انت هنا: الرئيسية جميع المقالاتالحاجة إلى تصحيح الاستراتيجية المتبعة في أفغانستان

كورنا يعيد تعريف القوة ويكشف أزمات جديدة ويطلق رؤية للمشروع العربي

انشأ بتاريخ: الثلاثاء، 05 أيار 2020

نظّم منتدى أسبار الدولي يوم الإثنين 20 أبريل 2020م، ندوة عن بعد بعنوان: "النظام العالمي والعلاقات الدولية بعد كوفيد-19"، استضاف خلالها أربعة من الخبراء والمختصين والأكاديميين من داخل المملكة وخارجها.

وسلّطت الندوة التي أدارها د. فهد العرابي الحارثي، رئيس مجلس إدارة منتدى أسبار الدولي، الضوء على تأثير كورونا على النظام العالمي والعلاقات الدولية، وهل تصبح هذه الأزمة نقطة تحول محورية على الصعيد العالمي، إضافة إلى مؤشرات هذه التحولات الدولية وانعكاساتها على منطقة الخليج والشرق الأوسط.

وفي بداية الندوة، أكد د. عبد العزيز بن صقر، رئيس مركز الخليج للأبحاث، أن أزمة كورونا "كوفيد 19" أثرت على النظام العالمي الذي قام استنادًا إلى تفاهمات المنتصرين في الحرب العالمية الثانية، مبينًا أن اللحظات التاريخية والنادرة التي نعيشها اليوم كشفت بشكل واضح التوترات وصراعات القوى العظمى، لاسيما بين الولايات المتحدة والصين، خصوصًا بعدما اتهم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الصين بنشر هذا الوباء، حتى إنه وصف فيروس كورونا بالفيروس الصيني، كما أنه هاجم الصين لتقاعسها المزعوم في المراحل الأولى لانتشار وباء فيروس كورونا وذهب لاتهام منظمة الصحة العالمية بالتواطؤ مع الصين ومساعدتها في حجب المعلومات الأساسية عن هذا الفيروس، بما ساهم في انتشاره في الولايات المتحدة.

وأوضح أن الولايات المتحدة وانطلاقًا من هذا الاتهام تتجه لمطالبة الصين بدفع تعويضات مالية ضخمة تبلغ 6 تريليونات عما لحقها من خسائر نتيجة لإخفاق الصين وإخفائها حقيقة انتشار الفيروس ومدى خطورته، مبينًا أن هذه المطالبات ستخلق نوعًا من المواجهة بين الطرفين مما يجعل الولايات المتحدة تضغط على حلفائها في أماكن كثيرة من العالم في كيفية التعامل مع الصين، مبينًا أن هذا الضغط سوف ينعكس على دول الخليج، باعتبارها جزءًا لا يتجزأ من هذا العالم، لافتًا إلى أن العلاقات الخليجية الصينية كانت جيدة خلال السنوات العشر الأخيرة، حيث نمت العلاقة الاقتصادية وأصبح 30% من استهلاك الصين النفطي يأتي عبر الخليج، مؤكدًا أن السعودية تأتي كأكبر مورد نفطي للصين حيث تصدر لها أكثر من 17%.

وشدد بن صقر على أن دول الخليج في المقابل لم تدخل حتى الآن كطرف مباشر في الصراع الأميركي الصيني، مؤكدًا أن الكفة الأرجح ستكون للولايات المتحدة، وذلك لأن حلفاءها في أوروبا وآسيا وغيرها لا يزالون يقفون إلى جانبها وتربطهم بها مصالح كبيرة، وفي المقابل لا تزال الصين منكفئة على نفسها.

وأشار رئيس مركز الخليج للأبحاث إلى أن أي عقاب أمريكي ستوقعه ضد الصين سوف نتأثر به في الخليج لأن نحو 69% من صادراتنا من النفط والغاز تذهب لشرق آسيا من الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية. لافتًا إلى أن العالم العربي لديه كل المقومات لإيجاد مشروع عربي حقيقي، كما أن المملكة العربية السعودية لديها إمكانيات كبيرة لتلعب دورًا قياديًا في هذا المشروع.

