array(1) { [0]=> object(stdClass)#11474 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 95

دور مراكز البحوث السياسية والاستراتيجية فى ترشيد القرار : العلاقة مع الدولة والمجتمع

الأربعاء، 01 آب/أغسطس 2012

يعتبر الدور الذى تقوم به مراكز البحوث الاجتماعية بصفة عامة مؤشراً لدرجة نضج مؤسسات الحكم والإدارة فى المجتمع وكذا مؤشراً لتطور الجماعة العلمية والبحثية وتبلور تخصصاتها فى مجال العلوم الاجتماعية وذلك باعتبار أن نتائج البحث فى العلوم الاجتماعية فى أى بلد تمثل المخزون الفكرى الذى يمكن أن تستخدمه مؤسسات الدولة والمجتمع عند رسم السياسات وتنفيذها وتقييمها، وبما يحقق أن العلم الجيد هو ما ينفع الناس ويساهم فى حل مشاكلهم ويساعد على إيجاد مستقبل أفضل لهم.

أولاً : تطور مراكز البحوث فى المجتمع المعاصر

إن ازدياد دور مراكز البحوث هو تعبير عن انتقال البحث العلمى من مرحلة " الباحث الفرد" إلى مرحلة "الباحث – المؤسسة" والذى يستعين فيها الباحث بالخبرات التى تقدمها له المؤسسة، بما فى ذلك تنوع التخصصات التى تشملها، دون أن تلغى رأيه الفردى أو اجتهاده الشخصى.

والمقصود بالمؤسسية فى هذا المجال هو دور مراكز البحوث وهيئات التفكير التى يطلق عليها باللغة الإنجليزية Research Centres   أو Think   Tanks والتى تجمع بين متخصصين فى مجالات مختلفة من المعرفة، وتتخطى دور أو جهد الشخص الواحد.

وتعود جذور الاهتمام بالبحث العلمى كعامل يساهم فى نهضة المجتمع وتقدمه إلى القرن التاسع عشر. وكان للجامعات الألمانية فضل السبق فى هذا المجال عندما قام وزير التعليم فى بروسيا "ويلهام فون همبولدت" أستاذ اللغة الشهير عام 1908 بتعيين عدد من الأساتذة فى جامعة برلين على أساس تفوقهم وتفرغهم للبحث العلمى . وتبع ذلك إنشاء كراسى أستاذية تضمن تفرغ شاغلها للبحث وذلك فى عدد من الجامعات الأوروبية. وتلى ذلك قيام الجامعات الأمريكية بإنشاء كليات للدراسات العليا بهدف دعم البحث العلمى. وأعقب ذلك فى القرن العشرين ظهور مؤسسات بحثية ينصرف كل العاملين بها لأغراض البحث حتى أنها أطلق عليها "جامعات بدون طلبة"[1].

ويمكن تصنيف مراكز البحوث وفقاً لأكثر من معيار:

  1. معيار التوجه السياسي: يمكن التمييز بين مراكز بحوث ارتبطت منذ نشأتها بتوجه سياسى معين مثل معهد "بروكنجز" Brookings Insitution  ذى التوجهات الليبرالية و"هيئة التراث" Heritage Foundation  ذات التوجهات الأكثر محافظة. وفى واقعنا العربى يوجد نموذج مركز دراسات الوحدة العربية الذى يعلن عن كونه مركزاً بحثياً يسعى من خلال بحوثه إلى تدعيم قضية الوحدة العربية والتنسيق بين الدول العربية. وقد لا يكون للمؤسسة توجه سياسى محدد دون أن يمنع ذلك وجود توجهات لدى الباحثين والعاملين فيها.
  2. معيار مجال الاهتمام : تركز بعض المراكز على مناطق جغرافية محددة مثل مراكز البحوث المهتمة بقارة أو نطاق جغرافى معين (مراكز البحوث الآسيوية، الأفريقية، الأمريكية، العربية، والشرق أوسطية). بينما تهتم مراكز أخرى بمجال معرفى معين اقتصادى أو سياسى أو استراتيجى أو اجتماعى.
  3. معيار التبعية التنظيمية: قد تكون المراكز جزءاً من هيئة أكبر سواء كانت جزءاً من جهاز الدولة كمراكز الأبحاث الموجودة فى الوزارات كالخارجية والدفاع والاقتصاد والزراعة، أو كانت جزءاً من إحدى المؤسسات الاقتصادية كالبنوك والشركات دولية النشاط أوالجامعات. وقد تكون المراكز مستقلة تنظيمياً وإدارياً عن أى جهة أخرى.
  4. معيار التمويل: عادة ما تجمع مراكز البحوث بين أكثر من مصدر تمويل بعضها حكومى، وبعضها الآخر من مؤسسات داخلية ومنظمات ومانحين دوليين. ويُستثنى من ذلك مراكز البحوث الحكومية التى تعمل فى مجال الأمن والدفاع حيث يقتصر تمويلها عادة على التمويل الحكومى المباشر نظراً لحساسية الموضوعات والقضايا التى تتعامل معها.
  5. معيار أساليب العمل: تقوم أغلب مراكز البحوث بالجمع فى أنشطتها بين إصدار الكتب والنشرات وعقد الندوات والمؤتمرات والمحاضرات العامة. ويصدر بعضها نشرات محدودة التوزيع للمشتركين فيها أو لأجهزة الدولة. وقد تنظم المراكز حلقات نقاشية تجمع بين عناصر من مؤسسات صنع القرار. والخبراء والمتخصصين وباستثناء هذه الأنشطة ذات الطابع المحدود أو المغلق، فإن أغلب مراكز البحوث تهدف إلى نشر أفكارها ونتائج بحوثها من خلال التوجه إلى الرأى العام وأجهزة الإعلام[2].

