية جورجيا ماري تايلر غرين، التي تعتبر من أكثر أعضاء الكونغرس إثارة للجدل بسبب مواقفها المتطرفة، لإقالة رئيس مجلس النواب مايك جونسون الذي يمتلك أغلبية قليلة جداً في مجلس النواب تجعل منه منقاداً لأصوات الأقلية المتشددة في حزبه، لأن تلك الأقلية يمكن أن تحجب عنه الثقة وتجبره على الاستقالة كما فعلت بسابقه، كيفين مكارثي، وذلك من خلال التصويت مع الأقلية الديمقراطية.  هذا الوضع جعل من رئيس المجلس في وضع لا يحسد عليه، فهو إما أن يستجيب لآراء المتشددين في حزبه، أو أن يلجأ إلى طلب العون من الديمقراطيين لإفشال أي تصويت بحجب الثقة، ولذلك لوح بعض الديمقراطيين بأنهم على استعداد لمد يد العون لقيادة مجلس النواب في حالة الحصول على بعض التنازلات ومن أهما تمرير مشروع قرار مساعدة أوكرانيا.

 

هل استنفذت الحرب في أوكرانيا أغراضها؟

تشير الدلائل إلى أن الستار يوشك أن يسدل على الحرب في أوكرانيا بعد أن استفذت جميع الأغراض منها أو على الأقل أغلبها ومن أهم تلك الدلائل انشغال الولايات المتحدة بالحرب في غزة وتوجيهها لمصادر السلاح إلى تلك الجبهة بدلاً من أوكرانيا كذلك الانقسام الداخلي الأمريكي حول الحرب في أوكرانيا وموقف الأغلبية الجمهورية في مجلس النواب المعارض لها, هذا بالإضافة إلى الحسابات المتعلقة بنتائج الانتخابات الرئاسية الأمريكية حيث تدل المؤشرات إلى تدني احتمال إعادة انتخاب بايدن الأمر الذي يمنح بوتين قوة دفع بإطالة أمد الحرب إلى ما بعد الانتخابات أملاً في فوز ترامب الذي سوف يكون على أتم الاستعداد لتقديم تنازلات كبيرة لروسيا مقابل إنهاء الحرب. 

هذه الحقائق ومنها الوضع على الأرض في أوكرانيا والحسابات الداخلية الأمريكية دفعت بمدير وكالة المخابرات المركزية ويليام بيرنز إلى التصريح في وقت سابق بأن أوكرانيا من دون مساعدة عسكرية إضافية من الولايات المتحدة قد تجد نفسها في غضون عام في وضع قد تضطر فيه إلى بدء مفاوضات السلام مع روسيا بشروطها. وقال بيرنز: "إن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مهتم بالمفاوضات حيث يمكنه إملاء الشروط. أعتقد أنه بدون تقديم مساعدة إضافية هذا هو المستقبل الذي ينتظر أوكرانيا بعد عام من الآن".

هذه النتيجة ليست سيئة جداً بالنسبة للولايات المتحدة لأنها حققت ما تبغيه من الحرب ولم يعد في تلك الحرب ما تعطيه، ثم إن هذه النهاية، إن تحققت فإن من شأنها أن تمنح زخماً للتهديد الروسي لأوروبا، وهذه تشكل مصلحة أساسية بالنسبة لوجود حلف شمال الأطلسي والمظلة الأمنية الأمريكية على أوروبا الغربية. 

روسيا من جانبها تعد لهجوم كبير في أول فصل الصيف حيث وقع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مرسوما بشأن التجنيد العسكري سيتم بموجبه استدعاء 150 ألف مواطن لأداء الخدمة العسكرية الإلزامية، وهي التي قد تفسر على إنها خطوة في سبيل الاستعداد للهجوم الصيفي.  الولايات المتحدة ومن ورائها دول حلف الأطلسي لن تسمح بانتصار روسي كبير، لذلك سوف تقوم بتقديم بعض المساعدات التي تبقي على الوضع الراهن وتلجئ الطرفين إلى مائدة المفاوضات وعلى أساس حدود 2022م، التي لا تشمل شبه جزيرة القرم، وبعض التنازلات الأخرى التي قد تشمل إحداث تغيير سياسي في أوكرانيا والاعتراف بأوكرانيا المحايدة، وهو ما يعد انتصارًا لروسيا.

