Tuesday 07 ,2020

الثقافة الاستراتيجية وأمن الخليج العربي

انشأ بتاريخ: الجمعة، 01 حزيران/يونيو 2012

مقالات لنفس الكاتب

أصبح العالم قرية كونية كما قال عالم الاجتماع والاتصال الكندي مارشال ماكلوهان منذ نصف قرن ، كان  ذلك عندما ظهر التلفاز ، واصبح الناس في بقاع الأرض يشاهدون الأحداث مباشرة. رأى ماكلوهان في التلفاز ثورة تقنية ، تهزم الولايات المتحدة في فيتنام ، لأنها تنقل الأحداث مباشرة ، وبالفعل شهدت الجامعات الأمريكية في عهد الرئيس الأمريكي نيكسون ، مظاهرات عارمة ضد حرب فيتنام مما اضطر نيكسون إلى السعي الحثيث للخروج من فيتنام ، كشفت التغطية التلفازية جرائم الحرب التي كانت تودي بآلاف الفيتناميين ، واليوم وسائل الاتصال أكثر تقنية وأسرع مما يجعل العالم قرية كونية حقيقة أكثر من أي فترة تاريخية ، واصبحت المجتمعات عرضة للـتأثير رغما عنها لأنها لا تستطيع التحكم في وسائل الاتصال الالكترونية .

وسائل الاتصالات الحديثة لها تأثيرها على القيم الاجتماعية واللغة وعلى الثقافة السياسة للشعب ايضاً

المواطن المثقف هو الذي يستطيع أن يحقق البناء والمحافظة على بلادة والمشاركة الفعالة فيها

ثورة الاتصالات والتغيير

إن دول مجلس التعاون جزء من هذا العالم ومع دولة الرفاه والثروة  توفرت للمواطن أحدث وسائل الاتصال من الفضائيات إلى النقال بأنواعه والشبكة العنكبوتية بكل وسائلها ، فأصبح التأثير قويا على المواطن وبذلك يدفع للتغير الاجتماعي والثقافي . ولعل أخطر التغير ما يحدث للغة العربية ، فاللغة وعاء الأمة الحضاري والمعبرة عن هويتها ، واليوم تواجه تحديا مع العولمة مع أنها لغة رسمية في الأمم المتحدة ، فالتحدي الخطير داخليا . وحسب ما يقول الكاتب الخليجي عبد الجليل مرهون ، فتحدي اللغة العربية قادم من الهجرات التي تتدفق على دول مجلس التعاون ، وخاصة من البلدان الآسيوية التي لا تعرف اللغة العربية ويفوق عددهم في بعض الدول عدد السكان الأصليين . كما أن إنتشار اللهجة المحلية أثر على اللغة العربية ، وكذلك دخول كلمات من أصول اللغات الغربية في هذه  اللهجات ، من البرتغالية والفرنسية والإنجليزية ، إضافة إلى الهندية القادمة من الشرق . كما يؤثر خدم المنازل أيضاً على اللغة وخاصة الأطفال ، مما يجعل الطفل يعاني من تكسر في لغتة العربية ، ومع قلة الانتاج المعرفي باللغة العربية في منطقة الخليج عكس ذلك تحدي اللغة العربية ، ومع استعمال اللغة الإنجليزية وانتشار الجامعات الغربية في الخليج ، وخاصة دولة الإمارات العربية المتحدة ، التي تضم فروع لجامعات غربية ، الأمريكية والبريطانية والسوربون ، جعل اللغة العربية تواجه التحدي الأكبر ، وعندما يصبح التواصل بغير اللغة الأم يأتي التأثير الخارجي ، الذي له خطورة على ثقافة الأمة وخاصة شبابها ، والدليل على ذلك ما حدث في الجزائر من انتشار للغة الفرنسية، والذي أدى إلى ظهور تيار الفرانكفونية الذي يفكر بالفرنسية ويتبنى القيم الحضارية الفرنسية ، مما أدى لمواجهة خطيرة بين التيار الفرانكفوني والتيار الإسلامي العروبي ، كانت النتيجة مهلكة في الجزائر ، كما حدث في نهاية القرن العشرين .

