array(1) { [0]=> object(stdClass)#13016 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

التركيبة السكانية في دول مجلس التعاون الخليجي.. الواقع والآفاق

الثلاثاء، 01 آذار/مارس 2011

على مدار ثلاثة عقودٍ خلت، حققت تجربة مجلس التعاون الخليجي إيجابيات عدة، وفي كافة الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعلمية والصحية وغيرها. وبطبيعة الحال يرجع الفضل في هذه النجاحات إلى حكومات دول مجلس التعاون الخليجي الست: السعودية والإمارات والبحرين وقطر وعُمان والكويت.

استغلت هذه الحكومات وبنجاح السكان رغم قلة عددهم، وبخاصة عبقرية النخب الاقتصادية والعلمية والاجتماعية الفاعلة في مختلف القطاعات، من خلال آلية الاستثمار الرشيدة للعوائد المالية للثروة النفطية لإرساء تجربة اقتصادية حققت نجاحات ملموسة، في العديد من القطاعات الصناعية والزراعية والخدمية التنموية والبنى التحتية والإسكان والمواصلات.

ويوضح الجدل الدائر حول ظاهرة نجاح التجربة السياسية والاقتصادية لدول مجلس التعاون الخليجي، صعوبة تحديد الخط الفاصل بين الدور الفاعل للحكومات الخليجية من جهة، وتأثير عوائد النفط في نجاح هذه التجربة من جهة أخرى، وذلك لاستحالة إيجاد حد فاصل من الناحية العملية بين الظاهرتين على الأقل في المدى المنظور، وبذلك فإنه لا غنى عن الأدوات الاقتصادية (Instruments Economic)، لمساعدة المجتمعات الخليجية على تحديد الحد الفاصل بين آلية إدارة الموارد النفطية بنجاح وحتمية وجود دور قائد وريادي للدولة لإدامة نجاح وفاعلية واستمرارية هذه التجربة مع مراعاة الخصوصية الوطنية والدينية لدول الخليج العربية.

وعلى الرغم من النجاحات المتواصلة للتجربة الخليجية، إلا أنها تواجه أكبر وأخطر تحد لها في التاريخ المعاصر، ويتمثل بخلل التركيبة السكانية التي أصبحت من نمط التحديات المزمنة، وخاصة أن هذه التركيبة تفتقر إلى التخطيط الاستراتيجي الذي يحكم التوزيع السكاني في دول المجلس الست.

واقع التركيبة السكانية الخليجية

تتباين المعطيات الإحصائية المتاحة عن إجمالي أعداد السكان في دول مجلس التعاون الخليجي، حيث ذكر الموقع الرسمي لدول المجلس على شبكة المعلومات الدولية (الإنترنت) وعلى الرابط (www.gccsg.org)، أن عدد سكان دول مجلس التعاون الخليجي الست يبلغ حالياً نحو (38.6) مليون نسمة. وذكر التقرير الاقتصادي العربي الموحد لعام 2010، والذي يعتمد في عرض معلوماته ومعطياته الإحصائية على المصادر الرسمية العربية ولكل الدول العربية، وبعد تجميعها اتضح أن عدد سكان دول المجلس يبلغ (40.123) مليون نسمة. فيما ذكرت إحصائيات الحكومة الأمريكية والمنشورة على الموقع الرسمي لحكومة الولايات المتحدة الأمريكية على الرابط:(background netwww.state.gov/)، ولكل دولة من دول الخليج، وبعد تجميعها أيضاً، اتضح أن عدد سكان دول مجلس التعاون الخليجي بلغ نحو (44.911) مليون نسمة، موزعين بين السكان الأصليين، ويبلغ عددهم نحو (28.740.454) مليون نسمة، والسكان الأجانب من المقيمين أو الوافدين الذين يبلغ عددهم نحو (16.360.691) مليون نسمة، أي ما يعادل نسبة (57 في المائة) من إجمالي السكان الأصليين في دول الخليج العربية. فيما ذكرت إحصائيات منظمة العمل العربية أن عدد السكان الأجانب وأغلبهم من الآسيويين في دول مجلس التعاون الخليجي بلغ نحو (18) مليون نسمة.