الحريات الشخصية والاجتماعية هى شرط للإبداع وضرورة لقيام مراكز البحوث السياسية والاستراتيجية بدورها

ازدياد دور مراكز البحوث هو تعبير عن انتقال البحث العلمى من مرحلة الباحث الفرد إلى مرحلة "الباحث – المؤسسة"

تمثل مراكز البحوث والدراسات نقطة التقاء ومنطقة حوار بين شركاء العقد الاجتماعى فى أى بلد

مراكز البحوث السياسية يفترض أن تكون بمثابة قرون الاستشعار لدرء المخاطر واستغلال الفرص

ثانياً : تطور مراكز البحوث الاستراتيجية والسياسية

فى هذا الإطار، ومع ازدياد دور مراكز البحوث فى المجالات المختلفة، كان العامل الحاسم فى تطور دور مراكز البحوث السياسية والاستراتيجية - وخلق مزيد من "الطلب الاجتماعى" على نواتجها- هو زيادة الاهتمام بمجالى الدراسات الاستراتيجية والمستقبلية.

فقد كان من شأن ذلك، ازدياد أهمية البحوث التطبيقية فى علم السياسة والتى تسعى إلى دراسة سياسات بعينهاPolicy Research  والوصول إلى نتائج أو توصيات قابلة للتطبيق بشأنها. وتشابه هذه البحوث التكنولوجيا فى علاقتها بالعلم فى العلوم الطبيعية . فإذا كان العلم بمعناه الأساسى والنظرى يسعى إلى فهم الظواهر الاجتماعية وطرح التفسيرات والاجتهادات وبلورة النظريات المناسبة لتفسير هذه الظواهر والتعرف على مسبباتها ونتائجها، فإن التكنولوجيا هى تطبيق هذه النظريات للتعامل مع مشاكل وتحديات اجتماعية محددة وتقديم حلول وسياسات وتوصيات بشأن التعامل معها.

1- الدراسات الاستراتيجية:

من الناحية العلمية، فإن الاستراتيجية هى علم وفن استخدام مصادر القوة والنفوذ والتأثير لتحقيق أهداف الدولة وتعظيم مصالحها. ويرد على هذا المفهوم عدة أمور؛ أولها: ارتباط مفهوم الاستراتيجية فى بدايته بالقوة العسكرية، وباستخدام الأداة العسكرية لتحقيق أهداف الدولة، ولكن تغير هذا المعنى فيما بعد لينصرف إلى مجمل عناصر قوة الدولة ونفوذها من مادية ومعنوية.وفى مرحلة لاحقة انتقل المفهوم إلى مجال الإدارة العامة وإدارة الأعمال ولم يعد رسم الاستراتيجيات والتخطيط الاستراتيجى قاصرين على الدولة. وطُبق هذين المفهومين على المنظمات الاقتصادية والمؤسسات الصناعية الكبرى. وثانيها: أن تحديد الأهداف يخرج عن إطار الفكر الاستراتيجى، الذى يركز على توضيح الأدوات والوسائل والأساليب المناسبة لتحقيق هذه الأهداف. وثالثها: يترتب على ذلك أن البحث الاستراتيجى يقوم على التفكير بمنطق الاحتمالات المختلفة والسيناريوهات المتعددة، والتى تتلخص فى "ماذا...لو". وبعبارة أخرى أنه يبحث فى الاحتمالات المختلفة المترتبة على كل موقف ويقترح أساليب السلوك والتصرف المناسبة لكل منها.