فيما أشار د. عبد الله ولد أباه، أستاذ الفلسفة والدراسات بجامعة نواكشوط الموريتانية أن ظاهرة العولمة مستحكمة وقوية، وأكبر دليل هو أزمة كورونا وكيف أن وباءً بسيطًا ظهر في مدينة صينية سيتحكم وسيصل إلى كل مكان في العالم، موضحًا أن العولمة هي المرحلة الثانية من الحداثة، مبينًا أن البعد السياسي ما زال قاصرًا عن مواكبة التحولات الكبرى التي يشهدها النظام العالمي، الذي حكم العلاقات الدولية منذ 75 عامًا، وحال دون نشوب حروب عالمية جديدة حتى اليوم.

وأكد أنه على رغم من أن الولايات المتحدة هي مركز تشكل العولمة، ولكن المفارقة أنها بدأت تنسحب من التزاماتها في النظام الدولي الذي أسسته، وهذا ليس في عهد إدارة دونالد ترامب ولكن حتى في عهد الإدارة السابقة أيام باراك أوباما، ولكن بصيغتين منفصلتين، موضحًا أن الصين أصبحت المستفيد الأول من النظام العالمي الجديد، حيث باتت تدير 7 مؤسسات دولية كبرى في منظمة الأمم المتحدة، كذلك توجد بها 14 مؤسسة تحتل مراكز قيادية في العالم.

ولفت ولد أباه إلى أن قوة الصين تكمن في إدراكها للترابط في عالم اليوم، والاستفادة من الشبكة التي أنتجتها العولمة، وليس من خلال الصراع والهيمنة باستخدام القوة العسكرية، مشيرًا إلى أن الولايات المتحدة أدركت ذلك واتخذت قرارًا استراتيجيًا، ولم تعد مستعدة للتدخل العسكري الحاسم في المنطقة، وستكون منطقتا آسيا الوسطى وإفريقيا هما مراكز الصراع القادم.

في حين أوضح د. محمد أنيس سالم، منسق مجموعة عمل الأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية بالمجلس المصري للشؤون الخارجية أن المؤشرات والمتغيرات الدولية التي نشهدها هي محطة على الطريق وليست نقطة تحول، بمعنى أننا نشهد استمرارًا لمجموعة من المتغيرات القائمة بالفعل تبدأ بالتبلور بطريقة أو بأخرى، وليس هناك ما يمكن وصفه بعالم ما بعد كورونا، وهذا ما يراه العديد من الخبراء العالميين مثل ريتشارد هاس، رئيس مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي، وجوزيف ناي من جامعة هارفارد، وغيرهما.

وأضاف أننا اليوم أمام أزمتين في وقت واحد، وهي أزمة كورونا وأزمة الكساد العالمي التي قد تكون نتائجها وآثارها عدة أضعاف آثار كورونا، مبينًا أن المرحلة التي نعيشها مرحلة انتقالية قد تستمر لسنوات عديدة، ولن نستيقظ صباح اليوم الثاني ونجد نظامًا دوليًا جديدًا، ولكننا في مرحلة انتقالية قد تستمر إلى 20-30 سنة.

وقال سالم إن مركز القوة والصراع لا ينتقل شرقًا فقط، فهذا اتجاه موجود من قبل هذه الأزمة، ولكن هناك اتجاهًا أمريكيًا لإعادة التمركز داخليًا يماثل ما حدث في الولايات المتحدة بين الحربين العالميتين الأولى والثانية في القرن الماضي، وهذا لا يعود لتراجع القدرات الأمريكية، وإنما لإعادة التقييم التي يقوم بها الأمريكان، وشعورهم بأن التورط الخارجي لم يأت بالنتائج المرجوة، لافتًا إلى أن هناك اتجاهًا جديدًا لإعادة التمترس خلف الدولة القومية وإعادة نسيج الحدود الصلبة، والتقليل من التحركات البشرية، والتقليل من الترحيب باللاجئين، وأيضًا هناك دول كثيرة لن تتحمل العبء الاقتصادي الناتج عن كورونا والكساد العالمي.

وأكد سالم أنه عند الحديث عن عالم ما بعد الولايات المتحدة، فإن ما نخشاه في العالم العربي هو الثمن الإنساني والاقتصادي والاجتماعي الذي ستدفعه الشعوب العربية، حيث سينضم 50 مليون عربي إلى قائمة الفقراء، موضحًا أن الصينيين سعداء بتورط الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، ولا يرغبون في التدخل ولذلك إذا انسحب الأمريكان وانحسر تدخل الروس نتيجة لمشاكلهم الاقتصادية التي تمنعهم من التدخل في المنطقة، فإن هيمنة القوى الكبرى في الشرق الأوسط ستتراجع، مما سيؤدي إلى تزايد ظاهرة تنمر القوى الإقليمية (تركيا، إيران، إسرائيل).

