العدد 94

الثورات العربية وتوازن القوى الجديد وأمن الخليج العربي

الأحد، 01 تموز/يوليو 2012

قال توني بلير رئيس وزراء بريطانيا السابق في خطاب له أمام الكونغرس الأمريكي في يوليو 2003 (كل القوى المهيمنة تبدو لفترة كأنها لا تقهر، لكنها في الحقيقة عابرة زائلة). وإذا كان هذا بالنسبة للقوى العظمى، فهو أكثر مصداقية للدكتاتورية والدكتاتوريات التي تنهار بسرعة عندما تفقد شرعيتها أمام شعوبها، وكذلك تنهار كما انهارت الشيوعية والنازية والفاشية والرأسمالية على الطريق.

إن العالم يتغير وتظهر قوى وتزول أخرى وكذلك بالنسبة للقيادات السياسية في العالم كما هو حال الدول، وما يبقى هو ما يكتبه التاريخ عن إنجازات هذه القيادات السياسية وما تم تحقيقه لشعوبها، كما ندرس اليوم تاريخ روما واليونان وحديثاً الاتحاد السوفييتي، وما نقرأ عن يوليوس قيصر والإسكندر المقدوني وعمر بن الخطاب وصلاح الدين، وهكذا التاريخ. 

تكتلات دولية جديدة

إثر الثورات العربية التي اجتاحت المنطقة وتدخل (حلف الناتو) في ليبيا وسقوط نظام القذافي، حيث الاستثمارات الصينية 18.8 مليار دولار وكان عدد الصينيين 38 ألفاً في ليبيا، فقدت ذلك لصالح تحالف الناتو، كما فقدت روسيا عميلها في شراء الأسلحة الروسية، ظهر التحالف الصيني –الروسي ضد سياسة واشنطن وحلفائها في سوريا والموقف من إيران. إذ إن موقف كل من روسيا والصين من قضية المفاعل الإيراني ومن النظام السياسي في سوريا نابع من المصالح السياسية والاستراتيجية، ولذلك فهما ضد العقوبات على إيران والتدخل العسكري في سوريا والإطاحة بالرئيس السوري. وبسبب تطورات الثورات العربية، برز هذا التعاون الروسي- الصيني مقابل تحالف الولايات المتحدة وأصدقائها الأوروبيين وفي المنطقة العربية، لذا فقد أحدثت الثورات العربية تحولاً على مستوى النظام الدولي بسبب تناقضات المصالح بين الدول الكبرى، على اعتبار أن المنطقة ذات أهمية جيو-استراتيجية واقتصادية، (Geo-economic & geo-strategic). ولا شك في أن هذا التمحور الدولي مع بعض دول منطقة الشرق الأوسط له تأثير على تطورات وتحالفات الدول في المنطقة العربية، مما يوجد توازن قوى جديداً في المنطقة ستكون له تبعاته على المنطقة في المستقبل القريب. 

التحالفات الإقليمية في الشرق الأوسط

شهدت المنطقة تحالفات خلال الحرب الباردة، ثم تغيرت إلى تحالفات أخرى بسبب الثورات الشعبية، حيث كان هناك التحالف الإسرائيلي مع شاه إيران، وتشكل ضمن استراتيجية الأطراف الإسرائيلية بين تركيا-شاه إيران -إسرائيل، وكان الشاه ينفذ مبدأ نيكسون في الحرب بالوكالة، وفتح له كيسنجر مخازن وزارة الدفاع لبيعه الأسلحة لحماية مصالح الولايات المتحدة، وكانت تركيا العضو في حلف الناتو تتميز بعلاقات وثيقة مع إسرائيل توجتها المؤسسة العسكرية التركية بالاتفاق في التعاون الاستراتيجي عام 1996 الذي فرضته المؤسسة العسكرية على الحكومة المدنية، حكومة نجم الدين أربكان، وفرضت عليه الاستقالة تحت ما سمي انقلاب ما بعد الحداثة. وبعد الثورة الإيرانية عام 1979، فقدت إسرائيل حليفها الشاه، وحدث تطور جديد في تحالفات المنطقة من الحرب العراقية-الإيرانية، ثم الاحتلال العراقي للكويت المخالف للقوانين والأعراف الدولية ثم احتلال العراق 2003، وحكومة تسيطر عليها الطائفية، التي فرضتها واشنطن، فدخلت المنطقة في دوامة الصراعات العرقية والطائفية، الشيعة، الأكراد، السنة، وتداخلات التحالفات بين الداخل الطائفي العرقي مع الخارجي من دول الإقليم. 