ونجد أن عالم السياسة الأمريكي الراحل "صموئيل هنتنجتون" قد عبر عن إزدواجية اللغة في الولايات المتحدة، وخطورتها على الهوية الأمريكية ، ففي كتابه "من نحن"؟ أشار إلى خطر انتشار اللغة الإسبانية وما يترتب عليها من اختلاف ثقافي يهدد الوحدة الوطنية الأمريكية ، رغم أن الذين ينتمون للأصول الاسبانية هم من أمريكا اللاتينية أي ينتمون لديانة واحدة وحضارة واحدة مع سكان الولايات المتحدة ، ولكن هذا يشكل خطورة في منطقة الخليج وهويتها أكثر من خطورة إزدواجية اللغة في الولايات المتحدة.

التغير والثقافة السياسية

وإذا كانت اللغة وعاء الأمة الحضاري وهويتها ، فالتغير الذي تشهده منطقة الخليج ينال اليوم ، الثقافة السياسية في المنطقة ، وإذا كانت وسائل الاتصالات الحديثة لها تأثيرها على القيم الاجتماعية واللغة ، فلها تأثيرها على الثقافة السياسة للشعب وبالتالي على العلاقة بين الحاكم والمحكوم. وتعرف الثقافة السياسية بأنها "مجموعة المعارف والرؤى والقيم والمعتقدات والاتجاهات والمشاعر السائدة لدى أفراد مجتمع معين او مجموعة معينة تجاه شئون الحكم والسياسة" ، وفي ظل التحولات العالمية لا شك أن هناك تحولاً قد يحدث في الثقافة السياسية في دول المجلس يحتاج الانتباه إليه ، خاصة بعد أن بدأنا نسمع عن الليبرالية والاصلاحية وغيرها من التعبيرات والمصطلحات التي لم تكن تظهر كما هي عليه ، فدول الخليج تتميز بأنها محافظة ومتمسكة بتعاليم دينها ، ولكن يحتاج الأمر إلى الأمن الثقافي حتى يتحصن المواطن في منطقة الخليج العربي من التيارات التي أخذت عن طريق وسائل الاتصال الحديثة تطرق أبواب المواطن الخليجي ، والتي أيضا قد تغذيها قوى معادية من الخارج ، فلم يكن المواطن الخليجي يسمع من قبل عن  الطائفية ، ولم تكن هذه المفردات موجودة في ثقافته وفي مجتمعه المتجانس ، أما الآن فنشهد أن هذه الشعارات أخذت تغزو المنطقة وتحتاج  للمعالجة ، ولعل التنشئة  السياسية عامل مهم في التغلب على هذه الشعارات الواردة على الثقافة السياسية في المنطقة . وتبدأ التنشئة السياسية من الأسرة والمدرسة والجامعة والمحيط الاجتماعي ، وهذا يحتاج إلى تصور استراتيجي على مستوى عام أي ثقافة استرتيجية، ومن هنا جاءت الحاجة إلى تدريس الثقافة الوطنية من خلال الحوار والاقناع الإجتماع على القواسم المشتركة ، وعلى  الحوار والتآلف بين أفراد المجتمع واحترام الذات والآخر.