مع استمرار الطفرات النفطية استقطبت منطقة الخليج الملايين من العمال المحترفين وغير المحترفين

مخاطر الخلل في التركيبة السكانية الخليجية

على الرغم من تباين الإحصائيات المتاحة، فإن كل مواطن سعودي أو إماراتي أو كويتي أو عماني أو قطري أو بحريني وكذلك المتتبع الحصيف يدرك وبشكل لا يقبل اللبس مدى جسامة الخلل في التركيبة السكانية الخليجية، فضلاً عن ذلك فإن الأرقام المنشورة تعكس مؤشرات خطيرة، يمكن تلخيصها بالآتي:

1- المخاطر السياسية: إن غالبية السكان المقيمين هم من جنسيات غير عربية، ولا يجيدون التحدث باللغة العربية. وأضحت الوطنية الخليجية، وللمرة الأولى في التاريخ، مهددة في صميم وجودها بعد أن تجاوز تعداد الأجانب نصف السكان الأصليين. واستناداً إلى إحصائيات الحكومة الأمريكية، تكمن أكثر الأعداد خطورة على مستقبل التركيبة الديموغرافية، في كل من دولة الإمارات العربية المتحدة ودولة قطر، حيث تجاوزت أعداد المقيمين الأجانب العدد الكلي لسكان الدولتين بأكثر من أربع مرات وفي دولة الكويت نحو الضعفين، وفي مملكة البحرين ما يعادل السكان الأصليين. وقد تستغل هذه الملايين الوافدة من قبل دولهم بزرع قسم منهم كخلايا نائمة يتم إيقاظها في الوقت المناسب لزعزعة الأمن المجتمعي الخليجي وبما يخدم مخططات الدول الأجنبية.

غالبية السكان المقيمين هم من جنسيات غير عربية ولا يجيدون التحدث باللغة العربية

وبمجرد تحريك هذه الإشكالية من قبل المنظمات الدولية، سرعان ما تتزايد المطالب، وبصورة تدريجية، بمنحهم الإقامة الدائمة، والجنسية في مرحلة لاحقة، وتشكيل الجمعيات أو الأحزاب السياسية، وعندئذ سيتم الترويج من قبل دولهم الأصلية في المؤسسات الإعلامية ومنظمات المجتمع المدني والمنابر السياسية لتطبيق ما يسمى مبدأ (حق تقرير المصير)، وخاصة بعد أن تم إفراغ هذا المبدأ من محتواه الأصلي وفقاً للقانون الدولي، إذ كان يطرح لمعالجة مصير سكان دول محتلة من الدول الاستعمارية سابقاً. أما الآن فقد أضحى هذا المبدأ يطبق وفقاً للأجندات السياسية للدول المؤثرة في السياسة الدولية، وما حصل في جنوب السودان حالياً نموذج لهذا التطبيق المعكوس، وعندئذ ستكون الهوية العربية لسكان الخليج العربي في وضع جديد تفرضه صناديق الاقتراع للنخب المهاجرة من الشرق على صناع القرار في دول الخليج العربية.

2- المخاطر الاقتصادية: لقد بدأ العمال يتدفقون من مختلف الجنسيات على منطقة الخليج العربي منذ سبعينات القرن الماضي، مع ظهور النفط واستخدام عوائده المالية في تطوير البنية التحتية التي وفرت الآلاف من فرص العمل، وقد ساهم هؤلاء العمال وبفاعلية في مختلف قطاعات البناء في المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص في دول الخليج العربية، ولم تكن القوانين وقتها كما هي الآن تفرض قيوداً على هجرة تلك العمالة، فكان أن استوطن بعضهم بلا جنسية وحصل آخرون عليها. ومع استمرار الطفرات النفطية، استقطبت منطقة الخليج الملايين من العمال المحترفين وغير المحترفين حتى وصل عددهم في بداية العام الجاري إلى (18) مليوناً، وفقاً لإحصائيات شبه رسمية، يحولون نحو (30) مليار دولار سنوياً إلى بلدانهم. وتظهر إحصائيات لمنظمة العمل العربية أن نسبة من أسمتهم المهاجرين الآسيويين(أي المقيمين من العمال الأجانب) في دولة الإمارات العربية المتحدة، ودولة قطر، ودولة الكويت، ومملكة البحرين، وسلطنة عمان، والمملكة العربية السعودية هي على التوالي: (74.9 في المائة و70.4 في المائة و63.4 في المائة و38.2 في المائة و27.3 في المائة و32.1 في المائة)، أي أنهم يشكلون الغالبية العظمى من السكان. ويشكل ارتفاع هذه النسب معضلة واقعية لمسار أعمال الحكومات والشركات والأسر الخليجية. فهي من جهة تمتلك عنصر رأس المال بفضل الموارد النفطية، ولا تمتلك عنصر العمل الوطني، فلجأت إلى عنصر العمل الأجنبي، وبرمجت أعمالها ومشاريعها الاقتصادية والاستثمارية وفقاً لمديات زمنية محددة سلفاً، ولا تستطيع الاستغناء عن هذا الكم الهائل من القوى العاملة الأجنبية بين ليلة وضحاها.

