array(1) { [0]=> object(stdClass)#12053 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

خلايا نائمة في الخليج العربي.. لماذا التجاهل؟

الأربعاء، 01 كانون1/ديسمبر 2010

 تُعرف (الخلايا النائمة) بأنها الخلايا أو المجموعات المنظمة التي تعمل في الخفاء، وتـُستخدم من قبل الجهات المنتمية إليها أو التي تدين لها بالولاء الفكري أو العقائدي أو الأيديولوجي للقيام بمهام محددة داخل المجتمع الذي تعيش فيه. ومن المتعارف عليه أن مهام الخلايا النائمة تتجسد في أمرين: إما التجسس، وذلك بغرض جمع المعلومات سواء العسكرية أو الاجتماعية أو الاقتصادية أو غيرها لصالح الجهة المنتمية إليها، أو القيام بأعمال تخريبية كـ (نشر الفتن، ممارسة العنف، زعزعة الأمن والاستقرار، تكوين ميليشيات مسلحة والإضرار بالاقتصاد الوطني.. إلخ) لصالح الجهة نفسها.

كانت الفترات الأخيرة قد شهدت حواراً مملوءاً بالنقاش والجدال بين العامة والخاصة، بخاصة في ما يتعلق بوجود الخلايا الإيرانية في منطقة الخـليـج العربـيـة من عدمه، وكذلك في نوعية المهام والأعمال التي تقوم بها في حال وجودها. وقبل الخوض في قراءة دلالات وجودها من عدمه وطبيعة مهامها، ولماذا تدخل هذه الخلايا في دائرة غض الطرف الخليجي؟ يتعين أولاً التصديق على حقائق عدة مهمة.

أولاً: إن إيران تنتهج منذ ثورتها وإعلانها الجمهورية الإسلامية عام 1979م، أساليب عدة لتحقيق مبدأ رئيسي من مبادئ ثورتها الإسلامية، وهو (تصدير الثورة) أو ما يعرف بـ (المد الثوري) إلى دول الجوار.

ثانياً: إن الظروف والمتغيرات السياسية والعسكرية والاقتصادية الحاصلة في دول الخليج العربية الآن، لعبت دوراً كبيراً في إحداث تغيرات جوهرية بأسلوب عمل طهران إزاء المنطقة، بل حالت إلى حد كبير دون تنفيذ أهدافها كيفما خُطط لها.

ثالثاً: إن العمل الاستخباراتيأضحى بفضل التطور التكنولوجي، وانتشار الأقمار الصناعية، وسهولة الحصول على المعلومة، في غنى عن زرع خلايا تكون مهمتها استخباراتية معلوماتية فحسب، وبالتالي فتواجد الخلايا النائمة في دولة ما يُشير إلى مهام أخرى، مما يُنذر بحدوث اضطرابات داخل المجتمع.

رابعاً: الخلايا النائمة شديدة الخطورة، إذ ترتبط بمفهوم (الطابور الخامس) وهي أشد فتكاً من القوات العسكرية النظامية، لأنها  تمثل قوات سرية متخفية بملابس مدنية، كما أنه من الصعب معرفة عددها وعدتها وطرق تمويلها.

 والمتتبع الجيد لملف الخلايا الإيرانية في منطقة الخليج العربية، يُلاحظ أنها بمثابة خط دفاع رئيسي لإيران في مواجهة أي مخاطر أمريكية-إسرائيلية محتملة ضدها بسبب برنامجها النووي، فهي أداة من أدوات إيران الرئيسية في إدارة الصراع الإقليمي بمنطقة الخليج العربية، إذ تعتمد عليها طهران أكثر من أي مؤسسة نظامية أخرى في المنطقة لنشر أفكارها الثورية، واستخدامها ورقة ضغط في حال الهجوم العسكري عليها أو في حال التفكير بالهجوم عليها، وبالتالي لا يمكن الاستغراب أو التعجب من المكانة التي تحتلها هذه الخلايا والدعم المقدم لها، فإيران تقدم كافة أنواع الدعم لهذه الخلايا، بل تسعى إلى زيادة أعدادها، وتطويرها بما يتماشى ومتطلبات الظروف الحالية، إذ أوكلت ملف الخلايا بمنطقة الخليج العربية للحرس الثوري الإيراني، وهو ما أكدته تقارير عدة منها: تقرير للبحرية الأمريكية نشره موقع (سيكرسي نيوز) الإلكتروني، مفاده (أنه بعد إعادة تنظيم الجهاز العسكري الإيراني في بداية عام 2007م انتقلت مهمة مراقبة هذه المنطقة الاستراتيجية، أي منطقة الخليج العربية، إلى الحرس الثوري).

