array(1) { [0]=> object(stdClass)#13180 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 198

الصين تتحاشى "الاحتواء" وقوة نووية تنمو اقتصاديًا بينما الاتحاد السوفييتي لم ينم

الأربعاء، 29 أيار 2024

في 23 مارس 2018م، شرعت إدارة ترامب أول جدول فرض رسوم وضرائب على السلع المستوردة من الصين بقسمة 34 مليار دولار، ثم تبعها جدول ثاني بقيمة 16 مليار دولار، وثالث بقيمة 200 مليار دولار. وبذلك يكون ترامب قد نفذ ما كان قد آثاره في حملته الانتخابية حول موقفه من العلاقات الأمريكية-الصينية. وتعد هذه القرارات، التي يغلب عليها الطابع الاقتصادي في ظاهرها، بداية انعطاف شديد في العلاقات الصينية ـ الأمريكية، وانتكاسة حادة وفاتحة مرحلة توترات في العلاقات بين القوتين الكبيرتين السائدتين في النظام الدولي منذ نهاية الحرب الباردة ذات انعكاسات جيوبوليتكية وجيواقتصادية وجيواستراتيجية على البيئة الدولية والإقليمية.

لقد شاع التفاؤل في السنوات المبكرة من بعد نهاية الحرب الباردة أن الصين التي تبنت الإصلاحات السياسية واقتصاد السوق سوف تنخرط وتندمج وتتكامل مع النظام الاقتصادي العالمي وأن تحرر الاقتصاد الصيني بما يفضي إلى دمقرطة النظام السياسي. وقد مهدت الولايات المتحدة السبيل أمام الصين في نهوضها الاقتصادي. ولم تحسب الولايات المتحدة أن تصبح الصين عثرة في طريقها إلى التفوق والتسيد والهيمنة والقيادة للنظام الدولي في عملية بناء النظام الدولي القائم على منظومة القيم والمعايير الأمريكية-الغربية في الليبرالية-الديمقراطية-اقتصاد السوق، بعد أفول الحرب الباردة وتفكك الاتحاد السوفييتي وهجوع الأيديولوجيات.

ومع النهوض الاقتصادي السلمي للصين لاحت بوادر ومكامن التننافس بين القوة المهيمنة والقوة البازغة. وتدبرت إدارة كلنتون الأمر في التوفيق بين مقاربتين: التنافس والتعاون المحدود. ولم يكن في وسع إدارة بوش إدامة تلك السياسة، بل أن "الحرب العالمية على الإرهاب" وغزو االعراق كانت لها الأولوية وليس التصدي لنهوض الصين الذي ولج مرحلة ما بعد العافية الاقتصادية إلى مرحلة الازدهار. وبعد السيطرة في أفغانستان واحتلال العراق والهيمنة في الشرق الأوسط والحضور العسكري في آسيا الوسطى، انتبهت إدارة بوش إلى القوة البازغة. وجاء الانصراف إليها كهدف استراتيجي في إدارة أوباما.

فلقد أميط اللثام عن مكامن القوة الشاملة للصين. اندماج في العولمة. تزايد في معدل النمو. ارتفاع في حصة في التجارة العالمية. وتحديث وتوسع وتطوير في القدرات العسكرية. الخروج من موقف الفاعل الحذر والعزوف عن النزول إلى الميدان واستئثار والوقوف عند خط المراقبة إلى الدور الفاعل إقليميًا وعالميًا. ففي آسيا صاغت الصين منظمة شنغاهي للتعاون بالتكاتف مع روسيا وبذلك أقصت الولايات المتحدة من دور في إقليم استراتيجي وطاقوي. وفي جنوب شرق آسيا انخرطت في شبكة علاقات شراكات تعاون اقتصادية قيدت فيها روافع الولايات المتحدة في الضغط على دول الإقليم للحد من التعاون مع الصين. وفي الشرق الأوسط اقتربت الصين اقتصاديًا وأصبحت سوقًا ذا آفاق يتزايد فيه الطلب على الطاقة وليصبح بديلاً لنفطه ويقلل من الاعتمادية على السوق الأمريكية، هذا من جهة، ومن جهة أخرى لتنخرط الصين في سياسة الشرق الأوسط كفاعل إيجابي وهو الأمر الذي ييسر بيئة توازن فيه بعدما انكمش دور روسيا.

