العدد 134

استراتيجية روسيا الجديدة: لاعب جيو - استراتيجي والوصول إلى المياه الدافئة

الثلاثاء، 05 شباط/فبراير 2019

تقوم الاستراتيجية الروسية الخارجية لفترة ما بعد تفكك الاتحاد السوفياتي على إعادة بناء قدراتها المادية وكسب مكانتها كلاعب جيوستراتيجي في النظام الدولي لفترة ما بعد نهاية الحرب الباردة، وتحاول إدارة بوتين أن تترجم مجموع قدراتها المادية إلى سلوك خارجي يخدم أهدافها الاستراتيجية في المحور الجغرافي للتاريخ كما يسميه علماء الجيوسياسية في منطقة القلب في أوراسيا، وتتشكل هذه القدرات أساسًا من القوة العسكرية النووية، قوة الطاقة، قوة الجغرافيا السياسية في أوراسيا، القدرات الصناعية والقوة السياسية بامتلاكها حق الفيتو داخل مجلس الأمن. إلا أنه تبقى العقدة الجغرافيا-السياسية لروسيا أنها حبيسة اليابسة، فهي دائمة البحث عن المتنفس البحري في المياه الدافئة بحيث تبني كل استراتيجياتها على مواجهة كل المحاولات الخارجية التي تحاول حصارها، فاحتلالها لشبه جزيرة القرم وتطويق أوكرانيا في أوراسيا، من جهة، والتدخل العسكري في سوريا شرق المتوسط للحفاظ على قواعدها العسكرية البحرية، من جهة أخرى، كلها تجسيد لهذه الاستراتيجية، وفي هذا الإطار العام فإن السياسة الروسية تجاه دول شمال إفريقيا، الجزائر، ليبيا والمغرب في غرب المتوسط لا تخرج عن هذه الاستراتيجية الشاملة، من أجل الحفاظ على مصالح المركب الصناعي العسكري الروسي والدفاع عن التحالفات الجيوطاقوية مواجهة التنافس الدولي على المنطقة.

أولاً: العلاقات الاستراتيجية الروسية-الجزائرية: المحددات والانعكاسات.

تحكم العلاقات الروسية-الجزائرية مجموعة من المحددات المتداخلة فيما بينها ولا يمكن التمييز بينها إلا من خلال التطور التاريخي لتلك العلاقات، فأول هذه المحددات، المحدد التاريخي، الذي من خلاله يمكن قراءة وتحليل طبيعة العلاقات الروسية-الجزائرية ماضيًا، حاضرًا ومستقبلاً. حيث توطدت العلاقات بين موسكو والجزائر بشكل تاريخي في بيئة الصراع الدولي شرق-غرب في فترة الخمسينيات من القرن العشرين، حيث كانت الجزائر خاضعة لسيطرة الاستعمار الاستيطاني الفرنسي منذ 1830م، وقامت بثورة التحرير في أول نوفمبر 1954م، مما استدعى المساندة السوفياتية للقضية الجزائرية في الأمم المتحدة التي عملت على إدراجها في جدول الأعمال لمجلس الأمن في 26 يونيو 1956م، ومع استقلال الجزائر في 1962م، أقام الاتحاد السوفياتي علاقات متنوعة مع الجزائر لا سيما في الميدان العسكري، بلغت نسبة العتاد العسكري الجزائري المنتوج في الاتحاد السوفياتي في نهاية السبعينيات حوالي 90 %، يضاف إليها الاتفاقيات التعاونية في ميدان التكوين وتبادل الخبرات التقنية، وإلى جانب التعاون العسكري فإن الاتحاد السوفياتي ساهم بشكل حيوي في تنمية قطاع المناجم في الجزائر حيث كانت تستحوذ على 35 % من العقود والصفقات في هذا الميدان[1].