الثورات العربية.. تحالف جديد

إن الثورات العربية قلبت التحالفات التقليدية التي أشرنا إليها سابقاً، فقد صرح قادة إسرائيل علانية بأن الرئيس المصري السابق كان يعتبر كنزاً استراتيجياً لإسرائيل، وهذا يعني أنه شبه تحالف ضمني، والثورة المصرية أوجدت وضعاً جديداً مقلقاً لإسرائيل، كما أن وجود حزب العدالة والتنمية في تركيا تبنى العمق الاستراتيجي، وتعاون مع دول الإقليم، وتوترت العلاقات التركية مع إسرائيل، وتعمق هذا التوتر مع الاعتداء الإسرائيلي على سفينة الحرية (مرمرة التركية) ومقتل تسعة أتراك على يد الجنود الإسرائيليين، ومطالبة تركيا لإسرائيل بالاعتذار وتعويض أسر الضحايا ورفع الحصار عن قطاع غزة. وكانت علاقة تركيا قوية مع النظام السوري وليبيا بسبب المصالح الاقتصادية، ومع الثورات الشعبية تحول الموقف التركي لدعم الشعوب بدلاً من الأنظمة الدكتاتورية، فقد زار رئيس وزراء تركيا رجب طيب أردوغان كلاً من تونس وليبيا ومصر، وبنى علاقات قوية مع أنظمة جديدة تغلب عليها الجماعات الإسلامية، النهضة في تونس، والجماعات الإسلامية في ليبيا والحرية والعدالة في مصر. ولذلك نجد تحولاً في النظام الشرق أوسطي، التقارب التركي مع الثورات العربية ومع دول مجلس التعاون الخليجي، في ظل تعاون قوي بين النظام السوري والنظام السياسي في إيران مع التنظيمات الشيعية في كل من العراق ولبنان، ما جعل المنطقة في حالة مخاض جديد من التحالفات التي أخذت تتبلور في المنطقة. 

الأزمة السورية والإفرازات الطائفية

إن دعم إيران للنظام السوري الذي يحكم من قبل طائفة علوية، ويحاول تصدير العنف الطائفي لجذب التأييد له طائفياً، يخلق وضعاً جديداً في المنطقة، ويثير جدلاً واسعاً في العلاقات بين السنة والشيعة في المنطقة يغذيه الإعلام الغربي، امتداداً من اليمن جنوباً إلى العراق وإيران وسوريا وحتى تركيا الدولة السنية، والتي تعتبر تاريخياً منذ عهد الدولة العثمانية الحامية للسنة، وقد يفسر حالياً من خلال ما يسمى العثمانيين الجدد ومن حمايتهم لرئيس الجمهورية العراقية طارق الهاشمي المعارض لرئيس الوزراء العراقي نوري المالكي، الذي يتميز بدعم إيران له مقابل تركيا التي تحمي الهاشمي، ما يعني أن هناك معادلة إقليمية جديدة كما هو حال التحالف الدولي الجديد، استقطابات تذكرنا بالتنافس الدولي على الشرق الأوسط في ظل الحرب الباردة وما قبلها. 

