البيئة في مجلس التعاون لدول الخليج العربية "الواقع والتحديات"

الخميس، 01 آذار/مارس 2007

تعرف البيئة بأنها ذلك المحيط الحيوي الذي يحيط بالإنسان، والذي تعيش فيه جميع المخلوقات الحية الأخرى، أما التلوث البيئي فهو التغير السلبي الذي يطرأ على أحد مكونات المحيط الحيوي، والذي ينتج كُلا أو جزءاً عن النشاط الإنساني، وذلك بالمقارنة مع الوضع الطبيعي الذي كان سائداً قبل تدخل الإنسان، ويظهر ذلك في حدوث تغيرات حيوية وفيزيائية وكيميائية غير مرغوب فيها، تحدث في المحيط الحيوي، ويمكن لهذه التغيرات أن تؤثر بشكل مباشر أو غير مباشر في التوازن البيئي الطبيعي.
الوضع البيئي الراهن في دول مجلس التعاون
طبقاً لتقرير مؤشر الاستدامة البيئية لعام 2005 م والذي تم إعداده من قبل فريق استشاري من جامعتي يال وكولومبيا بالتعاون مع المنتدى الاقتصادي العالمي الذي عقد في (دافوس) السويسرية بمشاركة 146 دولة فإن مؤشر الاستدامة البيئية يحدد قدرة الدول على حماية البيئة خلال السنوات المقبلة وذلك من خلال عدد من مسارات الحفاظ على الموارد ومستويات التلوث السابقة والحالية وجهود الإدارة البيئية وقدرة المجتمع على تحسين أدائه البيئي مع مؤشرات الاستدامة البيئية التي من أهمها تلوث الهواء والأرض والتنوع البيولوجي وخفض انبعاث الغازات.
وجاءت دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية في مرتبة متأخرة طبقاً لهذا المؤشر فسلطنة عمان احتلت المركز (83) والإمارات العربية المتحدة في المركز (110) والمملكة العربية السعودية في المرتبة (137) والكويت في المرتبة (138)، بالإضافة إلى دول الجوار أيضاً التي جاءت في مرتبة متأخرة جدا مثل العراق في المرتبة 143 وإيران في المرتبة (132).
التلوث البيئي في دول مجلس التعاون
تلوث المياه الجوفية: أدى السحب الجائر للمياه الجوفية إلى استنزاف المخزون وفقدان التوازن الهيدروليكي بين المياه العذبة والمياه المالحة ومن ثم تداخل مياه البحر وتدهور نوعية المياه الجوفية، بالإضافة إلى ما تعانيه كافة الخزانات الجوفية السطحية بالمنطقة من تسرب مياه الصرف الصحي إليها.
التلوث البحري: تعتبر منطقة الخليج العربي مركز الصناعات النفطية في العالم، إذ يقدر إنتاجها النفطي طبقاً لتقديرات عام 2004 م ما يقارب 40 في المائة من الإنتاج العالمي ما أدى إلى تلوث مياه الخليج بالعديد من الملوثات كالنفط والعناصر الثقيلة والنفايات الصناعية والتلوث الحراري ومياه الصرف الصحي، بالإضافة إلى التلوث بالكيماويات الزراعية والملوثات البيولوجية وهناك ملوثات أخرى كالملوثات الناتجة عن تجفيف الأهوار في جنوب العراق والتي كانت تعمل كمصفاة للملوثات بالإضافة إلى مخلفات الحروب.
تلوث الهواء: الغبار يعتبر أحد ملوثات الهواء المعروفة بمنطقة الخليج بالإضافة إلى انبعاث الغازات بسبب انتشار المشاريع التنموية والصناعية، وطبقاً لتقرير التنمية البشرية للأمم المتحدة 2004 م ، تساهم دول الخليج بنسب كبيرة نسبياً من انبعاث غاز ثاني أوكسيد الكربون بالنسبة إلى مساحتها وعدد سكانها باستثناء السعودية، فمثلا تساهم الإمارات بنسبة جزأين من عشرة في المائة ومثلها الكويت وقطر، أما السعودية فتساهم بنسبة واحد ونصف في المائة من إجمالي انبعاث غاز ثاني أوكسيد الكربون في العالم.
التلوث الإشعاعي: يعتبر التلوث الإشعاعي إحدى صور التلوث ذات التأثير العالمي، ولا يمكن فصل التلوث البيئي في العراق عن منطقة الخليج العربي وخاصة التلوث الإشعاعي، فلقد أدى القصف بالصواريخ والقذائف خلال حربي الخليج الثانية عام 1991 والثالثة عام 2003 نتيجةً لاستخدام القنابل المضادة للدروع والمغلفة بطبقة من اليورانيوم المستنفد وكذلك نتيجة لحرق الدبابات والمركبات التي تغلف جدرانها الخارجية باليورانيوم المستنفد، إلى ارتفاع مستوى التلوث الإشعاعي في مناطق شاسعة من أجواء بغداد ومناطق جنوب العراق إلى عشرة أضعاف المستوى الطبيعي طبقاً للقياسات الميدانية التي أجراها فريق من مركز أبحاث اليورانيوم الأمريكي بالتعاون مع جهات علمية دولية أخرى، ولقد وصلت مستويات الإشعاع في النبات والحيوان عام 1996 في البصرة 14 مرة أكثر من الكمية المحددة للسلامة المعتمدة من قبل منظمة الصحة العالمية.