بدوره، قال د. ظافر العجمي، المدير التنفيذي لمجموعة مراقبة الخليج، وباحث في قضايا أمن الخليج العربي إن التحولات الكبيرة لا تحدث على حين غرة، كما أنها لن تحدث حتى يتم تفكيك بعض الكتل السياسية والاقتصادية والعسكرية، مبينًا أن النظام الدولي لن يتفكك بسهولة، لدفاع الغرب عنه، كما لن يتم انتقال مركز القوة والهيمنة والريادة إلى الصين أو غيرها بسهولة، ولذلك سيستغرق انتقال مراكز القوى وقتًا أطول مما نتصور.

وأضاف : إن ما يمكن ملاحظته في الأزمة الراهنة هو أن الدول التي تتميز بقوة عسكرية جيدة أجادت التعامل مع الأزمة، فنجاح الصين في التعامل مع الأزمة لا يعود إلى كونها نظامًا شموليًا، ولكن نظرًا لما لديها من ترتيبات عسكرية جادة، والعكس صحيح في الدول التي لا توجد فيها أنظمة عسكرية حادة، ويرتفع فيها سقف الحريات وقيم الديمقراطية، لافتًا إلى أن الصين تسوق لعسكرة الشارع والتعبئة العامة والأحكام العرفية، كما تحاول أن تمنح هذه الأفكار صورة إيجابية على أنها قد تكون الرادع عندما تتجاوز الأمور حدودها المعقولة.

وأكد العجمي أن أزمة كورونا أعادت تعريف مفهوم القوة على أنها ليس فقط القوة العسكرية، بل إن هناك قوى متعددة تتضافر مع بعضها لتشكل القوة الشاملة، مثل الجاهزية الطبية والبيئية وحسن الإدارة وغيرها، مبينًا أن الدول التي فضلت منح شعوبها حرية الاختيار في العزل أو عدمه مثل السويد والدول الاسكندنافية هي التي تكبدت الخسائر.

 

 

وأشار إلى أن أصبحنا نرى تشكل فراغ استراتيجي في شمال الخليج بحجة كورونا، فالأمريكان بدأوا يتراجعون في الكثير من مواقعهم في العراق، وإعادة سيناريو مماحكات السفن مع إيران، لافتًا إلى أن التراجع أمام كورونا هو تراجع أمام الحرس الثوري والحشد الشعبي، موضحًا أن هناك مصالح جيو استراتيجية لا تزال للولايات المتحدة في المنطقة غير النفط وحماية إسرائيل، وعلى الرغم من بدء استراتيجية الاستدارة الأمريكية، إلا أن هناك معوقات جديدة ستظهر أمامها كل عدة سنوات، مشددًا على أن أحد تبعات كورونا هو الفقر الذي قد يحدث بصورة مماثلة لما حدث بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية، مستبعدًا أن يندلع صراع مباشر بين الولايات المتحدة والصين، فالصين ليست جاهزة لتبوؤ القيادة في العالم والصدام مع الولايات المتحدة.

 يذكر أن الندوة شارك فيها كل من د. عبد العزيز بن صقر، رئيس مركز الخليج للأبحاث، ود. عبد الله ولد أباه، أستاذ الفلسفة والدراسات بجامعة نواكشوط الموريتانية، ود. ظافر العجمي، المدير التنفيذي لمجموعة مراقبة الخليج، وباحث في قضايا أمن الخليج العربي، ود. محمد أنيس سالم، منسق مجموعة عمل الأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية بالمجلس المصري للشؤون الخارجية.

ويأتي تنظيم تلك الندوة الافتراضية في إطار اضطلاع منتدى أسبار الدولي بدوره في مناقشة وتغطية مواضيع وقضايا الفكر والسياسة والثقافة والمجتمع، وإيجاد حلول مبتكرة لها، فضلا عن مواكبة آخر وأحدث المستجدات المحلية والخليجية والعربية والعالمية ومنها تفشي فيروس كورونا المستجد الذي يواصل الانتشار والتمدد عالميًا بسرعةٍ لافتة، حيث إنه لحق بأكثر من 200 دولة حول العالم.

كلمات دليلية

الشركات المعلنة