وحسم تحديد المحور الجيوبوليتيكي والجيواقتصادي والجيواستراتيجي لصالح الفضاء الآسيوي-الهادئ، ومن بعده المحيطين الهادئ-الهندي في العقد الثاني ما بعد الحرب الباردة. وخلفت الصين دور الاتحاد السوفييتي في الإدراك الاستراتيجي الأمني والتنافس والصراع العالمي الأمريكي. واختزل الواقع الجديد في رمز خطاب أيديولوجي وسياسي واقتصادي وعسكري أمني " التهديد الصيني." وأودع في إطار عقيدي استراتيجي " التمحور في الشرق." وهبت رياح التوترات في العلاقات الأمريكية -الصينية وتسارع الانحدار في صوب التنافس على حساب التعاون. وأعيد البريق إلى إرث الحرب الباردة 1947-1991م، في صوغ استراتيجية " احتواء" الصين. وتدافعت المشاهد الأيديولوجية والصيغ الاستراتيجية على صعدها ومجالاتها الثنائية والإقليمية والدولية كافة لردع ومنع الصين من فرص إعاقة استدامة التفوق والهيمنة الأمريكية.

البعد الاقتصادي-التجاري للاحتواء

وتمثل المواجهة التجارية في إدارة ترامب الانعطاف الحاد في اتجاه التوترات وتصاعد التنافس والاقتراب من المواجهة ودالة صارخة إلى القلق من أن الصين قد اخترقت وفلتت من أطواق الاحتواء الأيديولوجي والسياسي والعسكري والاقتصادي والإعلإمي والنفسي. وحصلت القناعة أن " وصفة" جورج كينان في 1948م " الأب الروحي لاستراتيجية الاحتواء" في مواجهة الاتحاد السوفييتي لا تجدي نفعاً، على الرغم من صدقية الدرس التاريخي لها.

ولقد مهدت إدارة ترامب إلى خيارها الاقتصادي-التجاري في التنافس والمواجهة مع الصين بحملة خطاب سياسي فيه حشد من الذرائع تفيد بأن الصين هي الملامة والمتهمة فيما يحل بالولايات المتحدة. وليس هذا بالأمر الجديد. فيجري في الجدل في السياسة الأمريكية وبين صناع القرار الدعوة إلى سياسة الحماية الاقتصادية في التغلب على الخصوم. ففي عهد إدارة ريغن كانت اليابان هدف الدعوة إلى الحماية الاقتصادية. واليابان حليف وليس خصم. وقد أحاط ترامب نفسه بمستشارين ممن يدعون إلى الحماية الاقتصادية، الذين رسخوا عنده القناعة بأنه قادر على الإتيان بالصين مذعنة لشروط الولايات المتحدة، ذلك بما يتحلى به من مهارة عقد الصفقات الناجحة.

وشكا واتهم ترامب في حملته الانتخابية أن العجز في الميزان التجاري للولايات المتحدة يعود إلى السياسة التجارية للصين. وقد وصفها بأنها " تغتصب" وقوله " إننا سوف لن نسمح للصين في الاستمرار في انتهاكنا". وأن الصين هي " المنافس" و" الخصم". وأنها " مسؤولة عن أكبر سرقة في العالم" ويزعم" أن الحروب الاقتصادية حميدة ومن السهولة بمكان الظفر فيها". ورأى أن إنجاز هدفه المركزي " أمريكا أولاً" لن يكتب له النجاح ما لم يستعيد الاقتصاد الأمريكي عافيته في مجالات تكنولوجية وصناعية وخلق فرص عمل وعودة النشاط إلى بعض الصناعات الأساسية.

وأتخذ ترامب من أرقام العجز في الميزان التجاري بين الولايات المتحدة والصين شاهدًا على زعمه. وأشار إلى أن الصين تتبع سياسة تجارية غير عادلة على حساب أمريكا والاقتصاد العالمي. فالصين تأخذ بمقاربة الدعم الحكومي للصناعات وللتصدير والاستثمار لصالح القدرة التنافسية الصينية وعلى حساب شركائها. وأن الصين تشرع الإجراءات المقيدة للاستثمار فيها والتصدير إليها. واتهم ترامب الصين بأنها تسرق الإبداع الفكري التكنولوجي الأمريكي، وأنها لا تحترم وتلتزم بقوانين حماية حقوق الفكر. وتستغل دور الجامعات الأمريكية التي يدرس فيها الصينيون. وتخترق الصين قواعد المنظمات الدولية كمنظمة التجارة العالمية. وإن الصين بسلوكها هذا تمثل تهديدًا للأمن القومي للمصالح المريكية. وجاءت وثيقة استراتيجية الأمن الأمريكي 2017م، تفوح بهذه المقدمات.