فى هذا الإطار، تمثل الدراسات الاستراتيجية نمطاً متميزاً من التفكير والتحليل. فهى ليست مجرد دراسة "بينية" أى تربط بين نتائج عدد من العلوم كالسياسة والاقتصاد والاجتماع والتاريخ، والعلوم العسكرية. وإنما تتجاوز ذلك، فهى فى المقام الأول دراسة تطبيقية تبحث فى العلاقات بين الوسائل والغايات. بعبارة أخرى، فإن التحليل الاستراتيجي هو ذلك النمط من التفكير الذى يسعى لتحديد الوسائل والآليات والأدوات المتعلقة بتحقيق أهداف الدولة أو المنظمة. ومن ثم فإن دور المفكر الاستراتيجى هم متمم ولاحق لدور رجل الدولة أو صانع القرار الذى يقوم بتحديد الأهداف الوطنية للدولة أو تلك الخاصة بالمنظمة. ثم يقوم المفكرون الاستراتيجيون ببحث الوسائل المختلفة لتحقيق هذه الأهداف ، وشروط استخدام كل منها، وعناصر الكسب أو الخسارة المتضمنة فى استخدامها ، واقتراح أو ترجيح أفضل هذه الوسائل. ولكن القرار الأخير فيما يتعلق باستخدام أى منها يعود مرة أخرى لرجل الدولة أو صانع القرار.

ومع أن الفكر الاستراتيجى يتصل بالأدوات، والسياسات، فإنه يؤثر على عملية تحديد الأهداف. إذ قد يتضح من البحث أن الأهداف الموضوعة مستحيلة التطبيق، أو أن الوسائل اللازمة لتنفيذها غير متاحة للدولة أو المنظمة فى الوقت الراهن. ومن ثم يكون من شأن هذه النتيجة إدخال تعديلات على الأهداف ذاتها.

بعبارة أخرى، فإن التحليل الاستراتيجى على مستوى الدولة يتم فى إطار أن جوهر التفكير الاستراتيجى هو استخدام القوة والنفوذ (بالمعنى الشامل) فى العلاقات الدولية لتحقيق الأمن الوطنى للدولة. ويدخل فى هذا الحساب تقدير مصادر التهديدات والمخاطر وطبيعتها (خارجية أم داخلية – عسكرية أم اقتصادية أم اجتماعية وثقافية ...)، ثم تحديد الوسائل والأدوات الضرورية لمواجهتها. لذلك فإن التفكير الاستراتيجيى يتعامل مع مفهوم القوة الشاملة للدولة بمختلف مصادرها(الحالية والمتوقعة – قوة الدولة المنفردة وكذا ما تستطيع أن توفره فى حالة الضرورة من الحلفاء والمناصرين لها)، ومقارنة هذه القوة بتلك التى يمتلكها الأعداء والخصوم. لذلك، يقال أحياناً بأن الاستراتيجية هى الجسر الذى يربط بين السياسة والدبلوماسية من ناحية، والقوة العسكرية من ناحية أخرى.

يترتب على ذلك أن التفكير الاستراتيجى، فى المقام الأول، هو بحث فى الاحتمالات والافتراضات والحالات المتصورة التى يمكن أن تواجهها الدولة أو المنظمة. ومن ثم فإن أحد المبادئ الرئيسية لهذا التفكير هو إطلاق الخيال والإبداع العقلى، بل والتفكير "فيما لا يجوز التفكير فيه" أخذاً بالأحوط وتحسباً للمواقف غير المتوقعة. وفى هذا النمط من التفكير إفادة للباحث والممارس على حد سواء. فالباحث يقوم بتدريب عقله وشحذ قدراته الذهنية على التفكير فى كل الحالات الممكنة والبدائل المتصورة. وبالنسبة للممارس فإنه يضع نتائج التفكير الاستراتيجي أمامه فى شكل خريطة للمواقف والاهتمامات التى يمكن أن تواجهه فى المستقبل عند اتخاذ القرار.