أما المحدد الثاني الذي حكم طبيعة العلاقات بين البلدين لفترة طويلة فتمثل في العامل الإيديولوجي، فطبيعة الثورة الجزائرية ضد الاستعمار الغربي الاستيطاني بالتحالف مع الحلف الأطلسي جعل الجزائر تتمسك بالمبادئ الاشتراكية التي كانت معادية للرأسمالية العالمية والعداء المطلق لكل ما يرمز للإمبريالية العالمية التوسعية، وهو ما تجسد فيما بعد في سلوك السياسة الخارجية الجزائرية من خلال المطالبة بنظام اقتصادي دولي جديد داخل حركة عدم الانحياز، وفي الوقت ذاته الحفاظ على الاستقلالية السياسية تجاه الشرق وفق أدبيات عدم الانحياز "العداء للغرب والرفض للشرق"، فتمسك الجزائر بالاشتراكية لا يعني الارتماء في أحضان المعسكر الاشتراكي السوفياتي بل في بعض الفترات كانت الجزائر تقف معاتبة الاتحاد السوفياتي على موقفه المتخاذل تجاه بعض القضايا العربية، والرواية الأكثر تداولاً في هذا الصدد زيارة الرئيس الجزائري هواري بومدين إلى موسكو أثناء العدوان الإسرائيلي على العرب في 1967م، حيث سأل الرئيس الجزائري الرئيس السوفياتي عن أسباب تأخر السوفيات في إمداد الطرف العربي بالسلاح في الوقت الذي يدعم الطرف الأمريكي الكيان الصهيوني، وأخرج الرئيس الجزائري صكًا مالًيا يعرب عن استعداده لدفع ثمن الأسلحة.

بعد مرحلة تفكك الاتحاد السوفياتي زار الرئيس الجزائري، عبد العزيز بوتفليقة، روسيا في أبريل 2001م، ليوقع مع الرئيس فلاديمير بوتين على اتفاق الشراكة الاستراتيجية، اعتبر أول اتفاق من نوعه في العالم العربي، وبعدها زار الرئيس بوتين الجزائر في مارس 2006م، ليوقع على عدة اتفاقيات ويتم معالجة الديون العسكرية المستحقة للاتحاد السوفياتي السابق بقيمة 4.7 مليار دولار.[2] وهنا نشير إلى أن أهم محدد كرس لطبيعة العلاقات الروسية-الجزائرية تمثل في المحدد الجيوستراتيجي والأمني، بحيث تنظر الجزائر إلى روسيا باعتبارها الحليف الاستراتيجي في تعاونها العسكري والتقني، من خلال الاعتماد على التسلح الروسي خصوصًا وأن الفترة العصيبة التي مرت بها الجزائر في مرحلة الانتقال الديمقراطي ومحاربة الإرهاب جعلها تكسب الخبرة الأمنية في أن الدول الغربية لا يمكن أن تقدم أية مساعدات بدون شروط سياسية.

أما بالنسبة لروسيا، فإن المحدد الجيوستراتيجي نابع من إدراك الروس إلى اعتبار الجزائر جزءًا من الهلال الداخلي المحيط بمنطقة القلب أوراسيا، في بعدها المتوسطي والإفريقي بشمال إفريقيا، يسمح لها بتحقيق أهم الأهداف الحيوية في سياستها الخارجية، البحث الدائم عن المياه الدافئة خصوصًا في البحر المتوسط، حماية المصالح الحيوية للمركب الصناعي العسكري الروسي، وترقية أمن الطاقة.

يمثل قطاع صادرات الأسلحة مكانة حيوية في التجارة الخارجية الروسية، وفق تقرير المعهد الدولي للبحث حول السلام في ستوكهولم، فإنه خلال الفترة الممتدة ما بين 2013-2017م، احتلت روسيا المرتبة الثانية لمصدري السلاح في العالم بنسبة 22% بعد الولايات المتحدة الأمريكية 34% وتتبعها فرنسا بـ 6.7%، حيث تراهن روسيا في تصدير أسلحتها على منطقة إفريقيا بــ 13% من نسبة إجمالي صادراتها ومنطقة الشرق الأوسط بنسبة 11% في الوقت الذي تبقى منطقة آسيا-المحيط تستحوذ على النسبة الأكبر 66 %.[3] وفي هذا الإطار فإن الجزائر تمثل في الاستراتيجية الروسية دولة محورية في التعاون العسكري والتقني حيث "يعتمد هذا النوع من التعاون على الثقة، وهذا بالضبط ما يجمع البلدين"[4] حسب تعبير الرئيس السابق ديميتري ميدفيدف أثناء زيارته للجزائر في أكتوبر 2010م، كما "تحظى الجزائر بالأولوية بالنسبة لموسكو في مجال التعاون التقني والعسكري" كما أكد ذلك سيرغي شويغو، وزير الدفاع الروسي:" في التعاون العسكري لروسيا يوجد 98 بلدًا، ظلت الصين والهند ومصر والجزائر وفيتنام شركاءنا ذا الأولوية"[5]، وتترجم الإحصائيات والأرقام المتعلقة باقتناء الجزائر للإنتاج الصناعي العسكري الروسي هذه الثقة المتبادلة، حسب المعهد الدولي للبحث حول السلام لستوكهولم، فإن مجموع الصفقات المبرمة بين الجزائر وروسيا خلال السنتين 2006-2007م، الفترة التي صنفت فيها الجزائر كأول زبون للسلاح الروسي، قدرت قيمتها ب 15 مليار دولار، بحيث يتم توريد الصفقات إلى الجزائر ما بين 2015-2020، ووفق المصدر ذاته، فإن الجزائر اقتنت في سنة 2011م، ما قيمته 13 مليار دولار من منظومة الصواريخ والأنظمة المضادة للصواريخ، الدفاع الجوي، الدبابات وطائرات التدريب[6].