ثقافة المشاركة الشعبية

لقد حدثت تطورات مهمة على مستوى الخليج العربي وهي المشاركة الشعبية ، سواء من خلال مجالس الشورى ، والانتخابات أو على مستوى المجالس البلدية وغيرها ، ونلاحظ أن المرأة قد أخذت في الخليج العربي دورها في المشاركة الثقافية بشكل عام وفي القطاع العام والخاص ، والتحول التدريجي يكون صمام أمان عن التحولات الجذرية التي في الغالب تأتي بنتائج سلبية ، كما حدث في  تركيا في عهد  "كمال أتاتورك" الذي تنكر لتاريخ بلاده التي لم تشهد الاستقرار إلا في السنوات الأخيرة ، في ظل حزب العدالة والتنمية ، الذي حقق المصالحة بين الماضي والحاضر مع احترام تاريخ الدولة العثمانية بل الافتخار به وبين الحداثة بعيدا عن المغالاة.

الوعي الثقافي والأمن

قال عالم السياسة الأمريكي "هانس مورجنثاو" ، إن أخطر أنواع الاستعمار هو الاستعمار الثقافي ، أخطرها وأقلها تكلفة ، وفي الحقيقة أن الوعي الثقافي هو الأمن ، لأن المواطن المثقف هو الذي يستطيع أن يحقق البناء والمحافظة على بلادة والمشاركة الفعالة فيها ، والجهل في حد ذاته هو الخطر ، وكما يقال الجاهل عدو نفسه ، فالذين تبنوا أفكارا متطرفة كان السبب من ورائها هو الجهل وعدم توفر الثقافة التي تحصن المواطن من الثقافة المستوردة ومن ثقافة التطرف . ونلاحظ أن بعض الدول كانت تهمل الجانب الثقافي في بلادها مما يجعل المواطن يعتمد على ثقافة أخرى متاحة لديه ، وهنا تكمن الخطورة عندما يأخذها مسلمات لأنه غير محصن ثقافيا .

الثقافة والتنمية

كان وزير الدفاع الأمريكي السابق يردد بعد أن تولى رئاسة  البنك الدولي ، أن التنمية هي الأمن ، وذلك من خلال ما شاهده في بلدان العالم النامي ، فالأمن يكمن في التنمية ، أي تحسين الأحوال المعيشية ، وفي الواقع فإن التنمية مرتبطة بالثقافة ، فالثقافة تنمية وبالتالي يتحقق الأمن ، والدول التي كانت لديها ثقافة المشاركة حققت أمنا ونموا أكثر من غيرها ، وشاهدنا في العقود الأخيرة أن الثقافة السياسية الرعوية لا تحق الاستقرار أو الأمن ، والتحول الذي نشهده في منطقة الخليج العربي يحتاج إلى تشجيع  ثقافة المشاركة ، وهذا يحتاج إلى قنوات متعددة للمشاركة سواء بالمستوى الرسمي أو منظمات المجتمع المدني ، وبالتالي يستطيع المواطن أن يعبر عن مطالبه بكل حرية وثقة ، وتستطيع الجهات المسئولة أن تلبي هذه المصالح ، وعندما تكون هناك مطالب وتكون المخرجات قد لبتها  يحدث الاستقرار السياسي واستمرار النظام السياسي.

الثقافة الاستراتيجية

وإذا كانت دول المجلس تشهد تحولات على مختلف الصعد ، الاجتماعية والثقافية والاقتصادية وحتى السياسية ، فهي بحاجة  إلى الثقافة الاستراتيجية ، وهي الثقافة السائدة في صياغة  سياسات الأمن القومي ، كيف تستطيع الاستقرار من خلال التوازن في عملية التغير في مختلف الصعد ، التوازن بين الاقتصاد والسياسة والاجتماع ، وارتباط ذلك بالثقافة الاستراتيجية التي تحدد المخاطر الداخلية والخارجية ، هي ثقافة تقدر مصادر التهديد وكيفية مواجهتها ، على مستوى الداخل والخارج، والوعي الثقافي السياسي يبقى هو صمام الأمن الوطني في ظل متغيرات إقليمية ودولية متسارعة تحتاج لليقظة والوعي وإلى ثقافة استراتيجية تستشعر عن بعد المخاطر التي يمكن أن تهدد البلاد والعباد.

مقالات لنفس الكاتب