الطعن في صواب الحرب التجارية

ولا يوجد توافق بين الدارسين بشأن هذا التعليل لواقع العلاقات الاقتصادية بين الصين وأمريكا. فالمحافظون واجنحة في الحزب الجمهوري والشركات والصناعيين يذهبون مذهب ترامب، وآخرون لا يجنحون إلى الأخذ بأن الحماية التجارية وفرض الرسوم الجمركية على الاستيراد من الصين سوف تفضي إلى تعافي الاقتصاد الأمريكي من " داء " العجز المالي. إن العجز في الميزان التجاري مع الصين ليس سوى واحد من بين آخر مثل المكسيك واليابان وألمانيا وفيتنام وسواها. وإن العجز له صلة بالعجز في الميزانية الفيدرالية التي لا تتأثر فقط بمعادلة التصدير والاستيراد، بل إنها في الأساس تقوم على قاعدة الإنفاق الحكومي والتصدير والخصائص الهيكلية الاقتصادية. وأن العجز في الميزانية الفيدرالية حقيقة تاريخية من السبعينات من القرن المنصرم.

وعلى العكس من القول إن فرض الرسوم الجمركية على السلع الصينية سوف يخفض من حجم العجز، بل إنه قد تصاعد. وصحيح أن فرض الرسوم يلحق ضررًا بالطرف الهدف، بيد أنه قد يلحق بصاحبها كذلك وقد يكون ضررًا أكبر وهذا ما جرى لأمريكا. فقد انخفض الإنتاج المحلي الأمريكي 2.6% في مقابل 3.6% للصين. وأثرت 18% على الاستيراد من الصين وعلى 11% من الاستيراد من أمريكا. وإن انعكاستها السلبية ليس على المتحاربين وحسب بل على أطراف أخرى شركاء في الاقتصاد والتجارة العالمية، على الرغم من أن بعض الاقتصادات تنتفع كونها تصبح البديل أو المكمل. وأكدت دراسات تلك العواقب السلبية على إجمالي الإنتاج المحلي للصين وأمريكا. وشخصت الانخفاض في معدلات النمو في التجارة العالمية وفي إجمالي الإنتاج للتجارة العالمية وفي معدلات وجبهات الاستثمار الدولي، والتي يصيب ضررها اقتصادات دول نامية. وتعطل الحرب التجارية عملية التكامل الاقتصادي الدولي وشراكات التعاون الاستراتيجية.

ولا ينبغي إغفال الهوس النفسي لترامب من إرث إدارة كلنتون، وخاصة أوباما. فقد أفرط وتخطى الكياسة في خطابه السياسي وعمل معوله في هدم وتفكيك كل ما له صلة بهما في سياق التعاون الدولي والشراكة التعددية الإقليمية والتكامل الاقتصادي والاندماج العولمي مثل الشراكة عبر المحيط الهادئ ومنطقة التجارة الحرة لأمريكا الشمالية. ولذلك يسعى إلى انسحاب أمريكا من المنظمات الإقليمية للتعاون الاقتصادي ويرى أنه ينبغي إعادة صياغة شروطها بما يخدم المصالح الأمريكية.

ويرى المتحفظون على نهج ترامب في فرض الرسوم الجمركية وخوضه منازلة حرب تجارية مع الصين بأنها ذات أهداف سياسية انتخابية لإرضاء المصالح الزراعية والزعم بأنها ستخلق فرص عمل جديدة، ولهذا يطالب بعودة النشاطات الأمريكية من الصين إلى البيت الأمريكي. ويغفل ترامب ومناصروه الحقائق الميدانية لاقتصاد الصين في سباقها مع الولايات المتحدة. فالصين ليس الاتحاد السوفييتي وليس اليابان، بل ليس كألمانيا. وقد حذرت ميركل ترامب من مغبة فتح جبهات أخرى لفرض الرسوم الجمركية. أما اليابان فهي لا روافع لديها كما للصين في الرد على أمريكا.

فقد شرعت الصين في فرض رسوم على بعض السلع الزراعية والكيميائية والتكنولوجية، واستعدت للتفاوض ونصحت بأن تكون تسوية الخلافات بالطرق الدبلوماسية لا المواجهة الاقتصادية-التجارية أو بروح الحرب الباردة. واتخذت خطوات عملية في توسيع الاستيراد والإصلاحات في القطاع المالي والاستثمار.