شكلت هذه الفترة بالنسبة للجزائر مرحلة تطوير القدرات الدفاعية وانتهاج استراتيجية الاحترافية في مؤسساتها العسكرية، يضاف إليها إدراك صانعي القرار في الجزائر لمجموع التهديدات الجيوسياسية المحيطة بالجزائر التي تتطلب التكيف العسكري-التقني لمواجهة انعكاساتها، هو ما يشير إليه السفير الروسي في الجزائر، إيقور بلايف، عندما سئل من قبل صحيفة سبوتنيك الروسية عن دوافع استحواذ الجزائر على نصف صادرات الأسلحة الروسية إلى إفريقيا، بقوله:" يشهد التعاون العسكري والتقني تطورًا مع الجزائر لتصرف الجزائر من منطلق تطورات الوضع في الشرق الأوسط وإفريقيا الشمالية بخاصة عند الحدود الجزائرية، حيث تكثر النزاعات والأزمات وبالأخص الأزمة الليبية"[7]، وهو بالفعل ما يدفع الجزائر التي خصصت ميزانية معتبرة للإنفاق العسكري بدافع مأزق الأمن والحفاظ على بقاء مكونات الدولة وسيادتها ومراقبة الحدود الشاسعة مع سبعة دول، بمساحة جغرافية الأولى في القارة الإفريقية، وشريط ساحلي متوسطي يفوق 1400 كلم، ونفس مسافة الحدود التي تجمعها في الجنوب مع شمال مالي التي تعرف أزمات متعددة الأبعاد بالتواجد العسكري الفرنسي والأممي لمواجهة الجماعات الإرهابية وجماعات الجريمة المنظمة، وما يقارب ألف كلم في حدودها الشرقية مع الجارة ليبيا التي تعرف انهيار الدولة لفترة ما بعد نظام القذافي.

كما أن التجربة الجزائرية المريرة التي عرفتها في مرحلة الانتقال الديمقراطي شكلت الدافع الأساسي لمواجهة ظاهرة الإرهاب العابر للحدود، وهو ما أكده الرئيس الجزائري، عبد العزيز بوتفليقة، للرئيس الروسي فلاديمير بوتين أثناء زيارته للجزائر في مارس 2006م:" إن الـجزائر خرجـت من حقبة طويلة سادها العنف والفتنة على الصعيدين السياسي والأمني، وإبانه تعرضت أركان دولتـنا للـخطر والتهديد جراء العنف الإرهابي الذي وسم العشرية الـمنصرمة والذي استهدف الشعب الـجزائري برمته".[8]

إلى جانب المحددات المتنوعة التي حكمت طبيعة العلاقات الروسية-الجزائرية، فإن العامل الجيوطاقوي شكل كذلك أحد نقاط الالتقاء بين البلدين، بحيث تعتمد كل من روسيا والجزائر في قدراتهما المادية على مصادر الطاقة، الغاز والنفط بالأخص، مع الفارق في قوة كل منهما على المستوى العالمي. في تقرير لمجلس الشيوخ الفرنسي بعنوان:" الطاقة في قلب القوة الاقتصادية الروسية" يقدم مجموعة من الاحصائيات التي تثبت قوة عامل الطاقة كمحدد للسلوك الروسي على المستوى العالمي، إلى غاية 2008م، كانت روسيا المنتج العالمي الأول للغاز بــ 20 % من الإنتاج العالمي والمنتج العالمي الأول للنفط بحصة 12 % من الإنتاج العالمي، وتملك احتياطي ضخم من الغاز والنفط، 70 مليار برميل نفط و47578 مليار متر مكعب من الغاز ما يقدر 74 سنة من الإنتاج.[9] كما تملك روسيا مجموعة من الموارد الحيوية ذات البعد العالمي مثل الفحم، اليورانيوم.