ومؤدى ذلك، أن التفكير الاستراتيجي هو بالأساس يتعلق بالمستقبل. ولما كان المستقبل مجهول وغير قابل للمعرفة اليقينية بالضرورة، فإن التفكير الاستراتيجى ينبغى أن يتسم بالمرونة، وبإمكانية التطوير لمواجهة المعطيات الجديدة والتى ربما لا تكون فى حساب المفكر الاستراتيجي فى البداية. ولما كان هذا التفكير يتعامل مع مستقبل غير معروف ينبغى أن يكون ضمن معطياته ومسلماته قصور المعرفة، فإن إحدى سمات هذا التفكير هى طرح الافتراضات والاحتمالات حول التهديدات المحتملة أو المتوقعة فى المستقبل مع تحديد أولوياتها فى حدود حجم المعارف والمعلومات المتاحة حالياً.

إذن أصبح على مراكز الدراسات الاستراتيجية بناء القدرة العلمية على التحسب لكل الاحتمالات الممكنة، والتقليل من عنصر المفاجأة التى يمكن أن تواجهها الدولة وصناع القرار فيها بحيث لا تتعرض الدولة لأنماط من التهديد أو المخاطر لم تكن تتوقعها أو تحسب حسابها. على نحو يهدد مصالحها الحيوية . ولا توجد نخبة حاكمة ترغب فى أن تجد نفسها فى هذا الموقف.

2- الدراسات المستقبلية :

يقصد بالدراسات المستقبلية السعى الفكرى المنظم وفقاً لمنهجية علمية للتعرف على الأشكال المختلفة التى يمكن أن يتخذها المستقبل بشأن ظاهرة من الظواهر الاجتماعية. أى معرفة الأشكال المختلفة والمتنوعة التى يمكن أن يتخذها هذا المستقبل.

ويترتب على هذا الفهم أن المستقبل ليس له صورة واحدة حتمية،وأنه ليس تطوراً خطياً للحاضر، بل أن المستقبل يمكن أن يفاجئنا، ويمكن للتطور الحاضر أن يأخذ صوراً وأشكالاً غير متوقعة، ويمكن للمستقبل أن يفرز قوى جديدة لا نعرفها بالضرورة اليوم أو أن يعيد تشكيل معالم القوى القائمة بالفعل على نحو جذرى. لذلك، فإن التفكير المستقبلى ينهض على منهج البدائل المحتملة والسيناريوهات البديلة للمستقبل. هو ينطلق- كما ذكرنا سلفاً- من مفهوم "ماذا...لو"، أى ما هى التصورات المختلفة للتطور إذا تغيرت مواصفات لحظة الانطلاق أو مرحلة البدء. ووفقاً لكل مجموعة من المواصفات تنتج تداعيات وتأثيرات.

وبهذا المعنى، فإن الدراسات المستقبلية هى دراسات تكاملية وشاملة وهى تقوم على ترابط الأنساق المعرفية والعمل العلمى الجماعى وإنشاء فرق بحثية تضمن عديداً من التخصصات العلمية. فإذا كانت العلوم الاجتماعية قد شهدت فى فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية تأكيد الاتجاه نحو التخصص الدقيق، والتركيز على قضايا محددة وهو ما أسماه المفكر الانجليزى توماس اليوت بالاتجاه نحو "ذرية " المعرفة، والذى أدى إلى تفكيك الظواهر والتمييز بينها على نحو افقدها معناها الكلى فى كثير من الأحيان، أما الآن وتحت تأثير الدراسات المستقبلية فإن الاتجاه هو العودة إلى الدراسات التكاملية والبينية فنتحدث عن اقتصاديات البيئة، وعن الطب الهندسى وغير ذلك من المجالات المعرفية الجديدة.

وهناك اتفاق بين جمهرة الباحثين على أن المستقبل هو صناعة بشرية ، وهو جهد علمى منظم وأن المستقبل سيكون على النحو الذى نعمل من أجله ونخطط له وأن إعمال العقل والفكر فى الصور المرغوبة لمستقبل كل مجتمع هو أمر ضرورى حتى لا تأتى الرياح بما لا تشتهيه السفن.

