array(1) { [0]=> object(stdClass)#13063 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

أمريكا.. هل هي وراء تهديد أمن الخليج أم استقراره؟

الأحد، 01 كانون2/يناير 2006

"هؤلاء العرب لا يملكون البترول إنهم يجلسون عليه فقط"
لعل هذا التصريح المتضمن للتغيير الحقيقي للاستراتيجية الأمريكية تجاه منطقة الخليج العربي قد كشف مبكراً عن أبعاد قضية الأمن والدفاع في تلك البقعة الغنية بمواردها ومدى أهميتها القصوى بالنسبة للولايات المتحدة بصورة خاصة.
أما التصريح السابق فصادر عن وزير الخزانة الأمريكية وليم سايمون في عهد الرئيس الأمريكي المستقيل ريتشارد نيكسون. وقد أثر هذا التصريح بشدة في واقع الخليج العربي من جهة وفي السياسات الأمنية والدفاعية الأمريكية من جهة ثانية تجاه المنطقة، كما يبدو أن خبراء البترول الغربيين قد انتبهوا إلى محصلة ذلك ونبهوا إلى وجوب اتخاذ قرارات مناسبة بهذا الشأن بعد أن تم وقف تصدير البترول للغرب في غضون حرب أكتوبر مما دفع هنري كيسنجر وزير الخارجية الأمريكي السابق للتصريح لصحيفة (الواشنطن بوست) في عددها الصادر في السابع من ديسمبر عام 1973 بالقول (إن قرار رفع الدول المنتجة للبترول لسعر النفط اليوم يعد من أهم الأحداث المحورية في تاريخ القرن الحالي وعلينا معالجتها بسرعة قبل أية قضية تعتبر مهمة في حياتنا).
والتساؤل هل كان منعطف أكتوبر 1973 قطب الرحى لتأسيس سياسة أمنية أمريكية في منطقة الخليج العربي؟ الإجابة هي أن ذلك كان كذلك بالفعل رغم وجود هذا الاهتمام منذ مراحل مبكرة تعود إلى منتصف القرن العشرين.
والمقطوع به استراتيجياً أن هناك أمرين يعدان من قبيل تهديد الأمن القومي الأمريكي أولهما تأمين موارد النفط بالنسبة للولايات المتحدة، وثانيهما هو أمن دولة إسرائيل. ويعني الأول مباشرة أمن منطقة الخليج، إذ اهتمت الولايات المتحدة منذ بروزها كقوة عالمية أولى بعد الحرب العالمية الثانية بأمن منطقة الخليج انطلاقا من العمل على حماية مصالحها ومصالح الجماعة الغربية بتلك المنطقة فالخليج العربي يسهم بنسبة كبيرة في الإنتاج العالمي الذي اعتمدت عليه الولايات المتحدة مما اقتضى تأمين الممرات المائية الرئيسية لتلك الإمدادات بل إلى أبعد من ذلك فقد تبلورت هذه السياسات في خطة عسكرية أمريكية ولا سيما بعد الثورة الإيرانية عام 1979 أعلن عنها في البيت الأبيض في الأول من يونيو من العام نفسه وكانت تشير إلى عدة نقاط رئيسية نشير إليها في شكل موجز وهي:
* ضرورة تقوية الوجود العسكري الأمريكي في المحيط الهندي والخليج العربي على السواء وفق ما تسمح به المواثيق الدولية وإذا كانت هناك ضرورة فكسر كل التعهدات والمواثيق الدولية وارد.
* ضرورة وضع دراسة تفصيلية لكيفية توزيع القوات الأمريكية في المنطقة وما يحيط بها من دول واجبها أن تكون مستعدة للدخول في أية معركة خلال 12 ساعة ولمدة 72 ساعة ريثما تصل الإمدادات.
*ضرورة إنشاء قيادة عسكرية خاصة بالشرق الأوسط تعمل على إدارة القوات الموجودة في المنطقة دون الرجوع إلى القيادة العامة في فلوريدا.
وقد كانت تلك المرتكزات النواة الأولى لما عرف لاحقاً باسم قوة الانتشار السريع التي انحصرت مهمتها في ذلك التوقيت أي عام 1979 في:
- صد أي غزو سوفييتي لمنطقة الخليج العربي يهدف إلى احتلال والسيطرة على منابع البترول في تلك المنطقة.
- التدخل لمنع أي حظر نفطي مستقبلا لتحقيق أهداف سياسية.
- وقف أي محاولة لإغلاق مضيق هرمز.
- منع أي غزو عراقي للكويت.