إذا كانت هذه الموارد من الطاقة تمثل عامل قوة بالنسبة لروسيا والجزائر، فإنها تمثل هاجس أمني بسبب الاضطرابات الفجائية لأسعار النفط والغاز التي تتحكم فيها الكثير من العوامل الخارجية، لاعتمادهما بنسبة كبيرة على عائدات المحروقات، فالميزان التجاري لروسيا يبين بأن المحروقات تشكل 60 % من إجمالي الصادرات. ويمكن الاستدلال على هذا الانكشاف الأمني الخارجي من خلال التراجع المحسوس للعائدات المالية بسبب تراجع أسعار الطاقة حيث تراجع احتياطي الصرف في روسيا من 580 مليار دولار سنة 1997م، إلى 380 مليار دولار سنة 2009م، بسبب الأزمة المالية العالمية.[10] يضاف إلى ذلك فإن النزاع الروسي مع الغرب في أوكرانيا في بعده الجيوسياسي مثل اختبارًا حقيقيًا لروسيا في مواجهة تمدد الحلف الأطلسي في الحديقة الخلفية لروسيا من جهة، ومواجهة التمدد الجيواقتصادي لأوروبا ضد المشروع الاقتصادي الأوراسي الذي تقوده روسيا، من جهة أخرى. فبالرغم من استخدامها للطاقة كسلاح في مواجهة النخب الموالية للغرب في أوكرانيا ونجحت إلى حد كبير في ذلك بما فيها الاستيلاء على شبه جزيرة القرم واستخدام الانفصاليين في شرق أوكرانيا، إلا أنها تبقى في تبعية لأمنها الطاقوي لأوروبا في تشابك قوي للاعتماد المتبادل بين روسيا وأوروبا، لأن أكثر من 30 % من واردات الغاز الطبيعي الأوروبي مصدره روسيا، وما يقارب 70 % من صادرات النفط الروسي وما يقارب 90 بالمائة من صادراتها من الغاز تمر عبر الأراضي الأوروبية[11]. واستخدام روسيا للطاقة كسلاح لتحقيق تمددها الجيوسياسي قابله مواجهة أمريكية-أوروبية بفرض العقوبات الاقتصادية على روسيا بالأخص في قدراتها العسكرية، حيث تستخدم الولايات المتحدة الأمريكية المادة 231 من قانون مواجهة أعداء الولايات المتحدة الأمريكية من خلال العقوبات، الصادر سنة 2017م، التي تنص على فرض العقوبات على زبائن روسيا في التسلح، وهو ما استخدمته ضد دائرة التنمية والتجهيزات العسكرية الصينية ومديرها، لي شانقفو، لشرائها الطائرات المقاتلة الروسية سوخوي 35 وصواريخ أرض جو أس 400 [12] وهي نفس العقوبات التي تلوح بها الإدارة الأمريكية تجاه حلفائها الذين يعتمدون على الأسلحة الروسية، كما أشارت إلى ذلك قناة سي.أن.أن بأن هناك إعداد لقائمة سوداء لزبائن روسيا تشمل حلفاء واشنطن في مكافحة الإرهاب مثل، المغرب،الجزائر، الإمارات العربية المتحدة ومصر.[13]

إن الاستخدام الروسي للطاقة كسلاح جعل الأوربيين في حالة قلق دائم للحفاظ على أمنها الطاقوي، وترى في كل مشروع روسي للتوسع الطاقوي تهديدًا مباشرًا لأمنها، وكانت تجربة الشراكة الروسية-الجزائرية بين شركتي غاز بروم وسوناطراك في سنة 2006م، نموذجًا لهذا القلق المفرط، بمجرد توقيع الاتفاق الإطار بين الشركتين، عبر المحافظ الأوروبي للطاقة، أندريس بيبالقس، عن قلقه بقوله :" يجب على غازبروم وسوناطراك أن توضح نيتهما من هذا الاتفاق، لأن 35 بالمائة من الاستهلاك الأوروبي للغاز مصدره روسيا والجزائر"[14] وكان القلق الأوربي قد أثر على استمرار هذا الاتفاق بعد الترويج له في أوروبا على أنه مشروع "كارتل للغاز" أو"أوبيب للغاز" وهو ما ذهب إليه الوزير الأول الإيطالي، رومانو برودي، عندما طالب من الاتحاد الأوروبي التدخل لمنع إنشاء كارتل للغاز يهدد الأمن الطاقوي الأوروبي[15]، وكما أشار محافظ الطاقة الأوروبي سابقًا، فإن الإدراك الأوروبي لحساسية المورد الحيوي واستخدامه من قبل روسيا في محيطها الجيوسياسي والجيواقتصادي، كان نابعًا أساسًا من التبعية للغاز الروسي التي قد تغطي 35 % من الاحتياجات الأوروبية بتحالفها مع المؤسسة الجزائرية، سوناطراك.