ويبدو أن فرضية وجود الخلايا من عدمه في منطقة الخليج العربية لا يمكن طرحها لأن حقيقة وجودها من المسلمات، إذ  تؤكدها العديد من المواقف، منها ما يلي:

* اعترافات السفير عادل الأسدي، الذي انشق عن النظام الإيراني عندما كان قنصلاً عاماً لبلاده في دبي عام 2003م، وطلب اللجوء السياسي في السويد، عن أمر هذه الخلايا النائمة الموجودة في دول الخليج العربية، والتي ترتبط بخيوط مع السفارات الإيرانية، وقوله إن تلك (الخلايا النائمة منتشرة في كل الدول الخليجية من دون استثناء).

* ما قامت به قوات (فيلق القدس الإيراني) عام 2006م وبإشراف من الحرس الثوري،  بتفعيل (فيلق الخليج) الذي سبق تشكيله على شكل كتائب تتخذ أسماء مختلفة منها (كتائب البحرين، كتائب المنطقة الشرقية بالسعودية، كتائب اليمن) ومن ثم إدخالهم في دورات تدريبية خارج إيران.

* ما عبر عنه مسؤول رفيع في الحرس الثوري الإيراني عام 2007م، عن استعداد (البسيج) للقيام بأعمال عنف في دول الخليج العربية، وهو نفس ما أكده الجنرال علي فداوي قائد القوات البحرية للحرس الثوري بقوله (يمكننا استخدام انتحاريين عند الضرورة).

* قرار المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، في سبتمبر 2008م بتحويل مسؤولية أمن الخليج من قوات البحرية التابعة للجيش الإيراني النظامي إلى قوات الحرس الثوري الإيراني التي زادت من أنشطتها في دول الخليج مستخدمة مجموعة من الأدوات أهمها الأداة الاقتصادية وتأسيس المشاريع الاستثمارية.

* ما قاله الخبير العسكري الإيراني محمد رضا جمشيدي في تصريحات لصحيفة (الوطن) السعودية إن إيران وطيلة الثلاثين عاماً الماضية تمكنت من بناء أكبر منظومة دفاعية تعتمد على القدرات المحلية، يؤكد أن إيران لها العديد من الموالين داخل أراضي دول الخليج العربية، ورغم نفيه بأن يكون لدى بلاده سيناريوهات لضرب دول المنطقة، فإنه شدد على القول إن إيران سترد على أي اعتداء من أي جهة ضمن إحداثياته الجغرافية والعسكرية.

* تصريحات مسؤولين كبار، مثل مصطفى محمد نجار، وزير الداخلية الإيراني، الذي قال عقب اعتقال عبدالملك ريجي زعيم تنظيم جند الله السني، المتهم بتدبير هجمات ضد مسؤولين في الحرس الثوري، (بأن المخابرات الإيرانية أضحت تهيمن على المنطقة).

* ما صرح به في وقت سابق يحيى رحيم صفوي مستشار المرشد الأعلى علي خامنئي، بأن بلاده تمتلك وزناً أكبر من كافة الدول المحيطة بها من الناحية الجيوسياسية،  وأنها مسؤولة عن دور مصيري بضمان أمن الخليج العربي وبحر عُمان ومضيق هرمز الذي يمر عبره ما بين 15 - 17 مليون برميل نفط يومياً.