والحاصل أنه ما بين نهاية السبعينات ومنتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين جرت مياه كثيرة في منطقة الخليج العربي جعلت النظرة الأمنية للدفاع عن منطقة الخليج العربي تختلف وإن ازدادت أهمية، فالاتحاد السوفييتي السابق تفكك من تلقاء نفسه لكن هذا لا يعني عدم اهتمامه بالمنطقة كمورد رئيسي للنفط كما ظهرت على سطح الأحداث قوى كبرى آخذة في النمو مثل الصين واليابان وبقية الدول الآسيوية التي تصارع للحصول على موطئ قدم في المياه الدافئة والحصول على أكبر قدر ممكن من إمدادات النفط من الخليج العربي اللازمة لنموها الصناعي والعسكري المطرد والعراق بعد أن غزا الكويت قد ذهب نظامه القديم، وكان أن صحت منطقة الخليج العربي على عدة معطيات ربما يضيق المسطح المتاح للكتابة عن تحليلها بشكل واف لكنها من دون اختصار مخل أو تطويل ممل تتلخص في تقديري في أربع نقاط رئيسية تتقاطع وتؤثر في نظرة أمريكا لأمن الخليج والدفاع عنه وهي:
1 - أزمة نفطية حقيقية في الحال والاستقبال.
2 - تورط أمريكي عسكري في الخليج العربي.
3 - مواجهة عسكرية قادمة تهدد بكارثة.
4 - وباء فتاك ينتشر بشدة ويدعى الإرهاب.
ماذا يعني هذا الحديث وكيف يترجم أمنياً ودفاعياً؟
أولاً: في ما يخص الأزمة النفطية فإن الوكالة الدولية للطاقة قد أشارت في الأشهر القليلة الماضية إلى أن منطقة الخليج العربي ستظل المورد الرئيسي للطاقة في العالم لعقود طويلة قادمة، وفي ظل هذه الإشارة جاءت مراكز البحوث الاستراتيجية وعلى قمتها (معهد بروكنجز) في الولايات المتحدة لتؤكد على أهمية منطقة الخليج بالنسبة للاحتياجات الأمريكية من الطاقة مستقبلا وتلبية الطلب على النفط في منطقة آسيا والمحيط الهادئ ودور منطقة الخليج، وقد جاءت التوقعات بتضاعف الطلب على النفط بحلول عام 2050 مع الأخذ في الاعتبار أنه مصدر قابل للنفاذ لذا فإن السبق لمن يحصل عليه.
وفي أحدث دراسة فرنسية قادها نيز بابوزيز وبيار رينه بوكيس الخبيران النفطيان الفرنسيان واللذان يقودان مجموعة العمل حول النفط في أكاديمية التكنولوجيا الفرنسية جاءت النتيجة النهائية كالتالي إننا لا يجب أن نتوقع مستقبلا من دون أزمات نفطية، وأن سعر البرميل من النفط قد يتجاوز المائة دولار مع أوائل العقد المقبل، وأن مواجهات عسكرية يمكن أن تنشب في منطقة الخليج بين القوى العظمى القائمة (أمريكا) والدول الكبرى القادمة (الصين واليابان وغيرهما).
وإذا كانت الولايات المتحدة قد هددت في منتصف السبعينات بالتدخل العسكري واحتلال الخليج العربي عندما صرح هنري كيسنجر عام 1974 بالقول (إن عملية التدخل العسكري واحتلال الخليج العربي سوف لا تكون شبيهة بفيتنام، وسيكون هناك إجماع في الرأي العام العالمي على مثل هذه الخطوة دون أي معارض) فإن الولايات المتحدة في منتصف هذا العقد ليست في حاجة إلى إطلاق مثل هذه التهديدات لأنها أضحت موجودة وحاضرة عسكرياً وأمنياً في الخليج العربي وهذا ما يقودنا إلى الركيزة الثانية.
ثانياً: أما عن الركيزة الثانية فتتمثل في الطفرة النوعية والكمية في الترتيبات الأمنية الأمريكية بعد غزو العراق في مارس من عام 2003، إذ أضحت القوات المسلحة الأمريكية في قلب الخليج العربي، وتقوم على احتلال عسكري لثاني أكبر دوله المصدرة للنفط والتي تحتوي على مخزون منه يثير شهية جماعات الضغط النفطية في العالم عامة وفي أمريكا خاصة وهو ما كان السبب الرئيسي في فكرة الغزو العراقي.