المواطن الخليجي ترك كل شيء على الخادمة الأجنبية حتى التربية والتعليم

3- المخاطر الاجتماعية: من العوامل التي ساعدت العمال الآسيويين على نشر ثقافاتهم ولغاتهم، وجود الآلاف من الخادمات والمربيات وتوزعهن على (7) من أصل (10) من منازل دول الخليج العربية، واهتمامهم بنشرها، تساعدهم حال الحرية، وغياب الرقيب الأسري، بالإضافة إلى كسل غالبية المواطنين واعتمادهم على الخدم والعمال والموظفين الأجانب في كل شيء. ولم تعد الخادمة الآسيوية تعمل في المطبخ فحسب، بل أضحت هي من يوكل إليه كل الواجبات البيتية للزوجة الخليجية، وتدريجياً حلت محلها في غالبية المهام الأسرية، فهي من ينظف البيت، وهي من يهيئ الإفطار صباحاً للزوج وأطفاله أو أولاده وبناته، وهي من تستقبله ظهراً أو مساءً بابتسامة لطيفة وتهيئ له الطعام، وهي من يرعى أطفاله أو أولاده وتشرف على تعليمهم. وأضحت هذه السياقات التي توفرت للمجتمع الخليجي بفضل دولة الرفاهية الخليجية، تياراً اجتماعياً جارفاً ستكون له تداعيات خطيرة في المستقبل المنظور، وعلى حد وصف وزير العمل البحريني مجيد بن محسن العلوي فإن هذه الظاهرة تشكل (تسونامي آسيوياً)، يعصف بالمجتمع الخليجي. والأغرب من ذلك أن غالبية قطاعات المجتمع الخليجي هي من تدفع من أموالها الخاصة لتنشيط هذا الإعصار (التسونامي) لتحقيق رفاهية مرحلية لأسرها من دون الاكتراث للتداعيات السلبية اللاحقة. فالقضية لم تعد مسألة طبخ، فالمواطن الخليجي ترك كل شيء على المربية والخادمة الأجنبية حتى التربية والتعليم، فالعمالة الآسيوية تفرض لغتها، وعلى المواطنين الخليجيين، وبخاصة الأطفال والشباب والشابات، تعلم لغاتهم الأجنبية، وكان يفترض أن يتم العكس بتعلم الأجانب اللغة العربية، لا أن يفرضوا لغاتهم على لغة أهل البلاد الأصلية. والمفارقة العجيبة أن تتم هذه الظاهرة السلبية بموافقة ورضا السكان الأصليين في منطقة الخليج العربي، وبالمقارنة بالدول الأخرى تشترط غالبية دول العالم بمن يهاجر إليها أو يقيم في أراضيها إجادة لغة البلد الأصلي، وقسم منها من يخضعه لاختبار إجادة اللغة قبل منحه الإقامة.

4- مخاطر أخرى: تعكسها حالة المقارنة في أرقام السكان، إذ إن وجود نحو (57 في المائة) من الأجانب المقيمين في الدول الخليجية، غالبيتهم من الأعمار في سن العمل، وبالمقارنة بنسبة (43 في المائة) من السكان الأصليين بمختلف فئاتهم العمرية من الأطفال والشباب والنساء والرجال وحتى كبار السن، مما يعطي مؤشراً إلى مدى جسامة المشكلة، وخاصة أن هذه الأعداد أصبحت تدخل الإحصائيات السكانية الخليجية كأنها أمر واقع من دون الاكتراث للمخاطر التي تترتب على هذه الإشكالية، لاسيما أن دول مجلس التعاون الخليجي دول غنية في مواردها الطبيعية والاجتماعية والدينية مما يتطلب مراعاة هذه الخصوصية للمحافظة على هذه الموارد.