ويتطلب التعرف على صور المستقبل، والسعى لتحقيق صورة المستقبل المرغوب فيه، أن تقوم مراكز البحوث بإعداد ثلاثة أنواع من الخرائط الاجتماعية – السياسية:

الخريطة الأولى، هى خريطة الواقع بكل عناصره، ومن جميع زواياه وجوانبه، وذلك من خلال دراسة علمية وموضوعية، بحيث تكون هذه الخريطة بمثابة "صورة صادقة" عن الواقع، يتم فيها تحديد كل العناصر، وتسليط الأضواء على علاقات التفاعل فيما بينها، ورصد حركتها، وسرعة هذه الحركة، واتجاهها، والشكل الذى يمكن أن تتخذه هذه العناصر من تشابكات فى المستقبل، عبر فترات زمنية مختلفة.

والخريطة الثانية، هى خريطة المستقبل المستهدف والمرغوب فيه، وذلك من واقع الدراسة الموضوعية والمتأنية لمعطيات المجتمع، وللتحولات القائمة فى النظام العالمى، وما يطرحه من آثار وتداعيات. وكذا، للتغيرات المتوقعة فى الدول والمجتمعات المجاورة لهذا المجتمع، والتى تؤثر عليه.

أما الخريطة الثالثة؛ فإنه يتم الوصول إليها من خلال التكامل والربط بين الخريطتين السابقتين، وهى التى من خلالها يمكن تحديد السياسات الضرورية للانتقال من الخريطة الأولى إلى الثانية. فإذا كانت الخريطة الأولى ترسم صورة لحركة العناصر والقوى الاجتماعية فى وضعها الراهن، وإذا كانت الخريطة الثانية ترسم الصورة المستهدفة لهذه العناصر والقوى، فإن الخريطة الثالثة تحدد أنواع "التدخلات"Interventions المطلوبة، والقرارات التى ينبغى اتخاذها، للتأثير فى حركة تلك العناصر واتجاه القوى الاجتماعية، وصولاً إلى شكل المجتمع المطلوب.

لقد مثّل ازدياد الاهتمام بالدراسات المستقبلية والاستراتيجية دفعة كبرى لدور مراكز البحوث حيث تطلب إجراء هذه البحوث تعاون أعداد كبيرة من الباحثين فى مجالات معرفية متنوعة والتفاعل بينهم فى إطار فرق البحث. ويمكن أن نسوق فى هذا المجال من واقعنا العربى مشروع بحث "استشراف مستقبل الوطن العربى" الذى أشرف عليه مركز دراسات الوحدة العربية (بيروت)، ومشروع بحث "المستقبلات العربية البديلة" الذى أشرف عليه منتدى العالم الثالث (القاهرة)، ومشروع بحث "مستقبل التعليم فى الوطن العربى" الذى أشرف عليه منتدى الفكر العربى (الأردن).

ثالثاً : أدوار مراكز البحوث السياسية والاستراتيجية :

 تمثل مراكز البحوث والدراسات نقطة التقاء و"منطقة حوار" بين شركاء العقد الاجتماعى فى أى بلد وهم رجال الدولة والنخب السياسية من ناحية، ورجال الأعمال والقوى الاقتصادية من ناحية ثانية، ومؤسسات المجتمع المدنى من ناحية ثالثة.

يتمثل الدور الرئيسى لهذه المراكز فى عملية صناعة المعرفة والتى تتضمن ثلاثة أدوار رئيسية على النحو التالى:

الدور الأول: هو الإبداع وتوليد الأفكار والرؤى الجديدة. فمراكز البحوث السياسية بحكم وظيفتها وبتأثير القضايا التى تتعامل معها والسابق الإشارة إليها عند عرض مفهوم الدراسات الاستراتيجية والمستقبلية، يصبح على هذه المراكز مسئولة إعمال العقل وإطلاق الخيال فى الصور المحتملة للمواقف والمخاطر والسياسات والحلول حيث تعتبر هذه المراكز "قرون الاستشعار" لدرء المخاطر واستغلال الفرص، بحيث تحول إلى ما يشبه المرصد السياسي والاجتماعى، بعبارة أخرى ترى هذه المراكز الظواهر والمشكلات المستقبلية وتنبه إليها لأنها غير مرئية[3]. ويتطلب القيام بهذا الدور شيوع مناخ الحرية والشعور بالأمن لدى العاملين فى هذه المراكز حتى يستطيعون التفكير فى كل الاحتمالات واقتراح كل البدائل دون خوف أو وجل. ولعل أحد الدروس الهامة للقرن العشرين هو أن النظم السياسية التى قامت على سلب حريات الأفراد وحشدهم وتعبئتهم وفقاً لتصورات أيديولوجية والتى أنشأت مراكز بحوث لخدمة هذا الفكر انتهى الأمر بها إلى الذبول .. فالحريات الشخصية والاجتماعية هى شرط للإبداع وضرورة لقيام مراكز البحوث السياسية والاستراتيجية بدورها...