جهود وإنجازات مجلس التعاون
تنفيذاً لما جاء في النظام الأساسي من تحقيق وتنسيق التكامل والترابط بين الدول الأعضاء في كل الميادين، فقد صادق المجلس في الدورة السادسة التي انعقدت في مسقط عام 1985 على السياسات والمبادئ العامة لحماية البيئة، ومنذ ذلك اليوم قام المجلس بالعديد من الأنشطة والإنجازات أهمها:
• تقريب النظم والتشريعات بتوحيد عدد من الأنظمة والتشريعات مثل النظام العام للبيئة والنظام الموحد للتقويم البيئي، والأنظمة الموحدة لحماية الحياة الفطرية وتنميتها والتعامل مع المواد المشـعة وإدارة النفايات، والتحكم في المواد المستنفدة والكيماويات الخطرة.
• مسـح أجهزة حماية البيئة في الدول الأعضاء للتعرف إلى هياكلها وتنظيمها وصلاحيتها وتشـخيص المشكلات البيئية المشـتركة والمتداخلة والمتشابهة، بالإضافة إلى حصر ومراجعة المقاييس والأنظمة والقوانين والتشريعات البيئية وحصر البحوث والدراسات المنجزة من قبل الدول الأعضاء والمنظمات الإقليمية والدولية في مجال البيئة ووضع دليــل الأجهـــزة التنسـيقية والتنفيذية المسـؤولة عن البيئة في دول المجلس.
• تنسـيق وتوحيد المواقف الإقليمية والدولية بشأن الاتفاقيات الدولية، منها على سبيل المثال اتفاقية فيينا لحماية طبقة الأوزون وبروتوكول مونتريال وتعديلاته واتفاقية الصندوق الدولي للتعويض عن الأضرار الناجمة عن التلوث بالنفط واتفاقية حفظ أنواع الحيوانات البرية المهاجرة واتفاقية الاتجار الدولي في الأحياء الفطرية المهددة بالانقراض.
• إقامة العديد من الندوات وورش العمل والدورات التدريبية وتنفيذ عدد من النشاطات واللقاءات والزيارات لبعض المحميات في الدول الأعضاء وإعداد الدليلين الأول والثاني للخبرات المتوافرة في مجال حماية البيئة، بالإضافة إلى تنفيذ بعض البرامج التلفزيونية والإذاعية والأفلام التي تخص التوعية في مجال البيئة.
التحديات الحالية والمستقبلية
هناك العديد من التحديات الحالية والمستقبلية التي يجب أن يواجهها مجلس التعاون الخليجي في ما يخص الشأن البيئي ضمن مرئيات الهيئة الاستشارية التي تم اعتمادها من قبل المجلس الأعلى خلال الفترة (1999-2005). ومنها:
• ضرورة تفعيل الأنظمة والقوانين والتشريعات البيئية بما في ذلك الاتفاقيات الإقليمية ووضع الآليـات التـنفيذية لها على مستوى دول المجلس، مع الأخذ في الاعتبار التوازن بين البيئة والتنمية في هذا المجال. والـتأكيد على أهمية الالتزام بالمواصفات والمعايير البيئية الخاصة بتلوث الهواء والميـاه والـتربة والضوضاء وترشيد استغلال الموارد الطبيعية.
• ضرورة الإدارة السليمة للتخلص من المخلفات وتـنفيذ مشاريع الصرف الصحي وحماية البيئة البحرية والشواطئ الساحليـة والحـد مـن تدهـور الأراضي ومكافحة التصحر والتأكيد على أهمية دعم وتعزيز مراكـز الأبحاث والدراسات البيئية، علاوة على بناء القدرات والتوعية البيئيـة ودعم الجمعيات واللجان الأهليـة نظراً للدور الذي تقوم به الجمعيات واللجان الأهلية في مجال العمل البيئي التطوعي.
وخلاصة القول قام مجلس التعاون لدول الخليج العربية منذ إنشائه بجهود كثيرة وأساسية تعتبر نواة مهمة جداً لحماية البيئة، ولكنه يواجه العديد من التحديات الحالية والمستقبلية لأن البيئة بوضعها الراهن لم تعد تفي بأهداف التقييم الشامل والمتكامل للبرامج والخطط التنموية الطموحة التي تشهدها المنطقة، وهناك حاجة للحفاظ على البيئة ومواردها لتنفيذ برامج التنمية الاقتصادية المستقبلية الواعدة. مع الأخذ في الاعتبار تنامي الوعي المجتمعي وتزايد دوره في الضغط على متخذي القرار للحد من آثار التلوث البيئي، بالإضافة إلى ما فرضته الالتزامات الدولية والاتفاقيات البيئية العالمية التي يتطلب معها إجراء مراقبة وتقييم دوري ومتكامل للبيئة.

مقالات لنفس الكاتب