من التنافس إلى العداء

لقد كان للتحول من التوترات الاقتصادية-التجارية إلى الحرب التجارية كبير الأثر على العلاقات الثنائية بين القطبين لما بعد الحرب الباردة، ذلك أنها تعكس الانتكاسة في الثقة الاستراتيجية بينهما وهي من أهم أركان الاستقرار الاستراتيجي في النظام الدولي، وعلى وجه الخصوص في العلاقات الاقتصادية التي بلغت مستوى اللاعودة من الاعتمادية الاقتصادية المتبادلة. وكان يخشى أن يقع الفصل بينهما. ويؤل ذلك إلى ركود في الاقتصاد العالمي وتراجع في التنمية العالمية لفترة طويلة. وقد اتهم ترامب الصين في التدخل في الانتخابات الأمريكية، ونعت الطلبة الصينيين في الجامعات الأمريكية بأنهم جواسيس، وفُرضت قيود على منح التاشيرات. وتناقصت مساحة العلاقات ما بين شعب-شعب. ومن جهتها فإن القيادة الصينية بدأت تحمل تصريحات ترامب، ليس على محمل الانفلات بل إنها ممنهجة للتأثير على سمعة وهيبة الصين في السياسة الدولية التي بلغت منزلة عالية من الصدقية وأنه يحاول الطعن في شرعية ما تأخذه من مواقف. فبات الإدراك، كما يبوح به الخطاب السياسي، يتجلى في معالم علاقات ثنائية ليس بين قوتين متنافستين بل بين عدوين لدودين.

من العداء إلى الحرب الباردة الثانية

وعلى الرغم من أن التصريحات الرسمية لا تأتي على حرب باردة جديدة أو ثانية، كتلك التي كانت، إلا أن عواقب الحرب التجارية بين أمريكا والصين لم تقتصر على مجالات العلاقات الثنائية، كما حسب كثيرون في بادئ الأمر، بل تخطتها إلى الساحات الدولية وقضايا عديدة متنوعة في مجالات سياسية واقتصادية وأمنية وأيديولوجية. فقد جاء الرئيس شي في أكثر من مناسبة ومن منابر مختلفة على موقف الصين بأنها " لا تريد حرباً باردة أو ساخنة مع أي طرف". ومن جهته، فإن بايدن أشار إلى أن الولايات المتحدة والجميع يكونون في حالة أفضل مع ما تحققه الصين من تقدم.

وعند تفكيك سياسات الطرفين فإن المحلل لا يمكنه نكران أن الحرب التجارية دالة بارزة على أن السياسة العالمية قد ولجت مرحلة حرب باردة ثانية لها من السمات ما كان في الأولى.

 يحاجج البعض أن الحرب الباردة الأولى كان لها ركن أيديولوجي صلد ومتماسك في البنية العقيدية للماركسية-اللينينية وترجمها الاتحاد السوفييتي. ومع نهايتها هجعت الأيديولوجية. وأن ليس هناك قوة عظمى ذات أيديولوجية تبشر بأيديولوجية مضادة غير الليبرالية-الرأسمالية التي تذيعها الولايات المتحدة – الغرب.

إن ما يجري من سجال عقيدي بين أمريكا-الغرب والصين ومعها مناصريها مثل روسيا وحشد من دول بازغة، بل حتى من شركاء أمريكا كالهند، يندرج تحت التنافس الأيديولوجي. تنافس بين منظومتي قيم ومعايير يهتدي بها المجتمع الدولي ويدار من خلالها النظام الدولي. منظومتان لا علوية فيها ولا إملاء ولا تسامي لإحداهما على الأخرى. وترفض الصين خطاب حقوق الإنسان الغربي. وتراه تدخلاً في الشؤون الداخلية. وتذود عن الهوية العقيدية-الثقافية للشعوب. وتدعم رأسمالية الدولة.

ويشار إلى أن البيئة الاستراتيجية لما بعد الحرب الباردة يغيب فيها التكتل الأمني العسكري والتحالفات الدفاعية والتقسيم الجيوبوليتيكي لفضاء الأمن الكتلي والتمحور عند قطب نووي متفوق. فليس هناك غير ناتو واحد. وفي واقع الحال هناك عملية بناء تحالفات إقليمية الحدود الجغرافية وعالمية الأبعاد. وتستهدف قوة كبرى أساسية في النظام الأمني العالمي. صحيح ليس للصين وروسيا حلفاء عسكريون -أمنيون. وإن منظمة شنغهاي للتعاون وبركز ليس لهما حلف عسكري ظهير كذك الذي للاتحاد الأوروبي. لقد عززت إدارات أوباما وترامب ومن بعدهما بايدن النزعة التحالفية الكتلية. لقد دفعت واشنطن في اتجاه التكتل في الفضاء الآسيوي-الهادئ لتستكمل مع الطوق العالمي الأطلسي-الأوروبي. فقامت ببناء الجدار الرباعي أمريكا-استراليا-اليابان-الهند. والهدف الصين. وتبعته بالتحالف الانجلو/ سكسوني للمحيطات الثلاثة الهادئ-الهندي – الأطلسي تحت خيمة " أوكوس". والهدف النفوذ الصيني.