الدور الثانى : نشر الأفكار وترويجها لدى الرأى العام: فمراكز البحوث تسعى إلى تعريف الرأى العام بما وصلت إليه من نتائج وتفسيرات بهدف تنوير المجتمع وتبصيره بحقائق العالم الذى تعيش فيه. ويتم ذلك من خلال المحاضرات والندوات والكتب والمجلات ووسائل الإعلام المختلفة ومن شأن ذلك إتاحة الفرصة لردود الفعل واستجلاء وجهات النظر المختلفة حول هذه النتائج. وعبر ذلك تقوم مراكز البحوث بدورها فى إيجاد الاتفاق العام Consensu  فى المجتمع وتحديد ما هى النقاط التى يوجد اتفاق عام بشأنها وتلك التى تشهد اختلافات.

الدور الثالث : ترشيد عملية اتخاذ القرار وصنع السياسات العامة فكما ذكرنا من قبل، فإن هذه المراكز تسعى لتوظيف نتائج البحوث النظرية لحل المشكلات التى يواجهها المجتمع وذلك من خلال :

‌أ-تحديد الأولويات وذلك من خلال تحديد المركز لجدول أعماله البحثيةAgenda Setting  ويكون من شأن ذلك شد الاهتمام إلى موضوعات معينة فى مجال سياسة عامة ما (التعليم ، الصحة ، السكان، غيرها).

‌ب-اقتراح البدائل وطرح الخيارات: وذلك من خلال تحديد الحلول المختلفة والبدائل المتنوعة لحل مشكلة ما، وذلك بناء على تقييم السياسات والبرامج المطبقة.

‌ج-  تحديد التكلفة – العائد لكل بديل Cost – Benefit  وذلك من خلال تحديد التكلفة والموارد المطلوبة (المادية والبشرية والمعنوية) لتنفيذ كل بديل، وكذا طرح المكاسب المتوقعة على الآجال القصيرة والمتوسطة والبعيدة. بحيث يكون صانع السياسة على بينة من العواقب المترتبة على تبنية لبديل معين[4].

رابعاً : العلاقة مع الدولة والمجتمع: قضايا وتحديات

تختلف العلاقة بين مراكز البحوث وكل من هيئات الدولة والمجتمع وفقاً لطبيعة المركز، وشكل النظام الحاكم القائم ومدى ما يمنحه للمراكز البحثية من حرية أو استقلال.

وبصفة عامة، فإن المشكلة الأساسية التى تواجه مراكز البحوث فى أغلب دول العالم ، بما فى ذلك الدول الديموقراطية المستقرة، هى وجود فجوة بين مراكز البحوث من ناحية وصناع القرار من ناحية أخرى. تنبع هذه الفجوة من اعتبارات موضوعية ترتبط باختلاف دور متخذ القرار عن الباحث. فالمسئول الحكومى أو متخذ القرار عليه أن يتخذ القرار فى وقت محدد، وتحت ضغوط العجلة،وفى بعض الأحيان فى غياب كل المعلومات الممكنة عن الموضوع وخصوصاً فى ظروف الأزمات. وهو لا يتمتع برفاهية الباحث فى الاستمرار فى بحثه أو دراسته دون شعور بضغط الوقت . هذا الفارق الموضوعى يمكن أن يؤدى، مع عوامل أخرى إلى اتساع الفجوة. فكثير من متخذى القرار لديهم الاعتقاد بأن نتائج البحوث السياسية لا تفيدهم كثيراً، وأنه يغلب عليها الطابع النظرى دون أن يكون لها قيمة عملية واضحة وأن موضوعاتها ليست هى القضايا الأكثر عجلة أو إلحاحاً على صناع القرار.