ورغم ما تُشير إليه هذه الحقائق، وكذلك وضوح الرؤية أمام دول الخليج العربية بشأن الخلايا المزروعة داخلها، وأن الحرس الثوري الإيراني أمسك فعلياً بزمام أمور أمن الخليج، وأنه  أعاد صياغة مفهوم الخلايا النائمة وحوّلها إلى أوراق ضغط حقيقية في يده جاهزة للعمل وقتما أراد، ورغم ما تمتلكه هذه الدول من مقومات استخباراتية متطورة إلى حد كبير وقدرات فعلية تمكنها من السيطرة الكاملة على هذه الخلايا، فإن نشاطها حول الخلايا الإيرانية النائمة محدود ويكتنفه الغموض غير المبرر.

فالحكومات الخليجية لم تتخذ إجراءات فعلية ملموسة أو فاعلة لمعالجتها، بل تنفي وجودها أصلاً، إذ نفت مملكة البحرين المعلومات التي تناقلتها وسائل الإعلام حول علاقة إيران بالمجموعات التخريبية التي تم القبض عليها مؤخراً، وركزت مصادر جهاز الأمن البحرينية في حديث نشرته وكالة أنباء البحرين الرسمية يوم 24 أغسطس 2010م على أن الحديث عن وجود خلايا إيرانية (نائمة) داخل دول الخليج العربية، تستعد للقيام بعمليات تخريبية في حال تعرض إيران لضربة عسكرية، عارِ من الصحة، كما نفت أي علاقة بين العناصر التي تم إلقاء القبض عليها وإيران، رغم ما دلت التحقيقات عليه بأن هذه الشبكة لها علاقات خارجية مع شخصيات خارجة على القانون تدعو إلى ارتكاب الأعمال الإرهابية والتخريبية لنشر الفوضى والإساءة إلى سمعة البحرين واستهداف حياة الأبرياء وممتلكاتهم.

وكانت الكويت، قد نفت هي الأخرى، ما تناقلته بعض وسائل الإعلام حول تفكيك أجهزة تنصت على الحدود مع إيران، حيث تبين أنها أجهزة تابعة للشركة المالكة للأبراج، علماً بأن الشركة نفت في وقت سابق معرفتها بهذه الأجهزة التي وجدت كذلك على الأبراج في المناطق الحدودية الجنوبية البعيدة عن إيران.

ويرجع هذا الموقف – التجاهلي -  من قبل دولتي البحرين والكويت الخليجيتين، وكذلك الصمت السعودي إزاء الخلايا وعملها داخل أراضيه، إما إلى حساسية تعامل دول الخليج العربية بشكل عام مع كل ما يخص طهران، أو التحسب والحذر من أن تُقدم هذه الخلايا على تكرار أعمال العنف كما في السابق (أعمال العنف في البحرين عام 1994م، حيث اتهمت البحرين رسمياً نظام الملالي بمسؤوليته، أعمال العنف في الكويت فترة الثمانينات ومحاولة اغتيالهم حاكم الكويت واختطاف طائرة كويتية للضغط من أجل الإفراج عن سجناء شيعة، تفجيرات الحرم المكي في المملكة العربية السعودية عام 1988م)، أو أن دول الخليج العربية لا تمتلك المؤهلات والكوادر البشرية المدربة القادرة على الدخول في لعبة الاستخبارات، وإن صح هذا الأمر فإنه يرجع إلى قلة الخبرة البشرية ليس إلا.