ويرى البعض أن ليس ثمة إدراك بوجود تهديد للوجود الأمني في العلاقات بين أمريكا والصين. إن الخطاب السياسي الأمريكي والصيني على صعد مقامات السياسة العليا والتشريع والجدل الفكري تفوح بالتنبيه إلى أن التنافس ليس" لعبة كرة المضرب ودية "، كما يصفها بعض رجال الكونغرس الأمريكي، بل هي تهديد للوجود القيمي والمعياري لأمريكا. وإن هدف الصين ليس " اللحاق" بأمريكا بل " إقصاؤها" أو " أزاحتها؟ وتدرك بكين أن أمريكا تهديد لها لحرمانها من النهوض. إنه لإدراك السبق لأحدهما على الآخر بل للتسيد.

ولقد اتسمت الحرب الباردة الأولى بسباق التسلح ولم يتوقف التسابق فيه. فالإنفاق على التسلح بلغ ذروته العليا. فقد أنفقت أمريكا 916 مليار دولار في 1923م، أي 40% من الإنفاق العالمي. وأنفقت الصين 230 مليار دولار في 2022م. وتراقب أمريكا التحسين والتحديث والتوسع في القدرات العسكرية الصينية. ومثلما كان السباق لنزول البشر على القمر في مطلع الستينات أصبح الآن الفضاء والمريخ.

ولا يشفع القول إن النزاعات غير محتملة بين القوتين أو القوى الكبرى في الأقاليم، فقد وقعت في يوغسلافيا في 1995م، وهي اليوم في أكرانيا، في الحرم الأوروبي المنيع. وقد تقع في بحر جنوب الصين بسبب تايوان. فالصين لن تكف عن المطالبة بها ومثل ما كسبت هونك كونك فإنها عازمة على أن تستعيد تايوان. وتشير التقارير إلى أن الصين قد تذهب إلى الخيار العسكري وليس القضم التدريجي. وقد ردت أمريكا على نيات الرئيس شي فأكد بايدن في أكثر من مرة أن أمريكا سوف ترسل قوات للدفاع عن تايوان. فهل نحن أمام "أزمة الصواريخ الكوبية" 1962م.

وصفوة القول إن السياسة الدولية قد ولجت إلى الحرب الباردة الجديدة أو الثانية، ليس من بوابة واحدة. والحرب التجارية التي قد تنتهي إلى حل وسطي. وهي الخاتمة الراجحة، أو أن تتعمق وتتسع وتفيض آثارها السلبية على الأقاليم والعالم من بين تلك البوابات.

والرأي عندي أن الصين لن تجيز لأمريكا أن تموهها وتطبق عليها منطق الاحتواء في الحرب الباردة الأولى. فلقد أعابت القيادة الصينية على القيادة السوفييتية أنها لم تدرك جيداً ولم تتحاش فن استراتيجية الاحتواء. ولعل تشكي وحسرة الرئيس بوتين على إثم الخطأ الكبير في دفن الاتحاد السوفييتي بأيدي سوفيتية جرس منبه للقيادة الصينية. عن حظوظ الصين في النجاة أكثر. ولا ملامة تقع على قيادات الكرملين. فالصين نووية، وقوة رادعة. والصين تنمو، ولم ينم الاتحاد السوفييتي. أمريكا ارهقت السوفييت في النزاعات الإقليمية وكان آخرها أفغانستان. والصين شديدة الحذر في التورط. والصين لديها روافع ذات أثقال في التأثير على أمريكا لم يكن للسوفيت نظيرها. أمريكا والصين قوتان صامدتان في النظام الاقتصادي العالمي. والصين يتوسع نفوذها ودورها سلميًا. والصين لها مبادرة الحزام والطريق. والصين يدنو منها الآخرون، حتى حلفاء أمريكا كالاتحاد الأوروبي. إن الصين قطب مركزي في الاقتصاد العالمي، ولم يكن الاتحاد السوفييتي ينعم بهذه القوة. وإن العداء للصين وتحجيمها يلحق ضررًا أكبر بأمريكا مما تجنيه. إن الصين ليس كاليابان لتمتثل لإملاءات أمريكا بعصا الحرب التجارية أو" الإرهاب الاقتصادي" أو " الكلونيالية الاقتصادية".


 

مقالات لنفس الكاتب