وفي ضوء ما تقدم يمكن تثبيت الاستنتاجات الآتية:

1- يمثل خلل التركيبة السكانية في دول مجلس التعاون الخليجي تحدياً طويل المدى، ومتعدد الاتجاهات، إذ تعاني دول الخليج العربية انخفاض عدد السكان بالمقارنة بوجود مساحة واسعة من الأراضي، التي تبلغ نحو (24.233) ألف كيلومتر، وحبا الله سبحانه وتعالى هذه المنطقة بموارد نفطية هائلة، حيث تبلغ احتياطيات دول مجلس التعاون الخليجي النفطية نحو (496.3) مليار برميل من النفط الخام، أي أكثر من ثلث الاحتياطي العالمي للنفط الخام والبالغ نحو (1333.1) مليار برميل في الوقت الحاضر، وقد أسهمت الثروات النفطية في توفير موارد مالية شكلت فرصة تاريخية متفردة لإعادة بناء المؤسسات والمجتمع الخليجي وفقاً لكل مستلزمات الحضارة المعاصرة. ومن هنا جاءت عملية استيراد العمالة الأجنبية كضرورة أفرزتها متطلبات المرحلة. إلا أن تصاعد أرقام العمالة الأجنبية ليتجاوز نصف السكان الأصليين مما شكل خطاً أحمر يستلزم التوقف عنده من قبل قادة دول مجلس التعاون الخليجي ومسؤولي مختلف المؤسسات الحكومية والمجتمعية.

2- لابد من التذكير بأن فلسفة النظرية الرأسمالية شددت وبأسبقية ومنذ تأسيس المنظمات الاقتصادية والمالية الدولية في أعقاب الحرب العالمية الثانية على مبادئ الحرية الاقتصادية، وبخاصة على انتقال بعض عناصر الإنتاج. وفي الوقت الذي شجعت الدول الصناعية المتقدمة على حرية انتقال رأس المال، وتطبيق الحرية التجارية للسلع والخدمات والموارد الطبيعية، إلا أنها كانت ولا تزال تغلق أبوابها أمام حرية انتقال العمالة إلى أسواقها. والسؤال الذي يفرض نفسه: لماذا تسمح حكومات دول مجلس التعاون الخليجي بحرية انتقال العمال الأجانب إلى أراضيها في حين ترفض الدول الرأسمالية ذلك؟

3- من الناحية الاقتصادية، لا يمكن إغفال الجدوى الاقتصادية للعمال الأجانب في الأسواق الخليجية، وبخاصة في تطبيقات الاقتصاد الجزئي في المشاريع الصناعية والتجارية والخدمية في غالبية دول مجلس التعاون الخليجي، ولا تشكل التحويلات المالية العالية مثلبة سلبية على الاقتصادات الخليجية كونها تتم لقاء خدمات مفيدة وعملية.

التركيبة السكانية المختلفة جعلت الوطنية الخليجية مهددة في صميم وجودها

* المقترحات: لمواجهة جانب من المخاطر التي أفرزتها ظاهرة الخلل في التركيبة السكانية الخليجية نقترح الآتي:

1- نظراً لاتساع حجم هذه الظاهرة، التي تحولت إلى معضلة مزمنة، وبالتالي فإنها تتطلب نمطاً من إجراءات المواجهة ترتقي إلى مستويات التحدي الآنية والمستقبلية لها. وفي مقدمة هذه الإجراءات تهيئة قاعدة بيانات إحصائية واسعة وشاملة ودقيقة وبإشراف مباشر من قادة دول مجلس التعاون الخليجي. والهدف منها اتخاذ القرارات التنفيذية لتقليل هذه الأعداد بصورة تدريجية وبغض النظر عن الجدوى الاقتصادية للمصلحة الوطنية الخليجية. ولا ضير أن توضع كفقرة دائمة في جداول أعمال الحكومات الخليجية بهدف مراجعتها دورياً.

2- لا بد من وضع معايير صارمة من قبل حكومات دول مجلس التعاون الخليجي، سواءً أكان ذلك بصورة فردية أو جماعية، لإقامة الأجانب في أراضيها مع إعطاء أسبقية مطلقة لعنصري اللغة العربية والدين الإسلامي، لمن يتم استقدامه للعمل في دول الخليج العربية، مع تفضيل الخبراء والعمال العرب على غيرهم من العمال الأجانب.

3- إلزام مؤسسات الدولة والقطاع الخاص بقوانين ثابتة، أن تكون آليات التوظيف للمواطنين الأصليين كأسبقية أولى وللعرب كأسبقية ثانية ومن ثم للأجانب أسبقية ثالثة، وتحديد نسب العمالة الأجنبية غير العربية بأدنى حد ممكن، كأن تكون (20 في المائة) من عمال المشروع كحد أعلى.

4- دراسة فكرة سن قوانين أو تعليمات للهجرة العربية حصراً إلى دول الخليج العربية، على غرار القوانين المطبقة حالياً في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا وأستراليا، ومنح هؤلاء المهاجرين العرب الجنسية وفرص العمل في دول الخليج العربية كأحد إجراءات معالجة الخلل في التركيبة السكانية الخليجية.

مقالات لنفس الكاتب