وما حدث مؤخراً في كل من البحرين والكويت، حيث الكشف في الأولى عن تورط وزير دولة وآخرين من الشخصيات المهمة التي تعتلي مراكز عليا في المملكة في تهمة غسل أموال تقدر قيمتها بحوالي 32 مليون دولار لصالح الحرس الثوري الإيراني، ومن ثم في الكويت عن خلية تضم ستة عسكريين كويتيين في وزارة الدفاع، وعسكريين اثنين من فئة البدون، بالإضافة إلى لبنانيين اثنين ما زالا هاربين مشاركين في شبكة التجسس العاملة لمصلحة الحرس الثوري الإيراني بقصد رصد المنشآت الحيوية والعسكرية الكويتية، ومواقع وجود القوات الأمريكية في البلاد، أضف إلى ذلك التدخل الإيراني الواضح في الانتخابات الأخيرة التي جرت في الكويت، حيث مساعي الوساطة لتوحيد الطائفة الشيعة وحل الخلافات الداخلية، وينظر بعض المراقبين إلى هذا الأمر باعتباره عملية وضع يد إيرانية على شيعة الكويت في مواجهة مساعي السلطة لاحتوائهم وتقريبهم منها.

وتحمل الواقعتان دلالات عدة على تجديد الخلايا الإيرانية لمهامها في دول الخليج العربية، فخليتا البحرين والكويت وما تحتويهما من شخصيات ذات مراكز عليا، فمنهم وزير دولة، وعسكريون وغيرهم، تكشفان قدرة إيران على اختراق خلاياها الصفوف الأولى في دول الخليج العربية، كما أن توقيت كشفهما يقودنا إلى استنتاج علينا وضعه في الحسبان، وهو أن إيران من الممكن أن يكون لها دور في كشف الخليتين كنوع من جرس الإنذار لكل دول الخليج في حال وافقت على ضرب إيران.

وبخلاف القدرات على اختراق الصفوف الأولى في البلاد الموجودة فيها، فإن هناك تنامياً ملحوظاً في إمكانات الخلايا العددية، ورغم عدم وضوح الأعداد بصورة رسمية، حيث ما زال الغموض هو الدراما الأساسية لمسلسل الخلايا الإيرانية في منطقة الخليج العربية، فإن كل المؤشرات تشير إلى أن الخلايا تحوي في داخلها العشرات بل المئات، فهناك من يعد عضواً فاعلاً داخل هذه الخلايا وعليه واجبات معينة من الضروري الالتزام بها، وهؤلاء المُلزمون بأداء الواجبات أعدادهم من الممكن حصرها في الخلية الواحدة، ومن ناحية أخرى هناك من لا يعد عضواً في الخلايا وهؤلاء فاعلون أيضاً، لكن مهامهم تختلف كثيراً عن مهام الفاعلين، إذ إنهم مجرد أداة يتم تحريكها بحكم الانتماء الأيديولوجي لهم، وكذلك أعدادهم كبيرة لا يمكن حصرها.

ويبدو أن هؤلاء المنتمين للخلايا الأكثر خطورة لأنهم مغيبون عن الحقائق بصورة كاملة، وهم أيضاً مسؤولو الفوضى والتخريب عندما يأتي الأمر بإثارة الفوضى  (البحرين نموذجاً)، وغالباً من الصعب السيطرة عليهم من قبل سلطات البلد الموجودين فيه لأنهم كثر، وتكمن أيضاً أهمية هؤلاء في كونهم مصدراً لإنتاج الفاعلين الأعضاء.

ومن الواضح أن هناك تغيراً قد طرأ على طبيعة عمل هذه الخلايا لا بد من تداركه، خاصة بعد تحول العمل الاستخباراتي من جمع معلومات إلى تجنيد عناصر وتشكيل خلايا وتجمعات من شأنها تدمير وتخريب البلاد وتفكيكها من الداخل. وأخيراً إن جاز لي أن أختم بشيء، فهو التأكيد على أننا أمام ظاهرة هي الأخطر منذ قيام الثورة الإيرانية عام 1979م، فتشكيل خلايا نائمة في الدول الخليجية العربية من قبل إيران، واستخدامها كأوراق ضغط على النظم الحاكمة في هذه البلدان، يتطلبان الحذر الشديد ومحاولة إيجاد الحلول المناسبة للسيطرة عليها. 

مقالات لنفس الكاتب