من ناحية أخرى، فإن الباحثين يبررون عمومية التوصيات التى يخرجون بها بامتناع الأجهزة الحكومية عن تزويدهم بالبيانات والمعلومات الدقيقة اللازمة للوصول إلى نتائج قابلة للتطبيق، كما أنهم ينتقدون متخذى القرار بعدم تقديرهم للآثار والتداعيات المترتبة على اتخاذ قراراتهم[5](5). ويشعرون بأن بعض الجهات الحكومية لا تأخذ النتائج الذى يتوصلون إليها مأخذ الجد، وأن عديد من المسئولين لديهم الاعتقاد بأنهم يعرفون كل شئ وأنه ليس لدى مراكز البحوث ما تقدمه أو تضيفه إليهم.

على ضوء ما تقدم، يمكن تحديد أهم الموضوعات المرتبطة بتحديات وقضايا علاقات المراكز مع الدولة والمجتمع على النحو التالى:

1-  التسييس مع اتساع وانتشار مراكز الأبحاث والدراسات، اتسم بعض هذه المراكز بطابع أيديولوجى واضح مما أدى إلى "تسييسها". ومن الناحية المنهجية، لا يوجد ما يمنع أن يكون لمراكز البحوث تفضيلات وأولويات أيديولوجية وسياسية على نحو ما ذكرنا من قبل. وإنما المقصود "بالتسييس" أن يفقد مركز ما صفة الموضوعية وان يتم جمع البيانات بشكل انتقائى لخدمة وجهة نظر محددة سلفاً يضاف إلى ذلك أهمية انفتاح المركز على عناصر وآراء بحثية متنوعة حتى لا يقع باحثوه فى أسر أفكار نمطية "Group think" .

2-  التباين بين الاهتمامات البحثية لمراكز البحوث والاهتمامات العامة للدولة والمجتمع. فقد تهتم بعض مراكز البحوث بموضوعات لا تمثل أهمية عامة بسبب أولويات الجهات المانحة مما يؤدى إلى عدم الاهتمام بنتائج هذه البحوث وضعف الطلب الاجتماعى عليها. وليس المطلوب فى هذا المجال أن تلتزم مراكز البحوث فقط باهتمامات الحكومة، ولكن إذا توافقت اهتمامات الجماعة البحثية مع اهتمامات الحكومة فإن النتائج التى يتم الوصول إليها ستحظى باهتمام أكبر. ويكون لمراكز البحوث أن تهتم بموضوعات أخرى تعتقد فى أهميتها.

3-  عدم وجود قنوات اتصال واضحة بين مراكز البحوث وصانعى القرار: فقد لا يدرك صناع القرار فى موضوع ما وجود نتائج مهمة لبحوث جادة فى هذا الموضوع. وبالعكس، فإن المسؤولين عن مراكز البحوث قد لا تكون لديهم الآليات لتوصيل نتائج هذه البحوث إلى من يهمهم الأمر. 

4-  شكل المخرج البحثى(Research output) يلاحظ أن بعض إصدارات مراكز البحوث والدراسات لا تختلف كثيراً عن الكتب الأكاديمية التى تدرس فى الجامعات والمعاهد العلمية وبالتالى لا يستفيد منها صانع القرار لأنها قد لا تتضمن توصيات أو تكون هذه التوصيات عامة غير محددة أو غير قابلة للتنفيذ. ويفرض ذلك على مراكز البحوث أن تركز على تدريب باحثيها على كتابة policy paper.

5-  تنظيم العلاقة مع هيئات الدولة لا ينبغى أن يضعف اهتمامنا بعلاقة مراكز البحوث مع المجتمع وبالذات فى المجتمعات الديموقراطية التى لم تعد الحكومة فيها هى الفاعل الوحيد وإنما تزايد دور المجتمع ومؤسسات المجتمع المدنى فى التأثير على اختيار السياسات واتخاذ القرارات، والتى وفرت مساحة يُعتد بها لدور مراكز البحوث . فيمكن أن تكون هذه المراكز مرتبطة فى توجهها الفكرى بأحد الأحزاب أو التيارات السياسية الموجودة فى بلد ما ، وهناك مراكز بحثية أنشأها كبار رجال الأعمال . يترتب على ذلك أهمية التأكيد على أن مراكز البحوث عليها إقامة صلة مع كل من الدولة والمجتمع وهو ما تم شرحه لدى عرض أدوار هذه المراكز.