رغم التطمينات الجزائرية لشركائها الأوربيين بأنها ستبقى بعيدة عن أي استعمال للغاز كورقة جيوسياسية، وأن اتفاق الشراكة بين سوناطراك وغاز بروم هو لضمان الإمدادات الطاقوية لأوروبا، فإن الضغط الأوروبي أنهى هذا المشروع، حيث صرح وزير الطاقة الجزائري، شكيب خليل، لمجلة غاز ونفط :" أنه لا يمكن أن يكون هناك أنابيب للغاز، لأنه ببساطة لا يوجد سوق عالمي للغاز، فهناك ثلاثة أسواق مختلفة، واحد أسيوي، وواحد أوروبي والآخر أمريكي، وأن فرضية توسيع الغاز المسال من أجل سوق للغاز لا يمكن أن تكون إلا بعد 20 إلى 30 سنة".[16]وتساءل وزير الطاقة الجزائري قائلاً:" لماذا لم تثر نفس الاتفاقات التي أبرمتها سوناطراك مع شركتي شال وستاتويل أي ضجة في أوروبا؟ "[17] فبعد سنة من إبرام الاتفاقية بين سوناطراك وغاز بروم أعلن المدير العام للشركة الجزائرية، محمد مزيان، لوكالة الأنباء الفرنسية على هامش المنتدى العالمي للطاقة بروما عن شهادة وفاة هذا الاتفاق:" لقد انتهى الاتفاق في أغسطس 2007م، ولم يتم إقامة أي مشروع مع غازبروم، فقد كنا مهتمين بالاستكشافات في روسيا وروسيا كذلك مهتمة بالاستكشافات في الجزائر، كما كنا مهتمين بمشروع الغاز الطبيعي المسال في شمال روسيا الذي لم يتم إنجازه، بالرغم من أننا أبرمنا نفس الاتفاقيات مع شركة شال وستاتويل"[18].

إن العلاقات الروسية-الجزائرية تبقى خاضعة لتأثيرات التنافس الدولي القائم في النظام الدولي الراهن، فالموقف الأمريكي-الأوروبي من التوسع الجيوسياسي الروسي في شرق المتوسط من خلال التدخل العسكري الروسي في سوريا، وغرب المتوسط من خلال سلوكها تجاه الأزمة الليبية أو العلاقات الاستراتيجية مع الجزائر ومشروع منطقة التبادل الحر مع المغرب، كلها ستبقى خاضعة لمراقبة المنافسة الأمريكية-الأوروبية.

ثانيًا: العلاقات الروسية-شمال إفريقيا: ليبيا والمغرب نموذج .

شكلت كل من وليبيا والمغرب نموذجين مختلفين في العلاقات الروسية مع دول شمال إفريقيا، وهو ما يبرزه السلوك الواقعي-المصلحي في السياسة الخارجية الروسية لفترة حكم الرئيس بوتين، حيث مثلت ليبيا القذافي نموذجًا للعلاقات الاستراتيجية والعسكرية من خلال ثنائية الأمن والطاقة، ومثلت المغرب نموذجًا للتوسع في غرب المتوسط والأطلسي من خلال اتفاقية التبادل الحر.

بالنسبة للعلاقات الروسية-الليبية أثبتت الأزمة الليبية مدى اهتمام روسيا بمصالحها الاستراتيجية مع نظام القذافي ووقفت ضد التدخل العسكري الفرنسي-الأطلسي، وكان التعبير الواضح عن ذلك ما أطلقت عليه في حينه "بمبدأ بوتين"، الذي يعني أي استخدام للقوة ضد المصالح الروسية في العالم بعد الأزمة الليبية سنستخدم الخيار العسكري للحفاظ على مصالحنا وهو ما تم فعلاً في سوريا.