وقد خيل للكثيرين أن هذا الوجود يضمن ولآجال طويلة للولايات المتحدة السيطرة على منابع النفط بالكلية في العراق وحماية بقية الموارد الموجودة في الدول النفطية المجاورة ولا سيما المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، لكن الواقع الأمني يشير إلى أن الولايات المتحدة في مأزق أمني وسياسي كبير بعد أن أدركت لاحقاً فشل أعمال الأطروحات العسكرية على أرض العراق بسبب ما تلاقيه من أعمال مقاومة وهو ما دعا أكثر من نصف الشعب الأمريكي للمطالبة بالانسحاب من العراق، لكن الرئيس الأمريكي في خطابه الأخير الذي أشار فيه إلى استراتيجية النصر في العراق بدا جليا أنه يرفض هذه الفكرة قبل أن يحقق الوجود الأمريكي أهدافه، وقبل أن تتمكن القوات العراقية من إرجاع الأمن المفقود والأمل المنشود في الاستقرار ذلك لأنه يدرك مدى الخسائر الاستراتيجية التي ستصيب الولايات المتحدة في مقتل حال الانسحاب دون تحقيق النصر أو الاستقرار وما يستتبعه من تأمين لموارد الخليج النفطية أو فوضى شاملة في الخليج العربي تصيب وصول الإمدادات إلى بلده بعطب لا قبل له به.
ومما لا شك فيه أن غزو العراق قد مثل وبالاً على أمن الخليج بصورة كاملة لأنه قلب موازين مستقرة ومستمرة كانت تضمن في أسوأ الأحوال تدفق النفط على أمريكا دون معوقات تذكر، لكن اليوم وفي ظل أوضاع المقاومة العراقية فإن سعر البرميل قد جاوز الستين دولاراً وأصيب الاقتصاد الأمريكي بأكبر عجز في ميزان مدفوعاته في التاريخ جاوز الـ 600 مليار دولار، ولم تصلح الآلة العسكرية وحدها في تحقيق هذا الأمن بل أدت إلى المزيد من التفكك والانقسام القابل للإشعال والاشتعال ولا سيما بعد أن كذبت دراسة أمريكية ادعاءات الرئيس بوش ووزارة الدفاع حول تراجع عمليات المقاومة في العراق، وقالت الدراسة التي أعدها محللان في مجال الدفاع لدى المعهد الأمريكي لسياسة الشرق الأدنى إنه رغم التأكيدات الأمريكية عن حصول تقدم في مواجهة التمرد فلا تزال الحركة قوية وقد تزداد قوتها كثيراً في الأيام المقبلة.
والتساؤل المؤلم ماذا لو قررت إدارة بوش الانسحاب من العراق تحت ضغط الخسائر البشرية والعسكرية والأدبية؟ وما تأثير هذا الانسحاب في أمن الخليج بصورة أوسع وأشمل؟ وكيف للأوضاع الجديدة التي نجمت عن تفتت العراق أن تؤثر سلباً في أمن واستقرار واحدة من أهم المناطق الطاقة في العالم؟
ولا يتوقف الأمر عند هذا النحو فقط، بل يتجاوزه إلى الحديث عن الركيزة الثالثة المتصلة اتصالاً وثيقاً بالركيزتين المتقدمتين.
ثالثاً: أما الأمر الثالث فيتعلق بالمواجهة مع إيران والتي تصر على المضي قدماً في تطوير برنامجها النووي، بل أعلنت لاحقاً أنها في سبيلها إلى بناء مفاعل نووي جديد فيما الولايات المتحدة تحث أوروبا على إحالة الملف الإيراني إلى مجلس الأمن الدولي كخطوة أولية لتحكم الخناق حول رقبة إيران لدفعها بعيداً عن المسار النووي.
وفي ضوء الإصرار الإيراني على الحق في امتلاك برامح نووية سلمية حسب ادعاءها فإن المواجهة هنا تصبح حتمية والحديث عن سيناريوهات المواجهات العسكرية بين إيران والولايات المتحدة مطروح بشدة سواء من خلال ضربات عسكرية مكثفة للمواقع العسكرية الإيرانية التي تحمي المنشآت النووية أو لمواقع المشروع النووي الإيراني عينها.