إسرائيل تحاول بكل قواها الدبلوماسية والسياسية أن تغير التوازن الجديد في المنطقة لصالحها

الثورات العربية وتحالفات الشعوب

إن عدم الاستقرار السياسي الذي تشهده دول الثورات العربية، حيث الحكومات الانتقالية، يجعل التحالفات على مستوى الدول لم تتبلور بعد، لكن من خلال قراءة الخريطة السياسية للتنظيمات التي برزت على الساحة السياسية من تونس وليبيا ومصر وما نتج عن الانتخابات في المغرب وفوز حزب العدالة والتنمية في المغرب، نلاحظ بروز الجماعات الإسلامية أو ما أصبح يعرف في الأدبيات السياسية الغربية بجماعات الإسلام السياسي، النهضة والحركة السلفية في تونس، الجماعات السلفية وجماعة الإخوان المسلمين في ليبيا والسلفية (حزب النور) والإخوان المسلمين (حزب الحرية والعدالة ) في مصر، فنشهد تحالفاً ضمنياً على مستوى العالم العربي، المشهد السني من المغرب إلى منطقة الخليج العربي، تجمعه قواسم مهمة قد تلتقي مع تركيا التي تتعاون مع الجماعات السنية العربية، وتتبنى أيضاً دعم المعارضة السورية ومن ضمنها الإخوان المسلمون السنة. هذا المشهد يشكل تحالفاً شعبياً يظهر من تأييد السلفية للإخوان ضد التيار الليبرالي العلماني من المغرب وتونس إلى مصر، ورغم علمانية تركيا فإنها تلتقي مع الامتداد السني في المنطقة العربية. وبالمقابل ليس سراً أن هناك تحالفاً على مستوى شعبي شيعي، بأشكاله (الاثني عشري) في إيران إلى الطائفة العلوية في سوريا والحوثيين في اليمن وحزب الله في لبنان والتيار الصدري في العراق والتيارات الشيعية العراقية الأخرى، مما يكشف أننا أمام مشهد لتحالف شعبي يتبلور ضمنياً، لكن ليس بالضرورة أن يتحول إلى صدام مسلح بينهما، رغم ما تغذيه القوى الخارجية الغربية من أجل استنزاف المنطقة في صراع عرقي طائفي. 

أمن الخليج العربي والتحالفات الشعبية

إن التحالفات الشعبية التي تمثلها الجماعات الإسلامية من سلفية وغيرها تشكل عملية توازن قوى جديد في المنطقة تدفع إلى تحقيق الأمن في منطقة الخليج العربي، لأن خطورة هذه التحالفات توفر ما يطلق عليه الردع الشعبي ضد قوى التطرف التي تهدد الإقليم، وكذلك تبني كل من الطرفين من التحالفات الشعبية، سياسة الاحتواء للطرف الآخر، كما كانت سياسة الاحتواء الأيديولوجي بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة. ويمكن أن يعزز وجود عدو مشترك لكلا التحالفين في المنطقة العربية-الإسلامية، تعاون كل منهما مع الآخر ضد العدو المشترك، ولا شك في أن إسرائيل هي العدو المشترك لكل من التحالفات الشعبية سنية وشيعية، ما يفرض عليهما التعاون ضد هذا العدو الذي يشكل عدواً حضارياً وعسكرياً وسياسياً واقتصادياً. وفي أدبيات الأمن القومي، إذا أردت أن توحد الجبهة الداخلية لا بد من إيجاد عدو خارجي تتوحد الجبهة الداخلية ضده، فإسرائيل تمثل العدو الخارجي الذي يهدد أمن المنطقة العربية الإسلامية، وتحاول بكل قواها الدبلوماسية والسياسية أن تغير التوازن الجديد في المنطقة لصالحها، لكن التحالفات الشعبية أقوى من إسرائيل، وسوف تتبلور في المستقبل تحالفات شعبية تتوافق مع تحالفات الدول الإقليمية بعد المرحلة الانتقالية في الدول الثورية الجديدة

مجلة آراء حول الخليج