بعد الإطاحة بنظام القذافي سعت موسكو لاسترجاع مصالحها التي كانت قائمة في السابق، لا سيما في ميدان التسلح، الطاقة ،ومشاريع البنية التحتية، حيث تترقب رفع الحصار المفروض على ليبيا من قبل الأمم المتحدة لإتمام صفقة التسلح بقيمة 4 مليارات دولار، وناقشت مع وزير خارجية حكومة الوفاق الليبي، محمد طاهر سيالة، أثناء زيارته لموسكو إعادة إحياء مشروع خط السكة الحديدية السريع الرابط بين سرت وبنغازي بطول 550 كلم، الذي تم التوقيع عليه في سنة 2008م، بقيمة 2.2 مليار دولار، يضاف إلى إجمالي الاستثمارات الروسية في ليبيا التي وصلت في فترة القذافي إلى 15 مليار دولار، خصوصًا في قطاع الطاقة بين غاز بروم الروسية والشركة الوطنية الليبية للنفط.[19]وتطمح موسكو أن تكون المصدر الأساسي لليبيا مستقبلاً بالقمح باعتبارها المنتج الأول عالميًا، وهي المصالح التي حاول إبرازها وزير الخارجية الليبي في موسكو بقوله:" لموسكو مصالح في ليبيا مستقبلا"[20]، وعليه، فإن الموقف الروسي من تطورات الأزمة في ليبيا أثار الكثير من القلق تجاه المصالح الأوروبية ولاسيما الصراع الفرنسي-الإيطالي الذي اشتد بين شركة إيني الإيطالية وتوتال الفرنسية حول الصفقات المرتقبة، وحتى الدور الأمريكي-البريطاني الذي يراقب الأوضاع في الميدان العسكري والاستخباراتي داخل وخارج ليبيا، وقد عبرت الصحيفة البريطانية "ذي الصن" عن هذا القلق الغربي من التواجد الروسي في ليبيا، بإشارتها إلى الدعم الروسي لجيش خليفة حفتر من خلال إرسال قوات دعم وصواريخ، وإرسال موجات من المهاجرين ضد الغرب، مما جعل الكثير من الدبلوماسيين البريطانيين يطالبون رئيسة الوزراء، تيريزا ماي، بمواجهة التهديد الروسي.[21]وتراهن حكومة طبرق التي تدعم خليفة حفتر على روسيا لمواجهة الدعم الأمريكي-البريطاني والإيطالي لحكومة الوفاق في طرابلس، حيث اعتبر الوزير الأول لحكومة طبرق، عبد الله الثني، العواصم الغربية الثلاث بأنها عدوة للشعب الليبي بدعمها للإسلام السياسي في ليبيا.[22] بينما روسيا تريد أن تظهر تجاه الليبيين موقفًا دبلوماسيًا محايدًا تجاه حكومة الوفاق الوطني في طرابلس والجيش الوطني بقيادة حفتر في طبرق، وذلك باستقبال كل الأطراف، مع دعمها وساطة الأمم المتحدة ومبادرة مبعوثها الخاص غسان سلامة، وفي الوقت ذاته تريد أن تستثمر في العلاقات التاريخية بين روسيا وليبيا " كصديق قديم لليبيا، نريد مساعدتكم للخروج من المصاعب" قال سيرغي لافروف مخاطبًا وزير الخارجية الليبي، محمد طاهر سيالة،[23] وهي بذلك تريد أن تؤكد بأنها لا ترمي بالبيض في سلة واحدة من أجل الحفاظ على مصالح المركب الصناعي العسكري والاستثمارات التي لا تزال معلقة في ليبيا.

أما فيما يخص العلاقات الروسية-المغربية فإنها تتميز بأنها "علاقات فريدة من نوعها، حتى في فترة الحرب الباردة عندما كان الاتحاد السوفياتي والمغرب كل في جهة في إطار المواجهة الشاملة، فإن العلاقات بين البلدين بقيت قائمة على الاحترام المتبادل، وتتجنب دائما النزاعات"،[24] كما بين ذلك السفير الروسي بالمغرب، فاليريان شوفايف.

تم التوقيع بين البلدين على اتفاقية الشراكة الاستراتيجية المعمقة في مارس 2016م، بعدما تم التوقيع على إعلان الشراكة الاستراتيجية بموسكو في سنة 2002م، حيث تهدف هذه الاتفاقيات إلى تعزيز المكانة الروسية في منطقة غرب المتوسط وشمال إفريقيا، وبمناسبة زيارة الوزير الأول الروسي، ديميتري ميدفيدف، إلى المغرب في أكتوبر 2017 م، تم التوقيع على 11 اتفاقية تعاون من ضمنها اتفاقية حول الطاقة النووية المدنية، والإمدادات بالمنتوجات العسكرية، باعتبار المغرب ثاني مستورد للسلاح في إفريقيا، فإن روسيا تريد أن تبين للمغرب بأن علاقاتها الاستراتيجية مع الجزائر لا تؤثر على مصالحها البرغماتية، وهو ما أكده السفير الروسي في المغرب عندما سئل عن مستقبل التعاون العسكري بين البلدين في ظل تبعية المغرب تاريخيًا للتسلح الأمريكي-الفرنسي، بقوله:" ما يسمى التفكير التاريخي، أسميه بالتفكير البرغماتي، لأن سوق التجهيزات العسكرية يخضع لمنطق السوق والرضا بين البائع والشاري في المسائل الخاصة بالخدمات ما بعد البيع، نظام التدريبات، قطع الغيار، دون أن ننسى الأبعاد الاقتصادية للتنافس".[25] وتدرك روسيا أن السوق المغربية يسيطر عليه المركب الصناعي العسكري الأمريكي، والمنافسة صعبة في هذا المجال، في سنة 2013م، كشفت يومية المساء المغربية عن صفقة للتسلح بين المغرب وشركة راثيون Raytheon الأمريكية بقيمة 12 مليار دولار، في إطار التعاون العسكري الأمريكي في ميدان الأمن البحري ومحاربة الجريمة المنظمة في البحر[26] كما وافقت كتابة الدولة الأمريكية على صفقة عسكرية للمغرب بـــ 1.5 مليار دولار في سنة 2018م. [27]