والواقع أن قراءة متأنية لهذا الطرح ومدى تشابكه مع أمن منطقة الخليج إنما تقودنا إلى القول إن كارثة حقيقية يمكن أن تنجم عن هذا الاشتباك، فإيران التي عززت مضائقها وشواطئ خليجها بمنظومات صاروخية روسية وكورية وصينية قادرة على إغراق أي ناقلات نفط تعبر الخليج عبر مضيق هرمز، بل إلى أكثر من ذلك فإنها من خلال يدها الطولى المتمثلة في جماعات الولاء الديني والأيديولوجي وهم الشيعة المنتشرون في الخليج العربي تستطيع إحداث شغب وقلاقل تهدد الاستقرار الداخلي لمنطقة الخليج العربي، وتحدث فوضى شاملة وعارمة لا تجدي معها الأساطيل الأمريكية ولا أحدث أنواع القاذفات والمقاتلات الجوية نفعاً، والحال في العراق يغني عن السؤال، وقد كانت تحذيرات وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل واضحة في هذا الإطار عندما حذر من مغبة الدور الإيراني في منطقة الخليج العربي وتأثيره في استقرار دول المنطقة فماذا سيكون من أمر هذه المواجهة؟ تساؤل معلق في رقبة الأيام المقبلة.
يمكن القول إذن إن الولايات المتحدة وبحق تعيش حالة من الضبابية والانقسام في الداخل مما يؤثر بشكل جدي في استراتيجياتها الأمنية في العالم عامة وفي منطقة الخليج خاصة، فلا صورة أو معالم واضحة لديها ولا سيما بعد أن (وحلت) في المستنقع العراقي وما قد يجره عليها من مواجهة مع إيران.
والشاهد أن الولايات المتحدة قد أسهمت وإلى حد ومد بعيدين في إحداث اضطراب وزعزعة في أمن الخليج، وكعادتها في حكم بوش لا تملك أي مشروع لإعادة استقراره فبقاؤها في العراق يزيد من مشاعر الكراهية لكل ما هو غربي ويمد التيارات الراديكالية بزخم فكري يؤجج الحركات العسكرية وأعمال العنف المسلح والمقاومة المختلطة، كما أن انسحابها على نحو مفاجئ كذلك يضع المنطقة فجأة في دائرة خواء أمني ويتركها دون أية ترتيبات تعيد لها توازناتها السابقة في أضعف الأيمان.
رابعاً: ولعله من الإجحاف بمكان في الحديث عن شأن الأمن والدفاع في منطقة الخليج العربي أن نهمل الإشارة ولو في عجالة إلى شأن بات يقض مضاجع العالم أجمع في العقدين الماضيين، وهو أمر الإرهاب الدولي. وحسب ما يجمع عدد وافر من كبار المحللين السياسيين وعلى رأسهم المفكر الفرنسي الشهير باسكال يونيفاس فإن أمن هذه المنطقة الثرية بات مهدداً من جراء تحولها إلى بؤرة لتجمع إرهابيي الشرق وربما الغرب وكافة القوى المناوئة للإمبراطورية الأمريكية المزعومة، ذلك أنه والحديث ليونيفاس كان العراق في عهده السابق يمثل نمطاً للإرهاب الداخلي من خلال حكم الرئيس العراقي السابق صدام حسين، لكنه بعد الغزو الأمريكي أضحى مركزاً جاذباً للإرهاب العالمي والخوف كل الخوف من انتشار سرطان الإرهاب وامتداده إلى بقية دول الخليج وهو حادث بالفعل وما يجري في المملكة العربية السعودية غير بعيد عما يجري في العراق والبقية تأتي.
ومن أسف فإن الإدارة الأمريكية تصر إصراراً غريباً على شكل واحد من أشكال المواجهة، أي الشكل الأمني فقط مما يولد لدى جماعات العنف على اختلاف أشكالها وأطيافها ردود فعل مساوية في المقدار ومضادة في الاتجاه تتحمل فاتورتها الأمنية السلبية دول الخليج قاطبة.
وفي النهاية يمكن إجمال المشهد الآني القلق والمضطرب بالقول إن دول وشعوب منطقة الخليج العربي إنما تدفع ثمناً لصراع بين قوى عظمى تتصارع على جوهرة تاج العصر (النفط) التي طمرت لأجيال كثيرة في باطن تلك الرقعة من الأرض وهو صراع لا تهتم أطرافه بآمال أو آلام الدول والشعوب التي يجري على أرضها السجال، ولعل في هذا ما يبدد الأوهام ويوقظ النيام إلى الحاجة الفعلية والماسة لمنظومة أمنية خليجية وربما في إطار عربي، وتلخص أبعاد الأزمة الأمنية القائمة وتشخص الدواء الناجع لها من أجل حماية منطقة أثبتت الأيام والتجارب الأخيرة أن الولايات المتحدة قد فشلت في تأمينها أمنياً، وأن الأمن عند الإدارات الأمريكية المتعاقبة لا يعني سوء الاستيلاء بشكل أو آخر على منابعها النفطية رغم الأصوات (الزاعقة) والرايات (الفاقعة) عن حمايتها وصون سلامة أراضيها وينابيعها النفطية.

مجلة آراء حول الخليج