6-  أهمية تنظيم العلاقة بين مراكز البحوث ووسائل الإعلام وعلى نحو متوازن تقوم فيه أدوات الإعلام بإحاطة الرأى العام بنتائج البحوث ووجهات النظر المختلفة ، ولكن دون أن تصبح مراكز الأبحاث أسيرة اهتمامات وسائل الإعلام.. ففى ذلك خطر أن تصبح اهتمامات مراكز البحوث هى الأمور المتغيرة التى تشغل أجهزة الإعلام، أو أن يتم صياغة المنتج البحثى للمراكز بما يتواءم مع ما تتطلبه أجهزة الإعلام من تبسيط وتجزيئية واختزالية فى كثير من الأحيان مما يؤثر على القيمة العلمية والبحثية للدراسة.

7-  قضية تمويل مراكز البحوث وأهمية تنوع مصادر التمويل ما بين عام وخاص، وبين داخلى وخارجى بما يتيح لمراكز البحوث الحفاظ على أكبر درجة من استقلالها. وحتى لا تتأثر هذه المراكز بالأولويات البحثية للهيئات المانحة[6].

إن التركيز على القضايا المتعلقة بالصلة بين مراكز البحوث من ناحية، وهيئات الدولة والمجتمع من ناحية أخرى يجب ألا ينسينا أن هذه العلاقة تتم فى إطار سياق دولى جديد وهو العولمة؛ مما يطرح تحديات جديدة تتعلق بتأثير العولمة على جدول الأعمال والاهتمامات البحثية، وتأثيرها على عملية تصميم البحوث وتنفيذها ودور الجهات المانحة ومنظمات التمويل فى ذلك. أضف إلى ذلك إتاحة فرصة أكبر للتعاون بين مراكز بحثية من بلاد مختلفة ، ومن أمثلة ذلك تعاون عدد من مراكز البحوث فى دراسة موضوع الإصلاح العربى[7].

 1- د. إبراهيم عبد الله المطوف، التنسيق والتكامل بين مراكز البحث العلمى فى دول مجلس التعاون (نيقوسيا – قبرص: دلمون للنشر،1989).

2- انظر فى تعريف مراكز البحوث وتصنيفاتها المختلفة:

-Weaver, R. Kent, The Changing World of Think Tanks, Political Science and Politics, September 1989, p p563-578.

وكذلك:

-Mc Gann, James G., Think Tanks and Policy Advice in the United States (Philadelphia: Foreign Policy Research Institute, 2005) p p 4-10.

3- انظر نموذجاً لذلك فى تعاون عدد من المراكز البحثية العربية والأمريكية بشأن الإصلاح السياسى فى المنطقة العربية.

-Ibrahim, Ezzat, Arab and American Think Tanks : New Possibilities for Cooperation? New engines for reform? (Washington D.C.: The Brookings Institution, October 2004).

4- انظر معالجة قيمة لموقف عدد من علماء الاجتماع إزاء هذا الموضوع فى : د.هدى مجاهد، دور المراكز فى بحث القضايا الاجتماعية وترشيد السياسات، بحث مقدم إلى المؤتمر السنوى السابع للمركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية فى مصر فى موضوع: البحث الاجتماعى والجنائى فى مصر فى خمسين عاماً 1955-2005، ص ص 1-18.

وانظر أيضاً :

-Hjerppe, Reino, How the think- tanks can contribute to an effective policy making?, A Presentation in the International think-tank forum arranged by the economic and social Research Institute (ERSI), Nogoya University Japan, May 2005.

5- انظر فى نماذج هذه التحديات:

نحو دور مؤثر لمراكز البحوث والتفكير فى صنع السياسات فى مصر (القاهرة : المركز الدولى للدراسات المستقبلية والاستراتيجية ، 2004).

وكذلك:     

McGann, James G., op. cit., p p 22-27

6- انظر فى نماذج هذه التحديات:

نحو دور مؤثر لمراكز البحوث والتفكير فى صنع السياسات فى مصر (القاهرة : المركز الدولى للدراسات المستقبلية والاستراتيجية ، 2004).

وكذلك:                    

    McGann, James G., op. cit., p p 22-27.

7- انظر :

-Roberts , Brad; Stanton H. Brunett and Murray Weidenbaum, Think Tanks in a new world, The Washington Quarterly, Winter 1993, p p 169-182. -Xinhua, Wang, Trends towards globalization and a global think tank, Futures, April 1992, p p 261-267.

مجلة آراء حول الخليج