تراهن المغرب في علاقاتها مع روسيا على ولوج سوق الاتحاد الاقتصادي الأوراسي التي تقوده روسيا بتجمع يفوق 200 مليون مستهلك، وهو ما تم من خلال مذكرة التعاون بين اللجنة الاقتصادية الأوراسية والحكومة المغربية في سبتمبر 2017م، لإنشاء منطقة للتبادل الحر، رغبة منها في تنويع صادراتها لاسيما المواد الفلاحية والحمضيات، حيث يشير حجم التبادلات التجارية البينية إلى التصاعد النسبي وصلت سنة 2017م، إلى 3.7 مليار يورو بزيادة نسبتها 10 % مقارنة بسنة 2016م، ولم تكن تتجاوز 200 مليون دولار سنة 2001م، تغطي المنتوجات النفطية الروسية المصدرة للمغرب 80 من إجمالي الصادرات الروسية.[28]

ثالثًا: روسيا...الرهانات المستقبلية.

يتضح من خلال السلوك الروسي تجاه دول شمال إفريقيا الثلاثة أنها تعتمد سياسة براغماتية بعيدًا عن الإيديولوجيا أو الاصطفاف الذي كان في فترة الحرب الباردة، فهي تنظر لمنطقة غرب المتوسط كامتداد بحري لشرق المتوسط التي كرست فيها قواعدها العسكرية البحرية والجوية في سوريا، رهاناتها تبقى قائمة للحفاظ على مصالح المركب الصناعي العسكري الروسي في الجزائر وليبيا وفتح شهية المغرب في إطار المنافسة مع المركب الصناعي العسكري الأمريكي-الفرنسي، كما أن التحرك الروسي سيبقى في المستقبل القريب قائما على كسب المزيد من الأسواق الطاقوية والبحث عن الاستثمارات المشتركة في ليبيا والجزائر خصوصًا في الغاز الصخري، وتغري المغرب بإمدادات تنافسية للطاقة مقابل الرهان على منطقة للتبادل الحر، إلا أن هذه الرهانات كلها ستظل حبيسة اللعبة التنافسية الروسية-الأمريكية-الفرنسية حيث تهدد واشنطن حلفاءها في شمال إفريقيا بالعقوبات في حالة الاقتراب أكثر مع روسيا على حساب المصالح الغربية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*مدير المدرسة الوطنية العليا للعلوم السياسية ـ الجزائر

 

  1. Nicole Grimaud, La politique extérieure de l’Algérie, éditions Rahma, Alger,1994, p. 133

[2]كلمة رئيس الـجمهورية في مأدبة الغداء الـمقامة على شرف رئيس فدرالية روسيا السيد فلاديـمير بوتيـن  الـجزائر ، 10 مارس 2006http://www.el-mouradia.dz/arabe/president/activites/presidentacti.htm

[3]https://www.sipri.org/sites/default/files/2018-03/sipri_at_press_release_fre.pdf

[4]الجزائر وروسيا توقعان ست اتفاقيات للتعاون:     https://www.alittihad.ae/article/65616/2010/%D8%

[5]وزير الدفاع الروسي: الجزائر "تحظى بالأولوية" في مجال التعاون التقني والعسكري

http://www.ech-chaab.com/ar/112551.html?tmpl=component

[6]Kamel Louadj, « Quelques exemples de l’armement Russe qui font la puissance de l’armée Algérienne », spoutnik news,19:08 27.04.2018(mis à jour 19:34 27.04.2018) in :https://fr.sputniknews.com/international/201804271036135818-algerie-russie-armements-sophistiqus/