الوضع الأمني في أوروبا: عودة على بدء

 

القضية الأهم التي فجرتها الحرب في أوكرانيا هي ملف الأمن الأوروبي.  يعود السبب إلى أن الأوضاع الأمنية في أوروبا كانت تمر بمخاض صعب قبل بداية الحرب في أوكرانيا، تعود أسبابه إلى حالة الشد والجذب في هذا الملف الخطير أثناء رئاسة دونالد ترامب، الذي هدد الدول الأوروبية مراراً وتكراراً بنيته بإعادة النظر في مجمل العلاقة الأمنية مع أوروبا تحت ذرائع متعددة منها حث أوروبا على زيادة الإنفاق العسكري، كذلك دعمه الواضح لمبادرة حكومة المحافظين في بريطانيا التي أخرجتها من الإتحاد الأوروبي.  هذه المواقف، التي جاءت لتصب الزيت على النار التي أشعلتها إدارة أوباما من خلال إعلانها عن سياستها الغامضة التي سمتها "الميل نحول المحيط الهادي".  هذه المواقف أثارت الرعب في أوروبا ودفعت بالعديد من القوى الأوروبية وفي مقدمتها فرنسا إلى طرح مبادرات لإعادة تشكيل المنظومة الدفاعية الأوروبية من خلال الاعتماد على القدرات الذاتية وبناء قوة عسكرية أوروبية بقيادة فرنسية-ألمانية.  لكن انتصار بايدن في الانتخابات الماضية منح أوروبا فسحة من الأمل بتجديد الموقف الأمريكي في أوروبا، ثم جاءت الحرب في أوكرانيا وهي الفرصة التي استغلتها الإدارة الأمريكية للدفع بقوة في اتجاه تقوية حلف الأطلسي وعودة الاهتمام الأمريكي بالأمن في القارة العجوز.

 

لكن حصل مالم يكن بالحسبان على الجبهتين الخارجية والداخلية في الولايات المتحدة التي أفرغت التقدم الذي حصل في السنوات الثلاث الأخيرة من محتواه، وأعادت السيناريو الأسوأ بالنسبة لأوروبا إلى الواجهة.  فعلى الجبهة الخارجية جاءت الحرب في غزة التي استقطبت جميع الجهود السياسية والعسكرية الأمريكية وجزءاً كبيراً من الجهود الأوروبية خصوصاً ألمانيا وبريطانيا، بعيداً عن الساحة الأوكرانية، لذلك بدأت أوكرانيا تشعر ومن ورائها العديد من الدول الأوروبية أن الأمن الأوروبي ليس أولوية الولايات المتحدة مقارنة بأمن إسرائيل مثلاً.  

إذا لم يكن ذلك كله كافياً، فهناك شبح عودة دونالد ترامب إلى الرئاسة نهاية العام الحالي.  هذا الأمر أصبح هاجساً للدول الأوروبية التي لا تدري ما لذي سوف يفعله ترامب في اليوم الأول بعد استلامه منصب الرئاسة، وعلى الرغم من أنه لا أحد يعلم بذلك، وربما ترامب نفسه لم يفكر بذلك لحد الآن، إلا أن الحد الأدنى من التوقعات تكفي لتشكيل سيناريو رعب بالنسبة لأوروبا.  ذلك أن أبسط الأمور سوف تكون اعتراف ترامب بالحدود التي تريدها روسيا والتي تشمل ضم شبه جزيرة القرم وإقليم دونتسك وخيرسون ولوهانسك، وربما أكثر من ذلك.  هذا بالإضافة إلى التقارب مع روسيا وتقليل الاهتمام الأمني بأوروبا تحت ذريعة الاهتمام بالداخل الأمريكي. 

 

المشكل في الأمر هو ليس حول طبيعة المواقف التي من الممكن أن يتخذها ترامب فيما إذا فاز بالرئاسة، لكن الأخطر في الموضوع هو أن السياسة الأمريكية والتزاماتها الخارجية، ليس في القضايا الجانبية، بل حتى القضايا الأساسية التي تتعلق بالأمن والسلم العالمي، أصبحت موضع شك وعرضة للمزايدات والتقلبات مع الوضع السياسي الداخلي، وهي التي كانت في حصانة منه في الماضي القريب.  هذه القضية على درجة كبيرة من الأهمية ليس بالنسبة لأوروبا فحسب بل تشمل جميع دول العالم التي تعتمد على المظلة الأمنية الأمريكية وهي كثيرة جداً، ومنها بالطبع دول المنطقة.  وليت الأمر يقف عند هذا الحد، لكن الأسوأ الذي يمكن أن يحصل نتيجة وجود مثل هذه الشكوك في الفضاء العالمي بأنها قد تغري البعض من منافسي الولايات المتحدة بالجرأة على تحدي موقفها في بعض الجبهات العالمية والتي قد تؤدي إلى اشتعال حروب أو كوارث عالمية تخرج عن حدود السيطرة.

مقالات لنفس الكاتب