[7]R. Mahmoudi« Igor Beliaev explique pourquoi l’Algérie achète «beaucoup» d’armes russes », juillet 18, 2018 - 7:03 in : https://www.algeriepatriotique.com/2018/07/18/lambassadeur-de-russie-explique-lalgerie-achete-beaucoup-darmes/

[8] كلمة رئيس الـجمهورية في مأدبة الغداء الـمقامة على شرف رئيس فدرالية روسيا السيد فلاديـمير بوتيـن، عن موقع رئاسة الجمهورية الجزائرية،  الـجزائر ، 10 مارس 2006 ، أنظر الموقع: http://www.el-mouradia.dz/arabe/president/activites/presidentacti.htm

[9]« L'énergie au cœur de la puissance économique Russe », site de sénat français, 04 janvier 2019, in : https://www.senat.fr/rap/r09-182/r09-1821.html

[10]نفس المرجع.

[11]Situation énergétique de la Russie en 2015 selon l’EIA américaine (Energy Information Administration) , https://www.connaissancedesenergies.org/situation-energetique-de-la-russie-en-2015-150805

[12] (Ouramdane Mehenni , « Armement: l’Algérie risque des sanctions américaines », in : Algérie- ecoNewsletter ,21 septembre 2018 / 18 :24 https://www.algerie-eco.com/2018/09/21/armement-lalgerie-risque-des-sanctions-americaines/

[13]Jacques Deveaux, «  Elle achète des armes à la Russie: l'Algérie sur la liste noir des Etats Unis », Mis à jour le 28/09/2018 | 16:37, publié le 28/09/2018 | 16:37

https://www.francetvinfo.fr/monde/afrique/politique-africaine/elle-achete-des-armes-a-la-russie-l-algerie-sur-la-liste-noire-des-etats-unis_3057035.html

[14]M. Saâdoune, « Un veto sur le partenariat Sonatrach-Gazprom ? », le quotidien d’oran, 13 DÉCEMBRE 2009, https://algeria-watch.org/?p=11234

[15]Farouk DJOUADI, « L’accord Gazprom-Sonatrach tombe à l’eau » , L’Expression, 23 Avril 2008, https://algeria-watch.org/?p=9839

[16]M. Saâdoune, « Un veto sur le partenariat Sonatrach-Gazprom ? », op, cit..

[17]نفس المرجع.

[18]Farouk DJOUADI, « L’accord Gazprom-Sonatrach tombe à l’eau », op, cit.  

[19]« Libye : vers une réactivation des accords économiques avec Moscou »,  Par La Tribune Afrique, 07/05/2018 in : https://afrique.latribune.fr/afrique-du-nord/libye/2018-05-07/libye-vers-une-reactivation-des-accord-economiques-avec-moscou-777753.html

[20] نفس المرجع.

[21]«Nuire à l’occident », soutenir Haftar…Quels sont les véritables intérêts russes en libye ?, sputnik News, 20:28 09.10.2018 (mis à jour 11:49 10.10.2018), in : https://fr.sputniknews.com/international/201810091038433584-russie-libye-haftar-objectifs/

[22]EUGENE BAI,"Moscou, jeu dangereux en Libye », Le Courrier de Russie, 22 NOVEMBRE 2018.

https://www.lecourrierderussie.com/international/2018/11/moscou-jeu-dangereux-en-libye/

[23]« Libye : quels intérêts stratégiques pour la Russie ? »,   in : https://eurasiaprospective.net/2017/12/21/libye-un-interet-strategique-pour-la-russie-bretparmentier-dans-lorient-le-jour/

 

[24]« Ambassadeur de Russie au Maroc : Moscou et Rabat, lié par une relation vraiment unique », Spoutnik News, 16:14 19.07.2018(mis à jour 16:19 19.07.2018), https://fr.sputniknews.com/international/201807191037268500-russie-maroc-relations/

[25]نفس المرجع.

[26] https://encyclopedie-des-armes.com/index.php/8-actualit/les-dernis/1585-un-contrat-d-armement-de-12-milliards-de-dollars-entre-le-maroc-et-les-etats-unis

[27]نفس المرجع.

[28]« Le Maroc et la Russie s’engagent à consolider davantage leurs relations», par H.K (avec MAP) Publication : 2 septembre 2018http://www.leseco.ma/maroc/69496-le-maroc-et-la-russie-s-engagent-a-consolider-davantage-leurs-relations.html

مجلة آراء حول الخليج